بحارالانوار · المجلد السادس
11 باب كيفية اسلام سلمان رضي الله عنه ومكارم أخلاقه و بعض مواعظه وسائر أحواله
ج ۲۲، ص ۳۵۴–۳۸۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
{11 باب} * (كيفية اسلام سلمان رضي الله عنه ومكارم أخلاقه و) * * (بعض مواعظه وسائر أحواله) * 1 - أمالي الصدوق: حمزة بن محمد العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن ابن أبي عمير عن حفص بن البختري، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده (عليهم السلام) قال: وقع بين سلمان الفارسي رحمه الله وبين رجل كلام وخصومة، فقال له الرجل: من أنت يا سلمان؟ فقال سلمان: أما أولي وأولك فنطفة قذرة، وأما آخري وآخرك فجيفة منتنة، فإذا كان يوم القيامة ووضعت الموازين فمن ثقل ميزانه فهو الكريم، ومن خف ميزانه فهو اللئيم.
2 - إكمال الدين: أبي، عن محمد العطار وأحمد بن إدريس معا، عن ابن عيسى، عن محمد ابن علي بن مهزيار، عن أبيه، عمن ذكره، عن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: قلت:
يا ابن رسول الله ألا تخبرنا كيف كان سبب إسلام سلمان الفارسي؟ قال: نعم، حدثني أبي صلوات الله عليه أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله على وآله وسلمان الفارسي وأبا ذر وجماعة من قريش كانوا مجتمعين عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لسلمان: يا با عبد الله ألا تخبرنا بمبدء أمرك؟ فقال سلمان: والله يا أمير المؤمنين لو أن غيرك سألني ما أخبرته، أنا كنت رجلا من أهل شيراز من أبناء الدهاقين، وكنت عزيزا على والدي، فبينا أنا سائر مع أبي في عيد لهم إذا أنا بصومعة، وإذا فيها رجل ينادي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن عيسى روح الله وأن محمدا حبيب الله، فرصف حب محمد في لحمي ودمي، فلم يهنئني طعام ولا شراب فقالت لي أمي: يا بني مالك اليوم لم تسجد لمطلع الشمس؟ قال: فكابرتها حتى
سكتت، فلما انصرفت إلى منزلي إذا أنا بكتاب معلق في السقف، فقلت لأمي: ما هذا الكتاب؟ فقالت: يا روزبه إن هذا الكتاب لما رجعنا من عيدنا رأيناه معلقا فلا تقرب ذلك المكان، فإنك إن قربته قتلك أبوك، قال: فجاهدتها حتى جن الليل، ونام أبي وأمي، فقمت وأخذت الكتاب فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا عهد من الله إلى آدم، إنه خالق من صلبه نبيا يقال له: محمد، يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن عبادة الأوثان، يا روزبه ائت وصي عيسى فآمن واترك المجوسية.
قال: فصعقت صعقة وزادني شدة، قال: فعلم أبي وأمي بذلك فأخذوني و جعلوني في بئر عميقة، وقالوا لي: إن رجعت وإلا قتلناك، فقلت لهم: افعلوا بي ما شئتم، حب محمد لا يذهب من صدري، قال سلمان: والله ما كنت أعرف العربية قبل قراءتي الكتاب، ولقد فهمني الله العربية من ذلك اليوم، قال: فبقيت في البئر فجعلوا ينزلون إلي قرصا صغارا، فلما طال أمري رفعت يدي إلى السماء، فقلت:
يا رب إنك حببت محمدا ووصيه إلي، فبحق وسيلته عجل فرجي وأرحني مما أنا فيه، فأتاني آت عليه ثياب بيض قال: قم يا روزبه، فأخذ بيدي وأتى بي الصومعة فأنشأت أقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن عيسى روح الله، وأن محمدا حبيب الله فأشرف علي الديراني فقال: أنت روزبه؟ فقلت: نعم، فقال: اصعد، فأصعدني إليه، وخدمته حولين كاملين، فلما حضرته الوفاة قال: إني ميت، فقلت له:
