بحارالانوار · المجلد الثامن
3 باب
ج ۲۸، ص ۱۱۲–۱۶۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۳
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): احملوا بأجمعكم عليهم بسم الله حم لا ينصرون، و حمل هو بنفسه والحسنان وأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) معه، فغاص في القوم بنفسه فوالله ما كان الا ساعة من نهار حتى رأينا القوم كله شلايا يمينا وشمالا صرعى تحت سنابك الخيل، ورجع أمير المؤمنين (عليه السلام) مؤيدا منصور أو فتح الله عليه ومنحه أكتافهم، وأمر بذلك الفتى، وجميع من قتل معه، فلفوا في ثيابهم بدمائهم لم تنزع عنهم ثيابهم وصلى عليهم ودفنهم، وأمرهم أن لا يجهزوا على جريح، ولا يتبعوا لهم مدبرا، وأمر بما حوى العسكر فجمع له، فقسمه بين أصحابه وأمر محمد بن أبي بكر أن يدخل أخته البصرة، فيقيم بها أياما ثم يرحلها إلى منزلها بالمدينة.
قال عبد الله بن سلمة: كنت ممن شهد حرب أهل الجمل، فلما وضعت الحرب أوزارها، رأيت أم ذلك الفتى واقفة عليه، فجعلت تبكى عليه وتقبله وأنشأت يقول:
يا رب إن مسلما أتاهم * يتلو كتاب الله لا يخشاهم يأمرهم بالامر من مولاهم * فخضبوا من دمه قناهم وأمهم قائمة تراهم * تأمرهم بالغي لا تنهيهم توضيح قوله (عليه السلام): " من حرف المدائن " في بعض النسخ بالحاء المهملة أي من كسب المداين، من قولهم حرف لعياله أي كسب أو هو بمعنى الطرف والذروة، لكونه في جانب من بلاد العراق أو من أعالي البلاد، وفي بعضها بالجيم، قال في القاموس:
الجرف المال من الناطق والصامت والخصب والكلاء الملتف، وبالكسر وقد يضم المكان الذي لا يأخذه السيل، وبالضم ما تجر فته السيول وأكلته من الأرض، ولا يخفى مناسبة أكثرها للمقام ويقال : " كبت الله العدو " أي صرفه وأذله قوله (عليه السلام): " أحمد إليكم الله " ولعله ضمن معنى الانهاء أي أحمد الله منهيا إليكم نعمه، قال في النهاية: في كتابه (صلى الله عليه وآله) أما بعد فاني أحمد إليك الله أي أحمده معك فأقام إلى مقام مع، وقيل معناه أحمد إليك نعمة الله بتحديثك إياها انتهى، والادحاض الابطال، والتهجير والتهجر السير في الهاجرة، وهي نصف النهار عند اشتداد الحر، والشملة كساء يشتمل به.
قوله: " وما كادوا " أي ما كادوا يفعلون ذلك لعسره عليهم كما قال تعالى:
" فذبحوها وما كادوا يفعلون " ويحتمل أن يكون من الكيد أي لم يسألوا شيئا كما سأل المنافقون بعد ذلك كيدا ومكرا، وبطؤ ككرم ضد أسرع كأبطأ، فالبطاء جمع الباطي، ويقال مللته، ومنه أي سئمته وأملني، وأمل علي أبرمني، وكربه الغم .
أحزنه، وقال الجزري، فيه ذكر العالية والعوالي في غير موضع وهي أماكن بأعلا أراضي المدينة على أربعة أميال وأبعدها من جهة نجد ثمانية.
قوله تعالى " فليعلمن الله " أي علما حاليا متعلقا بالموجود، وبه يكون الثواب و العقاب.
قوله تعالى: " أن يسبقونا " أي يفوتونا، فلا نقدر أن نجازيهم على مساويهم وقال الجوهري حفظته الكتاب حملته على حفظه واستحفظته سألته أن يحفظه، قوله: " وأغذ بالمعجمتين أي أسرع قال القاموس وأغذ السير وفيه أسرع، وقال جهمه، استقبله بوجه كريه كتجهمه، وقال: هر شئ كسكرى ثنية قرب الجحفة والحبرة النعمة الحسنة، والدولة بالضم ما تتداوله الأغنياء وتدور بينهم، وأبطل أتى بالباطل وتكلم به كأحال أي أتى بالمحال.
قوله: يسعى بها أدناهم: أي يجب على المسلمين إمضاء أمان أدناهم لاحاد المشركين، قوله " وكلهم يد " أي هم مجتمعون على دفع أعدائهم لا يسع التخاذل بينهم بل يعاون بعضهم بعضا على جميع الأديان والملل، كأنه جعل أيديهم يدا واحدة، وفعلهم فعلا واحدا.
قوله: " أحب أن ألقى الله " أي أحب أن أخاصمه عند الله بسبب صحيفته التي كتبها، وفي بعض النسخ ما أحب إلى أن ألقى الله بصيغة التعجب والمسجى بالتشديد على بناء المفعول المغطى بثوب ، والرعدة بالكسر والفتح الاضطراب، وفي النهاية والرأب لجمع والشد، يقال رأب الصدع إذا شعبه، ورأب الشئ إذا جمعه وشده برفق، والرسل بالكسر الهنيئة والتأني يقال افعل كذا على رسلك أي اتئد فيه وقال في الحديث " إنه خرج في مرضه يتهادى بين رجلين " أي يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه وتمايله، من تهادت المرأة في مشيتها إذا تمايلت، وكل من فعل ذلك بأحد فهو يهاديه، قوله: " وهو مربوط " أي مشدود الرأس معصوب والتمزيق التخريق، والممزق أيضا مصدر والحضن بالكسر ما دون الإبط إلى
الكشح، أو الصدر والعضدان وما بينهما، وحضن الشئ واحتضنه جعله في حضنه، قوله فشدوا أي حملوا عيه، والإرب بالكسر العضو، واللبس بالضم الشبهة.
قوله: ووقدت الحرب كوعد أي التهبت نار الحرب، وقال الجزري في حديث الجهاد " إن أبيتم فقولوا حم لا ينصرون " قيل معناه اللهم لا ينصرون، و يريد به الخبر لا الدعاء، لأنه لو كان دعاء لقال لا ينصروا مجزوما فكأنه قال:
والله لا ينصرون، وقيل إن السور التي أولها " حم " سور لها شأن " فنبه أن ذكرها لشرف منزلتها مما يستظهر به على استنزال النصر من الله، وقوله: " لا ينصرون " كلام مستأنف كأنه حين قال: قولوا حم، قيل ماذا يكون إذا قلناها؟ فقال:
لا ينصرون.
