بحارالانوار · المجلد التاسع
49 باب نادر في ذكر مذاهب الذين
ج ۳۶، ص ۴۱۸–۲۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
الامامية هم القائلون بوجوب الإمامة والعصمة ووجوب النص، وإنما حصل لها هذا الاسم في الأصل لجمعها في المقالة هذه الأصول، فكل من جمعها إمامي، وإن ضم إليها حقا في المذهب - كان - أم باطلا، ثم إن من شمله هذا الاسم واستحقه لمعناه قد افترقت كلمتهم في أعيان الأئمة وفي فروع ترجع إلى هذه الأصول وغير ذلك فأول من شذ عن الحق من فرق الامامية الكيسانية وهم أصحاب المختار، وإنما سميت بهذا الاسم لان المختار كان اسمه أولا الكيسان، وقيل: إنه سمي بهذا الاسم لان أباه حمله وهو صغير، فوضعه بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام قالوا: فمسح يده على رأسه وقال: كيس كيس، فلزمه هذا الاسم، وزعمت فرقة منهم أن محمد بن علي استعمل المختار على العراقين بعد قتل الحسين عليه السلام وأمره بالطلب بثاراته، وسماه كيسان لما عرف من قيامه ومذهبه، وهذه الحكايات في معنى اسمه في الكيسانية خاصة، وأما نحن فلا نعرف لم سمي بهذا ولا نتحقق معناه.
وقالت هذه الطائفة بإمامة أبي القاسم محمد بن أمير المؤمنين عليه السلام ابن خولة الحنفية، وزعموا أنه هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، وأنه حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر بالحق، وتعلقت في إمامته بقول أمير المؤمنين عليه السلام له يوم البصرة: أنت ابني حقا، وأنه كان صحاب رايته كما كان أمير المؤمنين عليه السلام صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان ذلك عندهم دليلا على أنه أولى الناس بمقامه، واعتلوا في أنه المهدي بقول النبي صلى الله عليه وآله: " لن تنقضي، الأيام والليالي حتى يبعث الله تعالى رجلا من أهل بيتي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا " قالوا: وكان من أسماء أمير المؤمنين عليه السلام عبد الله بقوله: " أنا عبد الله وأخو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتر " وتعلقوا في حياته أنه إذا ثبت إمامته بأنه القائم فقد بطل أن يكون الامام غيره، وليس يجوز أن يموت قبل ظهوره فتخلو الأرض من حجة، ولا بد على صحة هذه الأصول من حياته.
وهذه الفرقة بأجمعها تذهب إلى أن محمدا كان الامام بعد الحسن والحسين عليهما السلام وقد حكي عن بعض الكيسانية أنه كان يقول: إن محمدا كان الامام بعد أمير المؤمنين عليه السلام وبطل إمامة الحسن والحسين، ويقول: إن الحسن إنما دعا في باطن الدعوة إلى محمد بأمره! وإن الحسين ظهر بالسيف بإذنه، وإنهما كانا داعيين إليه وأميرين من قبله! وحكي عن بعضهم أن محمدا رحمة الله عليه مات وحصلت الإمامة من بعده في ولده، وأنها انتقلت من ولده إلى ولد العباس بن عبد المطلب، وقد حكي أيضا أن منهم من يقول: إن عبد الله بن محمد حي لم يمت وأنه القائم، وهذه حكاية شاذة، وقيل: إن منهم من يقول: إن محمدا قد مات وإنه يقوم بعد الموت وهو المهدي،
وينكر حياته، وهذا أيضا قول شاذ، وجميع ما حكينا بعد الأول من الأقوال هو حادث ألجأ القوم إليه الاضطرار عند الحيرة وفراقهم الحق، والأصل المشهور ما حكيناه من قول الجماعة المعروفة بإمامة أبي القاسم بعد أخويه عليهما السلام والقطع على حياته وأنه القائم، مع أنه لا بقية للكيسانية جملة، وقد انقرضوا حتى لا يعرف منهم في هذا الزمان أحد إلا ما يحكى ولا يعرف صحته.
وكان من الكيسانية أبو هاشم إسماعيل بن محمد الحميري رحمه الله، وله في مذهبهم أشعار كثيرة، ثم رجع عن القول بالكيسانية وبرئ منه ودان بالحق، لان أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام دعاه إلى إمامته وأبان له عن فرض طاعته، فاستجاب له وقال بنظام الإمامة، وفارق ما كان عليه من الضلالة، وله في ذلك أيضا شعر معروف، فمن بعض قوله في إمامة محمد ومذهب الكيسانية قوله:
ألا حي المقيم بشعب رضوى * وأهدله بمنزلة السلاما أضر بمعشر والوك منها * وسموك الخليفة والإماما وعادوا فيك أهل الأرض طرا * مقامك عندهم سبعين عاما لقد أضحى بمورق شعب رضوى * تراجعه الملائكة الكلاما وما ذاق ابن خولة طعم موت * ولا وارت له أرض عظاما وإن له بها لمقيل صدق * وأندية يحدثه الكراما وله أيضا - وقد روى عبد الله بن عطاء بن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال: أنا دفنت عمي محمد بن الحنفية ونفضت يدي من تراب قبره فقال -:
نبئت أن ابن عطاء روى * وربما صرح بالمنكر لما روى أن أبا جعفر * قال ولم يصدق ولم يبرر
دفنت عمي ثم غادرته * صفيح لبن وتراب ثرى ما قاله قط ولو قاله * قلت اتقاء من أبي جعفر وله عند رجوعه إلى الحق تجعفرت باسم الله والله أكبر * وأيقنت أن الله يعفو ويغفر ودنت بدين غير ما كنت دانيا * به ونهاني سيد الناس جعفر فقلت له له هبني تهودت برهة * وإلا فديني دين من يتنصر فلست بغال ما حييت وراجعا * إلى ما عليه كنت أخفي وأضمر ولا قائلا قولا لكيسان بعدها * وإن عاب جهال مقالي وأكبروا ولكنه عني مضى لسبيله * على أحسن الحالات يقفى ويؤثر وكان كثير عزة كيسانيا ومات على ذلك، وله في مذهب الكيسانية قوله:
ألا إن الأئمة من قريش * ولاة الحق أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه * هم الأسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط أيمان وبر * وسبط غيبته كربلاء وسبط لا يذوق الموت حتى * يقود الخيل يقدمها اللواء يغيب فلا يرى فيهم زمانا * برضوى عنده غيل وماء قال الشيخ أدام الله عزه: وأنا أعترض على أهل هذه الطائفة مع اختلافها في مذاهبها بما أدل به على فساد أقوالها بمختصر من القول وإشارة إلى معاني الحجاج دون استيعاب ذلك وبلوغ الغاية، إذ ليس غرضي القصد لنقض المذاهب الشاذة
النظام عن الإمامة في هذا الكتاب، وإنما غرضي حكايتها، فأحببت أن لا أخليها من رسم لمع من الحجج على ما ذكرت وبالله التوفيق.