فعلى من تخلفني؟ فقال: لا أعرف أحد يقول بمقالتي إلا راهبا بأنطاكية، فإذا لقيته فاقرأه منى السلام وادفع إليه هذا اللوح، وناولني لوحا، فلما مات غسلته وكفنته ودفنته، وأخذت اللوح وصرت به إلى أنطاكية، وأتيت الصومعة وأنشأت أقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن عيسى روح الله، وأن محمدا حبيب الله، فأشرف علي الديراني فقال لي: أنت روزبه؟ فقلت: نعم، فقال: اصعد فصعدت إليه، فخدمته
حولين كاملين، فلما حضرته الوفاة قال لي: إني ميت، فقلت: على من تخلفني، فقال:
لا أعرف أحدا يقول بمقالتي إلا راهبا بالإسكندرية، فإذا أتيته فاقرأه مني السلام وادفع إليه هذا اللوح، فلما توفي غسلته وكفنته ودفنته وأخذت اللوح وأتيت الصومعة، وأنشأت أقول: أشهد لا إله إلا الله، وأن عيسى روح الله، و أن محمدا حبيب الله، فأشرف على الديراني، فقال: أنت روزبه؟ فقلت: نعم، فقال:
اصعد فصعدت إليه وخدمته حولين كاملين، فلما حضرته الوفاة، قال لي: إني ميت قلت: على من تخلفني؟ فقال: لا أعرف أحدا يقول بمقالتي في الدنيا، وإن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد حانت ولادته، فإذا أتيته فاقرأه مني السلام، و ادفع إليه هذا اللوح، فلما توفي غسلته وكفنته ودفنته وأخذت اللوح، وخرجت فصحبت قوما فقلت لهم: يا قوم اكفوني الطعام والشراب أكفكم الخدمة؟ قالوا نعم، قال: فلما أرادوا أن يأكلوا شدوا على شاة فقتلوها بالضرب، ثم جعلوا بعضها كبابا وبعضها شواء فامتنعت من الاكل، فقالوا: كل، فقلت: إني غلام ديراني وإن الديرانيين لا يأكلون اللحم، فضربوني وكادوا يقتلوني، فقال بعضهم:
أمسكوا عنه حتى يأتيكم شراب، فإنه لا يشرب، فلما أتوا بالشراب قالوا:
اشرب، فقلت: إني غلام ديراني، وإن الديرانيين لا يشربون الخمر، فشدوا علي وأرادوا قتلي، فقلت لهم، يا قوم لا تضربوني، ولا تقتلوني، فإني أقر لكم بالعبودية، فأقررت لواحد منهم وأخرجني وباعني بثلاثمائة درهم من رجل يهودي قال: فسألني عن قصتي فأخبرته، وقلت: ليس لي ذنب إلا أن أحببت محمدا و وصيه، فقال اليهودي: وإني لابغضك وابغض محمدا، ثم أخرجني إلى خارج داره وإذا رمل كثير على بابه، فقال: والله يا روزبه لئن أصبحت ولم تنقل هذا الرمل كله من هذا الموضع لأقتلنك، قال: فجعلت أحمل طول ليلي، فلما أجهدني التعب رفعت يدي
إلى السماء فقلت: يا رب إنك حببت محمدا ووصيه إلي، فبحق وسيلته عجل فرجي وأرحني مما أنا فيه، فبعث الله عز وجل ريحا قلعت ذلك الرمل من مكانه إلى المكان الذي قال اليهودي، فلما أصبح نظر إلى الرمل قد نقل كله، فقال: يا روزبه أنت ساحر وأنا لا أعلم، فلأخرجنك من هذه القرية لئلا تهلكها، قال: فأخرجني وباعني من امرأة سليمية فأحبتني حبا شديدا، وكان لها حائط فقالت: هذا الحائط لك، كل منه ما شئت، وهب وتصدق، قال: فبقيت في ذلك الحائط ما شاء الله فبينما أنا ذات يوم في الحائط إذا أنا بسبعة رهط قد أقبلوا تظلهم غمامة، فقلت في نفسي:
والله ما هؤلاء كلهم أنبياء، وإن فيهم نبيا، قال: فأقبلوا حتى دخلوا الحائط والغمامة تسير معهم، فلما دخلوا إذا فيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين وأبو ذر والمقداد وعقيل بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة، فدخلوا الحائط فجعلوا يتناولون من حشف النخل، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لهم: كلوا الحشف، ولا تفسدوا على القوم شيئا، فدخلت على مولاتي فقلت لها: يا مولاتي هبي لي طبقا من رطب، فقالت: لك ستة أطباق، قال: فجئت فحملت طبقا من رطب فقلت في نفسي:
إن كان فيهم نبي فإنه لا يأكل الصدقة، ويأكل الهدية، فوضعته بين يديه فقلت:
هذه صدقة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كلوا، وأمسك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين وعقيل بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب، وقال لزيد: مد يك وكل، فأكلوا وقلت في نفسي: هذه علامة، فدخلت إلى مولاتي فقلت لها هبي طبقا آخر فقالت لك ستة أطباق، قال: جئت فحملت طبقا من رطب فوضعته بين يديه فقلت: هذه هدية فمد يده قال: بسم الله كلوا، فمد القوم جميعا أيديهم وأكلوا، فقلت في نفسي: هذه أيضا علامة قال: فبينا أنا أدور خلفه إذ حانت من النبي (صلى الله عليه وآله) التفاته فقال: يا روزبه تطلب خاتم النبوة؟ فقلت: نعم فكشف عن كتفيه فإذا أنا بخاتم النبوة معجون بين كتفيه عليه شعرات (صلى الله عليه وآله)، فقال: فسقطت على قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) اقبلها، فقال لي: يا روزبه ادخل على هذه المرأة وقل لها: يقول لك محمد بن عبد الله: تبيعينا هذا الغلام؟ فدخلت
فقلت لها: يا مولاتي إن محمد بن عبد الله يقول لك: تبيعينا هذا الغلام؟ فقالت: قل له: لا أبيعكه إلا بأربعمائة نخلة: مائتي نخلة منها صفراء ومائتي نخلة منها حمراء قال: فجئت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبرته، فقال: ما أهون ما سألت، ثم قال: قم يا علي فاجمع هذا النوى كله، فأخذه وغرسه، قال: اسقه، فسقاه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فما بلغ آخره حتى خرج النخل ولحق بعضه بعضا، فقال لي: ادخل إليها وقل لها:
يقول لك محمد بن عبد الله: خذي شيئك وادفعي إلينا شيئنا، قال: فدخلت عليها وقلت ذلك، فخرجت ونظرت إلى النخل فقالت: والله لا أبيعكه إلا بأربع مائة نخلة كلها صفراء، قال: فهبط جبرئيل (عليه السلام) فمسح جناحه على النخل فصار كله أصفر قال: ثم قال لي: قل لها: إن محمدا يقول لك: خذي شيئك وادفعي إلينا شيئنا، فقلت لها فقالت: والله لنخلة من هذه أحب إلي من محمد ومنك، فقلت: لها والله ليوم مع محمد أحب إلي منك ومن كل شئ أنت فيه، فأعتقني رسول الله (صلى الله عليه وآله): وسماني سلمانا.
قال الصدوق رحمه الله: كان اسم سلمان روزبه بن جشبوذان، وما سجد قط لمطلع الشمس، وإنما كان يسجد لله عز وجل، وكانت القبلة التي أمر بالصلاة إليها شرقية، وكان أبواه يظنان أنه إنما يسجد لمطلع الشمس كهيئتهم، وكان سلمان وصي وصي عيسى في أداء ما حمل إلى من انتهت إليه الوصية من المعصومين وهو أبي (عليه السلام)، وقد ذكر قوم أن أبي هو أبو طالب وإنما اشتبه الامر به، لان أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن آخر أوصياء عيسى (عليه السلام) فقال: أبي، فصحفه الناس فقالوا: أبي، ويقال له: بردة أيضا.
بيان: روي في " روضة الواعظين " أيضا خبر سلمان مرسلا إلى آخره.
وقال الجوهري: رصفت الحجارة في البناء أرصفها رصفا: إذا ضممت بعضها إلى بعض.
