بحارالانوار · كتاب التوحيد
باب 6 التوحيد ونفى الشريك ومعنى الواحد والأحد والصمد
ج ۳، ص ۲۲۴–۲۴۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
في أجسادهم الكثيفة، فإذا نظر عبد إلى نفسه لم ير روحه، كما أن لام الصمد لا تتبين ولا تدخل في حاسة من حواسه الخمس، فإذا نظر إلى الكتابة ظهر له ما خفي ولطف، فمتى تفكر العبد في مائية الباري وكيفيته أله فيه وتحير ولم تحط فكرته بشئ يتصور له، لأنه عز وجل خالق الصور، فإذا نظر إلى خلقه ثبت له أنه عز وجل خالقهم، ومركب أرواحهم في أجسادهم، وأما الصاد فدليل على أنه عز وجل صادق، وقوله صدق و كلامه صدق، ودعا عباده إلى اتباع الصدق بالصدق، ووعد بالصدق دار الصدق، وأما الميم فدليل على ملكه، وأنه الملك الحق، لم يزل ولا يزال ولا يزول ملكه، وأما الدال فدليل على دوام ملكه، وأنه عز وجل دائم تعالى عن الكون والزوال، بل هو الله عز وجل مكون الكائنات الذي كان بتكوينه كل كائن.
ثم قال عليه السلام: لو وجدت لعلمي الذي آتاني الله عز وجل حملة لنشرت التوحيد والاسلام والايمان والدين والشرائع من الصمد، وكيف لي بذلك ولم يجد جدي أمير المؤمنين عليه السلام حملة لعلمه حتى كان يتنفس الصعداء ويقول على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني فإن بين الجوانح مني علما جما، هاه هاه، ألا لا أجد من يحمله، ألا وإني عليكم من الله الحجة البالغة، فلا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور.
ثم قال الباقر عليه السلام: الحمد لله الذي من علينا ووفقنا لعبادته الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وجنبنا عبادة الأوثان، حمدا سرمدا و شكرا واصبا. وقوله عز وجل: لم يلد ولم يولد يقول الله عز وجل: لم يلد فيكون له ولد يرثه ملكه، ولم يولد فيكون له والد يشركه في ربوبيته وملكه، ولم يكن له كفوا أحد فيعازه في سلطانه. بيان: روي في معاني الأخبار ما يتعلق بتأويل الصمد من هذا الخبر بهذا الاسناد.
ثم اعلم أن تحقيق معنى " هو " بهذا الوجه غير معروف، ولا يبعد أن يكون في أصل الوضع
كذلك. وقوله: ولا نأله صيغة المتكلم من أله بمعنى تحير. واختلف في لفظ الجلالة فالمشهور أنه عربي مشتق، إما من أله بمعنى عبد، أو من أله: إذا تحير، إذ العقول تتحير في معرفته، أو من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه، لان القلوب تطمئن بذكره، والأرواح تسكن إلى معرفته، أو من أله: إذا فزع من أمر نزل عليه، وألهه غيره: أجاره، إذ العابد يفزع إليه وهو يجيره، أو من أله الفصيل: إذا ولع بأمه، إذ العباد يولعون بالتضرع إليه في الشدائد، أو من وله: إذا تحير وتخبط عقله، وكان أصله ولاه فقلبت الواو همزة لاستثقال الكسرة عليها، أو من لاه مصدر لاه يليه ليها ولاها: إذا احتجب و ارتفع لأنه تعالى محجوب عن إدراك الابصار، ومرتفع على كل شئ وعما لا يليق به، وقيل: إنه غير مشتق وهو علم للذات المخصوصة وضع لها ابتداءا. وقيل: أصله " لاها " بالسريانية فعرب بحذف الألف الأخيرة وإدخال اللام عليه.
وقال الرازي: ذكروا في الفرق بين الواحد والأحد وجوها، أحدها: أن الواحد يدخل في العدد والأحد لا يدخل فيه. وثانيها: أنك إذا قلت: فلان لا يقاومه واحد جاز أن يقال: لكنه يقاومه اثنان بخلاف الأحد. وثالثها: أن الواحد يستعمل في الاثبات والأحد في النفي. انتهى.
وقوله عليه السلام: ومن ثم لبيان أن الواحد الحقيقي هو الذي لا يكون فيه شئ من أنحاء التعدد لان الوحدة تقابل العدد.
ثم اعلم أنهم اختلفوا في معنى الصمد، فقيل: إنه فعل بمعنى المفعول من صمد إليه: إذا قصده، وهو السيد المقصود إليه في الحوائج. وروت العامة عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: ما الصمد؟ قال صلى الله عليه وآله: هو السيد الذي يصمد إليه في الحوائج. وقيل: إن الصمد هو الذي لا جوف له، وقال ابن قتيبة: الدال فيه مبدلة من التاء وهو الصمت، وقال بعض اللغويين: الصمد: هو الأملس من الحجر لا يقبل الغبار ولا يدخله ولا يخرج منه شئ.
فعلى الأول عبارة عن وجوب الوجود والاستغناء المطلق واحتياج كل شئ في جميع أموره إليه أي الذي يكون عنده ما يحتاج إليه كل شئ، ويكون رفع حاجة الكل إليه، ولم يفقد في ذاته شيئا مما يحتاج إليه الكل، وإليه يتوجه كل شئ بالعبادة و الخضوع، وهو المستحق لذلك، وإليه يؤمي خبر الجعفري.
وأما على الثاني فهو مجاز عن أنه تعالى أحدي الذات أحدي المعنى ليست له أجزاء ليكون بين الاجزاء جوف، ولا صفات زائدة فيكون بينها وبين الذات جوف، أو عن أنه الكامل بالذات ليس فيه جهة استعداد وإمكان ولا خلو له عما يليق به، فلا يكون له جوف يصلح أن يدخله ما ليس له في ذاته فيستكمل به، فالجوف كناية عن الخلو عما لا يصح اتصافه به.
وأما على الثالث فيكون كناية عن عدم الانفعال والتأثر عن الغير، وكونه محلا للحوادث كما سيأتي في جواب من سأل الصادق عليه السلام عن رضا الله وسخطه، فقال: ليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين، وذلك أن الرضا دخال يدخل عليه فينقله من حال إلى حال لان المخلوق أجوف، معتمل، مركب، للأشياء فيه مدخل، وخالقنا لا مدخل للأشياء فيه لأنه واحد وأحدي الذات وأحدي المعنى، وهذا الخبر يؤيد بعض المعاني السابقة أيضا.