مما يدل على بطلان قول الكيسانية في إمامة محمد رحمة الله عليه أنه لو كان على ما زعموا إماما معصوما يجب على الأمة طاعته، لوجب النص عليه أو ظهور العلم الدال على صدقه، إذ العصمة لا تعلم بالحس ولا تدرك من ظاهر الخلقة، وإنما تعلم بخبر علام الغيوب المطلع على الضمائر أو بدليله سبحانه على ذلك، وفي عدم النص على محمد من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو من أبيه عليه السلام أو من أخويه عليهما السلام أيضا دليل على بطلان مقال من ذهب إلى إمامته، وكذلك عدم الخبر المتواتر بمعجز ظهر عليه عند دعوته إلى إمامته أن لو كان ادعاها برهان على ما ذكرناه، مع أن محمدا لم يدع قط الإمامة لنفسه، ولا دعا أحدا إلى اعتقاد ذلك فيه، وقد كان سئل عن ظهور المختار وادعائه عليه أنه أمره بالخروج والطلب بثار الحسين عليه السلام وأنه أمره أن يدعو الناس إلى إمامته، عن ذلك وصحته، فأنكره وقال لهم: والله ما أمرته بذلك لكني لا أبالي أن يأخذ بثأرنا كل أحد، وما يسوؤني أن يكون المختار هو الذي يطلب بدمائنا، فاعتمد السائلون له على ذلك - وكانوا كثيرة قد رحلوا إليه لهذا المعنى بعينه على ما ذكره أهل السير - ورجعوا، فنصر أكثرهم المختار على الطلب بدم أبي عبد الله الحسين عليه السلام ولم ينصروه على القول بإمامة أبي القاسم، ومن قرأ الكتب وعرف الآثار وتصفح الاخبار وما جرى عليه أمر المختار لم يخف عليه هذا الفصل الذي ذكرناه، فكيف يصح القول بإمامة محمد مع ما وصفناه؟
فأما ما تعلقوا به فيما ادعوه من إمامته من قول أمير المؤمنين عليه السلام له يوم البصرة وقد أقدم بالراية: " أنت ابني حقا " فإنه جهل منهم بمعاني الكلام وعجرفة في النظر
والحجاج، وذلك أن النص لا يعقل من ظاهر هذا الكلام ولا من فحواه على معقول أهل اللسان، ولا من تأويله على شئ من اللغات، ولا فصل بين من ادعى أن الإمامة تعقل من هذا اللفظ وأن النص بها يستفاد منه وبين من زعم أن النبوة تعقل منه وتستفاد من معناه، إذ تعريه من الامرين جميعا على حد واحد.
فإن قال منهم قائل: إن أمير المؤمنين عليه السلام لما كان إماما وقال لابنه محمد: " أنت ابني حقا " دل بذلك على أنه إنما شبهه به في الإمامة لا غير وكان هذا القول منه تنبيها على استخلافه له على حسب ما رتبناه، قيل له: لم زعمت أنه لما أضافه إلى نفسه وشبهه بها دل على أنه أراد التشبيه له بنفسه في الإمامة دون غير هذه الصفة من صفاته عليه السلام وما أنكرت أنه أراد تشبيهه به في الصورة دون ما ذكرت؟ فإن قال: إنه لم يجر في تلك الحال ذكر الصورة ولا ما يقتضي أن يكون أراد تشبيهه به فيها بالإضافة التي ذكرها، فكيف يجوز حمل كلامه على ذلك؟ قيل له: وكذلك لم يجر في تلك الحال للإمامة ذكر فيكون إضافته له إلى نفسه بالذكر دليلا على أنه أراد تشبيهه به فيها.
على أن لكلامه عليه السلام معنى معقولا لا يذهب عنه منصف، وذلك أن محمدا لما حمل الراية ثم صبر حتى كشف أهل البصرة فأبان من شجاعته وبأسه ونجدته ما كان مستورا سر بذلك أمير المؤمنين عليه السلام فأحب أن يعظمه ويمدحه على فعله فقال له:
" أنت ابني حقا " يريد عليه السلام به أنك أشبهتني في الشجاعة والبأس والنجدة، وقيل
من أشتبه أباه فما ظلم، وقيل: إن من نعمة الله على العبد أن يشبه أباه ليصح نسبه، فكان الغرض المفهوم من قول أمير المؤمنين عليه السلام التشبيه لمحمد به في الشجاعة، والشهادة له بطيب المولد، والقطع على طهارته، والمدحة له بما تضمنه الذكر من إضافته، ولم يجر للإمامة ذكر ولا كان هناك سبب يقتضي حمل الكلام على معناها، ولا تأويله على فائدة يقتضيها، وإذا كان الامر على ما وصفناه سقطت شبهتهم في هذا الباب.
ثم يقال لهم: فإن أمير المؤمنين عليه السلام قال في ذلك اليوم بعينه في ذلك الموطن نفسه بعد أن قال لمحمد المقال الذي رويتموه للحسن والحسين عليهما السلام وقد رأى فيهما انكسارا عند مدحه لمحمد: " وأنتما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " فإن كان إضافة محمد رحمه الله إليه بقوله: " أنت ابني حقا " يدل على نصه عليه فإضافة الحسن والحسين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدل على أنه قد نص على نبوتهما! إذ كان الذي أضافهما إليه نبيا ورسولا وإماما، فإن لم يجب ذلك بهذه الإضافة لم يجب بتلك ما ادعوه، وهذا بين لمن تأمله.
وأما اعتمادهم على اعطائه الراية يوم البصرة وقياسهم إياه بأمير المؤمنين عليه السلام عندما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رايته فإن فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك وإعطاءه أمير المؤمنين عليه السلام الراية لا يدل على أنه الخليفة من بعده ، ولو دل على ذلك لزم أن يكون كل من حمل الراية في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منصوصا عليه بالإمامة! وكل صاحب راية كان لأمير المؤمنين عليه السلام مشارا إليه بالخلافة! وهذا جهل لا يرتكبه عاقل، مع أنه يلزم هذه الفرقة أن يكون محمد إماما للحسن والحسين عليهما السلام وأن لا تكون لهما إمامة البتة، لأنهما لم يحملا الراية وكانت الراية له دونهما، وهذا قول لا يذهب إليه إلا من شذ من الكيسانية على ما حكيناه، وقول أولئك ينتقض بالاتفاق على قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحسن والحسين: " ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا " وبالاتفاق على وصية أمير المؤمنين
إلى الحسن ووصية الحسن إلى الحسين عليهم السلام وبقيام الحسن عليه السلام بالإمامة بعد أبيه، ودعائه الناس إلى بيعته على ذلك، وبقيام الحسين عليه السلام من بعده وبيعة الناس له على الامر دون محمد حتى قتل، من غير رجوع من هذا القول، مع قول رسول الله صلى الله عليه وآله فيهما الدال على عصمتهما وأنهما لا يدعيان باطلا حيث يقول: " ابناي هذان سيدا شباب أهل الجنة ".
وأما تعلقهم بقول النبي صلى الله عليه وآله: " لن تنقضي الأيام والليالي حتى يبعث الله رجلا من أهل بيتي " إلى آخر الكلام فإن بإزائهم الزيدية يدعون ذلك في محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، وهم أولى به منهم، لان أبا محمد كان اسمه المعروف به عبد الله، وكان أمير المؤمنين اسمه عليا، وإنما انضاف إلى الله بالعبودية، وإن كان لاضافته في هذا الموضع معنى يزيد على ما ذكرناه، ليست بنا حاجة إلى الكشف عنه في حجاج هؤلاء القوم، مع أن الامامية الاثني عشرية أولى به في الحقيقة من الجميع، لان صاحبهم اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه وآله، وكنيته كنيته، وأبوه عبد من عبيد الله، وهم يقولون بالعصمة وجميع أصول الإمامة، ويضمون مع الأخبار الواردة بالنصوص على الأئمة، وينقلون فضائل من تقدم القائم من آبائه عليهم السلام ومعجزاتهم وعلومهم التي بانوا بها من الرعية، ولا يدفعون ضرورة من موت حي، ولا يقدمون على تضليل معصوم وتكذيب إمام عدل، والكيسانية بالضد مما حكيناه، فلا معتبر بتعلقهم بظاهر لفظ قد تحدثته الفرق، إذ المعتمد هو الحجة والبرهان ولم يأت القوم بشئ منه فيكون عذرا لهم فيما صاروا إليه.