وفي القاموس الشلو بالكسر العضو والجسد من كل شئ، كالشلا، وكل مسلوخ أكل منه شئ وبقيت منه بقية، والجمع أشلاء والشلية الفدرة وبقية المال انتهى قوله: " ومنحه أكتافهم " لعله كناية عن تسلطه (عليه السلام)، كأنه ركب أكتافهم، أو عن انهزامهم وتعاقب عسكره (عليه السلام) لهم كما مر في حديث بدر " وإلا فاركبوا أكتافهم " أي اتبعوهم أو عن الظفر عليهم مكتوفين، قولها " قناهم " هي جمع القناة وهي الرمح.
4 - مناقب ابن شهرآشوب: عن الباقر (عليه السلام): في قوله تعالى: " كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم " إذا عاينوا عند الموت ما أعد لهم من العذاب الأليم، وهم أصحاب الصحيفة التي كتبوا على مخالفة على " وما هم بخارجين من النار ".
وعنه (عليه السلام) في قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة " أعملهم .
بما في قلوبهم وهم أصحاب الصحيفة.
5 - معاني الأخبار: ماجيلويه عن عمه عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن معنى قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لما نظر إلى الثاني وهو مسجى بثوبه: ما أحد أحب إلى أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى، فقال عنى بها صحيفته التي كتبت في الكعبة.
بيان: هذا مما عد الجمهور من مناقب عمر زعما منهم أنه (عليه السلام) أراد بالصحيفة كتاب أعماله، وبملاقاة الله بها أن يكون أعماله مثل أعماله المكتوبة
فيه، فبين (عليه السلام) أنه (صلى الله عليه وآله) أزاد بالصحيفة العهد الذي كتبوا ردا على الله وعلى رسوله في خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) أن لا يمكنوه منها، وبالملاقاة بها مخاصمة أصحابها عند الله تعالى فيها.
وقال في الصراط المستقيم: ويعضده ما أسنده سليم إلى معاذ بن جبل أنه عند وفاته دعا على نفسه بالويل والثبور فقيل له: لم ذاك؟ قال: لموالاتي عتيقا وعمر على أن أزوي خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن علي (عليه السلام)، وروى مثل ذلك عن ابن عمر أن أباه قاله عند وفاته وكذا أبو بكر، وقال: هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه علي بيده الصحيفة التي تعاهدنا عليها في الكعبة، وهو يقول: وقد وفيت بها وتظاهرت على ولي الله أنت وأصحابك، فأبشر بالنار في أسفل السافلين، ثم لعن ابن صهاك، وقال: " هو الذي صدني عن الذكر بعد إذ جائني ".
قال العباس بن الحارث: لما تعاقدوا عليها نزلت " إن الذين ارتدوا على أدبارهم " وقد ذكرها أبو إسحاق في كتابه وابن حنبل في مسنده والحافظ في حليته والزمخشري في فائقه، ونزل " ومكروا مكرا ومكرنا مكرا " الآيتان.
وعن الصادق (عليه السلام) نزلت " أم أبرموا أمرا فانا مبرمون " الآيتان.
ولقد وبخهما النبي (صلى الله عليه وآله) لما نزلت فأنكرا، فنزلت " يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر " الآية.
ورووا أن عمر أودعها أبا عبيدة فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): أصبحت أمين هذه الأمة .
وروته العامة أيضا.
وقال عمر عند موته: ليتني خرجت من الدنيا كفافا لا علي ولا لي فقال ابنه: تقول هذا؟ فقال: دعني نحن أعلم بما صنعنا أنا وصاحبي وأبو عبيدة ومعاذ.
وكان أبى يصيح في المسجد: ألا هلك أهل العقدة; فيسئل عنهم، فيقول: ما ذكرناه، ثم قال: لئن عشت إلى الجمعة لأبينن للناس أمرهم، فمات قبلها.
6 - الكافي: باسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم " قال: نزلت هذه الآية في فلان وفلان وأبي عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف، وسالم مولى أبي حذيفة، والمغيرة بن شعبة، حيث كتبوا الكتاب بينهم، وتعاهدوا وتوافقوا " لئن مضى محمد (صلى الله عليه وآله) لا تكون الخلافة في بني هاشم ولا النبوة أبدا " فأنزل الله عز وجل فيهم هذه الآية.
قال: قلت قوله عز وجل: " أم أبرموا أمرا فانا مبرمون * أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجويهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون " قال: وهاتان الآيتان نزلنا فيهم ذلك اليوم، قال أبو عبد الله (عليه السلام): لعلك ترى أنه كان يوم يشبه يوم كتب الكتاب إلا يوم قتل الحسين (عليه السلام)، وهكذا كان في سابق علم الله عز وجل الذي أعلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن إذا كتب الكتاب قتل الحسين (عليه السلام) وخرج الملك من بني هاشم، .
فقد كان ذلك كله الحديث.
7 - أقول: وجدت في كتاب سليم بن قيس، عن أبان بن أبي عياش عنه قال شهدت أبا ذر مرض مرضا على عهد عمر في إمارته، فدخل عليه عمر يعوده وعنده أمير المؤمنين (عليه السلام) وسلمان والمقداد، وقد أوصي أبو ذر إلى علي (عليه السلام) و كتب وأشهد، فلما خرج عمر قال: رجل من أهل أبي ذر من بني عمه بنى غفار:
ما منعك أن توصي إلى أمير المؤمنين عمر؟ قال: قد أوصيت إلى أمير المؤمنين حقا، أمرنا به رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن ثمانون رجلا أربعون رجلا من العرب، و أربعون رجلا من العجم، فسلمنا على علي بإمرة المؤمنين، فينا هذا القائم الذي سميته أمير المؤمنين، وما أحد من العرب ولا من الموالي العجم راجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا هذا وصويحبه الذي استخلفه، فإنهما قالا: أحق من الله ومن رسوله؟ قال: اللهم نعم، حق من الله ورسوله، أمرني الله بذلك فآمركم به.
قال سليم: فقلت يا أبا الحسن وأنت يا سلمان وأنت يا مقداد تقولون كما قال أبو ذر؟ قالوا نعم، صدق، قلت أربعة عدول ولو لم يحدثني غير واحد ما شككت في صدقه، ولكن أربعتكم أشد لنفسي وبصيرتي، قلت: أصلحك الله أتسمون الثمانين من العرب والموالي؟ فسماهم سلمان رجلا رجلا، فقال علي (عليه السلام): وأبو ذر والمقداد: صدق سلمان رحمة الله ومغفرته عليه وعليهم، فكان ممن سمى أبو بكر وعمرو أبو عبيدة وسالم، والخمسة من الشورى - وفي رواية أخرى والخمسة أصحاب الصحيفة - وعمار بن ياسر وسعد بن عبادة ومعاذ بن جبل، والباقي من صحابة العقبة - وفي رواية النقباء من أصحاب العقبة - وأبي بن كعب وأبو ذر والمقداد وجلهم وعظمهم من أهل بدر وعظمهم من الأنصار فيهم أبو الهيثم بن التيهان، وخالد بن زيد أبو أيوب وأسيد بن حضير، وبشير بن سعد، قال سليم: فأظنني قد لقيت عليتهم فسألتهم وخلوت بهم رجلا رجلا، فمنهم من سكت عني فلم يجبني .