وقد نقل بعض المفسرين عن الصحابة والتابعين والأئمة واللغويين قريبا من عشرين معنى، ويمكن إدخال جميعها فيما ذكرنا من المعنى الأول لأنه لاشتماله على
الوجوب الذاتي يدل على جميع السلوب، ولدلالته على كونه مبدءا للكل يدل على اتصافه بجميع الصفات الكمالية، وبهذا الوجه يمكن الجمع بين الاخبار المختلفة الواردة في هذا المعنى.
وقوله عليه السلام: لا يوصف بالتغاير أي بالصفات الموجودة المغايرة للذات، ويحتمل على بعد أن يكون مأخوذا من الغيرة كناية عن أنه ليس له ضد ولا ند، وفيما رواه الطبرسي رحمه الله: لا يوصف بالنظائر. والبدوات بالفتحات: ما يبدو ويسنح ويظهر من الحوادث والحالات المتغيرة والآراء المتبدلة، يقال: بدا أي ظهر، وبدا له في الامر:
نشأ له فيه رأي، وهو في ذو بدوات. والانية: التحقق والوجود. والصعداء بضم الصاد و فتح العين: تنفس طويل. والجوانح: الضلوع تحت الترائب مما يلي الصدر. والواصب:
الدائم والثابت. والمعازة: المغالبه.
16 - التوحيد: ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن هاشم، عن ابن بزيع، عن يونس، عن الحسن بن السري، عن جابر قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إن الله عز وجل - تباركت أسماؤه وتعالى في علو كنهه - أحد توحد بالتوحيد في توحده، ثم أجراه على خلقه، فهو أحد صمد ملك قدوس يعبده كل شئ ويصمد إليه، وفوق الذي عسينا أن نبلغ، ربنا وسع كل شئ علما.
المحاسن: اليقطيني، عن يونس، عن الحسن بن السري مثله.
17 - التوحيد: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن فضال، عن الحلبي وزرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أحد صمد، ليس له جوف، وإنما الروح خلق من خلقه نصر وتأييد وقوة يجعله الله في قلوب الرسل والمؤمنين.
18 - التوحيد: ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن الفضل بن شاذان قال: سأل رجل من الثنوية أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام - وأنا حاضر - فقال له: إني أقول: إن صانع العالم اثنان، فما الدليل على أنه واحد؟ فقال: قولك: إنه اثنان دليل على أنه واحد لأنك لم تدع الثاني إلا بعد إثباتك الواحد، فالواحد مجمع عليه، وأكثر من واحد مختلف فيه.
قال الصدوق رحمه الله: الدليل على أن الصانع واحد لا أكثر من ذلك أنهما لو كانا اثنين لم يخل الامر فيهما من أن يكون كل واحد منهما قادرا على منع صاحبه مما يريد أو غير قادر، فإن كانا كذلك فقد جاز عليهما المنع، ومن جاز عليه ذلك فمحدث، كما أن المصنوع محدث، وإن لم يكونا قادرين لزمهما العجز والنقص، وهما من دلالات الحدث، فصح أن القديم واحد.
ودليل آخر: وهو أن كل واحد منهما لا يخلو من أن يكون قادرا على أن يكتم الآخر شيئا، فإن كان كذلك فالذي جاز الكتمان عليه حادث، وإن لم يكن قادرا فهو عاجز، والعاجز حادث بما بيناه. وهذا الكلام يحتج به في إبطال قديمين صفة كل واحد منهما صفة القديم الذي أثبتناه. فأما ما ذهب إليه ماني وابن ديصان من خرافاتهما في الامتزاج، ودانت به المجوس من حماقاتها في أهرمن ففاسد بما به يفسد قدم الأجسام، ولدخولهما في تلك الجملة اقتصرت على الكلام فيهما ولم أفرد كلا منهما بما يسئل عنه منه.
19 - التوحيد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام ما الدليل على أن الله واحد؟ قال: اتصال التدبير وتمام الصنع، كما قال عز وجل: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا.
بيان: إما إشارة إلى برهان التمانع أو إلى التلازم، وسيأتي بعض تقريراتهما
20 - تحف العقول: عن داود بن القاسم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الصمد، فقال:
الذي لا سرة له. قلت: فإنهم يقولون: إنه الذي لا جوف له، فقال: كل ذي جوف له سرة.
بيان: الغرض أنه ليس فيه تعالى صفات البشر وسائر الحيوانات، وهو أحد أجزاء معنى الصمد كما عرفت وهو لا يستلزم كونه تعالى جسما مصمتا.
21 - جامع الأخبار: سئل ابن الحنفية عن الصمد. فقال: قال علي عليه السلام: تأويل الصمد لا اسم ولا جسم، ولا مثل ولا شبه، ولا صورة ولا تمثال، ولا حد ولا حدود، ولا موضع ولا مكان، ولا كيف ولا أين، ولا هنا ولا ثمة، ولا ملا ولا خلا، ولا قيام ولا قعود، ولا سكون ولا حركة، ولا ظلماني ولا نوراني، ولا روحاني ولا نفساني، ولا يخلو منه موضع لا يسعه موضع ، ولا على لون، ولا على خطر قلب، ولا على شم رائحة، منفي عنه هذه الأشياء.
22 - الإحتجاج: عن هشام بن الحكم أنه قال: من سؤال الزنديق عن الصادق عليه السلام أن قال: لم لا يجوز أن يكون صانع العالم أكثر من واحد؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: لا يخلو قولك: إنهما اثنان من أن يكونا قديمين قويين، أو يكونا ضعيفين، أو يكون أحدهما قويا والاخر ضعيفا، فإن كانا قويين فلم لا يدفع كل واحد منهما صاحبه ويتفرد بالربوبية؟ وإن زعمت أن أحدهما قوي والاخر ضعيف ثبت أنه واحد - كما نقول - للعجر الظاهر في الثاني، وإن قلت: إنهما اثنان لم يخل من أن يكونا متفقين من كل جهة، أو مفترقين من كل جهة، فلما رأينا الخلق منتظما، والفلك جاريا، واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر، دل صحة الامر والتدبير وايتلاف الامر على أن المدبر واحد.
