پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

12 باب كيفية اسلام أبي ذر رضي الله عنه وسائر أحواله إلى وفاته وما يختص به من الفضائل والمناقب وفيه أيضا بيان أحوال بعض الصحابة

ج ۲۲، ص ۳۹۲–۴۱۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۲

{12 باب} * (كيفية اسلام أبي ذر رضي الله عنه وسائر أحواله إلى وفاته) * * (وما يختص به من الفضائل والمناقب وفيه) * * (أيضا بيان أحوال بعض الصحابة) * 1 - تفسير الإمام العسكري: حدثني أبي، عن آبائه (عليهم السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان من خيار أصحابه عنده أبو ذر الغفاري، فجاءه ذات يوم فقال: يا رسول الله إن لي غنيمات قدر ستين شاة، فأكره أن أبدو فيها وأفارق حضرتك وخدمتك، وأكره أن أكلها إلى راع فيظلمها ويسئ رعايتها فكيف أصنع؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ابد فيها فبدا فيها، فلما كان في اليوم السابع جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

يا با ذر، قال: لبيك يا رسول الله، قال: ما فعلت غنيماتك؟ قال: يا رسول الله إن لها قصة عجيبة، قال: وما هي؟ قال: يا رسول الله بينا أنا في صلاتي إذ عدا الذئب على غنمي، فقلت: يا رب صلاتي، ويا رب غنمي، فآثرت صلاتي على غنمي وأخطر الشيطان ببالي: يا با ذر أين أنت إن عدت الذئاب على غنمك وأنت تصلي فأهلكتها وما يبقى لك في الدنيا ما تتعيش به؟ فقلت للشيطان: يبقى لي توحيد الله تعالى والايمان برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وموالاة أخيه سيد الخلق بعده علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ومولاة الأئمة الهادين الطاهرين من ولده، ومعاداة أعدائهم، و كل ما فات بعد ذلك جلل، فأقبلت على صلاتي، فجاء ذئب فأخذ حملا فذهب به وأنا أحس به، إذا أقبل على الذئب أسد فقطعه نصفين، واستنقذ الحمل و

رده إلى القطيع، ثم ناداني: يا با ذر أقبل على صلاتك، فإن الله قد وكلني بغنمك إلى أن تصلي، فأقبلت على صلاتي وقد غشيني من التعجب مالا يعلمه إلا الله تعالى حتى فرغت منها، فجاءني الأسد وقال لي: امض إلى محمد فأخبره أن الله تعالى قد أكرم صاحبك الحافظ لشريعتك، ووكل أسدا بغنمه يحفظها، فعجب من حول رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) صدقت يا با ذر، ولقد آمنت به أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فقال بعض المنافقين: هذا لمواطاة بين محمد وأبي ذر، يريد أن يخدعنا بغرروه، و اتفق منهم عشرون رجلا وقالوا: نذهب إلى غنمه وننظر إليها وننظر إليه إذا صلى هل يأتي الأسد فيحفظ غنمه فيتبين بذلك كذبه، فذهبوا القطيع ما شذ عنه منها، حتى إذا فرغ من صلاته ناداه الأسد: هاك قطيعك مسلما وافر العدد سالما، ثاداهم الأسد: معاشر المنافقين أنكرتم لولي محمد وعلي وآلهما الطيبين والمتوسل إلى الله بهم أن يسخرني الله ربي لحفظ غنمه، والذي أكرم محمدا وآله الطيبين الطاهرين لقد جعلني الله طوع يد أبي ذر حتى لو أمرني بافتراسكم و هلاككم لأهلكتكم، والذي لا يحلف بأعظم منه لو سأل الله بمحمد وآله الطيبين أن يحول البحار دهن زنبق وبان، والجبال مسكا وعنبرا وكافورا، وقضبان الأشجار قضب الزمرد والزبرجد لما منعه الله ذلك، فلما جاء أبو ذر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا با ذر إنك أحسنت طاعة الله فسخر الله لك من يطيعك في كف العوادي عنك، فأنت من أفاضل من مدحه الله عز وجل بأنه يقيم الصلاة.

بيان: الجلل محركة: العظيم والصغير، ضد. والعوادي جمع العادية من

العدوان، أو من عدا على الشئ: إذا اختلسه، وفي الحديث: من كف عن مؤمن عادية ماء ونار.

2 - مجالس المفيد: علي بن بلال، عن علي بن عبد الله الأصبهاني، عن الثقفي، عن محمد بن علي، عن الحسين بن سفيان، عن أبيه، عن أبي جهضم الأزدي، عن أبيه وكان من أهل الشام قال: لما سير عثمان أبا ذر من المدينة إلى الشام كان يقص علينا، فيحمد الله فيشهد شهادة الحق، ويصلي على النبي (صلى الله عليه وآله) ويقول: أما بعد فإنا كنا في جاهليتنا قبل أن ينزل علينا الكتاب ويبعث فينا الرسول، ونحن نوفي بالعهد، ونصدق الحديث، ونحسن الجوار، ونقري الضيف، ونواسي الفقير، فلما بعث الله تعالى فينا رسول الله وأنزل علينا كتابه كانت تلك الأخلاق يرضاها الله ورسوله، وكان أحق بها أهل الاسلام، وأولى أن يحفظوها، فلبثوا بذلك ما شاء الله أن يلبثوا، ثم إن الولاة قد أحدثوا أعمالا قباحا ما نعرفها: من سنة تطفى، وبدعة تحيى، وقائل بحق مكذب، وأثرة لغير تقي وأمين مستأثر عليه من الصالحين، اللهم إن كان ما عندك خيرا لي فاقبضني إليك غير مبدل ولا مغير، وكان يعيد هذا الكلام ويبديه، فأتى حبيب بن مسلمة معاوية بن أبي سفيان فقال: إن أبا ذر يفسد عليك الناس بقوله: كيت وكيت، فكتب معاوية إلى عثمان بذلك، فكتب عثمان أخرجه إلي، فما صار إلى المدينة نفاه إلى الزبدة.

3 - مجالس المفيد: بهذا الاسناد عن أبي جهضم، عن أبيه قال: لما أخرج عثمان أبا ذر الغفاري رحمه الله من المدينة إلى الشام كان يقوم في كل يوم فيعظ الناس ويأمرهم بالتمسك بطاعة الله، ويحذرهم من ارتكاب معاصيه، ويروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما سمعه منه في فضائل أهل بيته عليه و (عليهم السلام) ويحضهم على التمسك بعترته، فكتب معاوية إلى عثمان: أما بعد فإن أبا ذر يصبح إذا أصبح ويمسي إذا أمسى وجماعة من الناس كثيرة عنده، فيقول: كيت وكيت، فإن كان لك حاجة في الناس قبلي

فأقدم أبا ذر إليك، فإني أخاف أن يفسد الناس عليك. والسلام.

فكتب إليه عثمان: أما بعد فاشخص إلي أبا ذر حين تنظر في كتاب هذا.

والسلام.