بشئ وكتمني، ومنهم من حدثني ثم قال: أصابتنا فتنة أخذت بقلوبنا وأسماعنا وأبصارنا.
وذلك لما ادعى أبو بكر أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول بعد ذلك: إنا أهل بيت أكرمنا الله واختار لنا الآخرة على الدنيا، وإن الله أبى أن يجمع لنا أهل البيت البنوة والخلافة فاحتج بذلك أبو بكر على علي (عليه السلام) حين جئ به للبيعة .
وصدقه وشهد له أربعة كانوا عندنا خيارا غير متهمين منهم أبو عبيدة وسالم و عمر ومعاذ، وظننا أنهم قد صدقوا، فلما بايع علي (عليه السلام) خبرنا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ما قاله، وأخبر أن هؤلاء الخمسة كتبوا بينهم كتابا تعاهدوا عليه وتعاقدوا في ظل الكعبة إن مات محمد أو قتل أن يتظاهروا على فيزووا هذا الامر، واستشهد أربعة سلمان وأبا ذر والمقداد والزبير، وشهدوا له بعد ما وجبت في أعناقنا لأبي بكر بيعته الملعونة الضالة.
فعلمنا أن عليا (عليه السلام) لم يكن ليروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) باطلا وشهد له الأخيار من أصحاب محمد عليه وآله السلام، فقال جل من قال هذه المقالة إنا تدبرنا الامر بعد ذلك، فذكرنا قول نبي الله صلى الله عليه وآله ونحن نسمع إن الله يحب أربعة من
أصحابي وأمرني بحبهم، وإن الجنة تشتاق إليهم، فقلنا: من هم يا رسول الله؟
فقال: أخي ووزيري ووارثي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن من بعدي علي بن أبي طالب (عليه السلام) وسلمان الفارسي وأبو ذر والمقداد بن الأسود وفي رواية أنه قال:
ألا إن عليا منهم، ثم سكت، ثم قال ألا إن عليا منهم ثم سكت،، ثم قال إن عليا منهم وأبو ذر وسلمان والمقداد وإنا نستغفر الله ونتوب إليه مما ركبناه ومما أتيناه.
قد سمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول قولا لم نعلم تأويله ومعناه، إلا خيرا قال: ليردن على الحوض أقوام ممن صحبني ومن أهل المكانة مني والمنزلة عندي، حتى إذا وقفوا على مراتبهم اختلسوا دوني - وفي رواية اختلجوا دوني - وأخذ بهم ذات الشمال، فأقول يا رب أصحابي أصحابي، فيقال إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك، وإنهم لم يزالوا مرتدين على أدبارهم القهقرى منذ فارقتهم.
ولعمرنا لو أنا حين قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) سلمنا الامر إلى علي (عليه السلام) فأطعناه وتابعناه وبايعناه، لرشدنا واهتدينا ووفقنا، ولكن الله قضى الاختلاف والفرقة والبلاء فلا بد من أن يكون ما علم الله وقضى وقدر.
سليم بن قيس قال: فشهدت أبا ذر بالربذة حين سيره عثمان وأوصى إلى علي (عليه السلام) في أهله وما له، فقال له قائل: لو كنت أوصيت إلى مير المؤمنين عثمان، فقال: قد أوصيت إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على الصلاة والسلام، سلمنا عليه بإمرة المؤمنين على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لنا:
سلموا على أخي ووزيري ووارثي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي بامرة .
المؤمنين، فإنه زر الأرض الذي تسكن إليه، ولو قد فقد تموه أنكرتم الأرض و أهلها، فرأيت عجل هذه الأمة، وسامريها راجعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالا: حق من الله ورسوله؟ فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: حق من الله ورسوله أمرني بذلك.
فلما سلما عليه أقبلا على أصحابهما سالم وأبي عبيدة، حين خرجا من بيت علي (عليه السلام) من بعد ما سلما عليه - فقالا لهم: ما بال هذا الرجل ما زال يرفع خسيسة ابن عمه وقال أحدهما: إنه أمر ابن عمه وقال الجميع: ما لنا عنده خير ما بقي علي.
قال: فقلت: يا أبا ذر هذا التسليم بعد حجة الوداع أو قبلها؟ قال: أما التسليمة الأولى قبل حجة الوداع، وأما التسليمة الأخرى فبعد حجة الوداع، فقلت فمعاقدة هؤلاء الخمسة متى كان؟ قال في حجة الوداع، قلت أخبرني أصلحك الله عن الاثني عشر أصحاب العقبة المتلثمين الذين أرادوا أن ينفروا برسول الله (صلى الله عليه وآله) الناقة، متى كان ذلك قال: بغدير خم مقفل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قلت أصلحك الله تعرفهم؟ قال:
اي والله كلهم، قلت: من أين تعرفهم وقد أسرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى حذيفة؟
قال: عمار بن ياسر كان قايدا وحذيفة سائقا فأمر حذيفة بالكتمان ولم يأمر بذلك عمارا، قلت: تسميهم لي؟ قال: خمسة أصحاب الصحيفة؟ والخمسة أصحاب الشورى وعمرو بن العاص ومعاوية، قلت: أصلحك الله كيف تردد عمار وحذيفة في أمرهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين رأياهم - وفي رواية أخرى فكيف نزل عمار وحذيفة في أمرهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) - قال: إنهم أظهروا التوبة والندامة بعد ذلك .
وادعى عجلهم منزلة وشهد له سامريهم والثلاثة معه بأنهم سمعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول، ذلك فقالوا لعلي (عليه السلام): هذا أمر حدث بعد الأول فشك من شك منهم، إلا أنهما تابا وعرفا وسلما.
قال سليم بن قيس: فلقيت عمارا في خلافة عثمان بعد ما مات أبو ذر فأخبرته بما قال أبو ذر، فقال صدق أخي إنه لا بر وأصدق من أن يحدث عن عمار بما لا يسمع منه، فقلت: أصلحك الله وبما تصدق أبا ذر قال أشهد لقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر ولا أبر، قلت يا نبي الله ولا أهل بيتك؟ قال: إنما أعني غيرهم من الناس.
ثم لقيت حذيفة بالمداين رحلت إليه من الكوفة، فذكرت له ما قال أبو ذر فقال: سبحان الله أبو ذر أصدق وأبر من أن يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بغير ما قال.
بيان: قال في النهاية: في حديث أبي ذر قال يصف عليا (عليه السلام): وإنه لعالم الأرض وزرها الذي تسكن إليه، أي قوامها وأصله من زر القلب وهو عظم صغير يكون قوام القلب به، وأخرج الهروي هذا الحديث عن سلمان، وقال: يقال رفعت خسيسته ومن خسيسته إذا فعلت به فعلا يكون فيه رفعته.