وأما تعلقهم في حياته بما ادعوه من إمامته وبناؤهم على ذلك أنه القائم من آل محمد فإنا قد أبطلنا ذلك بما تقدم من مختصر القول فيه، فسقط بسقوطه وبطلانه، ومما يدل أيضا على فساده تواتر الخبر بنص أبي جعفر الباقر على ابنه الصادق عليهما السلام بالإمامة،
ونص الصادق على ابنه موسى، ونص موسى على علي، وبظاهر الخبر عمن ذكرناه بالعلوم الدالة على إمامتهم، والمعجزات المنبئة عن حقهم وصدقهم، مع الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله بالنص عليهم من حديث اللوح، وما رواه عبد الله بن مسعود ووصفه سلمان من ذكر أعيانهم وأعدادهم، وقد أجمع من ذكرناه بأسرهم والأئمة من ذريتهم وجميع أهل بيتهم على موت أبي القاسم، وليس يصح أن يكون اجماع هؤلاء باطلا، ويؤيد ذلك أن الكيسانية في وقتنا هذا لا بقية لهم ولا يوجد عدد منهم يقطع العذر بنقله، بل لا يوجد أحد منهم يدخل في جملة أهل العلم، بل لا نجد أحدا منهم جملة، وإنما مع الناس الحكاية عنهم خاصة، ومن كان بهذه المنزلة لم يجز أن يكون ما اعتمده من طريق الرواية حقا، لأنه لو كان كذلك لما بطلت الحجة عليه بانقراض أهله، وعدم تواترهم، فبان بما وصفناه أن مذهب القوم باطل لم يحتج الله به على أحد، ولا ألزمه اعتقاده على ما حكيناه.
قال الشيخ أدام الله عزه: ثم لم تزل الإمامة على القول بنظام الإمامة حتى افترقت كلمتها بعد وفاة أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام فقال فرقة منها: أن أبا عبد الله حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، لأنه القائم المهدي وتعلقوا بحديث رواه رجل يقال له عنبسة بن مصعب عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " إن جاءكم من يخبركم عني بأنه غسلني وكفنني ودفنني فلا تصدقوه " وهذه الفرقة تسمى الناووسية، وإنما سميت بذلك لان رئيسهم في هذه المقالة رجل من أهل البصرة يقال له عبد الله بن ناووس.
وقالت فرقة أخرى: إن أبا عبد الله عليه السلام توفي ونص على ابنه إسماعيل بن جعفر، وإنه الامام بعده، وهو القائم المنتظر، وإنما لبس على الناس في أمره لأمر رآه أبوه.
وقال فريق منهم: إن إسماعيل قد كان توفي على الحقيقة في زمن أبيه، غير أنه قبل وفاته نص على ابنه محمد، وكان الامام بعده، وهؤلاء هم القرامطة وهم المباركية، فنسبهم إلى القرامطة برجل من أهل السواد يقال له قرمطويه، ونسبهم إلى المباركية برجل يسمى المبارك مولى إسماعيل بن جعفر، والقرامطة أخلاف المباركية والمباركية سلفهم.
وقال فريق من هؤلاء: إن الذي نص على محمد بن إسماعيل هو الصادق عليه السلام دون إسماعيل، وكان ذلك الواجب عليه، لأنه أحق بالامر بعد أبيه من غيره، ولان الإمامة لا يكون في أخوين بعد الحسن والحسين، وهؤلاء الفرق الثلاث هم الإسماعيلية، وإنما سموا بذلك لادعائهم إمامة إسماعيل، فأما علتهم في النص على إسماعيل فهي أن قالوا: كان إسماعيل أكبر ولد جعفر، وليس يجوز أن ينص على غير الأكبر، قالوا: وقد أجمع من خالفنا على أن أبا عبد الله نص على إسماعيل، غير أنهم ادعوا أنه بدا لله فيه، وهذا قول لا نقبله منهم.
وقالت فرقة أخرى: إن أبا عبد الله توفي وكان الامام بعده محمد بن جعفر، واعتلوا في ذلك بحديث تعلقوا به، وهو أن أبا عبد الله على ما زعموا كان في داره جالسا فدخل عليه محمد وهو صبي صغير، فعدا إليه فكبا في قميصه ووقع لوجهه، فقام إليه أبو عبد الله فقبله ومسح التراب عن وجهه وضمه إلى صدره وقال: سمعت أبي يقول: إذا ولد لك ولد يشبهني فسمه باسمي، وهذا الولد شبيهي وشبيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى سنته، وهذه الفرقة تسمى السبطية لنسبتها إلى رئيس لها كان يقال له: يحيى بن أبي السبط.
وقالت فرقة أخرى: إن الامام بعد أبي عبد الله ابنه عبد الله بن جعفر، واعتلوا في ذلك بأنه كان أكبر ولد أبي عبد الله، وأن أبا عبد الله عليه السلام قال: الإمامة لا تكون إلا في الأكبر من ولد الامام! وهذه الفرقة تسمى الفطحية، وإنما سميت بذلك لان رئيسا لها يقال له عبد الله بن أفطح، ويقال: إنه كان أفطح الرجلين، ويقال:
بل كان أفطح الرأس، ويقال: إن عبد الله كان هو الأفطح.
قال الشيخ أدام الله عزه: فأما الناووسية فقد ارتكبت في إنكارها وفاة أبي عبد الله عليه السلام ضربا من دفع الضرورة وإنكار المشاهدة، لان العلم بوفاته كالعلم بوفاة أبيه من قبله، ولا فرق بين هذه الفرقة وبين الغلاة الدافعين لوفاة أمير المؤمنين عليه السلام وبين من أنكر مقتل الحسين عليه السلام ودفع ذلك وادعى أنه كان مشبها للقوم، فكل شئ جعلوه فصلا بينهم وبين من ذكرناه فهو دليل على بطلان ما ذهبوا إليه في حياة أبي عبد الله عليه السلام، وأما الخبر الذي تعلقوا به فهو خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا، ولو رواه ألف إنسان وألف ألف لما جاز أن يجعل ظاهره حجة في دفع الضرورات وارتكاب الجهالات بدفع المشاهدات، على أنه يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون هذا القول إنما صدر من أبي عبد الله عند توجهه إلى العراق ليؤمنهم من موته في تلك الأحوال، ويعرفهم رجوعه إليهم من العراق، ويحذرهم من قبول أقوال المرجفين به المؤدية إلى الفساد، ولا يجب أن يكون ذلك مستغرقا لجميع الأزمان، وأن يكون على العموم في كل حال، ويحتمل أن يكون أشار إلى جماعة علم أنهم لا يبقون بعده وأنه يتأخر عنهم فقال: " من جاءكم من هؤلاء " فقد جاء في بعض الأسانيد " من جاءكم منكم " وفي بعضها " من جاءكم من أصحابي " وهذا يقتضي الخصوص.
وله وجه آخر وهو أنه عنى بذلك كل الخلق ما سوى الإمام القائم من بعده لأنه ليس يجوز أن يتولى غسل الامام وتكفينه ودفنه إلا الإمام القائم مقامه عليه السلام إلا أن تدعو ضرورة إلى غير ذلك، فكأنه أنبأهم بأنه لا ضرورة تمنع القائم من بعده عن
تولي أمره بنفسه، وإذا كان الخصوص قد يكون في كتاب الله عز وجل مع ظاهر القول للعموم وجاز أن يخص القرآن ويصرف عن ظواهره على مذهب أصحاب العموم بالدلائل فلم لا جاز الانصراف عن ظاهر قول أبي عبد الله عليه السلام إلى معنى يلائم الصحيح ولا يحمل على وجه يفسد المشاهدات ويسد على العقلاء باب الضرورات، وهذا كاف في هذا الموضع إن شاء الله، مع أنه لا بقية للناووسية، ولم يكن في الأصل أيضا كثرة، ولا عرف منهم رجل مشهور بالعلم، ولا قرئ لهم كتاب، وإنما هي حكاية إن صحت فعن عدد يسير لم يبرز قولهم حتى اضمحل وانتقض، وفي هذا كفاية عن الإطالة في نقضه.