التوحيد: الدقاق، عن أبي القاسم العلوي، عن البرمكي، عن الحسين بن الحسن، عن إبراهيم بن هاشم القمي، عن العباس بن عمرو الفقيمي، عن هشام بن الحكم مثله، وزاد فيه: ثم يلزمك إن ادعيت اثنين فلابد من فرجة بينهما حتى يكونا اثنين فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما فليزمك ثلاثة، وإن ادعيت ثلاثة لزمك ما قلنا في الاثنين حتى يكون بينهم فرجتان فيكونوا خمسة، ثم يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة.
الكافي: علي، عن أبيه مثله.
بيان: ولنشر ههنا إلى بعض براهين التوحيد على وجه الاختصار، ثم لنذكر ما يمكن أن يقال في حل هذا الخبر الذي هو من غوامض الاخبار.
فأما البراهين: فالأول أنه لما ثبت كون الوجود عين حقيقة الواجب فلو تعدد لكان امتياز كل منهما عن الاخر بأمر خارج عن الذات فيكونان محتاجين في تشخصهما إلى أمر خارج، وكل محتاج ممكن.
والثاني: أنه لو تعدد الواجب لذاته فإما أن يكون امتياز كل منهما عن الاخر بذاته فيكون مفهوم واجب الوجود محمولا عليهما بالحمل العرضي، والعارض معلول للمعروض فيرجع إلى كون كل منهما علة لوجوب وجوده وقد ثبت بطلانه. وإما أن يكون ذلك الامتياز بالامر الزائد على ذاتهما وهو أفحش، فإنه إما أن يكون معلولا لماهيتهما أو لغيرهما، وعلى الأول إن اتحد ماهيتهما كان التعين مشتركا وهذا خلف، وإن تعددت الماهية كان كل منهما شيئا عرض له وجوب الوجود أعني الوجود المتأكد للواجب، وقد تبين بدلائل عينية الوجود بطلانه، وعلى الثاني يلزم الاحتياج إلى الغير والامكان، وبالجملة لو كان الواجب متعددا لكان نسبة الوجوب إليهما نسبة العوارض فكان ممكنا لا واجبا.
الثالث: أنه لو كان لله سبحانه شريك لكان لمجموع الواجبين وجود غير وجود الآحاد، سواء كان ذلك الوجود عين مجموع الوجودين، أو أمرا زائدا عليه، ولكان هذا الوجود محتاجا إلى وجود الاجزاء، والمحتاج إلى الغير ممكن محتاج إلى مؤثر و المؤثر في الشئ يجب أن يكون مؤثرا في واحد من أجزائه، وإلا لم يكن مؤثرا في ذلك الشئ، وقد ادعوا الضرورة فيه، ولا يمكن التأثير فيما نحن فيه في شئ من الاجزاء لكون كل من الجزئين واجبا، فالشريك يستلزم التأثير فيما لا يمكن التأثير فيه، أو إمكان ما فرض وجوبه إلى غير ذلك من المفاسد.
الرابع: برهان التمانع وأظهر تقريراته أن وجوب الوجود يستلزم القدرة و القوة على جميع الممكنات قوة كاملة بحيث يقدر على إيجاده ودفع ما يضاده مطلقا، وعدم القدرة على هذا الوجه نقص، والنقص عليه تعالى محال ضرورة بدليل إجماع العقلاء عليه، ومن المحال عادة إجماعهم على نظري، ولئن لم يكن ضروريا فنظري ظاهر متسق الطريق، واضح الدليل، واستحالة إجماعهم على نظري لا يكون كذلك أظهر، فنقول
حينئذ: لو كان في الوجود واجبان لكانا قويين، وقوتهما يستلزم عدم قوتهما لان قوة كل منهما على هذا الوجه يستلزم وقته على دفع الاخر عن إرادة ضد ما يريده نفسه من الممكنات، والمدفوع غير قوي بهذا المعنى الذي زعمنا أنه لازم لسلب النقص.
فإن قلت: هذا إنما يتم لو كان إرادة كل مهما للممكن بشرط إرادة الاخر لضده ممكنا وبالعكس، وليس كذلك بل إرادة كل منهما له بشرط إرادة الاخر لضده ممتنع، ونظير ذلك أن إرادة الواجب للممكن بشرط وجود ضده محال، ولا يلزم منه نقص. قلت: امتناع الإرادة بشرط إرادة الاخر هو الامتناع بالغير، وامتناعه بالغير تحقق النقص والعجز - تعالى عن ذلك - وأما امتناع إرادة الشئ بشرط وجود ضده فمن باب امتناع إرادة المحال الذاتي، وإن كان امتناع الإرادة امتناعا بالغير، ومثله غير ملزوم للنقص بخلاف ما نحن فيه فإن المراد ممتنع بالغير.
فإن قلت: وجود الشئ كما يمتنع بشرط ضده ونقيضه كذلك يمتنع بشرط ملزوم ضده ونقيضه، والأول امتناع بالذات، والثاني امتناع بالغير، وكما أن إرادة الأول منه تعالى محالى ولا نقص فيه، كذلك إرادة الثاني، وظاهر أن إرادة إيجاد الممكن بشرط إرادة الاخر له من قبل الثاني فينبغي أن لا يكون فيه نقص. قلت: فرق بين الامرين فإن وجود الممكن إذا قيد واشترط بملزوم نقيضه كان ممتنعا ولو بالغير ولم يتعلق به إرادة ضرورة، وأما إذا لم يقيد الوجود به بل أطلق فغير ممتنع فيمكن تعلق الإرادة به ولو في زمان وجود ملزوم النقيض بأن يدفع الملزوم، وإن لم يندفع هو من قبل نفسه أو من دافع آخر، بخلاف إرادة الاخر له فإنه لو لم يندفع من قبل نفسه ولم يدفعه دافع آخر لم يتعلق به الإرادة ضرورة فهو مدفوع، وإلا فالاخر مدفوع فصار حاصل الفرق حينئذ أن الصانع تعالى قادر على إيجاد أحد الضدين في زمان الضد الاخر بدون حاجة إلى واسطة غير مستندة إليه تعالى، وهو أي الحاجة إلى الواسطة المستندة إلى الفاعل لا ينافي الاستقلال والقدرة كما لا ينافي الاحتياج إلى الواسطة المستندة إلى الذات الوجوب الذاتي بخلاف ما نحن فيه فإنه احتياج إلى واسطة غير مستندة إلى الذات.
