بحارالانوار · المجلد الثامن
13 - باب علة قعودة عليه السلام عن قتال من تأمر عليه من الأولين، وقيامه إلى قتال من بغى عليه من الناكثين والقاسطين والمارقين، وعلة إمهال الله من تقدم عليه، وفيه
ج ۲۹، ص ۴۵۶–۴۷۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
كنا عند أبي العباس بن سابور المكي فأجرينا حديث أهل الردة، فذكرنا خولة الحنيفة ونكاح أمير المؤمنين عليه السلام لها فقال: أخبرني عبد الله بن الخير الحسيني، قال: بلغني أن الباقر محمد بن علي عليهما السلام - قال -: كان جالسا ذات يوم إذ جاءه رجلان، فقالا: يا أبا جعفر! ألست القائل أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يرض بإمامة من تقدمه؟. فقال: بلى. فقالا له: هذه خولة الحنيفة نكحها من سبيهم ولم يخالفهم على أمرهم مذ حياتهم (5)؟!. فقال الباقر عليه السلام: من فيكم يأتيني بجابر عن عبد الله؟ - وكان محجوبا قد كف بصره - فحضر وسلم على الباقر عليه السلام فرد عليه وأجلسه إلى جانبه، فقال له: يا جابر! عندي رجلان ذكرا أن أمير المؤمنين رضي بإمامة من تقدم عليه، فاسألهما ما الحجة في ذلك؟ فسألهما فذكرا له حديث خولة، فبكى جابر حتى اخضلت لحيته بالدموع، ثم قال: والله - يا مولاي - لقد خشيت أن أخرج من الدنيا ولا أسأل عن هذه المسألة، والله إني كنت جالسا إلى جنب أبي بكر - وقد سبى بني حنيفة مع مالك بن نويرة من قبل خالد بن الوليد - وبينهم جارية مراهقة - فلما
دخلت المسجد قالت: أيها الناس! ما فعل محمد صلى الله عليه وآله؟ قالوا:
قبض. قالت: هل له بنية فقصدها (1)؟ قالوا: نعم هذه تربته وبنيته. فنادت وقالت: السلام عليك يا رسول الله - صلى الله عليه وآله - أشهد أنك تسمع صوتي وتقدر على رد جوابي، وإننا سبينا من بعدك، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمدا رسول الله.. ثم جلست فوثبت إليها رجلان نم المهاجرين أحدهما طلحة والآخر الزبير وطرحا عليها ثوبيهما. فقالت: ما بالكم - يا معاشر الاعراب - تغيبون حلائلكم وتهتكون حلائل غيركم؟. فقيل لها: لأنكم قلتم لا نصلي ولا نصوم ولا نزكي (7)؟ فقال لها الرجلان اللذان طرحا ثوبيهما: إنا لغالون في ثمنك. فقالت: أقسمت بالله وبمحمد رسول الله صلى الله عليه وآله إنه لا يملكني ويأخذ رقبتي إلا من يخبرني بما رأت أمي وهي حاملة بي؟ وأي
شئ قالت لي عند ولادتي؟ وما العلامة التي بيني وبينها؟ وإلا بقرت بطني بيدي فيذهب ثمني ويطالب بدمي. فقالوا لها: اذكري رؤياك حتى نعبرها لك.
فقالت: الذي يملكني هو أعلم بالرؤيا مني؟.. فأخذ طلحة والزبير ثوبيهما وجلسوا، فدخل أمير المؤمنين عليه السلام وقال: ما هذا الرجف في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله؟! فقالوا: يا أمير المؤمنين امرأة حنفية حرمت ثمنها على المسلمين وقالت: من أخبرني بالرؤيا التي رأت أمي وهي حاملة بي يملكني. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما ادعت باطلا، أخبروها تملكوها. فقالوا: يا أبا الحسن! ما منا من يعلم، أما علمت أن ابن عمك رسول الله صلى الله عليه وآله قد قبض وأخبار السماء قد انقطعت من بعده. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أخبرها بغير اعتراض منكم (5)؟ قالوا: نعم. فقال عليه السلام: يا حنفية! أخبرك وأملكك؟ فقالت: من أنت أيها المجتري دون أصحابه؟ فقال:
أنا علي بن أبي طالب. فقالت: لعلك الرجل الذي نصبه لنا رسول الله صلى الله عليه وآله في صبيحة يوم الجمعة بغدير خم علما للناس؟. فقال: أنا ذلك الرجل.