وأما ما اعتلت به الإسماعيلية من أن إسماعيل - رحمه الله - كان الأكبر وأن النص يجب أن يكون الأكبر فلعمري إن ذلك يجب إذا كان الأكبر باقيا بعد الوالد، فأما إذا كان المعلوم من حاله أنه يموت في حياته ولا يبقى بعده فليس يجب ما ادعوه، بل لا معنى للنص عليه، ولو وقع لكان كذبا، لان معنى النص أن المنصوص عليه خليفة الماضي فيما كان يقوم به، وإذا لم يبق بعده لم يكن خليفة، ويكون النص حينئذ عليه كذبا لا محالة، وإذا علم الله سبحانه أنه يموت قبل الأول وأمره باستخلافه كان الامر بذلك عبثا مع كون النص كذبا، لأنه لا فائدة فيه ولا غرض صحيح فبطل ما اعتمدوه في هذا الباب.
وأما ما ادعوه من تسليم الجماعة لهم حصول النص عليه فإنهم ادعوا في ذلك باطلا وتوهموا فاسدا من قبل أنه ليس أحد من أصحابنا يعترف بأن أبا عبد الله عليه السلام نص على ابنه إسماعيل، ولا روى راو ذلك في شاذ من الاخبار ولا في معروف منها، وإنما كان الناس في حياة إسماعيل يظنون أن أبا عبد الله ينص عليه لأنه أكبر أولاده، وبما كانوا يرونه من تعظيمه، فلما مات إسماعيل زالت ظنونهم وعلموا أن الإمامة في غيره فتعلق هؤلاء المبطلون بذلك الظن وجعلوه أصلا، وادعوا أنه قد وقع النص، وليس معهم في ذلك خبر ولا أثر يعرفه أحد من نقلة الشيعة، وإذا كان
معتمدهم على الدعوى المجردة عن البرهان فقد سقط بما ذكرناه.
فأما الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام من قوله: " ما بدا لله في شئ كما بدا له في إسماعيل " فإنها على غير ما توهموه أيضا من البداء في الإمامة، وإنما معناها ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " إن الله عز وجل كتب القتل على ابني إسماعيل مرتين، فسألته فيه فرقا، فما بدا له في شئ كما بدا له في إسماعيل " يعني به ما ذكره من القتل الذي كان مكتوبا فصرفه عنه بمسألة أبي عبد الله عليه السلام فأما الإمامة فإنه لا يوصف الله عز وجل بالبداء فيها وعلى ذلك إجماع فقهاء الإمامية، ومعهم فيه أثر عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: " مهما بدا لله في شئ فلا يبدو له في نقل نبي عن نبوته ولا إمام عن إمامته ولا مؤمن قد أخذ عهده بالايمان عن إيمانه " وإذا كان الامر على ما ذكرناه فقد بطل أيضا هذا الفصل الذي اعتمدوه وجعلوه دلالة على نص أبي عبد الله عليه السلام على إسماعيل.
فأما من ذهب إلى إمامة محمد بن إسماعيل بنص أبيه عليه فإنه منتقض القول فاسد الرأي، من قبل أنه إذا لم يثبت لإسماعيل إمامة في حياة أبي عبد الله عليه السلام لاستحالة وجود إمامين بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في زمان واحد لم يجز أن يثبت إمامة محمد، لأنها تكون حينئذ ثابتة بنص غير إمام، وذلك فاسد في النظر الصحيح.
وأما من زعم بأن أبا عبد الله عليه السلام نص على محمد بن إسماعيل بعد وفاة أبيه فإنهم لم يتعلقوا في ذلك بأثر، وإنما قالوه قياسا على أصل فاسد، وهو ما ذهبوا إليه من حصول النص على أبيه إسماعيل، فزعموا أن العدل يوجب بعد موت إسماعيل النص على ابنه لأنه أحق الناس به، وإذا كنا قد بينا عن بطلان قولهم فيما ادعوا من النص على إسماعيل فقد فسد أصلهم الذي بنوا عليه الكلام، على أنه لو ثبت ما ادعوه من نص أبي عبد الله على ابنه إسماعيل لما صح قولهم في وجوب النص على محمد ابنه من بعده، لان الإمامة والنصوص ليستا موروثتين على حد ميراث الأموال ولو كانت كذلك
لاشترك فيها ولد الامام، وإذا لم تكن موروثة وكانت إنما تجب لمن له صفات مخصوصة ومن أوجبت المصلحة إمامته فقد بطل أيضا هذا المذهب.
وأما من ادعى إمامة محمد بن جعفر، عليه السلام بعد أبيه فإنهم شذاذ جدا، قالوا بذلك زمانا مع قلة عددهم وإنكار الجماعة عليهم، ثم انقرضوا حتى لم يبق منهم أحد يذهب إلى هذا المذهب، وفي ذلك بطلان مقالتهم، لأنها لو كانت حقا لما جاز أن يعدم الله تعالى أهلها كافة حتى لم يبق منهم من يحتج بنقله، مع أن الحديث الذي رووه لا يدل على ما ذهبوا إليه لو صح وثبت، فكيف وليس هو حديثا معروفا ولا رواه محدث مذكور، وأكثر ما فيه عند ثبوت الرواية أنه خبر واحد وأخبار الآحاد لا يقطع على الله عز وجل بصحتها، ولو كان صحيحا أيضا لما كان من متضمنه دليل الإمامة، لان مسح أبي عبد الله التراب عن وجه ابنه ليس بنص عليه في عقل ولا سمع ولا عرف ولا عادة. وكذلك ضمه إلى صدره، وكذلك قوله: " إن أبي أخبرني أن سيولد لي ولد يشبهه، وإنه أمره بتسميته باسمه، وإنه أخبره أنه يكون على سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ولا في مجموع هذا كله دلالة على الإمامة في ظاهر قول وفعل ولا في تأويله، وإذا لم يكن في ذلك دلالة على ما ذهبوا إليه بان بطلانه، مع أن محمد بن جعفر خرج بالسيف بعد أبيه ودعا إلى إمامته، وتسمى بإمرة المؤمنين! ولم يتسم بذلك أحد ممن خرج من آل أبي طالب، ولا خلاف بين أهل الإمامة أن من تسمى بهذا الاسم بعد أمير المؤمنين عليه السلام فقد أتى منكرا، فكيف يكون هذا على سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لولا أن الراوي لهذا الحديث قد وهم فيه أو تعمد الكذب.
وأما الفطحية فإن أمرها أيضا واضح، وفساد قولها غير خاف ولا مستور عمن تأمله، وذلك أنهم لم يدعوا نصا من أبي عبد الله عليه السلام على عبد الله، وإنما عملوا على ما رووه من أن
الإمامة تكون في الأكبر، وهذا حديث لم يرو قط إلا مشروطا، وهو أنه قد ورد أن الإمامة تكون في الأكبر ما لم تكن به عاهة، وأهل الإمامة القائلون بإمامة موسى عليه السلام متواترون بأن عبد الله كان به عاهة في الدين، لأنه كان يذهب إلى مذهب المرجئة الذين يقفون في علي عليه السلام وعثمان، وأن أبا عبد الله عليه السلام قال وقد خرج من عنده عبد الله: " هذا مرجئ كبر " وأنه دخل عليه يوما وهو يحدث أصحابه فلما رآه سكت حتى خرج، فسئل عن ذلك فقال: أو ما علمتم أنه من المرجئة؟ هذا مع أنه لم يكن له من العلم ما يتخصص به من العامة، ولا روي عنه شئ من الحلال والحرام، ولا كان بمنزلة من يستفتى في الاحكام، وقد ادعى الإمامة بعد أبيه فامتحن بمسائل صغار فلم يجب عنها ولا تأتى للجواب، فأي علة أكثر مما ذكرناه تمنع من إمامة هذا الرجل؟ مع أنه لو لم يكن علة تمنع من إمامته لما جاز من أبيه صرف النص عنه، ولو لم يكن قد صرفه عنه لأظهر فيه، ولو أظهره لنقل وكان معروفا في أصحابه، وفي عجز القوم عن التعلق بالنص عليه دليل على بطلان ما ذهبوا إليه.