لا يقال: لعل انتفاء إرادة الاخر واجب بنفسه، ولا نسلم منافاة توسط الواجب بالذات بين الفاعل وفعله، لاستقلاله واستلزامه النقص. لأنا نقول: الأول بين البطلان فإن تحقق إرادة الاخر وانتفاعها ممكن في نفسه لكنه ينتفي فيما نحن فيه من قبل ذي الإرادة لو انتفى فيكون واسطة ممكنة غير صادرة عن الفاعل ولا مستندة إليه، وأما الثاني فربما تدعى البداهة في استلزامه النقص وهو غير بعيد وبهذا التقرير يندفع كثير من الشكوك والشبه.
الخامس: تقرير آخر لبرهان التمانع ذكره المحقق الدواني، وهو أنه لا يخلو أن يكون قدرة كل واحد منهما وإرادته كافية في وجود العالم، أو لا شئ منهما كاف، أو أحدهما كاف فقط، وعلى الأول يلزم اجتماع المؤثرين التأمين على معلول واحد، وعلى الثاني يلزم عجزهما لأنهما لا يمكن لهما التأثير إلا باشتراك الاخر، وعلى الثالث لا يكون الاخر خالقا فلا يكون إلها، أفمن يخلق كمن لا يخلق؟.
لا يقال: إنما يلزم العجز إذا انتفت القدرة على الايجاد بالاستقلال أما إذا كان كل منهما قادرا على الايجاد بالاستقلال ولكن اتفقا على الايجاد بالاشتراك فلا يلزم العجز كما أن القادرين على حمل خشبة بالانفراد قد يشتركان في حملها، وذلك لا يستلزم عجزهما لان إرادتهما تعلقت بالاشتراك، وإنما يلزم العجز لو أرادا الاستقلال ولم يحصل. لأنا نقول: تعلق إرادة كل منهما إن كان كافيا لزم المحذور الأول، وإن لم يكن كافيا لزم المحذور الثاني، والملازمتان بينتان لا تقبلان المنع، وما أوردتم من المثال في سند المنع لا يصلح للسندية إذ في هذه الصورة ينقص ميل كل واحد منهما من الميل الذي يستقل في الحمل قدر ما يتم الميل الصادر من الاخر حتى تنقل الخشبة بمجموع الميلين، وليس كل واحد منهما بهذا القدر من الميل فاعلا مستقلا، وفي مبحثنا هذا ليس المؤثر إلا تعلق القدرة والإرادة، ولا يتصور الزيادة والنقصان في شئ منهما السادس: أن كل من جاء من الأنبياء وأصحاب الكتب المنزلة إنما ادعى الاستناد إلى واحد أسند إليه الاخر، ولو كان في الوجود واجبان لكان يخبر مخبر من قبله بوجوده وحكمه، واحتمال أن يكون في الوجود واجب لا يرسل إلى هذا العالم أو لا يؤثر ولا
يدبر أيضا فيه مع تدبيره ووجود خبره في عالم آخر أو عدمه مما لا يذهب إليه وهم واهم، فإن الوجوب يقتضي العلم والقدرة وغيرهما من الصفات، ومع هذه الصفات الكمالية يمتنع عدم الاعلام ونشر الآثار بحيث يبلغ إلينا وجود، وأما ما زعمت الثنوية من الاله الثاني فليس بهذه المثابة. ومما يرسل ويحكم فيهم وإن قالوا بوجود الواجب الآخر فقد نفوا لازمه فهو باطل بحكم العقل.
وقد أثبتنا في كتاب الروضة فيما أوصى به أمير المؤمنين ابنه الحسن صلوات الله عليهما ما يومي إلى هذا الدليل، حيث قال عليه السلام: واعلم أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت صفته وفعاله، ولكنه إله واحد كما وصف نفسه، لا يضاده في ذلك أحد ولا يحاجه، وأنه خالق كل شئ.
السابع: الأدلة السمعية من الكتاب والسنة وهي أكثر من أن تحصى، وقد مر بعضها، ولا محذور في التمسك بالأدلة السمعية في باب التوحيد، وهذه هي المعتمد عليها عندي. وبسط الكلام في تلك الأدلة وما سواها مما لم نشر إليها موكول إلى مظانها، ولنرجع إلى حل الخبر وشرحه، وقد قيل فيه وجوه:
الأول: أن المراد بالقوي القوي على فعل الكل بالإرادة مع إرادة استبداده به، والمراد بالضعيف الذي لا يقوى على فعل الكل، ولا يستبد به ولا يقاوم القوي، فان كانا قويين فلم لا يدفع كل منهما صاحبه ويتفرد به، أي يلزم من قوتهما انفراد كل بالتدبير، ويلزم منه عدم وقوع الفعل، وإن زعمت أنه أحدهما قوي والاخر ضعيف ثبت أنه واحد أي المبدأ للعالم واحد لعجز الضعيف عن المقاومة والتأثير، وثبت احتياج الضعيف إلى العلة الموجدة لان القوي أقوى وجودا من الضعيف، وضعف الوجود لا يتصور إلا بجواز خلو الماهية عن الوجود، ويلزم منه الاحتياج إلى المبدأ المبائن الموجود له.