قالت: من أجلك نهبنا، ومن نحوك أتينا، لان رجالنا قالوا لا نسلم صدقات أموالنا ولا طاعة نفوسنا إلا لمن نصبه محمد صلى الله عليه وآله فينا وفيكم علما.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن أجركم غير ضائع، وإن الله يوفي كل نفس ما
عملت من خير. ثم قال: يا حنفية! ألم تحمل بك أمك في زمان قحط قد منعت السماء قطرها، والأرضون نباتها، وغارت العيون والأنهار حتى أن البهائم كانت ترد المرعى فلا تجد شيئا، وكانت أمك تقول لك انك حمل مشوم في زمان غير مبارك، فلما كان بعد تسعة أشهر رأت في منامها كأن قد وضعت بك، وأنها تقول: إنك حمل مشوم في زمان غير مبارك، وكأنك تقولين: يا أمي لا تتطيرن بي فإني حمل مبارك أنشأ منشأ مباركا صالحا، ويملكني سيد، وارزق منه ولدا يكون للحنفية عزا ، فقالت: صدقت. فقال عليه السلام: إنه كذلك وبه أخبرني ابن عمي رسول الله صلى الله عليه وآله. فقالت: ما العلامة التي بيني وبين أمي؟. فقال لها: لما وضعتك كتبت كلامك والرؤيا في لوح من نحاس وأودعته عتبة الباب، فلما كان بعد حولين عرضته عليك فأقررت به، فلما كان بعد ست سنين عرضته عليك فأقررت به، ثم جمعت بينك وبين اللوح وقالت لك:
يا بنية إذا نزل بساحتكم سافك لدمائكم، وناهب لأموالكم، وساب لذراريكم، وسبيت فيمن سبي، فخذي اللوح معك واجتهدي أن لا يملكك من الجماعة إلا من عبرك بالرؤيا وبما في هذا اللوح. فقالت: صدقت... يا أمير المؤمنين (ع)، ثم قالت: فأين هذا اللوح؟ فقال: هو في عقيصتك، فعند ذلك دفعت اللوح إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فملكها
والله يا أبا جعفر بما ظهر من حجته وثبت من بينته، فلعن الله من اتضح له الحق ثم جحد حقه وفضله، وجعل بينه وبين الحق سترا.
بيان: الرجف: الزلزلة والاضطراب الشديد، والعقيصة: الشعر المنسوج على الرأس عرضا.
47 - الفضائل، الروضة: بالاسناد.. يرفعه إلى ابن عباس قال: ما حسدت عليا عليه السلام بشئ مما سبق من سوابقه بأفضل من شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: يا معاشر قريش! أنتم كفرتم فرأيتموني في كتيبة أضرب بها وجوهكم، فأتى جبرئيل عليه السلام فغمزه وقال: يا محمد! قل إن شاء الله أو علي بن أبي طالب، فقال محمد: إن شاء الله أو علي بن أبي طالب.
48 - الفضائل، الروضة: بالاسناد.. يرفعه إلى أبي الأسود الدؤلي، عن عمه، عن النبي صلى الله عليه وآله: قال: نزلت هذه الآية: [فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون] بعلي بن أبي طالب، بذلك أخبرني جبرئيل عليه السلام.