2 - الخصال: أبي عن محمد بن العطار، عن الأشعري، عن اللؤلؤي، عن إسحاق الضحاك، عن منذر الجوان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال سلمان رحمة الله عليه:
عجبت بست ثلاث أضحكتني وثلاث أبكتني فأما الذي أبكتني ففراق الأحبة:
محمد وحزبه، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الله عز وجل، وأما التي أضحكتني فطالب الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه لا يدري أرضى لله أم سخط.
المحاسن: أبي رفعه إلى سلمان رضي الله عنه.
3 - أمالي الطوسي: المفيد، عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن أحمد بن سلمة، عن إبراهيم بن محمد، عن الحسن بن حذيفة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: مرض رجل من أصحاب سلمان رحمه الله فافتقده فقال: أين صاحبكم؟ قالوا: مريض، قال: امشوا بنا نعوده فقاموا معه فلما دخلوا عليه فإذا هو يجود بنفسه، فقال سلمان: يا ملك الموت ارفق بولي الله، فقال ملك الموت بكلام يسمعه من حضر: يا با عبد الله إني أرفق بالمؤمنين ولو ظهرت لأحد لظهرت لك.
4 - الإحتجاج: احتجاج سلمان الفارسي رضوان الله عليه على عمر بن الخطاب في جواب كتاب كتبه إليه كان حين هو عامل على المدائن بعد حذيفة بن اليمان، بسم الله الرحمن الرحيم، من سلمان مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى عمر بن الخطاب، أما بعد فإنه قد أتاني منك كتاب يا عمر تؤنبني فيه وتعيرني وتذكر فيه أنك بعثتني أميرا على أهل المدائن. وأمرتني أن أقص أثر حذيفة، وأستقصي أيام أعماله وسيره، ثم أعلمك قبيحها وحسنها، وقد نهاني الله عن ذلك يا عمر في محكم كتابه، حيث قال:
" يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله "
وما كنت لأعطي الله في أثر حذيفة وأطيعك، وأما ما ذكرت أني أقبلت على سف الخوص وأكل الشعير فما هما مما يعير به مؤمن ويؤنب عليه، وأيم الله يا عمر لاكل الشعير وسف الخوص والاستغناء به عن ريع المطعم والمشرب وعن عصب مؤمن وادعاء ما ليس لي بحق أفضل وأحب إلى الله عز وجل، وأقرب للتقوى، ولقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أصاب الشعير أكله وفرح به ولم يسخط، وأما ما ذكرت من عطائي فإني قدمته ليوم فاقتي وحاجتي، ورب العزة يا عمر ما أبالي إذا جاز طعامي لهواتي، وساغ لي في حلقي، ألباب البر ومخ المعز كان أو خشارة الشعير وأما قولك: إني أضعفت سلطان الله وأوهنته وأذللت نفسي وامتهنتها حتى جهل أهل المدائن أمارتي فاتخذوني جسرا يمشون فوقي، ويحملون علي ثقل حمولتهم، وزعمت أن ذلك مما يوهن سلطان الله ويذله، فاعلم أن التذلل في طاعة الله أحب إلي من التعزز في معصية الله وقد علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتألف الناس ويتقرب منهم ويتقربون منه في نبوته وسلطانه، حتى كان بعضهم في الدنو منهم، وقد كان يأكل الجشب ويلبس الخشن، وكان الناس عنده قرشيهم وعربيهم وأبيضهم وأسودهم سواء في الدين فأشهد أني سمعته يقول: " من ولى سبعة من المسلمين بعدي ثم لم يعدل فيهم لقي الله وهو عليه غضبان " فليتني يا عمر أسلم من أمارة المدائن مع ما ذكرت أني ذللت نفسي وامتهنتها، فكيف يا عمر حال من ولى الأمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإني سمعت الله يقول:
" تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علو في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين " اعلم أني لم أتوجه أسوسهم وأقيم حدود الله فيهم إلا بارشاد دليل عالم، فنهجت فيهم بنهجه، وسرت فيهم بسيرته، واعلم أن الله تبارك وتعالى لو أراد بهذه الأمة خيرا وأراد بهم رشدا الولي عليهم أفضلهم وأعلمهم، ولو كانت هذه
الأمة من الله خائفين، ولقول نبيها متبعين وبالحق عالمين ما سموك أمير المؤمنين فاقض ما أنت قاض، فإنما تقضي هذه الحياة الدنيا، ولا تغتر بطول عفو الله وتمديده لك من تعجيل عقوبته، واعلم أنه ستدركك عواقب ظلمك في دنياك وأخراك وسوف تسئل عما قدمت وأخرت.