وإن قلت: إنهما اثنان أي المبدأ اثنان، وهذا هو الشق الثاني، أي كونهما ضعيفين بأن يقدر ويقوى كل منهما على بعض، أو يفعل بعضا دون بعض بالإرادة، وإن كان يقدر على الكل وفي هذا الشق لا يخلو من أن يكونا متفقين أي في الحقيقة من كل جهة، ويلزم من هذا عدم الامتياز بالتعين للزوم المغايرة بين الحقيقة والتعينين المختلفين، واستحالة
استنادهما إلى الحقيقة، واستحالة استنادهما إلى الغير فيكون لهما مبدء، أو مختلفين مفترقين من كل جهة وذلك معلوم الانتفاء فإنا لما رأينا الخلق منتظما، والفلك جاريا، والتدبير واحدا، والليل والنهار والشمس والقمر دل صحة الامر والتدبير وايتلاف الامر على أن المدبر واحد لا اثنان مختلفان من كل جهة، ثم ذلك المدبر الواحد لا يجوز أن يكون واحدا بجهة من حيث الحقيقة مختلفا بجهة أخرى فيكون المدبر اثنين، ويلزمك إن ادعيت اثنين فرجة ما بينهما لان لهما وحدة فلا يتمايزان إلا بمميز فاصل بينهما حتى يكونا اثنين، لامتناع الاثنينية بلا مميز بينهما، وعبر عن الفاصل المميز بالفرجة حيث إن الفاصل بين الأجسام يعبر عنه بالفرجة، وأولئك الزنادقة لم يكونوا يدركون غير المحسوسات تنبيها على أنكم لا تستحقون أن تخاطبوا إلا بما يليق استعماله في المحسوسات، وذلك المميز لابد أن يكون وجوديا داخلا في حقيقة أحدهما، إذ لا يجوز التعدد مع الاتفاق في تمام الحقيقة كما ذكرنا، ولا يجوز أن يكون ذلك المميز ذا حقيقة يصح انفكاكها عن الوجود وخلوها عنه ولو عقلا، وإلا لكان معلولا محتاجا إلى المبدأ فلا يكون مبدءا ولا داخلا فيه، فيكون المميز الفاصل بينهما قديما موجودا بذاته كالمتفق فيه فيكن الواحد المشتمل على المميز الوجودي اثنين لا واحدا، ويكون الاثنان اللذان ادعيتهما ثلاثة، فإن قلت به وادعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين من تحقق المميز بين الثلاثة، ولابد من مميزين وجوديين حتى تكون بين الثلاثة فرجتان ولابد من كونهما قديمين كما مر فيكونوا خمسة، وهكذا، ثم يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة، أي يتناهى الكلام في التعدد إلى القول بما لا نهاية له في الكثرة، أو يبلغ عدده إلى كثرة غير متناهية، أو المراد أنه يلزمك أن يتناهى المعدود المنتهي ضرورة بمعروض ما ينتهي إليه العدد أي الواحد إلى كثير لا نهاية له في الكثرة فيكون عددا بلا واحد وكثرة بلا وحدة، وعلى هذا يكون الكلام برهانيا لا يحتاج إلى ضميمة، وعلى الأولين يصير بضم ما ذكرناه من ثالث الاحتمالات برهانيا.
الثاني: أن يكون إشارة إلى ثلاثة براهين، وتقرير الأول - بعد ما تقرر أن ما لا يكون قويا على إيجاد أي ممكن كان لا يكون واجبا بالذات - أن يقال: لا يصح أن يكون الواجب بالذات اثنين، وإلا كان كل منهما قويا على إيجاد أي ممكن كان،
وكل ممكن بحيث يكون استناده إلى أي منهما كافيا في تصحح خروجه من القوة إلى الفعل، وحينئذ لم يكن محيص إما من لزوم استناد كل معلول شخصي إلى علتين مستبدتين بالإفاضة وذلك محال، أو من لزوم الترجح بلا مرجح وهو فطري الاستحالة، أو من كون أحدهما غير واجب بالذات وهو خلاف المفروض، وهذا البرهان يتم عند قوله عليه السلام:
للعجز الظاهر في الثاني.
وقوله عليه السلام: وإن قلت إلى قوله: على أن المدبر واحد إشارة إلى برهان ثان، وهو أحد الوجوه البرهانية في قوله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، وتلخيص تقريره أن التلازم بين أجزاء النظام الجملي المنتظم المتسق كما بين السماء والأرض مثلا على ما قد أحقته القوانين الحكمية لا يستتب إلا بالاستناد إلى فاعل واحد يصنع الجميع بحكمته وقدرته إذ التلازم بين شيئين لا يتصحح إلا بعلية أحدهما للاخر، أو بمعلوليتهما لعلة واحدة موجبة، فلو تعدد اختل الامر وفسد النظام.
وتقرير الثالث هو أنك لو ادعيت اثنين كان لا محالة بينهما انفصال في الوجود، وافتراق في الهوية، ويكون هناك موجود ثالث هو المركب من مجموع الاثنين، وهو المراد بالفرجة، لأنه منفصل الذات والهوية، وهذا المركب لتركبه عن الواجبات بالذات المستغنيات عن الجاعل موجود لا من تلقاء الصانع إذ افتقار المركب إلى الجاعل بحسب افتقار أجزائه فإذا لم تفتقر أجزاؤه لم يفتقر هو بالضرورة فإذن قد لزمك أن يكون هذا الموجود الثالث أيضا قديما فيلزمك ثلاثة وقد ادعيت اثنين وهكذا، ويرد عليه مع بعد إطلاق الفرجة بهذا المعنى أنه يلزم في الفرض الثاني سبعة لا خمسة.
الثالث: أن يكون إشارة إلى حجتين: إحديهما عامية مشهورية، والأخرى خاصية برهانية: أما الأولى فقوله: لا يخلو قولك إلى قوله: في الثاني ومعناه أنه لو فرض قديمان فلا يخلو أن يكون كلاهما قويين أو كلاهما ضعيفين أو أحدهما قويا والاخر ضعيفا، والثلاثة بأسرها باطلة أما الأول فلانه إذا كانا قويين وكل منهما في غاية القوة من غير ضعف وعجز كما هو المفروض - والقورة يقتضي الغلبة والقهر على كل شئ سواه - فما السبب المانع لان يدفع كل واحد منهما صاحبه حتى يتفرد بالتدبير والقهر على
غيره؟ إذ اقتضاء الغلبة والاستعلاء مركوزة في كل ذي قوة على قدر قوته والمفروض أن كلا منهما في غاية القوة. وأما فساد الشق الثاني فهو ظاهر عند جمهور الناس، لما حكموا بالفطرة من أن الضعف ينافي الإلهية، ولظهوره لم يذكره عليه السلام. وأيضا يعلم فساده بفساد الشق الثالث، وهو قوله: وإن زعمت أن أحدهما قوي والاخر ضعيف ثبت أنه أي الاله واحد - كما نحن نقول - للعجز الظاهر في المفروض ثانيا لان الضعف منشأ العجز، والعاجز لا يكون إلها بل مخلوقا محتاجا لأنه محتاج إلى من يعطيه القوة والكمال والخيرية.