فبعث معاوية إلى أبي ذر فدعاه وأقرأه كتاب عثمان، وقال له: النجا الساعة فخرج أبو ذر إلى راحلته فشدها بكورها وأنساعها، فاجتمع إليه الناس فقالوا له: يا با ذر رحمك الله أين تريد؟ قال: أخرجوني إليكم غضبا علي، وأخرجوني منكم إليهم الآن عبثاني، ولا يزال هذا الامر فيما أرى شأنهم فيما بيني وبينهم حتى يستريح برا، ويستراح من فاجر، ومضى وسمع الناس بمخرجه فاتبعوه حتى خرج من دمشق، فساروا معه حتى انتهى إلى دير المران فنزل ونزل معه الناس فاستقدم فصلى بهم، ثم قال: أيها الناس إني موصيكم بما ينفعكم، وتارك الخطب والتشقيق، احمدوا الله عز وجل، قالوا: الحمد لله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، فأجابوه بمثل ما قال، فقال: أشهد أن البعث حق، و وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأقر بما جاء من عند الله، واشهدوا علي بذلك، قالوا: نحن على ذلك من الشاهدين، قال: ليبشر من مات منكم على هذه الخصال برحمة الله وكرامته ما لم يكن للمجرمين ظهيرا، ولا لأعمال الظلمة مصلحا ولا لهم معينا، أيها الناس أجمعوا مع صلاتكم وصومكم غضبا لله عز وجل إذا عصي في الأرض ولا ترضوا أئمتكم بسخط الله، وإن أحدثوا مالا تعرفون فجانبوهم وازرؤا عليهم وإن عذبتم وحرمتم وسيرتم، حتى يرضى الله عز وجل. فإن الله أعلى وأجل، لا ينبغي أن يسخط برضا المخلوقين، غفر الله لي ولكم، أستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله، فناداه الناس أن: سلم الله عليك ورحمك يا با ذر يا صاحب رسول الله، ألا نردك إن كان هؤلاء القوم أخرجوك، ألا نمنعك (2)؟

فقال لهم: ارجعوا رحمكم الله، فإني أصبر منكم على البلوى، وإياكم والفرقة

والاختلاف، فمضى حتى قدم عثمان، فلما دخل عليه قال له: لا قرب الله بعمرو عينا، فقال أبو ذر: والله ما سماني أبواي عمروا، ولكن لا قرب الله من عصاه، وخالف أمره، وارتكب هواه، فقام إليه كعب الأحبار فقال له: ألا تتقي الله يا شيخ تجبه أمير المؤمنين بهذا الكلام؟ فرفع أبو ذر عصا كانت في يده فضرب بها رأس كعب، ثم قال له: يا ابن اليهوديين، ما كلامكم مع المسلمين؟ فوالله ما خرجت اليهودية من قلبك بعد، فقال عثمان: والله لا جمعتني وإياك دار، قد خرفت وذهب عقلك، أخرجوه من بين يدي حتى تركبوه قتب ناقته بغير وطاء، ثم انجوا به الناقة وتعتعوه حتى توصلوه الربذة، فنزلوه بها من غير أنيس، حتى يقضي الله فيه ما هو قاض، فأخرجوه متعتعا ملهوزا بالعصي، وتقدم ألا يشيعه أحد من الناس، فبلغ ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فبكى حتى بل لحيته بدموعه، ثم قال: أهكذا يضع بصاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم نهض ومعه الحسن والحسين (عليهما السلام) وعبد الله بن العباس والفضل و قثم وعبيد الله حتى لحقوا أبا ذر فشيعوه، فلما بضربهم أبو ذر رحمه الله حن إليهم وبكى عليهم، وقال: بأبي وجوه إذا رأيتها ذكرت بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشملتني البركة برؤيتها، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إني أحبهم، ولو قطعت إربا إربا في محبتهم ما زلت عنها ابتغاء وجهك والدار الآخرة، فارجعوا رحمكم الله والله أسأل أن يخلفني فيكم أحسن الخلافة، فودعه القوم ورجعوا وهم يبكون على فراقه.

بيان: الكور بالضم: الرحل. والانساع جمع النسع بالكسر، وهو سير ينسج عريضا على هيئة أعنه البغال، تشد به الرحال، وشقق الكلام: أخرجه أحسن مخرج، وزرئ عليه: عابه، كأزرى. قوله: ثم انجوا أي أسرعوا،

تعته: أقلقه وأزعجه، ولهزه بالرمح: طعنه في صدره، واللهز: الضرب، بجميع اليد في الصدر.

4 - رجال الكشي: محمد بن سعيد بن مزيد، ومحمد بن أبي عوف معا عن محمد بن أحمد بن حماد رفعه قال: أبو ذر الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شأنه: [ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، يعيش وحده، ويموت وحده ويبعث وحده، ويدخل الجنة وحده] وهو الهاتف بفضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) و وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) واستخلافه إياه، فنفاه القوم عن حرم الله وحرم رسوله بعد حملهم إياه من الشام على قتب بلا وطاء، وهو يصيح فيهم قد خاب القطار بحمل النار، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا دين الله دخلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا " فقتلوه فقرا وجوعا وضرا و صبر.

5 - رجال الكشي: جعفر بن معروف، عن الحسن بن علي بن النعمان، عن أبيه ، عن البطائني، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أرسل عثمان إلى أبي ذر موليين له، ومعهما مائتا دينار، فقال لهما: انطلقا إلى أبي ذر فقولا له: إن عثمان يقرئك السلام، ويقول لك: هذه مائتا دينار فاستعن بها على ما نابك، فقال أبو ذر: هل أعطى أحدا من المسلمين مثل ما أعطاني؟ قال: لا، قال: إنما أنا رجل من المسلمين، يسعني ما يسع المسلمين، قالا له: إنه يقول: هذا من صلب مالي، وبالله الذي لا إله إلا هو ما خالطها حرام، ولا بعث بها إليك إلا من حلال، فقال: لا حاجة لي فيها، وقد أصبحت يومي هذا وأنا من أغنى الناس، فقالا له: عافاك الله وأصلحك ما نرى في بيتك قليلا ولا كثيرا مما يستمتع به، فقال:

بلى تحت هذا الأكاف الذي ترون رغيفا شعير قد أتى عليهما أيام، فما أصنع بهذه

الدنانير؟ لا والله حتى يعلم الله أني لا أقدر على قليل ولا كثير، وقد أصبحت غنيا بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعترته الهادين المهديين الراضين المرضيين، الذين يهدون بالحق وبه يعدلون، وكذلك سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " فإنه لقبيح بالشيخ أن يكون كذابا " فرداها عليه وأعلماه أني لا حاجة لي فيها ولا فيما عنده حتى ألقى الله ربي فيكون هو الحاكم فيما بيني وبينه.

6 - رجال الكشي: عبيد بن محمد النخعي، عن أبي أحمد الطرسوسي، عن خالد بن طفيل الغفاري، عن أبيه، عن حلام بن دل الغفاري وكانت له صحبة قال:

مكث أبو ذر رحمه الله بالربذة حتى مات، فلما حضرته الوفاة قال لامرأته: اذبحي شاة من غنمك واصنعيها، فإذا نضجت فاقعدي على قارعة الطريق فأول ركب ترينهم قولي: يا عباد الله المسلمين، هذا أبو ذر صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قضى نحبه ولقي ربه، فأعينوني عليه وأجيبوه. فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبرني أني أموت في أرض غربة، وأنه يلي غسلي ودفني والصلاة علي رجال من أمتي صالحون.