49 - الفضائل، الروضة: بالاسناد.. يرفعه إلى سلمان الفارسي والمقداد وأبي ذر
قالوا: إن رجلا فاخر عليا عليه السلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي! فاخر أهل الشرق والغرب والعرب والعجم فأنت أقربهم نسبا، وابن عمك رسول الله صلى الله عليه وآله، وأكرمهم نفسا، وأعلاهم رفعة، وأكرمهم ولدا، وأكرمهم أخا، وأكرمهم عما، وأعظمهم حلما، وأقدمهم سلما، وأكثرهم علما، وأعظمهم عزا في نفسك ومالك، وأنت أقرأهم لكتاب الله عز وجل وأعلاهم نسبا، وأشجعهم قلبا في لقاء الحرب، وأجودهم كفا، وأزهدهم في الدنيا، وأشدهم جهادا، وأحسنهم خلقا، وأصدقهم لسانا، وأحبهم إلى الله وإلي، وستبقي بعدي ثلاثين سنة تعبد الله وتصبر على ظلم قريش لك، ثم تجاهد في سبيل الله إذا وجدت أعوانا تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ثم تقتل شهيدا تخضب لحيتك من دم رأسك، قاتلك يعدل قاتل ناقة صالح في البغضاء لله والبعد من الله. يا علي! إنك من بعدي مغلوب مغصوب تصبر على الأذى في الله وفي محتسبا أجرك غير ضائع، فجزاك الله عن الاسلام خيرا.
50 - تفسير فرات بن إبراهيم: الحسين بن محمد بن مصعب - معنعنا - عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان علي بن أبي طالب عليه السلام يقول في حياة النبي صلى الله عليه وآله: إن الله تعالى يقول في كتابه: [أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم..]، والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه، ومن أولى به مني وأنا أخوه ووارثه وابن عمه عليه السلام.
51 - تفسير فرات بن إبراهيم: جعفر بن محمد الفرازي، عن محمد بن الحسين بن عمر، عن محمد بن عبد الله بن مهران قال: أردت زيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام مع أبي عبد الله عليه السلام فلما صرنا في الطريق إذا شيخ قد عارضنا عليه ثياب حسان. فقال: لم لم يقاتل أمير المؤمنين.. فلانا وفلانا؟ فقال له عليه السلام:
لمكان آية في كتاب الله، قال: وما هي؟ قال: قوله: [لو تزيلوا لعذبنا...] الآية كان أمير المؤمنين عليه السلام قد علم أن في أصلاب المنافقين قوما من المؤمنين فعند ذلك لم يقتلهم ولم يستسبهم. قال: ثم التفت فلم أر أحدا.
52 - تفسير فرات بن إبراهيم: عبيد بن كثير معنعنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي! كيف أنت إذا رأيت أزهد الناس في الآخرة، ورغبوا في الدنيا، وأكلوا التراث أكلا لما، وأحبوا المال حبا جمعا واتخذوا دين الله دغلا، ومال الله دولا؟ قال: قلت: أتركهم وما اختاروا، وأختار الله ورسوله والدار الآخرة وأصبر على مصائب الدنيا ولاواتها
حتى ألقاك إن شاء الله. قال: فقال: هديت، اللهم افعل به ذلك.
53 - وقال أبو عبد الله عليه السلام نزلت الآية: [يا أيتها النفس المطمئنة..] في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
54 - نهج البلاغة: من خطبة له عليه السلام: ولعمري ما علي من قتال من خالف الحق، وخابط الغي من إدهان ولا إيهان، فاتقوا الله عباد الله وفروا إلى الله من الله وامضوا في الذي نهجه لكم وقوموا بما عصبه بكم، فعلي ضامن لفلجكم آجلا إن لم تمنحوه عاجلا.
بيان: قيل: إنما قال عليه السلام ذلك في رد قول من قال: إن مصانعته عليه السلام لمحاربيه ومخالفيه ومداهنتهم أولى من محاربتهم.