قال الشيخ أدام الله عزه: ثم لم تزل الامامية بعد من ذكرناه على نظام الإمامة حتى قبض موسى بن جعفر عليهما السلام فافترقت بعد وفاته فرقا، قال جمهورهم بإمامة أبي الحسن الرضا عليه السلام ودانوا بالنص عليه وسلكوا الطريقة المثلى في ذلك، وقال جماعة منهم بالوقف على أبي حسن موسى عليه السلام، وادعوا حياته وزعموا أنه هو المهدي المنتظر وقال فريق منهم: أنه قد مات وسيبعث وهو القائم بعده، واختلفت الواقفة في الرضا عليه السلام ومن قام من آل محمد بعد أبي الحسن موسى عليه السلام فقال بعضهم: هؤلاء خلفاء أبي الحسن وأمراؤه وقضاته إلى أوان خروجه، وإنهم ليسوا بأئمة وما ادعوا الإمامة قط، وقال الباقون: إنهم ضالون مخطؤون ظالمون، وقالوا في الرضا عليه السلام خاصة قولا عظيما، وأطلقوا تكفيره وتكفير من قام بعده من ولده! وشذت فرقة ممن كان على الحق إلى
قول سخيف جدا، فأنكروا موت أبي الحسن وحبسه وزعموا أن ذلك كان تخييلا للناس! وادعوا أنه حي غائب وأنه هو المهدي، وزعموا أنه استخلف على الامر محمد بن بشير مولى بني أسد، وذهبوا إلى الغلو والقول بالاتحاد، ودانوا بالتناسخ.
واعتلت الواقفة فيما ذهبت إليه بأحاديث رووها عن أبي عبد الله عليه السلام منها أنهم حكوا عنه أنه لما ولد موسى بن جعفر عليه السلام دخل أبو عبد الله عليه السلام على حميدة البربرية أم موسى عليه السلام فقال لها: يا حميدة بخ بخ حل الملك في بيتك، قالوا: وسئل عن اسم القائم فقال: اسمه اسم حديدة الحلاق، فيقال: لهذه الفرقة ما الفرق بينكم وبين الناووسية الواقفة على أبي عبد الله عليه السلام والكيسانية الواقفة على أبي القاسم بن الحنفية، والمفوضة المنكرة لوفاة أبي عبد الله الحسين الدافعة لقتله، والسبأية المنكرة لوفاة أمير المؤمنين عليه السلام المدعية حياته، والمحمدية النافية لموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتدينة بحياته؟ وكل شئ راموا به كسر مذاهب من عددناه فهو كسر لمذاهبهم ودليل على إبطال مقالتهم.
ثم يقال لهم فيما تعلقوا به من الحديث الأول: ما أنكرتم أن يكون الصادق عليه السلام أراد بالملك الإمامة على الخلق وفرض الطاعة على البشر وملك الأمر والنهي؟
وأي دليل في قوله لحميدة: " حل الملك في بيتك " على أنه نص على أنه القائم بالسيف؟ أما سمعتم الله تعالى يقول: " فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما " وإنما أراد ملك الدين والرئاسة على العالمين، وأما قوله: وقد سئل عن القائم فقال: اسمه اسم حديدة الحلاق فإنه إن صح ذلك - على أنه غير معروف -
فإنما أشار به إلى القائم بالإمامة بعده، ولم يشر إلى القائم بالسيف، وقد علمنا أن كل إمام فهو قائم بالامر بعد أبيه، فأي حجة فيما تعلقوا به لولا عمى القلوب؟ على أنه يقال لهم: ما الدليل على إمامة أبي الحسن موسى عليه السلام؟ وما البرهان على أن أباه نص عليه؟ فبأي شئ تعلقوا في ذلك واعتمدوا عليه أريناهم بمثله إمامة الرضا عليه السلام وثبوت النص من أبيه عليه السلام، وهذا ما لا يجدون منه مخلصا.
وأما من زعم أن الرضا عليه السلام ومن بعده كانوا خلفاء أبي الحسن موسى عليه السلام ولم يدعوا الامر لأنفسهم فإنه قول مباهت لا يفكر في دفعه بالضرورة، لان جميع شيعة هؤلاء القوم وغير شيعتهم من الزيدية الخلص ومن تحقق بالنظر يعلم يقينا أنهم كانوا ينتحلون الإمامة، وأن الدعاة إلى ذلك خاصتهم من الناس، ولا فصل بين هذه في بهتها وبين الفرقة الشاذة من الكيسانية فيما ادعوه من أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا خلفاء محمد، وأن الناس لم يبايعوهما على الإمامة لأنفسهم! وهذا قول وضوح فساده يغني عن الاطناب فيه.
وأما البشيرية فإن دليل وفاة أبي الحسن وإمامة الرضا عليهما السلام وبطلان الحلول والاتحاد ولزوم الشرائع وفساد الغلو والتناسخ يدل بمجموع ذلك وبآحاده على فساد ما ذهبوا إليه.
قال الشيخ أدام الله عزه: ثم إن الامامية استمرت على القول بأصول الإمامة طول أيام أبي الحسن الرضا عليه السلام فلما توفي وخلف ابنه أبا جعفر عليه السلام وله عند وفاة أبيه سبع سنين اختلفوا وتفرقوا ثلاث فرق: فرقة مضت على سنن القول في الإمامة ودانت
بإمامة أبي جعفر عليه السلام ونقلت النص عليه، وهم أكثر الفرق عددا، وفرقة ارتدت إلى قول الواقفة ورجعوا عما كانوا عليه من إمامة الرضا عليه السلام، وفرقة قالت بإمامة أحمد بن موسى وزعموا أن الرضا عليه السلام كان وصى إليه ونص بالإمامة عليه، واعتل الفريقان الشاذان عن أصل الإمامة بصغر سن أبي جعفر عليه السلام وقالوا: ليس يجوز أن يكون الامام صبيا لم يبلغ الحلم فيقال لهم ما سوى الراجعة إلى مذاهب الوقف كما قيل للواقفة: دلوا بأي دليل شئتم إلى إمامة الرضا عليه السلام حتى نريكم بمثله إمامة أبي جعفر عليه السلام، وبأي شئ طعنتم على نقل النص على أبي جعفر عليه السلام، فإن الواقفة تطعن بمثله في نقل النص على أبي الحسن الرضا عليه السلام ولا فصل في ذلك.