7 - رجال الكشي: محمد بن علقمة بن الأسود النخعي قال: خرجت في رهط أريد الحج منهم مالك بن الحارث الأشتر حتى قدمنا الربذة، فإذا امرأة على قارعة الطريق تقول: يا عباد الله المسلمين هذا أبو صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد هلك غريبا ليس لي أحد يعينني عليه، قال: فنظر بعضنا إلى بعض، وحمدنا الله على ما ساق إلينا، واسترجعنا على عظم المصيبة، ثم أقبلنا معها فجهزناه وتنافسنا في كفنه حتى خرج من بيننا بالسواء، ثم تعاونا على غسله حتى فرغنا منه، ثم قدمنا

مالك الأشتر فصلى بنا عليه، ثم دفناه، فقام الأشتر على قبره، ثم قال: اللهم هذا أبو ذر صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبدك في العابدين، وجاهد فيك المشركين، لم يغير ولم يبدل، لكنه رأى منكرا فغيره بلسانه وقلبه حتى جفي ونفي وحرم واحتقر، ثم مات وحيدا غريبا، اللهم فاقصم من حرمه، ونفاه من مهاجره وحرم رسولك (صلى الله عليه وآله)، قال: فرفعنا أيدينا جميعا وقلنا: آمين، ثم قدمت الشاة التي صنعت فقالت: إنه قد أقسم عليكم ألا تبرحوا حتى تتغدوا فتغدينا وارتحلنا.

8 - روضة الواعظين: قيل له عند الموت: يا با ذر ما مالك؟ قال: عملي، قالوا: إنما نسألك عن الذهب والفضة، قال: ما أصبح ولا أمسي وما أمسي ولا أصبح لنا كندوج فيه حر متاعنا، سمعت خليلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: كندوج المرء قبره.

أمالي الطوسي: بإسناده عن موسى بن بكر، عن أبي إبراهيم مثله.

رجال الكشي: علي بن محمد القيتبي، عن الفضل بن شاذان، عن أبيه، عن علي بن الحكم، عن موسى بن بكر مثله.

بيان: الكندوج بالكسر: شبه المخزن معرب كندو، والحر بالضم: خيار كل شئ.

9 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمد بن يحيى الخثعمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن أبا ذر أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه جبرئيل في صورة دحية الكلي وقد استخلاه رسول الله (صلى الله وآله)، فلما رآهما انصرف عنهما ولم يقطع كلامهما، فقال جبرئيل: يا محمد هذا أبو ذر قد مر بنا ولم يسلم علينا، أما لو سلم لرددنا عليه، يا محمد إن له دعاء يدعو به معروفا عند أهل السماء فاسأله عنه إذا عرجت إلى السماء فلما ارتفع جبرئيل (عليه السلام) جاء أبو ذر إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما

منعك يا أبا ذر أن تكون سلمت علينا حين مررت بنا، فقال: ظننت يا رسول الله أن الذي معك دحية الكلبي قد استخليته لبعض شأنك، فقال: ذاك جبرئيل (عليه السلام) وقد قال: أما لو سلم علينا لرددنا عليه، فلما علم أبو ذر أنه كان جبرئيل (عليه السلام) دخله من الندامة حيث لم يسلم عليه ما شاء الله، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما هذا الدعاء الذي تدعو به؟ فقد أخبرني جبرئيل (عليه السلام) أن لك دعاء تدعو به معروفا في السماء فقال: نعم يا رسول الله، أقول: اللهم إني أسألك الامن والايمان، والتصديق بنبيك، والعافية من جميع البلاء، والشكر على العافية، والغنى عن شرار الناس.

أمالي الصدوق: أحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه مثله إلا أن فيه: أسألك الايمان بك، والتصديق.

10 - الكافي: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن موسى ابن بكر، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: قال أبو ذر رحمه الله: جزى الله الدنيا عني مذمة بعد رغيفين من الشعير أتغدى بأحدهما، وأتعشى بالآخر، وبعد شملتي الصوف أتزر بإحداهما، وأرتدي بالأخرى.

رجال الكشي: علي بن محمد القتيبي، عن الفضل بن شاذان، عن أبيه، عن علي بن الحكم مثله.

أمالي الطوسي: بإسناده عن موسى بن بكر مثله.

11 - الكافي: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن المثنى عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أبو ذر رضي الله عنه يقول في خطبته:

يا مبتغي العلم كأن شيئا من الدنيا لم يكن شيئا إلا ما ينفع خيره، ويضر شره إلا

من رحم الله، يا مبتغي العلم لا يشغلك أهل ولا مال عن نفسك، أنت يوم تفارقهم كضيف بت فيهم ثم غدوت عنهم إلى غيرهم، والدنيا والآخرة كمنزل تحولت منه إلى غيره، وما بين الموت والبعث إلا كنومة نمتها، ثم استيقظت منها، يا مبتغي العلم قدم لمقامك بين يدي الله عز وجل فإنك مثاب بعملك كما تدين تدان يا مبتغي العلم.

بيان: قوله: كأن شيئا من الدنيا، لعل المراد أن ما يتصور في هذه الدنيا إما شئ ينفع خيره، أو شئ يضر شره، فاختر ما ينفع دون ما يضر، أوكل شئ في الدنيا له جهة نفع وجهة شرى، فاحترز عن جهة شره، ويمكن أن يقرأ " ألا " بالتخفيف بأن تكون ما نافية، وفيه بعد.

12 - الكافي: محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن بعض أصحابه، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن واصل، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

جاء رجل إلى أبي ذر فقال: يا با ذر ما لنا نكره الموت؟ فقال: لأنكم عمرتم الدنيا، وأخربتم الآخرة، فتكرهون أن تنقلوا من عمران إلى خراب، فقال له:

فيكف ترى قدومنا على الله؟ فقال: أما المحسن منكم فكالغائب يقدم على أهله، و أما المسيئ فكالآبق يرد على مولاه، قال: فكيف ترى حالنا عند الله؟ قال: أعرضوا أعمالكم على الكتاب، إن الله يقول: " إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم " قال: فقال الرجل: فأين رحمة الله؟ قال رحمة الله قريب من المحسنين، قال أبو عبد الله (عليه السلام): وكتب رجل إلى أبي ذر رضي الله عنه يا با ذر أطرفني بشئ من العلم، فكتب إليه: إن العلم الكثير، ولكن إن قدرت على أن لا تسئ إلى من تحبه فافعل، فقال له الرجل: وهل رأيت أحدا يسيئ إلى من يحبه؟ فقال:

نعم، نفسك أحب الأنفس إليك، فإذا أنت عصيت الله فقد أسأت إليها.