قوله عليه السلام: وخابطا الغي.. ذكر المخابطة هنا للمبالغة لكونه من الجانبين.
والادهان: المصانعة.
ونهجه: أوضحه.
قوله عليه السلام: عصبه بكم.. أي ناطه وربطه بكم، وجعله
كالعصابة التي تشد بها الرأس.
والمنحة: العطية.
55 - كتاب سليم بن قيس الهلالي: قال: كنا جلوسا حول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وحوله جماعة من أصحابه فقال له قائل: يا أمير المؤمنين! لو استنفرت الناس؟. فقام وخطب فقال: أما إني قد استنفرتكم فلم تنفروا، ودعوتكم فلم تسمعوا، فأنتم شهود كغياب، وأحياء كأموات، وصم ذوو أسماع، أتلو عليكم الحكمة وأعظكم بالموعظة الشافية الكافية، وأحثكم على جهاد أهل الجور، فما آتي على آخر كلامي حتى أراكم متفرقين حلقا شتى تتناشدون الاشعار، وتضربون الأمثال، وتسألون عن سعر التمر واللبن، تبت أيديكم! لقد دعوتكم إلى الحرب والاستعداد لها وأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها، شغلتموها بالأباطيل والأضاليل، أغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، وأيم الله ما أظن أن تفعلوا حتى يفعلوا، ثم وددت أني قد رأيتهم فلقيت الله على بصيرتي ويقيني، واسترحت من مقاساتكم وممارستكم، فما أنتم إلا كإبل جمة ضل راعيها، فكلما ضمت من جانب انتشرت من جانب، كأني بكم والله فيما أرى لو قد حمس الوغى واحمر الموت قد انفرجتم
عن علي بن أبي طالب انفراج الرأس وانفراج المرأة عن قبلها لا تمنع عنها.
قال الأشعث بن قيس: فهلا فعلت كما فعل ابن عفان؟!. فقال: أو كما فعل ابن عفان رأيتموني فعلت! أنا عائذ بالله من شر ما تقول، يا بن قيس! والله إن التي فعل ابن عفان لمخزاة لمن لا دين له ولا وثيقة معه، فكيف أفعل ذلك وأنا على بينة من ربي، والحجة في يدي، والحق معي؟! والله إن امرءا أمكن عدوه من نفسه يجز لحمه، ويفري جلده، ويهشم عظمه، ويسفك دمه، وهو يقدر على أن يمنعه لعظيم وزره، ضعيف ما ضمت عليه جوانح صدره، فكنت أنت ذاك يا بن قيس! فأما أنا فوالله دون أن أعطي بيدي ضرب بالمشرفي تطير له فراش الهام، وتطيع منه الأكف والمعاصم، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء، ويلك - يا بن قيس - إن المؤمن يموت كل ميتة غير أنه لا يقتل نفسه، فمن قدر على حقن دمه ثم خلى عمن يقتله فهو قاتل نفسه، يا بن قيس! إن هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة واحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار، وشرها وأبغضاه وأبعدها منه السامرة الذين يقولون لا قتال وكذبوا، قد أمر الله بقتال الباغين في كتابه وسنة نبيه، وكذلك المارقة.
فقال ابن قيس - وغضب من قوله -: فما منعك يا بن أبي طالب حين بويع
أبو بكر أخو بني تيم وأخو بني عدي بن كعب وأخو بني أمية بعدهم أن تقاتل وتضرب بسيفك؟! وأنت لم تخطبنا خطبة مذ كنت قدمت العراق إلا قلت فيها قبل أن تنزل عن المنبر: والله إني لاولى الناس بالناس، وما زلت مظلوما مذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله! فما يمنعك أن تضرب بسيفك دون مظلمتك؟!.