وأما الحجة البرهانية فأشار إليها بقوله: " وإن قلت: إنهما اثنان " وبيانه أنه لو فرض موجودان قديمان فإما أن يتفقا من كل جهة، أو يختلفا من كل جهة، أو يتفقا بجهة ويختلفا بأخرى والكل محال: أما بطلان الأول فلان الاثنينية لا تتحقق إلا بامتياز أحد الاثنين عن صاحبه ولو بوجه من الوجوه، وأما بطلان الثاني فلما نبه عليه بقوله: فلما رأينا الخلق منتظما، وتقريره أن العالم كله كشخص واحد كثير الاجزاء والأعضاء مثل الانسان، فإنا نجد أجزاء العالم مع اختلاف طبائعها الخاصة وتباين صفاتها وأفعالها المخصوصة يرتبط بعضها ببعض، ويفتقر بعضها إلى بعض، وكل منها يعين بطبعه صاحبه، وهكذا نشاهد الاجرام العالية وما ارتكز فيها من الكواكب النيرة في حركاتها الدورية وأضوائها الواقعة منها نافعة للسفليات، محصلة لأمزجة المركبات التي يتوقف عليها صور الأنواع ونفوسها، وحياة الكائنات ونشوء الحيوان والنبات، فإذا تحقق ما ذكرنا من وحدة العالم لوحدة النظام واتصال التدبير دل على أن إلهه واحد، وإليه أشار بقوله: دل صحة الامر والتدبير وائتلاف الامر على أن المدبر واحد.
وأما بطلان الشق الثالث - وهو أنهما متفقان من وجه ومختلفان من وجه آخر - فبأن يقال - كما أشار إليه عليه السلام بقوله: " ثم يلزمك " -: إنه لابد فيهما من شئ يمتاز به أحدهما عن صاحبه وصاحبه عنه، وذلك الشئ يجب أن يوكن أمرا وجوديا يوجد في أحدهما ولم يوجد في الاخر، أو أمران وجوديان يختص كل منهما بواحد فقط، وأما كون الفارق المميز لكل منهما عن صاحبه أمرا عدميا فهو ممنع بالضرورة إذ الاعدام
بما هي أعدام لا تمايز بينها ولا تمييز بها، فإذا فرض قديمان فلا أقل من وجود أمر ثالث يوجد لأحدهما، ويسلب عن الاخر، وهو المراد بالفرجة إذ به يحصل الانفراج أي الافتراق بينهما لوجوده في أحدهما وعدمه في الاخر، وهو أيضا لا محالة قديم موجود معهما، وإلا لم يكونا اثنين قديمين فليزم أن يكون القدماء ثلاثة وقد فرض اثنان وهذا خلف، ثم يلزم من فرض كونهم ثلاثة أن يكونوا خمسة، وهكذا إلى أن يبلغ عددهم إلى ما لا نهاية له وهو محال.
أقول: الأظهر على هذا التقرير أن تحمل الوحدة في قوله عليه السلام: على أن المدبر واحد على الأعم من الوحدة النوعية والشخصية، ولو حملت على الشخصية يمكن أن يستخرج منه ثلاث حجج بهذا التقرير ولا يخفى توجيهها.
الرابع: أن يكون إشارة إلى ثلاث حجج لكن على وجه آخر، وتقرير الأول أنه لو كان اثنين فإما أن يكونا قويين أي مستقلين بالقدرة على كل ممكن في نفسه سواء كان موافقا للمصلحة أو مخالفا، وهو إنما يتصور بكونهما قديمين، وإما أن يكونا ضعيفين أي غير مستقلين بالقدرة على ممكن ما في نفسه، وإما أن يكون أحدهما قويا والاخر ضعيفا، والأول محال لاشتماله على التناقض، لان كون كل منهما قويا بهذا المعنى يستلزم أن يكون قويا على دفع الاخر عن أن يصدر عنه مراد الأول بعينه أو مثله أو ضده في محله لأن عدم المنافي شرط في صدور كل ممكن، وعدم القوة على الشرط ينافي القوة على المشروط ولا شك أن المدفوع كذلك ضعيف مسخر، فقوة كل منهما في فعل صدر عنه يستلزم دفعه الاخر فيه وضعف ذلك الاخر، وفي فعل تركه حتى فعل الاخر ضده يستلزم تمكينه الاخر في فعله، وهذا تفرد بالتدبير، فالاستفهام في لم لا يدفع إنكاري أي معلوم ضرورة أنه يدفع كل منهما الاخر ويتفرد بالتدبير، وبطلان الشق الثالث لكونه مستلزما لعجز أحدهما أي ضعفه، وعدم كونه ممن ينتهي إليه شئ من تدبير العالم يستلزم بطلان الشق الثاني بطريق أولى. وتقرير الثاني هو أنه لو كان المدبر اثنين فنسبة معلول معلول إليهما إما متساوية من جميع الوجوه بأن لا يكون في واحد منهما ولا في كل منهما ما يختص به ويرجح صدوره عنه على صدوره عن الاخر من الداعي والمصلحة
ونحوهما وإما غير متساوية من جميع الوجوه وكلاهما باطل.
أما الأول فلانه إما أن يكون ترك كل منهما لذلك المعلول مستلزما لفعل الاخر إياه لحكمة كل منهما أم لا، فعلى الأول إحداث أحدهما ذلك المعلول يستلزم الترجيح بلا مرجح، لان إحداث كل منهما ذلك المعلول ليس أولى بوجه من تركه إياه وإحداث الاخر إياه، وعلى الثاني إما أن يكون ترك التارك له مع تجويزه الترك على الاخر قبيحا وخلاف الحكمة أم لا، والأول يستلزم النقص، والثاني يستلزم عدم إمكان رعاية المصالح التي لا تحصى في خل العالم، لأنه اتفاقي حينئذ، ومعلوم بديهة أن الاتفاقي لا يكون منتظما في أمر سهل، كصدور مثل قصيدة من قصائد البلغاء المشهورين عمن لم يمارس البلاغة، وإن كان يمكن أن يصدر عنه اتفاقا مصراع بليغ، أو مصراعان فضلا عما نحن فيه.
وأما بطلان الثاني فلانه يستلزم أن يكون مختلفة من جميع الوجوه بأن لا يكون أحدهما قادرا عليه أصلا لان اختلاف نسبة قادرين إلى معلول واحد شخصي إنما يتصور فيما يمكن أن يكون صدوره عن أحدهما أصلح وأنفع من صدوره عن الاخر، وهذا إنما يتصور فيما كان نفع فعله راجعا إليه كالعباد، وأما إذا كان القادران بريئين من الانتفاع كما فيما نحن فيه فلا يتصور ذلك فيه بديهة، وينبه عليه أن الغني المطلق إنما يفعل ما هو الخير في نفسه من غير أن يكون له فيه نفع سواء كان لغيره فيه نفع كما في ثواب المطيع أو لم يكن، ومثاله عقاب الكافر إن يكن للمطيعين فيه نفع.