13 - الكافي: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن محمد بن أيوب و

علي عن أبيه جميعا، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى أبو ذر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إني قد اجتويت المدينة، أفتأذن لي أن أخرج أنا وابن أخي إلى مزينة فنكون بها؟ فقال؟ إني أخشى أن تغير عليك خيل من العرب فيقتل ابن أخيك فتأتيني شعثا، فتقوم بين يدي متكيا على عصاك فتقول: قتل ابن أخي واخذ السرح، فقال: يا رسول الله بل لا يكون إلا خيرا إنشاء الله، فأذن له رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخرج هو وابن أخيه وامرأته فلم يلبث هناك إلا يسيرا حتى غارت خيل لبني فزارة فيها عيينة بن حصن فأخذ السرح، وقتل ابن أخيه، واخذت امرأته من بني غفار، وأقبل أبو ذر يشتد حتى وقف بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبه طعنة جائفة فاعتمد على عصاه، وقال:

صدق الله ورسوله، اخذ السرح، وقتل ابن أخي، وقمت بين يديك على عصاي فصاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المسلمين فخرجوا في الطلب فردوا السرح، وقتلوا نفرا من المشركين.

الخرائج: مرسلا مثله.

بيان: اجتوى البلد: كره المقام فيه، والجائفة: الطعنة التي تنفذ إلى الجوف، ولعل هذا كان قبل كمال أبي ذر رحمة الله في الايمان، أو فهم من كلامه (صلى الله عليه وآله) أنه راض بخروجه، وإنما أخبره بذلك ليقوى إيمانه، أو كان يحتمل أن يكون هذا من الاخبار البدائية.

14 - الكافي: الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط عن سعدان بن مسلم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان رجل بالمدينة يدخل مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فقال: اللهم آنس وحشتي، وصل وحدتي وارزقني جليسا صالحا، فإذا هو برجل في أقصى المسجد فسلم عليه وقال له: من

أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا أبو ذر، فقال الرجل: الله أكبر، الله أكبر، فقال أبو ذر: ولم تكبر يا عبد الله؟ فقال: إني دخلت المسجد فدعوت الله عز وجل أن يؤنس وحشتي، وأن يصل وحدتي، وأن يرزقني جليسا صالحا، فقال له أبو ذر:

أنا أحق بالتكبير منك، إذ كنت ذلك الجليس، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنا وأنتم على ترعة يوم القيامة حتى يفرغ الناس من الحساب، قم يا با عبد الله فقد نهى السلطان عن مجالستي.

15 - أمالي الطوسي: بإسناده عن أسعد بن زرارة، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قال: لما قدم أبو ذر على عثمان قال: أخبرني أي البلاد أحب إليك؟ قال:

مهاجري، قال: لست بمجاوري، قال: فألحق بحرم الله فأكون فيه، قال: لا، قال فالكوفة أرض بها أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: لا، قال: فلست بمختار غيرهن فأمره بالمسير إلى الربذة، فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لي: اسمع والمع وانفذ حيث قادوك ولو لعبد حبشي مجدع، فخرج إلى الربذة، وأقام مدة، ثم أتى المدينة فدخل على عثمان والناس عنده سماطين فقال: يا أمير المؤمنين إنك أخرجتني من أرضي إلى أرض ليس بها زرع ولا ضرع إلا شويهات، وليس لي خادم إلا محررة، ولا ظل يظلني إلا ظل شجرة، فأعطني خادما وغنيمات أعيش فيها، فحول وجهه عنه، فتحول إلى السماط الآخر، فقال مثل ذلك: فقال له حبيب بن سلمة: لك عندي يا أبا ذر ألف درهم وخادم وخمسمائة شاة، قال أبو ذر: أعط خادمك وألفك وشويهاتك من هو أحوج إلى ذلك مني، فإني إنما أسأل حقي في كتاب الله، فجاء علي (عليه السلام):

فقال له عثمان: ألا تغني عنا سفيهك هذا؟ قال أي سفيه؟ قال أبو ذر: قال على (عليه السلام) ليس بسفيه، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر " أنزله بمنزلة مؤمن آل فرعون، إن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم.

بيان: أقول: سيأتي الخبر بتمامه في كتاب الفتن. وقال الفيروزآبادي:

لمع البرق: أضاء، وبالشئ: ذهب، وبيده: أشار، والطائر بجناحيه: خفق، و فلان الباب: برز منه. والنفاذ: جواز الشئ عن الشئ والخلوص منه، وأنفذ الامر: قضاه، ونفذ القوم: جازهم وتخلفهم. والجذع: قطع الأنف، أو الاذن أو اليد، أو الشفة، وحمار مجدع كمعظم: مقطوع الاذنين. والشويهة تصغير الشاة.

16 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، بإسناده عن شقيق البلخي عمن أخبره من أهل العلم قال: قيل لأبي ذر رضي الله عنه: كيف أصبحت البلخي يا صاحب رسول الله؟ قال: أصبحت بين نعمتين: بين ذنب مستور، وثناء من اغتر به فهو مغرور.

17 - عيون أخبار الرضا (ع): بإسناد التميمي عن الرضا (عليه السلام)، عن آبائه عن علي صلوات الله عليهم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أبو ذر صديق هذه الأمة.

18 - أمالي الطوسي: المفيد، عن الحسين بن علي التمار، عن عبد الله بن محمد، عن أبي نصر التمار، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الدرداء، عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر.

19 - معاني الأخبار، علل الشرائع: محمد بن عمر بن علي البصري، عن عبد السلام بن محمد الهاشمي عن محمد بن محمد بن عقبة الشيباني، عن الخضر بن أبان، عن أبي هدية إبراهيم بن هدية عن البني (صلى الله عليه وآله) في حديث طويل مثله.

بيان: قال الجزري في النهاية: في الحديث ما أظلت الخضراء ولا أ قلت

الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر. الخضراء: السماء، والغبراء: الأرض.

20 - أمالي الطوسي: ابن مخلد، عن محمد بن عبد الواحد النحوي، عن بشر بن موسى ابن صالح الأسدي، عن أبي عبد الرحمن المقري، عن سعيد بن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر القرشي، عن سالم الجيشاني، عن أبيه، عن أبي ذر أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: يا با ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي، إني أراك ضعيفا فلا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم.

21 - علل الشرائع: القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن عثمان بن عمران عن عباد بن صهيب قال: قلت للصادق جعفر بن محمد (عليه السلام): أخبرني عن أبي ذر، أهو أفضل أم أنتم أهل البيت؟ فقال: يا ابن صهيب كم شهور السنة فقلت: اثنا عشر شهرا، فقال: وكم الحرم منها؟ قلت: أربعة أشهر، قال: فشهر رمضان منها؟ قلت:

لا، قال: فشهر رمضان أفضل أم الأشهر الحرم؟ فقلت: بل شهر رمضان، قال:

فكذلك نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد، وإن أبا ذر كان في قوم من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتذاكروا فضائل هذه الأمة، فقال أبو ذر: أفضل هذه الأمة علي ابن أبي طالب، وهو قسيم الجنة والنار، وهو صديق هذه الأمة وفاروقها، و حجة الله عليها، فما بقي من القوم أحد إلا أعرض عنه بوجهه، وأنكر عليه قوله و كذبه، فذهب أبو أمامة الباهلي من بينهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبره بقول أبي ذر وإعراضهم عنه، وتكذيبهم له، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء " يعني منكم يا أبا أمامة " من ذي لهجة أصدق من أبي ذر ".