قال عليه السلام: يا بن قيس! اسمع الجواب، لم يمنعني من ذلك الجبن ولا كراهة للقاء ربي، وأن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لي من الدنيا والبقاء فيها، ولكن منعني من ذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وعهده إلي، أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله بما الأمة صانعة بعده فلم أك بما صنعوا حين عاينته بأعلم به ولا أشد استيقانا مني به قبل ذلك، بل أنا بقول رسول الله صلى الله عليه وآله أشد يقينا مني بما عاينت وشهدت، فقلت: يا رسول الله! فما تعهد إلي إذا كان ذلك؟ قال: إن وجدت أعوانا فانبذ إليهم وجاهدهم، وإن لم تجد أعوانا فكف يدك واحقن دمك حتى تجد على إقامة الدين وكتاب الله وسنتي أعوانا، وأخبرني صلى الله عليه وآله وسلم أن الأمة ستخذلني وتبايع غيري، وأخبرني صلى الله عليه وآله وسلم أني منه بمنزلة هارون من موسى، وأن الأمة سيصيرون بعده بمنزلة هارون ومن تبعه والعجل ومن تبعه، إذ قال له موسى: [يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن أفعصيت أمري قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي] وإنما يعني أن موسى أمر هارون حين استخلفه عليهم إن ضلوا فوجد أعوانا أن يجاهدهم
وإن لم يجد أعوانا أن يكف يده ويحقن دمه ولا يفرق بينهم، وإني خشيت أن يقول ذلك أخي رسول الله صلى الله عليه وآله: لم فرقت بين الأمة ولم ترقب قولي؟
وقد عهدت إليك أنك إن لم تجد أعوانا أن تكف يدك وتحقن دمك ودم أهلك وشيعتك، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله مال الناس إلى أبي بكر فبايعوه وأنا مشغول برسول الله صلى الله عليه وآله بغسله، ثم شغلت بالقرآن فآليت يمينا بالقرآن أن لا أرتدي إلا للصلاة حتى أجمعه في كتاب ففعلت، ثم حملت فاطمة عليها السلام وأخذت بيد الحسن والحسين، عليهما السلام فلم أدع أحدا من أهل بدر وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار إلا ناشدتهم الله وحقي ودعوتهم إلى نصرتي، فلم يستجب من جميع الناس إلا أربعة رهط: الزبير وسلمان وأبو ذر والمقداد، ولم يكن معي أحد من أهل بيتي أصول به ولا أقوى به، أما حمزة فقتل يوم أحد، وأما جعفر فقتل يوم مؤتة، وبقيت بين جلفين خائفين ذليلين حقيرين: العباس وعقيل، وكانا قريبي عهد بكفر، فأكرهوني وقهروني، فقلت كما قال هارون لأخيه: - [ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني] فلي بهارون أسوة حسنة، ولي بعهد رسول الله صلى الله عليه وآله حجة قوية.
قال الأشعث: كذلك صنع عثمان: استغاث بالناس ودعاهم إلى نصرته فلم يجد أعوانا فكف يده حتى قتل مظلوما.
قال: ويلك - يا بن قيس -! إن القوم حين قهروني واستضعفوني وكادوا
يقتلونني ولو قالوا لي: نقتلنك البتة لامتنعت من قتلهم إياي، ولو لم أجد غير نفسي وحدي، ولكن قالوا: إن بايعت كففنا عنك وأكرمناك وقربناك وفضلناك، وإن لم تفعل قتلناك، فلما لم أجد أحدا بايعتهم، وبيعتي لهم لما لا حق لهم فيه لا يوجب لهم حقا ولا يلزمني رضا، ولو أن عثمان لما قال له الناس اخلعها ونكف عنك خلعها لم يقتلوه، ولكنه قال: لا أخلعها. قالوا: فإنا قاتلوك، فكف يده عنهم حتى قتلوه، ولعمري لخلعه إياها كان خيرا له، لأنه أخذها بغير حق، ولم يكن له فيها نصيب، وادعى ما ليس له، وتناول حق غيره.