.
تبيين وتتميم اعلم أنه لما كان أمر الصلاة عمدة ما يصول به المخالفون، في خلافة أبي بكر وظهر من تلك الأخبار أنه حجة عليهم لا لهم، أردت أن أوضح ذلك بنقل أخبارهم والإشارة إلى بطلان حججهم.
فمن جملة الاخبار التي رووه في هذا ما أسندوه في صحاحهم إلى عائشة:
.
1 - روى في جامع الأصول عنها أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال في مرضه: مروا أبا بكر يصلى بالناس، قالت عائشة: قلت إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت عائشة: فقلت لحفصة قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنكن لأنتن صواحب
يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرا.
2 - وروى في الباب المذكور أيضا عنها أنها قالت أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه، وكان يصلي بهم، قال عروة: فوجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من نفسه خفة فخرج فإذا أبو بكر يؤم الناس، فلما رآه أبو بكر استأخر فأشار إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن كما أنت، فجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) حذاء أبي بكر إلى جنبه، و كان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والناس يصلون بصلاة أبي بكر.
3 - قال صاحب جامع الأصول: وفي رواية قال الأسود بن يزيد، كنا عند عائشة فذكرنا المواظبة على الصلاة والتعظيم لها، قالت: لما مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصلاة، فأذن فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقيل له إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، فأعادها فأعادوا فأعاد الثالثة فقال: إنكن صواحب يوسف! مروا أبا بكر فليصل بالناس، فخرج أبو بكر يصلى فوجد النبي (صلى الله عليه وآله) من نفسه خفة، فخرج يهادى بين رجلين كأني أنظر رجليه تخطان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي (صلى الله عليه وآله) أن مكانك، ثم أتيا به حتى جلس إلى جنبه، فقيل للأعمش: فكان النبي (صلى الله عليه وآله) يصلى وأبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبى بكر؟ فقال برأسه: نعم.
قال البخاري: وزاد أبو معاوية: جلس عن يسار أبى بكر، وكان أبو بكر قائما.
.
4 - وفي رواية للبخاري وفيه: جاء بلال يؤذنه للصلاة فقال مروا أبا بكر يصلى بالناس، قالت: فقلت يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف إنه متى يقوم مقامك لا
يسمع الناس، فلو أمرت عمر! فقال: مروا أبا بكر يصلى بالناس، ثم ذكر قولها لحفصة وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنكن لأنتن صواحب يوسف، وأنه (صلى الله عليه وآله) وجد من نفسه خفة فخرج ثم ذكر إلى قوله: حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائما، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي قاعدا يقتدى أبو بكر بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والناس [يقتدون] بصلاة أبي بكر.
وفي أخرى نحوه وفيه إن أبا بكر رجل أسيف إن يقم مقامك يبك فلا يقدر على القراءة، ولم يذكر قولها لحفصة، وفي آخرة فتأخر أبو بكر وقعد النبي (صلى الله عليه وآله) إلى جنبه وأبو بكر يسمع الناس التكبير.
5 - وفي أخرى لهما أن عائشة قالت: لقد راجعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك قام مقامه أبدا، وأني كنت أرى أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أبي بكر.
6 - وفي أخرى لهما قالت: لما دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بيتي قال: مروا .
أبا بكر فليصل بالناس، قالت: فقلت: يا رسول الله أن أبا بكر رجل رقيق إذا قرء القرآن لا يملك دمعه، فلو أمرت غير أبي بكر قالت: والله ما بي إلا كراهة أن يتشاء الناس بأول من يقوم مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قالت فراجعته مرتين أو ثلاثا، فقال ليصل بالناس أبو بكر فإنكن صواحب يوسف.
قال صاحب جامع الأصول في باب فضل أبي بكر بعد ذكر تلك الروايات: هذه روايات البخاري ومسلم، وسيجئ لهما روايات في مرض النبي (صلى الله عليه وآله) وموته في كتاب الموت من حرف الميم، قال: وأخرج الموطأ الرواية الأولى، وأخرج الرواية الثانية عن عروة مرسلا وأخرج الترمذي الرواية الأولى وأخرج النسائي الأولى والثانية.
7 - وله في أخرى قالت: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر أبا بكر يصلى بالناس [وقالت: وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين يدي أبي بكر يصلي قاعدا وأبو بكر يصلي بالناس] والناس خلف أبي بكر.
8 - وفي أخرى له قالت: إن أبا بكر صلى للناس ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصف.
9 - وأخرج أيضا هاتين الروايتين حديثا واحدا وقال فيه: إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يسمع، وقال في آخره فقام [فكان] عن يسار أبي بكر جالسا، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلى بالناس جالسا، والناس يقتدون بصلاة .
أبى بكر.
هذا ما ذكره في جامع الأصول من روايات عائشة في باب فضل أبي بكر.
10 - وروى عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة في باب مرض النبي (صلى الله عليه وآله) وموته قال: دخلت على عائشة فقلت لها ألا تحدثيني عن مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
قالت: بلى، ثقل النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: ضعوا لي ماء في المخضب، قال: ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه، ثم أفاق، فقال أصلي الناس؟ فقلنا: لأهم ينتظرونك يا رسول الله، قال ضعوا لي ماء في المخضب، فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا وهم ينتظرونك، قالت والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله (صلى الله عليه وآله) لصلاة العشاء الآخرة.
قالت: فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله ) إلى أبي بكر أن يصلى بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر وكان رجلا رقيقا: يا عمر صل بالناس، فقال عمر أنت أحق بذلك، قالت: فصلى [بهم] أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجد في نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يتأخر، فقال لهما أجلساني إلى جنيه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلى وهو يأتم بصلاة النبي (صلى الله عليه وآله) والناس يصلون بصلاة أبي بكر، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قاعد.
قال عبيد الله: دخلت على عبد الله بن عباس فقلت: ألا أعرض عليك ما حدثتني .
عائشة عن مرض النبي (صلى الله عليه وآله)؟ قال: هات فعرضت حديثها عليه فما أنكر منه شيئا غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس؟ قلت: لا، قال: هو علي صلوات الله عليه.
وهذا الخبر رواه البخاري ومسلم.
ورواه في المشكاة في الفصل الثالث من باب ما على المأموم من المتابعة وعده من المتفق عليه.
11 - وروى في جامع الأصول في فروع الاقتداء عن عائشة " قالت: صلى النبي (صلى الله عليه وآله) خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعدا قال: أخرجه الترمذي.
12 - قال: وقال: وقد روى عنها أن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج في مرضه وأبو بكر يصلي بالناس فصلى إلى جنب أبي بكر: الناس، يأتمون بأبي بكر وأبو بكر يأتم بالنبي (صلى الله عليه وآله).