على أن ما اشتبه عليهم من جهة سن أبي جعفر فإنه بين الفساد، وذلك أن كمال العقل لا يستنكر لحجج الله مع الصغر السن، قال الله عز وجل: " قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا " فخبر عن المسيح بالكلام في المهد، وقال في قصة يحيى: " وآتيناه الحكم صبيا " وقد أجمع جمهور الشيعة مع سائر من خالفهم على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا عليا صغير السن، ولم يدع من الصبيان غيره، وباهل بالحسن والحسين عليهما السلام وهما طفلان، ولم ير مباهل قبله ولا بعده باهل بالأطفال، وإذا كان الامر على ما ذكرناه من تخصيص الله تعالى حججه على ما شرحناه بطل ما تعلق به هؤلاء القوم، على أنهم إن أقروا بظهور المعجزات عن الأئمة عليهم السلام وخرق العادات لهم وفيهم بطل أصلهم الذي اعتمدوا في إنكار إمامة أبي جعفر عليه السلام، وإن أبوا ذلك لحقوا بالمعتزلة في إنكار المعجزات إلا على الأنبياء عليهم السلام،
وكلموا بما يكلم به إخوانهم من أهل النصب، وهذا المقدار يكفي بمشيئة الله في نقض ما اعتمدوه بما حكيناه.
قال الشيخ أدام الله عزه: ثم ثبتت الامامية القائلون بإمامة أبي جعفر عليه السلام بأسرها على القول بإمامة أبي الحسن علي بن محمد عليه السلام من بعد أبيه، ونقل النص عليه إلا فرقة قليلة العدد شذوا عن جماعتهم، فقالوا بإمامة موسى بن محمد أخي أبي الحسن علي بن محمد عليه السلام، ثم إنهم لم يثبتوا على هذا القول إلا قليلا حتى رجعوا إلى الحق، ودانوا بإمامة علي بن محمد، ورفضوا القول بإمامة موسى بن محمد، وأقاموا جميعا على إمامة أبي الحسن عليه السلام، فلما توفي تفرقوا بعد ذلك فقال الجمهور منهم بإمامة أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام ونقلوا النص وأثبتوه، وقال فريق منهم: الامام بعد أبي الحسن محمد بن علي أخو أبي محمد، وزعموا أن أباه عليا نص عليه في حياته، وهذا محمد كان قد توفي في حياة أبيه، فدفعت هذه الفرقة وفاته، وزعموا أنه لم يمت وأنه حي، وهو الإمام المنتظر! وقال نفر من الجماعة شذوا أيضا عن الأصل أن الامام بعد محمد بن علي بن محمد بن علي بن موسى أخوه جعفر بن علي، وزعموا أن أباه نص عليه بعد محمد، وأنه قائم بعد أبيه، فيقال لهذه الفرقة الأولى: لم زعمتم أن الامام بعد أبي الحسن ابنه محمد؟ وما الدليل على ذلك؟ فان ادعوا النص طولبوا بلفظه والحجة عليه، ولن يجدوا لفظا يتعلق به في ذلك ولا تواترا يعتمدون عليه، لأنهم أنفسهم من الشذوذ، والقلة على حد ينفي عنهم التواتر القاطع للعذر في العدد، مع أنهم قد انقرضوا فلا بقية لهم، وذلك مبطل أيضا ما ادعوه، ويقال لهم في ادعاء حياته ما قيل للكيسانية والناووسية والواقفة، ويعارضون بمن ذكرناه فلا يجدون فصلا،
فأما أصحاب جعفر فأمرهم مبني على إمامة محمد، وإذا سقط قول هذا الفريق لعدم الدلالة على صحته وقيامها على إمامة أبي محمد عليه السلام فقد بان فساد ما ذهبوا إليه.
قال الشيخ أدام الله عزه: ولما توفي أبو محمد الحسن بن علي عليه السلام افترق أصحابه بعده - على ما حكاه أبو محمد الحسن بن موسى رحمه الله - أربع عشرة فرقة، فقال الجمهور منهم بإمامة القائم المنتظر، وأثبتوا ولادته، وصححوا النص عليه، وقالوا: هو سمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومهدي الأنام، واعتقدوا أن له غيبتين إحداهما أطول من الأخرى، فالأولى منهما هي القصرى، وله فيها الأبواب والسفراء، ورووا عن جماعة من شيوخهم وثقاتهم أن أباه الحسن عليه السلام أظهره لهم وأراهم شخصه، واختلفوا في سنه عند وفاة أبيه، فقال كثير منهم: كان سنه إذ ذاك خمس سنين، لان أباه توفي سنة ستين ومائتين، وكان مولد القائم سنة خمس وخمسين ومائتين، وقال بعضهم: بل كان مولده سنة اثنتين وخمسين ومائتين وكان سنه عند وفاة أبيه ثمان سنين، وقالوا: إن أباه لم يمت حتى أكمل الله عقله وعلمه الحكمة وفصل الخطاب، وأبانه من سائر الخلق بهذه الصفة، إذ كان خاتم الحجج ووصي الأوصياء وقائم الزمان، واحتجوا في جواز ذلك بدليل العقل من حيث ارتفعت إحالته ودخل تحت القدرة لقوله تعالى في قصة عيسى: " ويكلم الناس في المهد وكهلا " وفي قصة يحيى " وآتيناه الحكم صبيا " وقالوا: إن صاحب الامر حي لم يمت ولا يموت ولو بقي ألف عام حتى يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما
وجورا، وأنه يكون عند ظهوره شابا قويا في صورة أبناء نيف وثلاثين سنة، وأثبتوا ذلك في معجزاته، وجعلوه في جملة دلائله وآياته.
وقالت فرقة ممن دانت بإمامة الحسن: إنه حي لم يمت، وإنما غاب وهو القائم المنتظر.
وقالت فرقة أخرى: إن أبا محمد مات وعاش بعد موته، وهو القائم المهدي، واعتلوا في ذلك بخبر رووه أن القائم إنما سمي بذلك لأنه يقوم بعد الموت.
وقالت فرقة أخرى: إن أبا محمد توفي لا محالة، وأن الإمامة من بعده أخوه جعفر بن علي، واعتلوا في ذلك بالرواية عن أبي عبد الله عليه السلام " إن الامام هو الذي لا يوجد منه ملجأ إلا إليه " قالوا: فلما لم نر للحسن ولدا ظاهرا التجأنا إلى القول بامامة جعفر أخيه!
ورجعت فرقة ممن كانت تقول بإمامة الحسن عن إمامته عند وفاته، وقالوا:
لم يكن إماما وكان مدعيا مبطلا! وأنكروا إمامة أخيه محمد، وقالوا: الإمام جعفر بن علي بنص أبيه عليه، قالوا: وإنما قلنا بذلك لان محمد مات في حياة أبيه والامام لا يموت في حياة أبيه، وأما الحسن فلم يكن له عقب، والامام لا يخرج من الدنيا حتى يكون له عقب.
وقالت فرقة أخرى: إن الإمام محمد بن علي أخو الحسن بن علي، ورجعوا عن إمامة الحسن وادعوا حياة محمد بعد أن كانوا ينكرون ذلك!
وقالت فرقة أخرى: إن الامام بعد الحسن ابنه المنتظر وأنه علي بن الحسن، وليس كما يقول القطعية أنه محمد بن الحسن، وقالوا بعد ذلك بمقال القطعية في الغيبة والانتظار حرفا بحرف.
وقالت فرقة أخرى: إن القائم ابن الحسن ولد بعد أبيه بثمانية أشهر، وهو المنتظر، وأكذبوا من زعم أنه ولد في حياة أبيه.
وقالت فرقة الأخرى: إن أبا محمد مات عن غير ولد ظاهر ولكن عن حبل من بعض جواريه، والقائم من بعد الحسن محمول به وما ولدته أمه بعد، وأنه يجوز أنها تبقى مائة سنة حاملا! فإذا ولدته ظهرت ولادته.
وقالت فرقة أخرى: إن الإمامة قد بطلت بعد الحسن وارتفعت الأئمة، وليس في أرض حجة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم! وإنما الحجة الأخبار الواردة عن الأئمة المتقدمين عليهم السلام، وزعموا أن ذلك سائغ إذا غضب الله على العباد فجعله عقوبة لهم.