ويلك - يا بن قيس -! إن عثمان لا يعدو أن يكون أحد رجلين، إما أن يكون دعا الناس إلى نصرته فلم ينصروه، وإما أن يكون القوم دعوه إلى أن ينصروه فنهاهم عن نصرته فلم يكن يحل له أن ينهى المسلمين عن أن ينصروا إماما هاديا مهتديا لم يحدث حدثا ولم يؤو محدثا، وبئس ما صنع حين نهاهم، وبئس ما صنعوا حين أطاعوه ، فإما أن يكونوا لم يروه أهلا لنصرته لجوره وحكمه بخلاف الكتاب والسنة - وقد كان مع عثمان من أهل بيته ومواليه وأصحابه أكثر من أربعة آلاف رجل ولو شاء الله أن يمتنع بهم لفعل - ولم ينههم عن نصرته، ولو كنت وجدت يوم بويع أخو تيم أربعين رجلا مطيعين لجاهدتهم، فأما يوم بويع عمر وعثمان فلا، لأني كنت بايعت ومثلي لا ينكث بيعته.
ويلك - يا بن قيس -! كيف رأيتني صنعت حين قتل عثمان ووجدت أعوانا؟
هل رأيت مني فشلا أو جبنا، أو تقصيرا في وقعتي يوم البصرة وهم حول جملهم الملعون من معه، الملعون من قتل حوله، الملعون من ركبه، الملعون من بقي
بعده لا تائبا ولا مستغفرا؟! فإنهم قتلوا أنصاري، ونكثوا بيعتي، ومثلوا بعاملي، وبغوا علي، وسرت إليهم في اثني عشر ألفا - وفي رواية أخرى: أقل من عشرة آلاف - وهم نيف على عشرين ومائة ألف - وفي رواية: زيادة على خمسين ألفا - فنصرني الله عليهم وقتلهم بأيدينا وشفى صدور قوم مؤمنين.
وكيف رأيت - يا بن قيس - وقعتنا بصفين، وما قتل الله منهم بأيدينا خمسين ألفا في صعيد واحد إلى النار - وفي رواية أخرى: زيادة على سبعين ألفا -، وكيف رأيتنا يوم النهروان إذ لقيت المارقين وهم مستبصرون متدينون؟! قد:
[ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا] فقتلهم الله في صعيد واحد إلى النار لم يبق منهم عشرة ولم يقتلوا من المؤمنين عشرة.
ويلك - يا بن قيس - هل رأيت لي لواء رد؟ أو راية ردت؟ إياي تعير يا بن قيس؟!. وأنا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله في جميع مواطنه ومشاهده، والمتقدم إلى الشدائد بين يديه، ولا أفر ولا ألوذ ولا أعتل ولا أنحاز ولا أمنح اليهود دبري، إنه لا ينبغي للنبي ولا للوصي إذا لبس لامته وقصد لعدوه أن يرجع أو ينثني حتى يقتل أو يفتح الله له.
يا بن قيس! هل سمعت لي بفرار قط أو نبوة؟.
يا بن قيس! أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو وجدت يوم بويع أبو بكر - الذي عيرتني بدخولي في بيعته - أربعين رجلا كلهم على مثل بصيرة الأربعة الذين وجدت لما كففت يدي، ولنا هضت القوم، ولكن لم أجد خامسا!.
قال الأشعث: ومن الأربعة يا أمير المؤمنين عليه السلام؟.
قال: سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير بن صفية قبل نكثه بيعتي، فإنه بايعني مرتين، أما بيعته الأولى التي وفي بها فإنه لما بويع أبو بكر أتاني أربعون رجلا من المهاجرين والأنصار فبايعوني وفيهم الزبير، فأمرتهم أن يصبحوا عند بابي محلقين رؤوسهم عليهم السلاح، فما وافى منهم أحد ولا صبحني منهم غير أربعة: سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير، وأما بيعته الأخرى: فإنه أتاني هو وصاحبه طلحة بعد قتل عثمان فبايعاني طائعين غير مكرهين، ثم رجعا عن دينهما مرتدين ناكثين مكابرين معاندين حاسدين، فقتلهما الله إلى النار، وأما الثلاثة: سلمان وأبو ذر والمقداد فثبتوا على دين محمد صلى الله عليه وآله وملة إبراهيم (ع) حتى لقوا الله، يرحمهم الله.