فهذه روايات ينتهى سندها إلى عايشة.
ومن جملة: ما روى في أمر الصلاة ما أسندوه إلى أنس بن مالك:
13 - فمنها ما رواه في جامع الأصول في فروع الاقتداء عنه قال: صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه خلف أبى بكر قاعدا في ثوب متوشحا به، قال: أخرجه الترمذي وأخرجه النسائي ولم يذكر " قاعدا " وقال: " في ثوب واحد وإنها آخر صلاة .
صلاها.
14 - وروى عن أنس في باب فضل أبي بكر أن أبا بكر كان يصلي بهم في وجع النبي الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة، كشف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم، كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم فضحك فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي (صلى الله عليه وآله) فنكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف وظن أن النبي (صلى الله عليه وآله) خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبي (صلى الله عليه وآله) أن أتموا صلاتكم، وأرخى الستر، فتوفى من يومه .
15 - قال وفي أخرى لم يخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثا وأبو بكر يصلى بالناس، فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالحجاب فرفعه فلما وضح وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما نظرنا منظرا كان أعجب إلينا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين وضح لنا فأومأ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم، وأرخى الحجاب فلم نقدر عليه حتى مات.
16 - قال وفي أخرى: بيناهم في صلاة الفجر من يوم الاثنين وأبو بكر يصلي بهم لم يفجأهم إلا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم وهم في صفوف ثم تبسم يضحك فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يريد أن يخرج إلى الصلاة، قال أنس: وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله (صلى الله عليه وآله) فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر.
17 - قال: وفى أخرى قال: آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) كشف الستارة يوم الاثنين، وذكر نحوه والذي قبله أتم.
18 - واخرج النسائي هذه الأخيرة وهذا لفظه قال آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فأراد أبو بكر أن يرتد فأشار إليهم أن امكثوا، وألقى السجف، وتوفي من آخر ذلك اليوم يوم الاثنين.
هذه رواياته عن أنس بن مالك.
19 - ومن جملة رواياتهم في أمر الصلاة ما رواه في جامع الأصول في الباب .
المذكور عن عبد الله بن زمعة قال: لما استعز برسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعه وأنا عنده في نفر من الناس دعاه بلال إلى الصلاة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مروا أبا بكر يصلى بالناس، قال: فخرجنا فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائبا، فقلت: يا عمر فقم فصل بالناس، فتقدم وكبر، فلما سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) صوته وكان عمر رجلا مجهرا، قال: فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون [بأبي الله ذلك و المسلمون يأبى الله ذلك والمسلمون] فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس.
20 - وزاد في رواية قال: لما أن سمع النبي (صلى الله عليه وآله) صوت عمر خرج النبي حتى أطلع رأسه من حجرته، ثم قال: لا لا لا، ليصل بالناس ابن أبي قحافة، يقول ذلك مغضبا، قال أخرجه أبو داود.
21 - ومن جملتها ما رواه في الباب المذكور عن أبي موسى قال: مرض النبي (صلى الله عليه وآله) فاشتد مرضه، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت عائشة يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلى بالناس فقال (صلى الله عليه وآله): مروا أبا بكر فليصل بالناس فعاودته فقال: مروه فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) .
قال: أخرجه البخاري ومسلم.
22 - ومن جملتها ما رواه في الباب المذكور عن ابن عمر قال: لما اشتد برسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعه قيل له في الصلاة فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت عائشة إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء، قال: مروه فليصل إنكن صواحب يوسف قال أخرجه البخاري.
23 - ومن جملتها ما رواه ابن عبد البر في الاستيعاب قال: روى الحسن البصري عن قيس بن عباد قال: قال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرض ليالي وأياما ينادى بالصلاة، فنقول مروا أبا بكر يصلى بالناس، فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) نظرت فإذا الصلاة علم الاسلام، وقوام الدين، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله (صلى الله عليه وآله) لديننا، فبايعنا أبا بكر.
فهذه ما وقفت عليه من أخبارهم في هذا الباب بعد التصفح ولنوضح بعض .
ألفاظها قال في النهاية: " رجل أسيف " أي سريع البكاء والحزن، وقيل: هو الرقيق وقال: " المخضب " بالكسر شبه المركن وهي إجانة يغسل فها الثياب، وقال ناء ينوء
نوءا نهض، قوله: " أن نفتتن " أي نقطع الصلاة مفتونين برؤيته، " والسجف " بالفتح والكسر الستر وفى النهاية في حديث مرض النبي " فاستعز برسول الله " أي اشتد به
المرض وأشرف على الموت، يقال: عز يعز بالفتح إذا اشتد به المرض وغيره، واستعز عليه إذا اشتد عليه وغلبه، ثم يبنى الفعل للمفعول به الذي هو الجار و المجرور، وقال في حديث عمر " إنه كان مجهرا " أي صاحب جهر ورفع لصوته، يقال: جهر بالقول إذا رفع به صوته فهو جهر، وأجهر فهو مجهر إذا عرف بشدة الصوت، وقال الجوهري: رجل مجهر بكسر الميم إذا كان من عادته أن يجهر بكلامه.
أقول: فإذ قد تبينت لك تلك الأخبار، فلنشرع في الكلام عليها وإبطال التمسك بها فنقول:
أما الجواب عنها على وجه الاجمال: فهو أنها أخبار آحاد لم تبلغ حد التواتر، وقد وردت من جانب الخصوم وتعارضها رواياتنا الواردة عن أهل البيت عليهم السلام وقد تقدم بعضها فلا تعويل عليها.
وأما على التفصيل: فان أكثر الروايات المذكورة تنتهي إلى عائشة وهي امرأة لم تثبت لها العصمة بالاتفاق، وتوثيقها محل الخلاف بيننا وبين المخالفين، وسيأتي في أخبارنا من ذمها والقدح فيها، وأنها كانت ممن يكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما فيه كفاية للمستبصر، ومع ذلك يقدح في رواياتها تلك بخصوصها أن فيها التهمة من وجهين:
أحدهما: بغضها لأمير المؤمنين (عليه السلام) كما ستطلع عليه من الأخبار الواردة في ذلك من طرق أصحابنا والمخالفين.
وذكر السيد الاجل رضي الله عنه في الشافي: أن محمد بن إسحاق روى أن
عائشة لما وصلت إلى المدينة راجعة من البصرة، لم تزل تحرض الناس على أمير المؤمنين (عليه السلام) وكتبت إلى معاوية وأهل الشام مع الأسود بن أبي البختري تحرضهم عليه.
قال: وروى عن مسروق أنه قال: دخلت على عائشة فجلست إليها فحدثتني واستدعت غلاما لها أسود يقال له عبد الرحمن، فجاء حتى وقف، فقالت: يا مسروق أتدري لم سميته عبد الرحمن؟ فقلت: لا، قالت: حبا مني لعبد الرحمن ابن ملجم.