وتقرير الثالث أنه إن كان المدبر اثنين فنسبة معلول معلول إليهما إما متساوية من جميع الوجوه أولا وكلاهما باطل، أما الأول فلان صدور بعض المعلولات عن أحدهما وبعض آخر منها عن الاخر منهما حينئذ يحتاج إلى ثالث هو الفرجة بينهما أي ما يميز ويعين كل معلول معلول لواحد معين منهما حتى يكون المدبر ان اثنين لامتناع الترجيح من جهة الفاعلين لا مرجح أي بلا داع أصلا كما هو المفروض فليزم خلاف الفراض، و هو أن يكون المدبر ثلاثة ثم ننقل الكلام إلى الثلاثة وهكذا إلى ما لا نهاية له في الكثرة ويلزم التسلسل، وإنما لم يكتف عليه السلام بعد نقل الكلام إلى الثلاثة بالاحتياج إلى فرجة
واحدة للتميزين حتى يكون المجموع أربعة لا خمسة، وإن كان المطلوب وهو لزوم التسلسل حاصلا به أيضا لان هناك ثلاثة تمييزات، وتخصيص واحد منهما بمميز كما هو المفروض واشتراك اثنين منهما بواحد مع اتحاد النسبة تحكم. وأما بطلان الثاني فلما مر في بيان بطلان الشق الثاني من الدليل الثاني.
أقول: لا يخفى بعد هذا التقرير عن الافهام واحتياجه إلى تقدير كثير من المقدمات في الكلام.
الخامس: أن يكون الأول إشارة إلى برهان التمانع بأحد تقريراته المشهورة والثاني إلى التلازم كما مر، والثالث يكون إلزاما على المجسمة المشركة القائلين بإلهين مجسمين متباعدين في المكان كما هو الظاهر من كلام المجوس لعنهم الله ، ويكون الفرجة محمولة على معناها المتبادر من جسم يملا البعد بينهما لبطلان الخلا أو سطح فاصل بينهما لتحقق الاثينية. هذا ما قيل أو يمكن أن يقال في حل هذا الخبر الذي تحيرت فيه الافهام والفكر، ولم نتعرض لبسط الكلام في كل وجه، ولا لايراد ما يرد على كل منهما من الاشكالات والاعتراضات احترازا عن الاسهاب والاطناب والله الموفق للصواب.
23 - التوحيد: ابن الوليد، عن الصفار، عن عباد بن سليمان، عن سعد بن سعد قال:
سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن التوحيد، فقال: هو الذي أنتم عليه.
24 - التوحيد: أبي، عن سعد، عن إبراهيم بن هاشم، ويعقوب بن يزيد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته وهو يقول - في قوله عز وجل:
" وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها " قال: هو توحيدهم لله عز وجل.
25 - التوحيد: الأشناني، عن ابن مهرويه، عن الفراء، عن الرضا، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: التوحيد نصف الدين، واستنزلوا الرزق بالصدقة.
قال الصدوق في كتاب التوحيد بعد نقل خبر الاعرابي: سمعت من أثق بدينه ومعرفته باللغة والكلام يقول: إن قول القائل: واحد واثنان وثلاثة إلى آخره إنما وضع في أصل اللغة للإبانة عن كمية ما يقال عليه لا لان له مسمى يتسمى به بعينه، أو لان
له معنى سوى ما يتعلمه الانسان لمعرفة الحساب، ويدور عليه عقد الأصابع عند ضبط الآحاد والعشرات والمئات والألوف، ولذلك متى أراد مريد أن يخبر غيره عن كميته شئ بعينه سماه باسمه الأخص، ثم قرن لفظة الواحد، به وعلقه عليه يدل به على كميته لا على ما عدا ذلك من أوصافه، ومن أجله يقول القائل: درهم واحد، وإنما يعني به أنه درهم فقط، وقد يكون الدرهم درهما بالوزن ودرهما بالضرب فإذا أراد المخبر أن يخبر عن وزنه قال: درهم واحد بالوزن، وإذا أراد أن يخبر عن عدده أو ضربه قال: درهم واحد بالعدد، ودرهم واحد بالضرب. وعلى هذا الأصل يقول القائل: هو رجل واحد، وقد يكون الرجل واحدا بمعنى أنه إنسان وليس بإنسانين، ورجل ليس برجلين، وشخص ليس بشخصين، ويكون واحدا في الفضل، واحدا في العلم، واحدا في السخاء، واحدا في الشجاعة، فإذا أراد القائل أن يخبر عن كميته قال: هو رجل واحد فدل ذلك من قوله على أنه رجل وليس هو برجلين، وإذا أراد أن يخبر عن فضله قال: هذا واحد عصره، فدل ذلك على أنه لا ثاني له في الفضل، وإذا أراد أن يدل على علمه قال: إنه واحد في علمه، فلو دل قوله: واحد بمجرده على الفضل والعلم كما دل بمجرده على الكمية لكان كل من أطلق عليه لفظة واحد أراد فاضلا لا ثاني له في فضله، وعالما لا ثاني له في علمه، وجوادا لا ثاني له في جوده، فلما لم يكن كذلك صح أنه بمجرده لا يدل إلا على كمية الشئ دون غيره، وإلا لم يكن لما أضيف إليه من قول القائل: واحد عصره ودهره فائدة، ولا كان لتقييده بالعلم والشجاعة معنى لأنه كان يدل بغير تلك الزيادة وبغير ذلك التقييد على غاية الفضل وغاية العلم والشجاعة، فلما احتيج معه إلى زيادة لفظ واحتيج إلى التقييد بشئ صح ما قلناه. فقد تقرر أن لفظة القائل واحد إذا قيل على الشئ دل بمجرده على كمية في اسمه الأخص، ويدل ما يقترن به على فضل المقول عليه وعلى كماله وعلى توحده بفضله وعلمه وجوده، وتبين أن الدرهم الواحد قد يكون درهما واحدا بالوزن، ودرهما واحدا بالعدد، ودرهما واحدا بالضرب، وقد يكون بالوزن درهمين، وبالضرب درهما واحدا، ويكون بالدوانيق ستة دوانيق، وبالفلوس
ستين فلسا، ويكون بالاجزاء كثيرا، وكذلك يكون العبد عبدا واحدا ولا يكون عبدين بوجه، ويكون شخصا واحدا ولا يكون شخصين بوجه، ويكون أجزاءا كثيرة وأبعاضا كثيرة، وكل بعض من أبعاضه يكون جواهر كثيرة متحدة اتحد بعضها ببعض وتركب بعضها مع بعض، ولا يكون العبد واحدا وإن كان كل واحد منه في نفسه إنما هو عبد واحد، وإنما لم يكن العبد واحدا لأنه ما من عبد إلا وله مثل في الوجود أو في المقدور، وإنما صح أن يكون للعبد مثل لأنه لم يتوحد بأوصافه التي من أجلها صار عبدا مملوكا، ووجب لذلك أن يكون الله عز وجل متوحدا بأوصافه العلى وأسمائه الحسنى ليكون إلها واحدا فلا يكون له مثل ويكون واحدا لا شريك له ولا إله غيره، فالله تبارك وتعالى إله واحد لا إله إلا هو، وقديم واحد لا قديم إلا هو، وموجود واحد ليس بحال ولا محل، ولا موجود كذلك إلا هو، وشئ واحد لا يجانسه ولا يشاكله شئ ولا يشبهه شئ، ولا شئ كذلك إلا هو، فهو كذلك موجود غير منقسم في الوجود ولا في الوهم، وشئ لا يشبه شئ بوجه، وإله لا إله غيره بوجه، وصار قولنا: يا واحد يا أحد في الشريعة اسما خاصا له دون غيره، لا يسمى به إلا هو عز وجل، كما أن قولنا: الله اسم لا يسمى به غيره.