وقالت فرقة أخرى: إن محمد بن علي أخا الحسن بن علي كان الامام في الحقيقة مع أبيه علي، وأنه لما حضرته الوفاة وصى إلى غلام له يقال له نفيس، وكان ثقة أمينا، ودفع إليه الكتب والسلاح، ووصاه أن يسلمه إلى أخيه جعفر، فسلمه إليه، وكانت الإمامة في جعفر بعد محمد على هذا الترتيب.
وقالت فرقة أخرى: قد علمنا أن الحسن كان إماما، فلما قبض التبس الامر علينا، فلا ندري أجعفر كان الامام من بعده أم غيره، والذي يجب علينا أن نقطع أنه لابد من إمام ولا نقدم على القول بإمامة أحد بعينه حتى تبين لنا ذلك.
وقالت فرقة أخرى: إن الامام بعد الحسن ابنه محمد وهو المنتظر، غير أنه قد مات وسيحيا، يقوم بالسيف فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.
وقالت الفرقة الرابعة عشر منهم: إن أبا محمد كان الامام بعد أبيه، وإنه لما حضرته الوفاة نص على أخيه جعفر بن علي بن محمد بن علي، وكان الامام من بعده بالنص عليه والوارثة له، وزعموا أن الذي دعاهم إلى ذلك ما يجب في العقول من
وجوب الامام مع فقدهم لولد الحسن وبطلان دعوى من ادعى وجوده فيما زعموا من الامامية.
قال الشيخ أدام الله عزه: وليس من هؤلاء الفرق التي ذكرناها فرقة موجودة في زماننا هذا وهو من سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة إلا الامامية الاثنا عشرية القائلة بإمامة ابن الحسن، المسمى باسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، القاطعة على حياته وبقائه إلى وقت قيامه بالسيف حسب ما شرحناه فيما تقدم عنهم، وهم أكثر فرق الشيعة عددا وعلما، ومتكلمون نظار وصالحون عباد متفقهة وأصحاب حديث وأدباء وشعراء وهم وجه الامامية ورؤساء جماعتهم والمعتمد عليهم في الديانة، ومن سواهم منقرضون لا يعلم أحد من الأربع عشر فرقة التي قدمنا ذكرها ظاهرا بمقاله ولا موجودا على هذا الوصف من ديانته، وإنما الحاصل منهم خبر عمن سلف، وأراجيف بوجود قوم منهم لا يثبت.
وأما الفرقة القائلة بحياة أبي محمد عليه السلام فإنه يقال لها: ما الفصل بينك وبين الواقفة والناووسية؟ فلا يجدون فصلا.
وأما الفرقة التي زعمت أن أبا محمد عاش من بعد موته وهو المنتظر فإنه يقال لها: إذا جاز أن تخلو الدنيا من إمام حي يوما فلم لا جاز أن يخلو منه سنة؟ وما الفرق بين ذلك وبين أن تخلو أبدا من إمام؟ وهذا خروج عن مذهب الإمامية، وقول بمذهب الخوارج والمعتزلة، ومن صار إليه من الشيعة كلم كلام الناصبة ودل على وجوب الإمامة. ثم يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون الحسن عليه السلام ميتا لا محالة ولم يعش بعد وسيعيش، وهذا نقض مذاهبهم، فأما ما اعتلوا به من أن القائم إنما سمي بذلك
لأنه يقوم بعد الموت فإنه يحتمل أن يكون أريد به بعد موت ذكره، دون أن يكون المراد به موته في الحقيقة بعدم الحياة منه، على أنهم لا يجدون بهذا الاعتلال بينهم وبين الكيسانية فرقا، مع أن الرواية قد جاءت بأن القائم إنما سمي بذلك لأنه يقوم بدين قد اندرس، ويظهر بحق كان مخفيا، ويقوم بالحق من غير تقية تعتريه في شئ منه، وهذا يسقط ما ادعوه.
وأما الفرقة التي زعمت أن جعفر بن علي هو الامام بعد أخيه الحسن عليه السلام فإنهم صاروا إلى ذلك من طريق الظن والتوهم، ولم يوردوا خبرا ولا أثرا يجب النظر فيه، ولا فصل بين هؤلاء القوم وبين من ادعى الإمامة بعد الحسن عليه السلام لبعض الطالبيين، واعتمد على الدعوى والتعرية من البرهان، فأما ما اعتلوا به من الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام أن الامام هو الذي لا يوجد منه ملجأ إلا إليه فإنه يقال لهم فيه: ولم زعمتم أنه لا ملجأ إلا إلى جعفر؟ ولم أنكرتم أن يكون الملجأ هو ابن الحسن الذي نقل جمهور الامامية النص عليه؟ فإن قالوا: لا يجب ذلك إلا إذا قامت الدلالة على وجوده مع أنه لا يجب أن نثبت وجود من لم نشاهده قلنا لهم: ولم لا يجب ذلك إذا قامت الدلالة على وجوده؟ مع أنه لا يجب أن يثبت الإمامة لمن لا نص عليه ولا دليل على إمامته، على أن هذه العلة يمكن ان يعتل بها كل من يدعي الإمامة لرجل من آل أبي طالب بعد الحسن عليه السلام ويقول: إنما قلت ذلك لأنني لم أجد ملجأ إلا إليه.
وأما الفرقة الراجعة عن إمامة الحسن والمنكرة لامامة أخيه محمد فإنها تحج بدليل إمامة الحسن من النص والتواتر عن أبيه، ويطالب بالدلالة على إمامة علي بن محمد عليهما السلام فكل شئ اعتمدوه في ذلك فهو العمدة عليهم فيما أبوه من إمامة الحسن عليه السلام،
فأما إنكارهم لامامة محمد بن علي أخي الحسن فقد أصابوا في ذلك ونحن موافقوهم في صحة، وأما اعتلالهم بصوابهم في الرجوع عن إمامة الحسن عليه السلام وأنه ممن مضى ولا عقب له فهو اعتماد على التوهم، لان الحسن قد أعقب المنتظر، والأدلة على إمامته أكثر من أن تحصى، وليس إذا لم نشاهد الامام بطلت إمامته، ولا إذا لم يدرك وجوده حسا واضطرارا ولم يظهر للخاصة والعامة كان ذلك دليلا على عدمه.
وأما الفرقة الأخرى الراجعة عن إمامة الحسن عليه السلام إلى إمامة أخيه محمد فهي كالتي قبلها، والكلام عليها نحو ما سلف، مع أنهم أشد بهتا ومكابرة، لأنهم أنكروا إمامة من كان حيا بعد أبيه، وظهرت عنه من العلوم ما يدل على فضله على الكل، وادعوا إمامة رجل مات في حياة أبيه ولم يظهر منه علم ولا من أبيه نص عليه، بعد أن كانوا يعترفون بموته! وهؤلاء سقاط جدا.
وأما الفرقة التي اعترفت بولد الحسن عليه السلام وأقرت بأنه المنتظر إلا أنها زعمت أنه علي وليس بمحمد فالخلاف بيننا وبين هؤلاء في الاسم دون المعنى، والكلام لهم خاصة، فيجب أن يطالبوا بالأثر في الاسم، فإنهم لا يجدونه، والاخبار منتشرة في أهل الإمامة وغيرهم أن اسم القائم عليه السلام اسم رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يكن في أسماء رسول الله علي، ولو ادعوا أنه أحمد لكان أقرب إلى الحق، وهذا القدر كاف فيما يحتج به على هؤلاء.