بيان: سففت الخوص: نسجته، والحوض: بالضم: ورق النخل. الريع:
الزيادة والنماء. واللهوات: اللحمات في سقف أقصى الفم. وساغ الشراب: سهل مدخله في الحلق. والخشارة بالضم: ما يبقى على المائدة مما لا خير فيه، وكذلك الردي من كل شئ، ومالا لب له من الشعير، ويقال: طعام جشب، أي غليظ ويقال: هو الذي لا ادم معه.
5 - قصص الأنبياء: الصدوق، عن عبد الله بن حامد، عن محمد بن يعقوب، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن محمود بن أسد، عن ابن عباس، عن سلمان الفارسي - رحمه الله - قال: كنت رجلا من أهل إصفهان من قرية يقال لها: جي؟، وكان أبي دهقان أرضه، وكن يحبني حبا شديدا، يحبسني في البيت كما تحبس الجارية، وكنت صبيا لا أعلم من أمر الناس إلا ما أرى من المجوسية، حتى أن أبي بنى بنيانا وكان له ضيعة فقال: يا بني شغلني من اطلاع الضيعة ما ترى، فانطلق إليها ومرهم بكذا وكذا، ولا تحبس عني فخرجت أريد الضيعة فمررت بكنيسة النصارى فسمعت أصواتهم فقلت:
ما هذا؟ قالوا: هؤلاء النصارى يصلون، فدخلت أنظر فأعجبني ما رأيت من حالهم فوالله ما زلت جالسا عندهم حتى غربت الشمس وبعث أبي في طلبي في كل وجه حتى جئته حين أمسيت ولم أذهب إلى ضيعته، فقال أبي: أين كنت؟ قلت:
مررت بالنصارى فأعجبني صلاتهم ودعاؤهم: فقال: أي بني إن دين آبائك خير
من دينهم، فقلت: لا والله ما هذا بخير من دينهم، هؤلاء قوم يعبدون الله ويدعونه ويصلون له، وأنت إنما تعبد نارا أوقدتها بيدك، إذا تركتها ماتت، فجعل في رجلي حديدا وحبسني في بيت عنده، فبعث إلى النصارى فقلت: أين أصل هذا الدين؟
قالوا: بالشام، قلت: إذا قدم عليكم من هناك ناس فأذنوني، قال: نفعل، فبعثوا بعد أنه قد تجار فبعث إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الخروج فأذنوني به، قالوا:
نفعل ثم بعثوا إلي بذلك، فطرحت الحديد من رجلي، وانطلقت معهم، فلما قدمت الشام قلت: من أفضل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف صاحب الكنيسة، فجئت فقلت:
إني أحببت أن أكون معك وأتعلم منك الخير، قال: فكن معي، فكنت معه، وكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة فإذا جمعوها اكتنزها ولم يعطها المساكين منها ولا بعضها، فلم يلبث أن مات، فلما جاؤوا أن يدفنوه قلت: هذا رجل سوء ونبهتهم على كنزه، فأخرجوا سبع قلال مملوة ذهبا، فصلبوه على خشبة ورموه بالحجارة وجاؤا برجل آخر فجعلوه مكانه، فلا والله يا ابن عباس ما رأيت رجلا قط أفضل منه، وأزهد في الدنيا، وأشد اجتهادا منه، فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة وكنت أحبه فقلت: يا فلان قد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي؟ قال: أي بني ما أعلم إلا رجلا بالموصل، فأته فإنك ستجده على مثل حالي فلما مات وغيب لحقت بالموصل فأتيته فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزهادة فقلت له: إن فلانا أوصى بي إليك، فقال : يا بني كن معي، فأقمت عنده حتى حضرته الوفاة، قلت: إلى من توصي بي؟ قال: الآن يا بني لا أعلم إلا رجلا بنصيبين فالحق به، فلما دفناه لحقت به، فقلت له: إن فلانا أوصى بي إليك فقال: يا بني أقم، فأقمت عنده فوجدته على مثل حالهم حتى حضرته الوفاة، فقلت: إلى من توصي بي؟ قال: ما أعلم إلا رجلا بعمورية من أرض الروم، فأته فإنك ستجده على مثل ما كنا عليه، فلما واريته خرجت إلى العمورية فأقمت عنده فوجدته على