22 - معاني الأخبار: أبي، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن حمدان بن سليمان عن أيوب بن نوح، عن إسماعيل الفراء عن رجل قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

أليس قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أبي ذر رحمة الله عليه: " ما أظلت الخضراء ولا أقلت

الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر "؟ قال: بلى، قال: قلت: فأين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين؟ وأين الحسن والحسين؟ قال: فقال لي: كم السنة شهرا؟ قال: قلت: اثنا عشر شهرا، قال: كم منها حرم؟ قال: قلت: أربعة أشهر قال: فشهر رمضان منها؟ قال: قلت لا ، قال: إن في شهر رمضان ليلة أفضل من ألف شهر، إنا أهل البيت لا يقاس بنا أحد.

الاختصاص: جعفر بن الحسين، عن ابن الوليد، عن سعد، عن أيوب بن نوح مثله.

23 - ش..؟: أحمد بن علي الشلولي، عن الحسن بن حماد، عن أبي عبد الله البرقي، عن عبد الرحمن بن محمد بن أبي حكيم، عن أبي خديجة الجمال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: دخل أبو ذر على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه جبرئيل فقال جبرئيل:

من هذا يا رسول الله؟ قال: أبو ذر، قال: أما إنه في السماء أعرف منه في الأرض وسله عن كلمات يقولهن إذا أصبح، قال: فقال: يا أبا ذر كلمات تقولهن إذا أصبحت فما هن؟ قال: أقول يا رسول الله: اللهم إني أسألك الايمان بك، و التصديق بنبيك، والعافية من جميع البلاء، والشكر على العافية، والغنى عن الناس.

24 - رجال الكشي: حمدويه وإبراهيم ابنا نصير، عن أيوب بن نوح، عن صفوان ابن يحيى، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن عمرو بن سعيد، عن عبد الملك ابن أبي ذر الغفاري قال: بعثني أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم مزق عثمان المصاحف فقال لي: ادع أباك، فجاء أبي إليه مسرعا، فقال: يا با ذر أتى اليوم في الاسلام أمر عظيم، مزق كتاب الله، ووضع فيه الحديد، وحق على الله أن يسلط الحديد على من مزق كتابه بالحديد، فقال أبو ذر: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إن

أهل الجبرية من بعد موسى قاتلوا أهل النبوة فظهروا عليهم فقتلوهم زمانا طويلا ثم إن الله بعث فتية فهاجروا إلى غير آبائهم فقاتلتهم فقتلوهم، وأنت بمنزلتهم يا علي، فقال علي (عليه السلام): قتلتني يا با ذر، فقال أبو ذر: أما والله لقد علمت أنه سيبدأ بك.

25 - رجال الكشي: بالاسناد المتقدم عن عصام بن حميد، عن فضيل الرسان، عن أبي عمر، عن حذيفة بن أسيد قال: سمعت أبا ذر يقول وهو متعلق بحلقة باب الكعبة: أنا جندب لمن عرفني، وأنا أبو ذر بن جنادة لمن لم يعرفني، إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقول: من قاتلني في الأولى وفي الثانية فهو في الثالثة من شيعة الدجال، إنما مثل أهل بيتي في هذه الأمة مثل سفينة نوح في لجة البحر من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، الأهل بلغت (5)؟.

بيان: لعل المراد بالثانية الخروج على أمير المؤمنين (عليه السلام).

26 - أقول: قال السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب الفصول: قال الشيخ رحمه الله: قال أبو مخنف: وأخبرني عبد الملك بن نوفل، عن أبي سعيد المغيري قال: لما انصرف علي (عليه السلام) من تشييع أبي ذر استقبله الناس فقالوا: يا أبا الحسن غضب عليك عثمان لتشييعك أبا ذر، فقال علي (عليه السلام): غضب الخيل على صم اللجم، قال: وحدثني الصلت، عن زيد بن كثير، عن أبي أمامة قال: كتب أبو ذر إلى حذيفة بن اليمان يشكو إليه ما صنع به عثمان:

بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد يا أخي فخف الله مخافة يكثر منها بكاء عينيك وحرر قلبك، وسهر ليلك، وانصب بدنك في طاعة ربك، فحق لمن علم أن النار مثوى من سخط الله أن يطول بكاؤه ونصبه وسهر ليله حتى يعلم أنه قد رضي الله عنه، وحق لمن علم أن الجنة مثوى من رضي الله عنه أن يستقبل الحق كي

يفوز بها، ويستصغر في ذات الله الخروج من أهله وماله، وقيام ليله وصيام نهاره وجهاد الظالمين الملحدين بيده ولسانه حتى يعلم أن الله أوجبها له، وليس بعالم ذلك دون لقاء ربه، وكذلك ينبغي لك من رغب في جوار الله ومرافقة أنبيائه أن يكون، يا أخي أنت ممن أستريح إلى الضريح إليه بثي وحزني، وأشكو إليه تظاهر الظالمين علي، إني رأيت الجور يعمل به بعيني، وسمعته يقال فرددته فحرمت العطاء وسيرت إلى البلاد، وغربت عن العشيرة والاخوان وحرم الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأعوذ بربي العظيم أن يكون هذا مني له شكوى إن ركب مني ما ركب، بل أنبأتك أني قد رضيت ما أحب لي ربي. وقضاه علي، و أفضيت ذلك إليك لتدعوا الله لي ولعامة المسلمين بالروح والفرج، وبما هو أعم نفعا وخير مغبة وعقبى، والسلام.

فكتب إليه حذيفة:

بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد يا أخي فقد بلغني كتابك تخوفني به، تحذرني فيه منقلبي، وتحثني فيه على خط نفسي، فقديما يا أخي كنت بي و بالمؤمنين حفيا لطيفا، وعليهم حدبا شفيقا، ولهم بالمعروف آمرا، وعن المنكرات ناهيا، وليس يهدي إلى رضوان الله إلا هو، لا إله إلا هو، ولا يتناهى من سخطه إلا بفضل رحمته وعظيم منه، فنسأل الله ربنا لأنفسنا وخاصتنا وعامتنا وجماعة أمتنا مغفرة عامة ورحمة واسعة، وقد فهمت ما ذكرت من تسييرك يا أخي وتغريبك وتطريدك، فعز والله علي يا أخي ما وصل إليك من مكروه، ولو كان يفتدى ذلك بمال لأعطيت فيه مالي، طيبة بذلك نفسي، يصرف الله عنك بذلك المكروه، والله لو سألت لك المواساة ثم أعطيتها لأحببت شطر ما نزل بك، ومواساتك في الفقر والأذى والضرر، لكنه ليس لأنفسنا إلا ما شاء ربنا، يا أخي فافزغ بنا إلى ربنا، ولنجعل إليه رغبتنا، فإنا قد استحصدنا، واقترب الصرام، فكأني

وإياك قد دعينا فأجبنا، وعرضنا على أعمالنا فاحتجنا إلى ما أسلفنا، يا أخي ولا تأس على ما فاتك، ولا تحزن على ما أصابك، واحتسب فيه الخير، وارتقب فيه من الله أسنى الثواب، يا أخي لا أرى الموت لي ولك إلا خيرا من البقاء، فإنه قد أظلتنا فتن يتلو بعضها بعضا كقطع الليل المظلم، قد ابتعثت من مركبها ووطئت في حطامها، تشهر فيها السيوف، وينزل فيها الحتوف فيها يقتل من اطلع لها والتبس بها، وركض فيها، ولا تبقى قبيلة من قبائل العرب من الوبر والمدر إلا دخلت عليهم، فأعز أهل ذلك الزمان أشدهم عتوا، وأذلهم أتقاهم، فأعاذنا الله وإياك من زمان هذه حال أهله فيه، لن أدع الدعاء لك في القيام والقعود والليل والنهار، وقد قال الله ولا خلف لموعوده: " ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين " فنستجير بالله من التكبر عن عبادته، و الاستنكاف عن طاعته، جعل الله لنا ولك فرجا ومخرجا عاجلا برحمته، والسلام عليك.