وأما الفرقة التي زعمت أن القائم ابن الحسن عليه السلام وأنه ولد بعد أبيه بثمانية أشهر وأنكروا أن يكون ولد في حياة أبيه فإنه يحتج عليهم بوجوب الإمامة من جهة العقول، وكل شئ يلزم المعتزلة وأصناف الناصبة يلزم هذه الفرقة مما ذهبوا إليه من جواز خلو العالم من وجود إمام حي كامل ثمانية أشهر، لأنه لا فرق بين الثمانية والثمانين، على أنه يقال لهم: لم زعمتم ذلك؟ أبالعقل قلتموه أم بالسمع؟ فإن
ادعوا العقل أحالوا في القول، لان العقل لا مدخل له في ذلك، وإن ادعوا السمع طولبوا بالأثر فيه ولن يجدوه، وإنما صاروا إلى هذا القول من جهة الظن والترجم بالغيب، والظن لا يعتمد عليه في الدين.
وأما الفرقة الأخرى التي زعمت أن الحسن عليه السلام توفي عن حمل القائم وإنه لم يولد بعد فهي مشاركة للفرقة المتقدمة لها في إنكار الولادة، وما دخل على تلك داخل على هذه، ويلزمها من التجاهل ما يلزم تلك لقولها: إن حملا يكون مائة سنة، إذا كان هذا مما لم تجربه عادة ولا جاء به أثر من أحد من سائر الأمم ولم يكن له نظير، وهو وإن كان مقدورا لله عز وجل فليس يجوز أن يثبت إلا بعد الدليل الموجب لثبوته، ومن اعترف به من حيث الجواز فأوجبه يلزمه إيجاب وجود كل مقدور، حتى لا يأمن لعل المياه قد استحالت ذهبا وفضة! وكذلك الأشجار، ولعل كل كافر من العالم إذا نام مسخه الله عز وجل قردا وكلبا وخنزيرا من حيث لا يشعر به! ثم يعيده إلى الانسانية، ولعل بالبلاد القصوى فيما لا نعرف خبره نساء يحبلن يوما ويضعن من غده (9)! وهذا كله جهل وضلال فتحه على نفسه من اعترف بخرق العادة من غير حجة، واعتمد على جواز ذلك في المقدور.
وأما الفرقة التي زعمت أن الإمامة قد بطلت بعد الحسن عليه السلام فإن وجوب الإمامة بالعقل يفسد قولها، وقول الله عز وجل: " يوم ندعو كل أناس بإمامهم "
وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " وقول أمير المؤمنين عليه السلام: " اللهم إنك لا تخلي الأرض من حجة لك على خلقك إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا كيلا تبطل حججك وبيناتك " وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضا:
" في كل خلف من أمتي عدل من أهل بيتي، ينفي عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين " وأما تعلقهم بقول الصادق عليه السلام: " إن الله لا يخلي الأرض من حجة إلا أن يغضب على أهل الدنيا " فالمعنى في ذلك أنه لا يخليها من حجة ظاهرة، بدلالة ما قدمناه.
وأما الفرقة التي زعمت أن محمد بن علي كان إماما مع أبيه وأنه وصى إلى غلام له يقال له: نفيس وأعطاه السلاح والكتب وأمره أن يدفعه إلى جعفر فإن الذي قدمناه على الإسماعيلية من الدليل على بطلان إمامة إسماعيل بوفاته في حياة أبيه يكسر قول هذه الفرقة، ويزيده بيانا أن وصي الامام لا يكون إلا إماما، ونفيس غلام محمد لم يكن إماما، ويبطل إمامة جعفر عدم الدلالة على إمامة محمد، ودليل بطلان إمامته أيضا ما ذكرناه من وفاته في حياة أبيه.
وأما الفرقة التي أقرت بإمامة الحسن ووقفت بعده واعتقدت أنه لابد من إمام ولم يعنوا على أحد فالحجة عليهم النقل الصادق بإمامة المنتظر والنص من أبيه عليه، وليس هذا موضعه فنذكره على النظام.
وأما الفرقة التي أقرت بالمنتظر وأنه ابن الحسن وزعمت أن قد مات وسيحيا ويقوم بالسيف فإن الحجة عليها ما يجب من وجود الامام وحياته وكماله، وكونه
حيث يسمع الاختلاق ويحفظ الشرع، وبدلالة أنه لا فرق بين موته وعدمه.
وأما الفرقة التي اعترفت بأن أبا محمد الحسن بن علي عليه السلام كان الامام بعد أبيه وادعت أنه لما حضرته الوفاة نص على أخيه جعفر بن علي واعتلوا في ذلك بأن زعموا أن دعوى من ادعى النص على ابن الحسن عليه السلام باطلة والعقل يوجب الإمامة فلذلك اضطروا إلى القول بإمامة جعفر فإنه يقال لم زعمتم أن نقل الامامية النص من الحسن على ابنه باطل؟ وما أنكرتم أن يكون حقا؟ لقيام الدلالة على وجوب الإمامة وثقة الناقلين وعلامة صدقهم بصفات الغيبة، والخبر فيها عما يكون قبل كونه، ويكون النقلة لذلك خاصة أصحاب الحسن والسفراء بينه وبين شيعته ، ولفساد إمامة جعفر لما كان عليه من الظاهر مما يضار صفات الإمامة من نقصان العلم وقلة المعرفة وارتكاب القبائح والاستخفاف بحقوق الله عز وجل في مخلفات أخيه، مع عدم النص عليه لفقد أحد من الخلق روى ذلك أو يأثره عن أحد من آبائه أو من أخيه خاصة، فإذا كان الامر على ما ذكرناه فقد سقط ما تعلق به هذا الفريق أيضا، على أنه لا فصل بين هؤلاء القوم وبين من ادعى إمامة بعض الطالبيين واعتل بعلتهم في وجوب الإمامة وفساد قول الإمامية وزعمهم فيما يدعونه من النص على ابن الحسن عليه السلام وإذا كان لا فصل بين القولين وأحدهما باطل بلا خلاف فالآخر في البطلان والفساد مثله.
فهذه - وفقكم الله - جملة كافية فيما قصدناه ونحن نشرح هذه الأبواب والقول فيها على الاستقصاء والبيان في كتاب نفرده بعد، والله ولي التوفيق وإياه نستهدي إلى سبيل الرشاد.
بيان: الغيل بالكسر ويفتح: الشجر الكثير الملتف. والعجرفة: جفوة في الكلام وقال الجوهري: فطحه فطحا: جعله عريضا، ويقال: رأس مفطح أي عريض، ورجل أفطح بين الفطح أي عريض الرأس.
[ومحمد بن بشير كان من أصحاب الكاظم عليه السلام ثم غلا وادعى الألوهية له عليه السلام والنبوة لنفسه من قبله! ولما توفي موسى عليه السلام قال بالوقف عليه وقال: إنه قائم بينهم موجود كما كان، غير أنهم محجوبون عنه وعن إدراكه، وإنه هو القائم المهدي، وإنه في وقت غيبته استخلف على الأمة محمد بن بشير وجعله وصيه، وأعطاه خاتمه، وأعلمه جميع ما تحتاج إليه رعيته من أمر دينهم ودنياهم، وكان صاحب شعبدة ومخاريق، وكانت عنده صورة قد عملها وأقامها شخصا كأنه صورة أبي الحسن عليه السلام من ثياب الحرير، قد طلاها بالأدوية وعالجها بحيل عملها فيها حتى صارت شبيهة بصورة إنسان، فيريها الناس ويريهم من طريق الشعبدة أنه يكلمه ويناجيه، وكانت عنده أشياء عجيبة من صنوف الشعبدة، فهلك بها جماعة حتى رفع خبره إلى بعض الخلفاء، وتقرب إليه بمثل ذلك، ثم قتل. وتبرأ الله موسى عليه السلام ولعنه ودعا عليه وقال: أذاقه الله حر الحديد وقتله أخبث ما يكون من قتله، فاستجيب دعاؤه عليه السلام وسيأتي أحواله في المجلد الحادي عشر.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.