وفي رواية عبيد الله بن عبد الله التي ذكرناها في هذا المقام دلالة واضحة لأولي البصاير على بغضها، حيث سمت أحد الرجلين اللذين خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) معتمدا عليهما، وتركت تسمية الاخر، وليس ذلك إلا إخفاء لقربه هذا من الرسول (صلى الله عليه وآله) وفضله، وقد أشعر سؤال ابن عباس بذلك فلا تغفل.
وبالجملة بغضها لأمير المؤمنين (عليه السلام) أولا وآخرا هو أشهر من كفر إبليس، فلا يؤمن عليها التدليس، وكفى حجة قاطعة عليه قتالها وخروجها عليه .
كما أنه كافى الدلالة على كفرها ونفاقها المانعين من قبول روايتها مطلقا وسيأتي في أبواب فضايل أمير المؤمنين (عليه السلام) من الاخبار العامية وغيرها الدالة على كفر مبغضه (عليه السلام) ما فيه كفاية، ولو قبلنا من المخالفين دعواهم الباطل في توبتها و رجوعها فمن أين لهم إثبات ورود تلك الأخبار بعدها، فبطل التمسك بها.
وثانيهما جر النفع في الروايات المذكورة للفخر بخلافة أبيها، إذ أمر الصلاة - كما ستطلع عليه إنشاء الله تعالى - كان عمدة أسباب انعقاد الخلافة لأبيها كما رووه في أخبارهم، وأيضا في أسانيد تلك الروايات جماعة من النواصب المبغضين المنحرفين عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وفي بعضها مكحول وقد روى في كتاب الاختصاص عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال كان الغالب على مكحول عداوة علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، وكان إذا ذكر عليا عليه السلام لا يسميه ويقول أبو زينب.
وبعد التنزل عن هذا المقام نقول: رواياتها تشتمل على أنواع من الاختلاف فكثير منها تدل على أنه لما جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جلس إلى جنب أبي بكر وبعضها يدل على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بين يدي أبي بكر يصلي قاعدا وأبو بكر يصلي بالناس والناس خلف أبي بكر، وبعضها يدل على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان في الصف ولعل عائشة في بعض المواطن استحيت في حضور طائفة من العارفين بصورة الواقعة فقربت كلامها إلى ما رواه أصحابنا من أنه (صلى الله عليه وآله) تقدمه في الصلاة وعزله عن الإمامة، وفي الجهلة البالغين غايته قالت: كان في الصف، هذا هو الصحيح في وجه الجمع بين تلك الأخبار.
ومن جملة وجوه اختلافها أن كثيرا منها يدل على أن الناس كانوا يصلون بصلاة أبي بكر، وفي بعضها تصريح بأنهم كانوا يأتمون بأبي بكر، وفي بعضها أنه يسمعهم التكبير، وتفطن لذلك شارح المواقف ففسر بعد ما ذكر رواية البخاري عن عروة، عن أبيه عن عائشة المشتملة على أن الناس كانوا يصلون بصلاة أبي بكر قال: أي بتكبيره، والصحيح في وجه الجمع هو ما ذكرنا.
ومن جملتها أن في بعض الأخبار أن أبا بكر أراد أن يتأخر فأشار إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يتأخر، ويبعد من ديانة أبي بكر أن يخالف أمره، وفي بعضها تصريح بأنه تأخر وقعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى جنبه.
.
ومن جملتها أن أكثرها صريحة في اقتداء أبي بكر بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي رواية الترمذي التي ذكرها في جامع الأصول في فروع الاقتداء تصريح بأنه (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي مات فيه صلى قاعدا خلف أبى بكر، وهذا غير ما ذكرنا من اختلافها في جلوسه (صلى الله عليه وآله) وفي اقتداء الناس به فلا تغفل.
ومن جملتها أن بعضها يدل على أن قول الرسول (صلى الله عليه وآله) إنكن صواحب يوسف كان لمعاودتها القول بأن أبا بكر رجل أسيف لا يقدر على القراءة، ولا يملك نفسه من البكاء، وفي بعضها أن ذلك كان لبعث حفصة إلى عمر أن يصلي بالناس و أنها قالت لعائشة " ما كنت لا صيب منك خيرا " وليت شعري إذا كان أبو بكر لا يملك نفسه من البكاء، ولا يستطيع القراءة لقيامه مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حياته ولا ريب أن حزنه وبكاءه كان لاحتمال أن يكون ذلك مرض موته (عليه السلام) فكيف ملك نفسه في السعي إلى السقيفة لعقدة البيعة، ولم يمنعه الحزن والأسف عن الحيل والتدابير في جلب الخلافة إلى نفسه، وعن القيام مقامه (صلى الله عليه وآله) في الرياسة العامة، مع أن جسده الطاهر المطهر كان بين أظهرهم لم ينقل إلى مضجعه.
فهذه وجوه التخالف في أخبار عائشة، مع قطع النظر عن مخالفتها لما رواه غيرها.
وأما روايات أنس فأول ما فيها أن أنسا من الثلاثة الكذابين كما سبق في كتاب أحوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيأتي وهو الذي دعا عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) لما أنكر حديث الغدير، فابتلاه الله بالبرص وبعد قطع النظر عن حاله وحال من روى عنه -
فمن رواياته ما صرحت بأن رسول الله لم يخرج إلى الصلاة في مرض موته، لأنه قال: " لم يخرج رسول الله ثلاثا وأبو بكر يصلي بالناس وأقيمت الصلاة، فذهب أبو بكر يتقدم، فرفع رسول الله الحجاب فأومأ إلى أبى بكر أن يتقدم وأرخى الحجاب فلم نقدر عليه حتى مات، وسوق الكلام في بعض رواياته الاخر أيضا يدل على ذلك، وهي مخالفة لروايات عائشة - وهو ظاهر - ولروايته المذكورة أولا الدالة على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى خلف أبي بكر في مرضه، وأنها كانت آخر صلاة صلاها، ولعل السر في وضع أنس تلك الأخبار الدالة على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يخرج إلى الصلاة أنه أراد إبطال ما كانت الشيعة يتمسكون به من أن (صلى الله عليه وآله) لما سمع صوته خرج إلى الصلاة وأخره عن المحراب فتفطن.
ومن وجوه تخالفها أنه قوله " فذهب أبو بكر يتقدم " وقوله: فأومأ بيده إلى أبى بكر أن يتقدم " صريح في أن رفع الحجاب والايماء كان قبل الصلاة وقبل أن يتقدم أبو بكر، وقوله في الرواية الأخرى " بينما هم في صلاة الفجر وأبو بكر يصلى بهم " وقوله في الرواية الأخرى " وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم " وقوله:
" أن أتموا صلاتكم " يدل على أنه كان بعد اشتغالهم بالصلاة، والتأويلات البعيدة ظاهرة البطلان.