بيان: قوله: على صم اللجم، الصم جمع الأصم، ويقال: حجر أصم، أي صلب مصمت، والمراد هنا الحديدة الصلبة التي تكون في اللجام تدخل في فم الفرس قوله: وحرر قلبك، أي من رق الشهوات. ومغبة الامر بالفتح: عاقبته. و يقال: هو حفي بفلان، أي يسر به، ويكثر السؤال عن حاله. والحدب: المتعطف واستحصد الزرع: حان أن يحصد. والصرام: قطع الثمرة.

27 - الحسين بن سعيد أو النوادر: حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: أتى أبا ذر رجل يبشره بغنم له قد ولدت، فقال: يا با ذر أبشر، فقد ولدت غنمك و كثرت، فقال: ما يسرني كثرتها وما أحب ذلك، فما قل وكفى أحب إلي مما كثر وألهى، إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: على حافتي الصراط يوم القيامة الرحم والأمانة، فإذا مر عليه الوصول للرحم المؤدي للأمانة لم يتكفأ به في النار.

28 - الحسين بن سعيد أو النوادر: ابن محبوب، عن الثمالي، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قال:

إن أبا ذر عير رجلا على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) بأمه فقال له: يا ابن السوداء، وكانت أمه سوداء، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): تعيره بأمه يا با ذر؟ قال: فلم يزل أبو ذر يمرغ وجهه في التراب ورأسه حتى رضي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنه.

29 - رجال الكشي: محمد بن مسعود ومحمد بن الحسن البرياني، عن إبراهيم بن محمد بن فارس، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن الحسين بن المختار، عن زيد الشحام قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: طلب أبو ذر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقيل إنه في حائط كذا وكذا، فتوجه في طلبه فوجده نائما، فأعظمه أن ينبه ، فأراد أن يستبرئ نومه من يقظته، فتناول عسيبا يابسا فكسره ليسمعه صوته ليستبرئ نومه، فسمعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرفع رأسه فقال: يا با ذر تخدعني؟ أما علمت أني أرى أعمالكم في منامي، كما أراكم في يقظتي، إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي.

30 - نهج البلاغة: ومن كلامه (عليه السلام) لأبي ذر لما اخرج إلى الربذة: يا با ذر إنك غضبت لله فارج من غضبت له، إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب منهم بما خفتهم عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وأغناك عما منعوك، وستعلم من الرابح غدا، والأكثر حسدا، ولو أن السماوات والأرض كانتا على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجا لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل، فلو قبلت دنياهم لأحبوك، ولو قرضت منها لآمنوك.

بيان: قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح هذا الكلام: قد روى هذا الكلام أحد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة عن عبد الرزاق، عن أبيه

عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما اخرج أبو ذر إلى الربذة أمر عثمان فنودي في الناس: أن لا يكلم أحد أبا ذر ولا يشيعه، وأمر مروان بن الحكم أن يخرج به فتحاماه الناس إلا علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وعقيلا أخاه وحسنا وحسينا (عليهما السلام) وعمار بن ياسر، فإنهم خرجوا معه يشيعونه، فجعل الحسن (عليه السلام) يكلم أبا ذر فقال له مروان: أيها يا حسن، ألا تعلم أن أمير المؤمنين قد نهى عن كلام ذلك الرجل، فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك، فحمل علي (عليه السلام) على مروان فضرب بالسوط بين اذني راحلته، وقال: تنح لحاك الله إلى النار، فرجع مروان مغضبا إلى عثمان فأخبره خبر، فتلظى على علي (عليه السلام)، ووقف أبو ذر فودعه القوم ومعه ذكوان مولى أم هانئ بنت أبي طالب، قال ذكوان: فحفظت كلام القوم وكان حافظا فقال علي (عليه السلام): " يا با ذر إنك غضبت لله، إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك، فامتحنوك بالقلا، ونفوك إلى الفلا، والله لو كانت السماوات والأرض على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل له منهما مخرجا، يا با ذر لا يؤنسك إلا الحق ولا يوحشنك إلا الباطل " ثم قال لأصحاب: ودعوا عمكم، وقال لعقيل: ودع أخاك فتكلم عقيل فقال: ما عسى أن نقول يا با ذر أنت تعلم أنا نحبك وأنت تحبنا فاتق الله، فإن التقوى نجاة واصبر فإن الصبر كرم، واعلم أن استثقالك الصبر من الجزع واستبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع. ثم تكلم الحسن (عليه السلام) فقال: يا عماه لولا أنه لا ينبغي للمودع أن يسكت، وللمشيع أن ينصرف لقصر الكلام وإن طال الأسف، وقد أتى القوم إليك ما ترى، فضع عنك الدنيا بتذكر فراقها، وشدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيك (صلى الله عليه وآله) و هو عنك راض. ثم تكلم الحسين (عليه السلام) فقال: يا عماه إن الله تعالى قادر أن يغير ما قد ترى، والله كل يوم في شأن. وقد منعك القوم دنياهم، ومنعتهم دينك فما أغناك عما منعوك، وأحوجهم إلى ما منعتهم، فاسأل الله الصبر والنصر، واستعذبه

من الجشع والجزع، فإن الصبر من الدين والكرم، وإن الجشع لا يقدم رزقا والجزع لا يؤخر أجلا. ثم تكلم عمار رحمه الله مغضبا فقال: لا آنس الله من أوحشك، ولا آمن من أخافك، أما والله لو أردت دنياهم لآمنوك، ولو رضيت أعمالهم لأحبوك، وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلا الرضا بالدنيا، والجزع من الموت ومالوا إلى ما سلطان جماعتهم عليه، والملك لمن غلب، فوهبوا لهم دينهم، ومنحهم القوم دنياهم، فخسروا الدنيا والآخرة، ألا ذلك هو الخسران المبين.

فبكى أبو ذر رحمه الله وكان شيخا كبيرا، وقال: رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة، إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مالي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم، إني ثقلت على عثمان بالحجاز، كما ثقلت على معاوية بالشام، وكره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصرين فافسد الناس عليهما، فسيرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلا الله، والله ما أريد إلا الله صاحبا، وما أخشى مع الله وحشة.