يا بن قيس! فوالله لو أن أولئك الأربعين الذين بايعوني وفوا لي وأصبحوا على بابي محلقين قبل أن تجب لعتيق في عنقي بيعة لناهضته وحاكمته إلى لله عز وجل، ولو وجدت قبل بيعة عثمان أعوانا لناهضتهم وحاكمتهم إلى الله، فإن ابن عوف جعلها لعثمان، واشترط عليه فيما بينه وبينه أن يردها عليه عند موته، فأما بعد بيعتي إياهم فليس إلى مجاهدتهم سبيل.
فقال الأشعث: والله لئن كان الامر كما تقول لقد هلكت الأمة غيرك وغير شيعتك! فقال: إن الحق والله معي يا بن قيس كما أقول، وما هلك من الأمة إلا الناصبين والمكاثرين والجاحدين والمعاندين، فأما من تمسك بالتوحيد والاقرار بمحمد والاسلام ولم يخرج من الملة، ولم يظاهر علينا الظلمة، ولم ينصب لنا العداوة، وشك في الخلافة، ولم يعرف أهلها وولاتها، ولم يعرف لنا ولاية، ولم ينصب لنا عداوة، فإن ذلك مسلم مستضعف يرجى له رحمة الله ويتخوف عليه ذنوبه.
قال أبان: قال سليم بن قيس: فلم يبق يومئذ من شيعة علي عليه السلام أحد إلا تهلل وجهه وفرح بمقالته، إذ شرح أمير المؤمنين عليه السلام الامر وباح به، وكشف الغطاء، وترك التقية، ولم يبق أحد من القراء ممن كان يشك في الماضين ويكف عنهم ويدع البراءة منهم ورعا وتأثما إلا استيقن واستبصر وحسن وترك الشك والوقوف، ولم يبق أحد حوله أتى بيعته على وجه ما بويع عثمان والماضون قبله إلا رئي ذلك في وجهه وضاق به أمره، وكره مقالته، ثم إنهم استبصر عامتهم وذهب شكهم.
قال أبان، عن سليم: فما شهدت يوما قط على رؤوس العامة أقر لأعيننا من ذلك اليوم لما كشف للناس من الغطاء، وأظهر فيه من الحق وشرح فيه من الامر، والقي فيه التقية والكتمان، وكثرت الشيعة بعد ذلك المجلس مذ ذلك اليوم، وتكلموا وقد كانوا أقل أهل عسكره، وصار الناس يقاتلون معه على علم بمكانه من الله ورسوله، وصارت الشيعة بعد ذلك المجلس أجل الناس وأعظمهم - وفي رواية أخرى: جل الناس وأعظمهم - وذلك بعد وقعة النهروان، وهو يأمر بالتهيئة والمسير إلى معاوية، ثم لم يلبث أن قتل صلوات الله عليه، قتله ابن ملجم لعنه الله غيلة وفتكا، وقد كان سيفه مسموما قبل ذلك.
توضيح: قوله عليه السلام: تبت أيديكم.. التباب: الخسران والهلاك، وفي بعض النسخ - كما في النهج - تربت، وهي كلمة يدعى على الانسان بها، أي لا أصبتم خيرا واصل ترب: اصابه التراب، فكأنه يدعو عليه بأن يفتقر.
قوله عليه السلام: حمس الوغاء.. أي اشتد الحرب، واصل الوغاء:
الصوت والجلبة، سميت الحرب بها لما فيها من الأصوات والجلبة.