وأما رواية عبد الله بن زمعة فكونه من رجال أهل الخلاف واضح، وذكره ابن الأثير وغيره في كتبهم ولم يذكروا له توثيقا ولا مدحا، قالوا عبد الله بن .
زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصى القرشي الأسدي عداده في المدنيين، روى عنه عروة بن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن، وروايته تخالف رواية عبيد الله بن عبد الله لدلالتها على أنه لما قال الرسول (صلى الله عليه وآله) مروا أبا بكر يصلى بالناس، وجاء الرسول، كان أبو بكر غائبا فقام عمر فصلى بالناس تلك الصلاة ولما سمع الرسول (صلى الله عليه وآله) صوت عمر قال: يأبى الله ذلك والمسلمون، وكرر ذلك القول، وبعث إلى أبي بكر فجاء بعد ما صلى عمر، ودلالة رواية عبيد الله على أنه لما أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبا بكر بالصلاة فجاء الرسول خاطب أبا بكر فقال أبو بكر: يا عمر صل بالناس فقال عمر: أنت أحق بذلك، فدلت على أن أبا بكر كان حاضرا حينئذ.
ومن القرائن على وضع هذه الرواية هذا التكرير المذكور، وتكرير لفظة " لا " ثلاثا ولقد تنبه لذلك صاحب الاستيعاب، فحذف هذه التكريرات لئلا يظن الكذب بهذا الراوي تعصبا وترويجا للباطل بقدر الامكان، والرواية على ما ذكره في الاستيعاب في ترجمة أبي بكر توافق ما رواه أصحابنا من أنه لم يأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر على الخصوص بالصلاة بل قال: مروا من يصلى بالناس وأنا أذكرها بلفظها ليتضح هذا المعنى.
قال: روى الزهري عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه عن عبد الله بن زمعة بن الأسود قال: كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو عليل، فدعاه بلال إلى الصلاة، فقال لنا: مروا من يصلى بالناس، قال: فخرجت فإذا عمر في الناس وكان أبو بكر غائبا فقلت: قم يا عمر فصل بالناس، فقام عمر فلما كبر سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) صوته وكان مجهرا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فأين أبو بكر؟
يأبى الله ذلك والمسلمون، فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس طول علته حتى مات (صلى الله عليه وآله).
ثم إن هيهنا نكتة لا ينبغي الغفلة عنها، وهي أنه إذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أولا على وجه العموم الشامل لكل بر وفاجر أن يصلي بالناس أحد، ثم سمع صوت عمر وقال: يأبى الله ذلك والمسلمون مرة واحدة، على ما في هذه الرواية أو كرر هذا القول أو قال: لا لا لا ثلاثا، وقال: ليصل بالناس ابن أبي قحافة مغضبا، وقد كان رضي بصلاة عبد الرحمن بن عوف بالناس، بل صلى بنفسه خلفه على ما أطبقت عليه رواياتهم وكان إمامة الصلاة دليلا على استحقاق الخلافة كما سيجئ في رواياتهم إنشاء الله تعالى من أنه باحتجاج عمر بأمر الصلاة تمت بيعة أبي بكر، لكان ذلك دليلا على عدم استحقاق عمر للخلافة.
ولو تنزلنا عن ذلك فهل يبقى لاحد ريب بعد ذلك في أن عبد الرحمن بن عوف الذي صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) خلفه، ولو ركعة واحدة كما ذكره بعضهم ، كان أولى بالخلافة من عمر بن الخطاب، فكيف نص أبو بكر على عمر في الخلافة وترك عبد الرحمن بن عوف؟
وكيف كان يقول لطلحة - لما خوفه من سؤال الله يوم القيامة: " أبا لله تخوفني؟ إذا لقيت ربي فساءلني قلت: استخلفت عليهم خير أهلك " فقال طلحة أعمر خير الناس يا خليفة رسول الله؟ فاشتد غضبه وقال: " أي والله هو خيرهم وأنت شرهم ".
وكيف قال لعثمان: لو تركت عمر لما عدوتك يا عثمان، وقد كان عبد الرحمن ابن عوف حاضرا عنده، وهو ممن شاوره أبو بكر في تعيين الخليفة فعاب عمر بالغلظة ثم لما حكم أبو بكر صريحا بأن طلحة شر الناس وجعل عثمان خير الناس و أولى بالخلافة بعد عمر، كيف جعل عمر طلحة وعثمان عدلين في الخلافة والشورى وهل كان ما فعلوه إلا خبطا في خبط، ولا ينفع ابتناء الكلام على جواز تفضيل .
المفضول، إذ كلام أبي بكر صريح في أن خروجه عن عهدة السؤال يوم القيامة يكون باستخلافه الأفضل.
فظهر انه لا يخلو الحال عن أحد الامرين: إما ان لا يدل التقديم في الصلاة على فضل، فانهدم أساس خلافتهم، أو كان تصريحا أو تلويحا يجرى مجرى التصريح باستحقاق الخلافة كما صرح به صاحب الاستيعاب، فكان أبو بكر يرى رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) باطلا، ولذا لم يعد عبد الرحمن في أمر الخلافة شيئا، وكان يجوز مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله) في اجتهاده كما زعموه، ومع ذلك كان يثب على عمر بن الخطاب ويجر لحيته، لما أشار إليه بعزل أسامة للمصلحة كما سيجئ إنشاء الله تعالى، وكان يقول له: " ثكلتك أمك يا ابن الخطاب لو اختطفتني الطير كان أحب إلى من أن أرد قضاء قضى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) " فانظر بعين البصيرة حتى يتضح لك ان القوم لم يسلكوا في غيهم مسلكا واحدا، بل تاهوا في حيرتهم شمالا ويمينا، وخسروا خسرانا مبينا.
واما أبو موسى وابن عمر فحالهما في عداوة أمير المؤمنين (عليه السلام ) ظاهر لا يحتاج إلى البيان، والظاهر أن روايتهما على وجه الارسال عن عائشة، وعلى تقدير ادعائهما الحضور، لا ينتهض قولهما حجة، لكونهما من أهل الخلاف ومن المجروحين.
واما رواية صاحب الاستيعاب عن الحسن البصري ففيها أن الحسن ممن ورد في ذمه من طرق العامة والخاصة كقول أمير المؤمنين (عليه السلام) فيه: هذا سامري هذه الأمة، وكدعائه عليه: لا زلت مسوءا لما طعن على أمير المؤمنين بإراقة دماء المسلمين وغير ذلك مما سيأتي في أبواب أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد عده ابن أبي .
الحديد من المنحرفين عن علي (عليه السلام)، وحكى أبو المعالي الجويني على ما ذكره بعض الأصحاب عن الشافعي أنه قال بعد ذكر الحسن: وفيه كلام.