ورجع القوم إلى المدينة فجاء علي (عليه السلام) إلى عثمان فقال له: ما حملك على رد رسولي وتصغير أمري؟ فقال علي (عليه السلام): أما رسولك فأراد أن يرد وجهي فرددته وأما أمرك فلم أصغره، قال: أما بلغك نهيي عن كلام أبي ذر، قال: أوكل ما أمرت بأمر معصية أطعناك فيه؟ قال عثمان: أقد مروان من نفسك، قال: مم ذا؟

قال: من شتمه وجذب راحلته، قال: أما الراحلة فراحلتي بها، وأما شتمه إياي فوالله لا يشتمني شتمه إلا شتمتك، لا أكذب عليك، فغضب عثمان وقال: لم لا يشتمك كأنك خير منه؟ قال علي (عليه السلام) إي والله ومنك، ثم قام فخرج، فأرسل عثمان إلى وجوه المهاجرين والأنصار، وإلى بني أمية يشكو إليهم عليا (عليه السلام)، فقال القوم: أنت الوالي عليه، وإصلاحه أجمل، قال: وددت ذاك، فأتوا عليا (عليه السلام) و قالوا: لو اعتذرت إلى مروان وأتيته، فقال: كلا أما مروان فلا آتيه ولا أعتذر إليه، ولكن إن أحب عثمان أتيته، فرجعوا إلى عثمان فأخبروه، فأرسل إليه فأتاه ومعه بنو هاشم، فتكلم علي (عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما ما وجدت

علي فيه من كلام أبي ذر ووداعه فوالله ما أردت مناواتك ولا الخلاف عليك ولكن أدرت به قضاء حقه، وأما مروان فإنه اعترض يريد ردي عن قضاء حق الله عز وجل فرددته رد مثلي مثله، وأما ما كان مني إليك فإنك أغضبتني فاخرج الغضب مني ما لم أرده.

فتكلم عثمان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما ما كان منك إلي فقد وهبته لك، وأما ما كان منك إلى مروان فقد عفا الله عنك، وأما ما حلفت عليه فأنت البر الصادق، فادن يدك، فأخذ يده فضمها إلى صدره، فلما نهض قالت قريش وبنو - أمية لمروان: أنت رجل جبهك علي فضرب راحلتك، وقد تفانت وائل في ضرع ناقة، وربيان وعبس في لطمة فرس، والأوس والخزرج في نسعة، أفتحمل لعلي (عليه السلام) ما أتى إليك، فقال مروان: والله لو أردت ذلك لما قدرت عليه.

واعلم أن الذي عليه أكثر أرباب السير وعلماء الاخبار والنقل أن عثمان نفى أبا ذر أولا إلى الشام، ثم استقدمه إلى المدينة لما شكى منه معاوية. ثم نفاه من المدينة إلى الربذة لما عمل بالمدينة نظير ما كان يعمل بالشام، وأصل هذه الواقعة أن عثمان لما أعطى مروان بن الحكم وغيره بيوت الأموال واختص زيد بن ثابت بشئ منها جعل أبو ذر يقول بين الناس وفي الطرقات والشوارع: بشر الكافرين بعذاب أليم، ويرفع بذلك صوته، ويتلو قوله تعالى: " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم " فرفع ذلك إلى عثمان مرارا وهو ساكت، ثم إنه أرسل إليه مولى من مواليه أن انته عما بلغني عنك فقال أبو ذر: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله تعالى، وعيب من ترك أمر الله؟

فوالله لان أرضى الله بسخط عثمان أحب إلي وخير لي من أن أسخط الله برضى عثمان، فأغضب عثمان ذلك وأحفظ فتصابر وتماسك إلى أن قال عثمان يوما والناس حوله: أيجوز للامام أن يأخذ من بيت المال شيئا قرضا، فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك، فقال أبو ذر: يا بن اليهوديين أتعلمنا ديننا؟ فقال عثمان: قد كثر أذاك لي وتولعك بأصحابي، الحق بالشام، فأخرجه إليها، فكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها، فبعث إليه معاوية يوما ثلاثمائة دينار، فقال أبو ذر لرسوله: إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها، وإن كانت صلة فلا حاجة لي فيها وردها عليه، ثم بنى معاوية الخضراء بدمشق، فقال أبو ذر يا معاوية إن كانت هذه من مال فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهي الاسراف وكان أبو ذر يقول بالشام: والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه، إني لأرى حقا يطفأ، وباطلا يحيى، وصادقا مكذبا، و أثرة بغير تقى، وصالحا مستأثرا عليه، فقال حبيب بن مسلمة الفهري: لمعاوية:

إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام، فتدارك أهله إن كان لك فيه حاجة.

وروى أبو عثمان الجاحظ عن جلام بن جندل الغفاري قال: كنت عاملا لمعاوية على قنسرين والعواصم في خلافة عثمان، فجئت إليه يوما أسأله عن حال عملي، إذ سمعت صارخا على باب داره يقول: أتتكم القطار بحمل النار، اللهم العن الآمرين بالمعروف التاركين له، اللهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له فازبأر معاوية وتغير لونه وقال: يا جلام أتعرف الصارخ؟ فقال: اللهم لا، قال:

من عذيري من جندب بن جنادة، يأتينا كل يوم فيصرخ على باب قصرنا بما سمعت ثم قال: أدخلوه، فجيئ بأبي ذر بين قوم يقودونه حتى وقف بين يديه، فقال له معاوية: يا عدو الله وعدو رسوله تأتينا في كل يوم فتصنع ما تصنع، أما إني لو كنت قاتل رجل من أصحاب محمد من غير إذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك ولكني أستأذن فيك، قال جلام: وكنت أحب أن أرى أبا ذر لأنه رجل من قومي، فالتفت إليه فإذا رجل أسمر، ضرب من الرجال، خفيف العارضين، في

ظهره حناء فأقبل على معاوية وقال: ما أنا بعدو الله ولا لرسوله، بل أنت وأبوك عدوان الله ولرسوله، أظهرتما الاسلام، وأبطنتما الكفر، ولقد لعنك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعا عليك مرات أن لا تشبع، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:

" إذا ولى الأمة الأعين الواسع البلعوم الذي يأكل ولا يشبع فلتأخذ الأمة حذرها منه " فقال معاوية: ما أنا ذلك الرجل، قال أبو ذر: أنت ذلك الرجل أخبرني بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسمعته يقول وقد مررت به: " اللهم العنه ولا تشبعه إلا بالتراب " وسمعته يقول: " أسيت معاوية في النار " فضحك معاوية وأمر بحبسه، وكتب إلى عثمان فيه، فكتب عثمان إلى معاوية: أن احمل جنيدبا إلي على أغلظ مركب وأوعره، فوجه به من سار به الليل والنهار، وحمله على شارف ليس عليها إلا قتب حتى قدم به المدينة، وقد سقط لحم فخذيه من الجهد فلما قدم بعث إليه عثمان: أن الحق بأي ارض شئت، قال بمكة، قال: لا، قال:

ببيت المقدس قال: لا، قال: بأحد المصرين، قال: لا، قال: ولكني مسيرك إلى الربذة فسيره إليها، فلم يزل بها حتى مات.