مثل حالهم، واكتسبت غنيمة وبقرات إلى أن حضرته الوفاة، فقلت: إلى من توصي بي؟ قال: لا أعلم أحدا على مثل ما كنا عليه، ولكن قد أظلك زمان بني يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض ذات سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تمضي إلى تلك البلاد فافعل، قال: فلما واريناه أقمت حتى مر رجال من تجار العرب من كلب فقلت لهم: تحملوني معكم حتى تقدموني أرض العرب وأعطيكم غنيمتي هذه وبقراتي، قالوا: نعم فأعطيتهم إياها وحملوني حتى إذا جاؤوا بي وادي القرى ظلموني وباعوني عبدا من رجل يهودي، فوالله لقد رأيت النخل وطمعت أن تكون البلد الذي نعت لي فيه صاحبي، حتى قدم رجل من بني قريظة من يهود وادي القرى، فابتاعني من صاحبي الذي كنت عنده، فخرج حتى قدم بي المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها وعرفت نعتها، فأقمت مع صاحبي، وبعث الله رسوله بمكة لا يذكر لي شئ من أمره، مع ما أنا فيه من الرق حتى قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبا، وأنا أعمل لصاحبي في نخل له، فوالله إني لكذلك إذ جاء ابن عم له فقال: قاتل الله بني قيلة، والله إنهم لفي قبا يجتمعون على رجل جاء من مكة يزعمون أنه نبي، فوالله ما هو إلا قد سمعتها فأخذتني الرعدة حتى ظننت لأسقطن على صاحبي، ونزلت أقول : ما هذا الخبر؟ ما هو؟ فرفع مولاي يده فلكمني فقال: مالك ولهذا؟ اقبل على عملك، فلما أمسيت وكان عندي شئ من طعام فحملته وذهبت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقباء فقلت: بلغني أنك رجل صالح وأن معك أصحابا، وكان عندي شئ من الصدقة فها هو ذا فكل منه، فأمسك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لأصحابه: كلوا ولم يأكل، فقلت في نفسي: هذه خصلة مما وصف لي صاحبي، ثم رجعت وتحول رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة، فجمعت شيئا كان عندي ثم جئته به فقلت: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية وكرامة ليست بالصدقة، فأكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأكل أصحابه، فقلت: هاتان خلتان، ثم جئت
رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يتبع جنازة وعليه شملتان، وهو في أصحابه، فاستدرت به لأنظر إلى الخاتم في ظهره، فلما رآني رسول الله (صلى الله عليه وآله) استدبرته عرف أني أستثبت شيئا قد وصف لي، فرفع رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه كما وصف لي صاحبي، فأكببت عليه اقبله وأبكي، فقال: تحول يا سلمان هنا، فتحولت وجلست بين يديه، وأحب أن يسمع أصحابه حديثي عنه، فحدثته يا ابن عباس كما حدثتك، فلما فرغت قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كات يا سلمان، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له، وأربعين أوقية، فأعانني أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالنخلة ثلاثين ودية، وعشرين ودية، كل رجل على قدر ما عنده، فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا أضعها بيدي، فحفرت لها حيث توضع، ثم جئت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: قد فرغت منها فخرج معي حتى جاءها، فكنا نحمل إليه الودي فيضعه بيده فيسوي عليها، فوالذي بعثه بالحق نبيا ما مات منها ودية واحدة وبقيت علي الدراهم، فأتاه رجل من بعض المغازي بمثل البيضة من الذهب، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أين الفارسي المكاتب المسلم؟ فدعيت له، فقال: خذ هذه يا سلمان فأدها مما عليك فقلت: يا رسول الله أين تقع هذه مما علي؟ فقال: إن الله عز وجل سيوفي بها عنك فوالذي نفس سلمان بيده لوزنت لهم منها أربعين أوقية فأديتها إليهم، وعتق سلمان قال: وكان الرق قد حبسني حتى فاتني مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بدر واحد، ثم عتقت فشهدت الخندق، ولم يفتني معه مشهد.