قوله عليه السلام: واحمر الموت.. قال في النهاية: فيه.. الموت الأحمر يعني القتل لما فيه من حمرة الدم أو لشدته، يقال موت احمر: أي شديد.
وفي النهج: واستحر الموت.. قال في النهاية: أي اشتد وكثر، وهو استفعل من الحر: الشدة، ومنه حديث علي عليه السلام: حمس الوغا واستحر الموت.
وقيل: يحتمل أن يكون المراد شدته الشبيهة بالحرارة مجازا أو خلوصه وحضوره، فيكون اشتقاقه من الحرية.
قوله عليه السلام: انفراج الرأس.. أي تتفرقون عني أشد تفرق، وهو مثل، وقيل أول من تكلم به أكثم بن صيفي في وصيته: يا بني! لا تتفرقوا في
الشدائد انفراج الرأس، فإنكم بعد ذلك لا تجتمعون على عسر. وفي معناه أقوال:
أحدها: ما ذكره ابن دريد، وهو أن المراد به انفراج الرأس عن البدن، فإنه لا يقبل الالتئام ولا يكون بعده اتصال.
ثانيها: قال المفضل: الرأس اسم رجل ينسب إليه قرية من قرى الشام، يقال لها: بيت الرأس، وفيها يباع الخمر، قال حسان:
كأن سبيئته من بيت رأس * يكون مزاجها عسل وماء [كذا] وهذا الرجل كان قد انفرج عن قومه ومكانه فلم يعد إليه، فضرب به المثل في المفارقة.
ثالثها: قال بعضهم معناه أن الرأس إذا انفرج بعض عظامه عن بعض كان ذلك بعد الالتئام والعود إلى الصحة.
رابعها: قال القطب الراوندي رحمه الله: معناه: انفرجتم عني رأسا أي بالكلية.
واعترض عليه ابن أبي الحديد بأنه لا يعرف، وفيه نظر.
خامسها: ما قاله الراوندي - أيضا - أي انفراج من أدلى برأسه إلى غيره ثم حرف رأسه عنه.
واعترض ابن أبي الحديد بأنه لا خصوصية للرأس في ذلك، ولا يخفى ضعفه، فإن وجه التخصيص ظاهر، وهو مثل مشهور بين العرب والعجم.
سادسها: إن معناه انفراج المرأة عن رأس ولدها حالة الوضع، فإنه يكون في غاية الشدة وتفرق الاتصال والانفراج.
وأما انفراج المرأة عن قبلها، فقيل: انفراج المرأة البغية وتسليمها لقبلها.
وقيل: أريد انفراجها وقت الولادة.
وقيل: وقت الطعان، والأوسط أظهر. وعلى التقدير إنما شبه عليه السلام هذا التشبيه ليرجعوا إلى الانفة.
قوله عليه السلام: يجز لحمه.. في النهج: يعرق لحمه، يقال: عرق اللحم: إذا لم يبق على العظم منه شيئا.
والفري: القطع.
والهشم: كسر العظام.
والجوانح: الأضلاع مما يلي الصدر، الواحد جانحة.
وفراش الهام: العظام الرفيعة على القحف، وهو - بالكسر - العظم فوق الدماغ.
وطاح يطوح ويطيح: هلك وأشرف على الهلاك، وذهب وسقط وتاه في الأرض.
والمعاصم - جمع معصم - بالكسر - وهو موضع السوار من الساعد.
وفي النهج: تطيح السواعد والاقدام.
ونابذه الحرب : كاشفه.
والنيف.. - ككيس، وقد يخفف -: الزيادة: بين العددين.
قوله: أو نبوة.. أي كلالا وتقصيرا، يقال نبأ السيف عن الضريبة.. أي كل، والسهم عن الهدف أي قصر.
وفي بعض النسخ: أو سوأة.. أي قبيحا.
أقول: أورده الديلمي في إرشاد القلوب مع اختصار.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.