وفي رواية الواقدي أن أبا ذر لما دخل على عثمان قال له:

لا أنعم الله بقين عينا * نعم ولا لقاه يوما زينا تحية السخط إذا التقينا فقال أبو ذر: ما عرفت اسمي قينا.

وفي رواية الأخرى: لا أنعم الله بك عينا يا جنيدب، فقال أبو ذر، أنا جندب وسماني رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبد الله، فاخترت اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي سماني به على اسمي، فقال له عثمان: أنت الذي تزعم أنا نقول: يد الله مغلولة، وأن الله فقير ونحن أغنياء؟ فقال أبو ذر: لو كنتم لا تقولون هذا لأنفقتم مال الله على عباده ولكني أشهد لسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين

رجلا جعلوا مال الله دولا، وعباده خولا " فقال عثمان لمن حضر: أسمعتموها من رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قالوا: لا، قال عثمان: ويلك يا أبا ذر أتكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقال أبو ذر لمن حضر: ما تدرون أني صدقت؟ قالوا: لا والله ما ندري، فقال عثمان: ادعوا لي عليا، فلما جاء قال عثمان لأبي ذر: أقصص عليه حديثك في بني أبي العاص، فأعاده فقال عثمان لعلي (عليه السلام): أسمعت هذا من رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: لا، وصدق أبو ذر، فقال: كيف عرفت صدقه؟ قال: لأني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر " فقال من حضر: أما هذا فسمعناه كلنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال أبو ذر: أحدثكم أني سمعت هذا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتتهموني؟ ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله).

وفي خبر آخر بإسناده عن صهبان مولى الأسلميين قال: رأيت أبا ذر يوم دخل به على عثمان، فقال له: أنت الذي فعلت وفعلت، فقال أبو ذر: نصحتك فاستغششتني، ونصحت صاحبك فاستغشني، قال عثمان: كذبت، ولكنك تريد الفتنة وتحبها، قد انغلت الشام علينا، فقال له أبو ذر: اتبع سنة صاحبيك لا يكن لأحد عليك كلام، فقال عثمان: مالك وذلك؟ لا أم لك قال أبو ذر: ما وجدت لي عذرا إلا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فغضب عثمان وقال: أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب، إما أن أضربه أو أحبسه أو أقتله، فإنه قد فرق جماعة المسلمين، أو أنفيه من أرض الاسلام، فتكلم علي (عليه السلام) وكان حاضرا فقال: أشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون: " وإن يك كاذبا فعليه كذبه، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم، إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب " فاجابه عثمان بجواب غليظ، وأجابه علي (عليه السلام) بمثله، ولم يذكر الجوابين تذمما منهما.

قال الواقدي: ثم إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر أو يكلموه

فمكث كذلك أياما ثم أتى به فوقف بين يديه، فقال أبو ذر: ويحك يا عثمان أما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورأيت أبا بكر وعمر، هل هديك كهديهم؟ أما إنك لتبطش بي بطش جبار، فقال عثمان: اخرج عنا من بلادنا، فقال أبو ذر: ما أبغض إلي جوارك، فإلى أين أخرج؟ قال: حيث شئت، قال: أخرج إلى الشام أرض الجهاد قال: إنما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها، أفأردك إليها؟ قال: أفأخرج إلى العراق؟ قال: لا، إنك إلا تخرج إليها تقدم على قوم اولي شبه وطعن على الأئمة والولاة، قال: أفأخرج إلى مصر؟ قال: لا، قال: فإلى أين أخرج ؟ قال: إلى البادية، قال أبو ذر: أصير بعد الهجرة أعرابيا؟ قال: نعم، قال أبو ذر: فأخرج إلى بادية نجد، قال عثمان: بل إلى الشرف الابعد فأقصى، امض على وجهك هذا، فلا تعدون فخرج إليها.

وروى الواقدي أيضا عن مالك بن أبي الرجا عن موسى بن ميسرة أن أبا الأسود الدؤلي قال: كنت أحب لقاء أبي ذر لأسأله عن سبب خروجه إلى الربذة، فجئته فقلت له: ألا تخبرني أخرجت من المدينة طائعا أم أخرجت (4)؟

فقال: كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغنى عنهم فأخرجت إلى المدينة، فقلت: دار هجرتي، فأخرجت من المدينة إلى ما ترى، ثم قال: بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ مربي (صلى الله عليه وآله) فضربني برجله، وقال: لا أراك نائما في المسجد، فقلت: بأبي أنت وأمي غلبتني فنمت فيه، قال: فكيف تصنع إذا أخرجوك منه؟ قلت: آخذ سيفي فأضربهم به، فقال: ألا أدلك على خير من ذلك؟ انسق معهم حيث ساقوك، وتسمع وتطيع، فسمعت وأطعت وأنا أسمع وأطيع، والله ليلقين الله عثمان وهو آثم في جنبي انتهى كلامه، وإنما أوردته بطوله لتعلم أن قبائح أعمال عثمان وطغيانه على أبي ذر وغيره متواتر بين الفريقين.

بيان: يقال: لحاه الله، أي قبحه ولعنه، وازبأر الكلب: تنفش، والرجل للشر: تهيأ. والضرب بالفتح: الرجل الخفيف اللحم، والبلعوم بالضم: مجرى الطعام في الحلق واسيت كأنه تصغير الاست والشارف من النوق المسنة الهرمة وأنغله: أفسده، وفي القاموس: الشرف: المكان العالي، وجبل قرب جبل شريف، و الربذة والشرف الاعلى: جبل قرب زبيد.

أقول: قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: روى أبو عمرو ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب لما حضر أبا ذر الوفاة وهو بالربذة بكت زوجته أم ذر، قالت: فقال لي: ما يبكيك؟ فقلت: مالي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض، وليس عندي ثوب يسعك كفنا، ولابد لي من القيام بجهازك، فقال: أبشري ولا تبكي، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاث فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبدا " وقد مات لنا ثلاثة من الولد، وسمعت أيضا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لنفر، أنا فيهم: " ليموتن أحدكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين " وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجماعة، فأنا لا أشك أني ذلك الرجل، والله ما كذبت ولا كذبت، فانظري الطريق. قالت أم ذر: فقلت: أنى وقد ذهب الحاج وتقطعت الطرق؟ فقال: اذهبي فتبصري، فقالت فكنت أشتد إلى الكثيب فأصعد فأنظر ثم أرجع إليه فامرضه، فبينا أنا وهو على هذه الحال إذا أنا برجال على ركابهم كأنهم الرحم؟ تخب بهم رواحلهم، فأسرعوا إلي حتى وقفوا علي، وقالوا: يا أمة الله مالك؟ فقلت: امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه؟ قالوا: ومن هو؟ قلت:

أبو ذر، قالوا: صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قلت: نعم، ففدوه بآبائهم، وأمهاتهم وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه، فقال لهم: أبشروا فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله)

يقول لنفر أنا فيهم: " ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين " وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد هلك في قرية وجماعة، والله ما كذبت ولا كذبت ولو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أولا مرأتي لم أكفن إلا في ثوب لي أولها، و إني أنشدكم الله أن يكفنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا، قالت:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.