وفصل آخر في ذلك وهو أن الشئ قد يعد مع ما جانسه وشاكله وماثله، يقال: هذا رجل، وهذان رجلان، وثلاثة رجال. وهذا عبد، وهذا سواد، وهذان عبدان، و هذان سوادان. ولا يجوز على هذا الأصل أن يقال: هذان إلهان إذ لا إله إلا إله واحد، فالله لا يعد على هذا الوجه، ولا يدخل في العدد من هذا الوجه بوجه. وقد يعد الشئ مع مالا يجانسه ولا يشاكله، يقال: هذا بياض، وهذان بياض وسواد، وهذا محدث، و هذان محدثان، وهذان ليسا بمحدثين ولا بمخلوقين. بل أحدهما قديم والآخر محدث، وأحدهما رب والآخر مربوب، فعلى هذا الوجه يصح دخوله في العدد، وعلى هذا النحو قال الله تبارك وتعالى: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا " الآية. وكما أن قولنا: فلان إنما هو رجل واحد لا يدل على فضله بمجرده كذلك قولنا: فلان ثاني فلان لا يدل بمجرده إلا على كونه، وإنما يدل على فضله متى قيل: إنه ثانيه في الفضل، أو في الكمال، أو العلم.
فأما توحيد الله تعالى ذكره فهو توحيده بصفاته العلى وأسمائه الحسنى، و لذلك كان إلها واحدا لا شريك له ولا شبيه، والموحد هو من أقر به على ما هو عليه عز وجل من أوصافه العلى وأسمائه الحسنى على بصيرة منه ومعرفة وإيقان وإخلاص، و إذا كان ذلك كذلك فمن لم يعرف الله عز وجل متوحدا بأوصافه العلى وأسمائه الحسنى ولم يقر بتوحيده بأوصافه العلى فهو غير موحد، وربما قال جاهل من الناس: إن من وحد الله وأقر أنه واحد فهو موحد وإن لم يصفه بصفاته التي توحد بها، لان من وحد الشئ فهو موحد في أصل اللغة فيقال له: أنكرنا ذلك لان من زعم أن ربه إله واحد وشئ واحد ثم أثبت معه موصوفا آخر بصفاته التي توحد بها فهو عند جميع الأمة وسائر أهل الملل ثنوي غير موحد، ومشرك مشبه غير مسلم، وإن زعم أن ربه إله واحد، وشئ واحد، وموجود واحد، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الله تبارك و تعالى متوحدا بصفاته التي تفرد بالإلهية من أجلها، وتوحد بالوحدانية لتوحده بها ليستحيل أن يكون إله آخر، ويكون الله واحدا والإله واحدا لا شريك له ولا شبيه لأنه إن لم يتوحد بها كان له شريك وشبيه كما أن العبد لما لم يتوحد بأوصافه التي من أجلها كان عبدا كان له شبيه، ولم يكن العبد واحدا وإن كان كل واحد منا عبدا واحدا، وإذا كان كذلك فمن عرفه متوحدا بصفاته، وأقر بما عرفه، واعتقد ذلك كان موحدا وبتوحيد ربه عارفا، والأوصاف التي توحد الله تعالى بها وتوحد بربوبيته لتفرده بها في الأوصاف التي يقتضي كل واحد منها أن لا يكون الموصوف بها إلا واحدا لا يشاركه فيه غيره ولا يوصف به إلا هو، وتلك الأوصاف هي كوصفنا له بأنه موجود واحد لا يصح أن يكون حالا في شئ، ولا يجوز أن يحله شئ، ولا يجوز عليه العدم والفناء والزوال، مستحق للوصف بذلك بأنه أول الأولين، وآخر الآخرين، قادر يفعل ما يشاء، لا يجوز عليه ضعف ولا عجز، مستحق للوصف بذلك بأنه أقدر القادرين، وأقهر القاهرين، عالم لا يخفى عليه شئ، ولا يغرب عنه شئ، لا يجوز عليه جهل ولا سهو، ولا شك ولا نسيان، مستحق للوصف بذلك بأنه أعلم العالمين، حي لا يجوز عليه موت ولا نوم،
ولا ترجع إليه منفعة، ولا تناله مضرة، مستحق للوصف بذلك بأنه أبقى الباقين، وأكمل الكاملين، فاعل لا يشغله شئ عن شئ، ولا يعجزه شئ، ولا يفوته شئ، مستحق للوصف بذلك بأنه إله الأولين والآخرين، وأحسن الخالقين، وأسرع الحاسبين، غني لا يكون له قلة، مستغن لا يكون له حاجة، عدل لا تلحقه مذمة، ولا ترجع إليه منقصة، حكيم لا يقع منه سفاهة، رحيم لا يكون له رقة ويكون في رحمته سعة، حليم لا يلحقه موجدة، ولا يقع منه عجلة، مستحق للوصف بذلك بأنه أعدل العادلين، وأحكم الحاكمين، وأسرع الحاسبين، وذلك لان أول الأولين لا يكون إلا واحدا، وكذلك أقدر القادرين، وأعلم العالمين، وأحكم الحاكمين، وأحسن الخالقين، وكل ما جاء على هذا الوزن، فصح بذلك ما قلناه، وبالله التوفيق ومنه العصمة والتسديد.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.