وبعد التنزل عن كونه خصما مجروحا، وتسليم أن الطريق إليه حسن، نقول: إذا كان ذلك من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) فلما ذا ترك بيعة أبي بكر ستة أشهر أو أقل، حتى يقاد بأعنف العنف، ويهدد بالقتل بعد ظهور أماراته، وكيف كان يتظلم ويبث الشكوى منهم في كل مشهد ومقام، كما سيأتي في باب الشكوى وإسناد الكذب إلى الحسن أحسن من اسناد التناقض إلى كلامه عليه السلام، وغرضه من الوضع على لسانه (عليه السلام) إلزام الشيعة وإتمام الحجة عليهم، وإلا فانكاره (عليه السلام) لصدور الامر بالصلاة من الرسول (صلى الله عليه وآله) وتعيينه أبا بكر من المشهورات.
وقد روى ابن أبي الحديد عن شيخه أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل اللمعاني أن عليا (عليه السلام) كان ينسب عائشة إلى أنها أمرت بلالا أن يأمر أبا بكر بأن يصلى بالناس، وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ليصل بهم رجل ولم يعين أحدا، فقالت مر أبا بكر يصلي بالناس، وكان (عليه السلام) يذكر ذلك لأصحابه في خلواته كثيرا ويقول إنه لم يقل (صلى الله عليه وآله) إنكن كصويحبات يوسف إلا إنكارا لهذه الحال، وغضبا منه، لأنها وحفصة، تبادرنا إلى تعيين أبيهما وأنه استدركها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخروجه وصرفه عن المحراب انتهى.
.
فاتضح لك ضعف التمسك بهذه الاخبار سيما في أركان الدين.
وقال السيد الاجل - رضي الله عنه - في موضع من الشافي ذكر فيه تمسك
قاضى القضاة بحكاية الصلاة: إن خبر الصلاة خبر واحد، والاذن فيها ورد من جهة عائشة، وليس بمنكر أن يكون الاذن صدر من جهتها، لا من جهة الرسول (صلى الله عليه وآله) وقد استدل أصحابنا على ذلك بشيئين: أحدهما بقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما أتت به الرواية لما عرف تقدم أبي بكر في الصلاة، وسمع قراءته في المحراب " إنكن كصويحبات يوسف " وبخروجه متحاملا من الضعف معتمدا على أمير المؤمنين والفضل ابن العباس إلى المسجد، وعز له لأبي بكر عن المقام، وإقامة الصلاة بنفسه، وهذا يدل دلالة واضحة على أن الاذن في الصلاة لم يكن منه (صلى الله عليه وآله).
وقال بعض المخالفين: إن السبب في قوله: " إنكن صويحبات يوسف " أنه (صلى الله عليه وآله) لما أوذن بالصلاة وقال مروا أبا بكر ليصلي بالناس، فقالت له: عائشة إن أبا بكر رجل أسيف لا يحتمل قلبه أن يقوم مقامك في الصلاة، ولكن تأمر عمر أن يصلى بالناس، فقال عند ذلك " إنكن صويحبات يوسف " وهذا ليس بشئ لان النبي لا يجوز أن يكون أمثاله إلا وفقا لأغراضه، وقد علمنا أن صويحبات يوسف لم يكن منهن خلاف على يوسف ولا مراجعة له في شئ أمرهن به، وإنما افتتن بأسرهن بحسنه، وأرادت كل واحدة منهن مثل ما أرادته صاحبتها فأشبهت حالهن حال عائشة في تقديها أباها للصلاة للتجمل والشرف بمقام رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولما يعود بذلك عليها وعلى أبيها من الفخر وجميل الذكر.
ولا عبرة بمن حمل نفسه من المخالفين على أن يدعى أن الرسول (صلى الله عليه وآله) لما خرج إلى المسجد لم يعزل أبا بكر عن الصلاة وأقره في مقامه، لان هذا من قائله غلط فظيع، من حيث يستحيل أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الامام المتبع في ساير الدين متبعا مأموما في حال من الأحوال وكيف يجوز أن يتقدم على
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غيره في الصلاة، وقد دلت الاخبار على أنه لا يتقدم فيها إلا الأفضل على الترتيب والتنزيل المعروف.
وأقول: ذلك من مذهب أصحابنا معلوم لا يحتاج إلى بيان، وقد ورد من صحاح الاخبار عند المخالفين ما يدل عليه: روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فان كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فان كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فان كانوا في الهجرة سواء فأقدنهم سنا ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا باذنه.
وفي رواية له: ولا يؤمن الرجل الرجل في أهله.
وروى في جامع الأصول ما يدل على هذا المعنى بتغيير في اللفظ عن مسلم .
والترمذي والنسائي وأبي داود، وقال: قال شعبة: قلت لإسماعيل ما تكرمته؟
قال فراشه.
وروى مسلم في صحيحه أيضا عن أبي سعيد قال: قال (صلى الله عليه وآله): إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرأهم.
وروى أبو داود في صحيحة عن ابن عباس قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم قراؤكم.
وقد ذكر في المشكاة هذه الروايات على الوجه الذي ذكرناها.
وقد قال بالترتيب في الإمامة جمهور العامة، وإنما اختلفوا في تقدم الفقه أو القراءة فذهب أصحاب أبي حنيفة إلى تقدم القراءة لظاهر الخبر، والشافعي و مالك إلى تقدم الفقه على القراءة، فلو دل التقدم على الأفضلية، فتقدم أحد على الرسول (صلى الله عليه وآله) مما لا نزاع في بطلانه، ولو لم يدل عليها، وجاز تقديم المفضول، وكان من قبيل ترك الأولى، فسقط الاحتجاج بتقدم أبي بكر وأضرابه إذ يجوز حينئذ أن يكون مفضولا بالنسبة إلى كل واحد من مؤتميه وهو واضح.
وأنت بعد اطلاعك على أخبارهم السالفة، لا ترتاب في بطلان القول بأنه (صلى الله عليه وآله) صلى خلف أبى بكر إذ بعض روايات عائشة صريحة في أنه جلس بين يدي أبي بكر، وبعضها صريحة في أنه اقتدى أبو بكر بصلاته (صلى الله عليه وآله وسلم)، و إن كان جلس إلى جنب أبي بكر، وبعض روايات أنس دلت على عدم خروجه في مرضه إلى الصلاة كما سبق، فكان منافيا لما دل على اقتدائه بأبي بكر، وتلك .
الروايات أكثر، فلا يصلح ما دلت على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى خلف أبي بكر معارضة لها ولو سلمنا كونها صالحة للمعارضة لها فإذا تعارضتا تساقطتا، فبقي ما رواه أصحابنا سليما عن معارض، وقد صرح الثقات عندهم من أرباب السير كصاحب الكامل وغيره بأنه كان يصلى بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكفاك شاهدا على بطلانه اعتراف قاضي القضاة الذي يتشبث بكل رطب ويابس، فلو لا أنه رأى القول بذلك فظيعا ظاهر البطلان لما فاته التمسك به.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.