وفي رواية عن سلمان رضي الله عنه أن صاحب عمورية لما حضرته الوفاة قال:
ائت غيضتين من أرض الشام، فإن رجلا يخرج من إحداهما إلى الأخرى في كل سنة ليلة يعترضه ذوو الأسقام فلا يدعو لأحد مرض إلا شفي، فاسأله عن هذا الدين الذي
تسألني عنه عن الحنيفية دين إبراهيم (عليه السلام) فخرجت حتى أقمت بها سنة حتى خرج تلك الليلة من إحدى الغيضتين إلى الأخرى، وكان فيها حتى ما بقي إلا منكبيه فأخذت به فقلت: رحمك الله الحنيفية دين إبراهيم، فقال: إنك تسأل عن شئ ما سأل عنه الناس، اليوم قد أظلك نبي يخرج عند هذا البيت بهذا الحرم يبعث بذلك الدين فقال الراوي: يا سلمان لئن كان كذلك لقد رأيت عيسى بن مريم صلوات الله عليه.
بيان: لكمه كنصرة: ضربه بجمع كفه: والودية: الصغيرة من النخل.
والغيضة: مغيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجر. وكان فيها، أي في الغيضة الأخرى أي لحقته حين وضع رجله في الغيضة الثانية، وأراد أن يدخلها ولم يبق خارجا منها إلا منكبه. لقد رأيت عيسى أي مثله.
6 - الخرائج: روي أنه لما وافى رسول الله (صلى الله عليه وآله) المدينة مهاجرا نزل بقبا، قال:
لا أدخل المدينة حتى يلحق بي علي، وكان سلمان كثير السؤال عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان قد اشتراه بعض اليهود، وكان يخدم نخلا لصاحبه، فلما وافى (عليه السلام) قبا، وكان سلمان قد عرف بعض أحواله من بعض أصحاب عيسى وغيره فحمل طبقا من تمر وجاءهم به، فقال: سمعنا أنكم غرباء وافيتم إلى هذا الموضع فحملنا هذا إليكم من صدقتنا فكلوا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سموا وكلوا، ولم يأكل هو منه شيئا، وسلمان واقف ينظر فأخذ الطبق وانصرف وهو يقول: هذه واحدة، بالفارسية، ثم جعل في الطبق تمرا آخر وحمله فوضعه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: رأيتك لم تأكل من تمر الصدقة، وهذه هدية، فمد يده (صلى الله عليه وآله) وأكل، وقال لأصحابه: كلوا باسم الله، فأخذ سلمان الطبق ويقول: هذان اثنان، ثم دار خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعلم (صلى الله عليه وآله) مراده منه، فأرخى
رداءه عن كتفيه، فرأى سلمان الشأمة، فوقع عليها فقبلها، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، ثم قال: إني عبد ليهودي فما تأمرني؟ قال: اذهب فكاتبه على شئ ندفعه إليه، فصار سلمان إلى اليهودي فقال: إني أسلمت واتبعت هذا النبي على دينه، ولا تنتفع بي، فكاتبني على شئ أدفعه إليك وأملك نفسي فقال اليهودي: أكاتبك على أن تغرس لي خمسمائة نخلة، وتخدمها حتى تحمل ثم تسلمها إلي، وعلى أربعين أوقية ذهبا جيدا، وانصر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبره بذلك، قال (صلى الله عليه وآله): اذهب فكاتبه على ذلك، فمضى سلمان وكاتبه على ذلك وقدر اليهودي أن هذه شئ لا يكون إلا بعد سنين، وانصرف سلمان بالكتاب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: اذهب فائتني بخمسمائة نواة.
وفي رواية الحشوية: بخمسمائة فسيلة.
فجاء سلمان بخمسمائة نواة، فقال: سلمها إلى علي، ثم قال لسلمان: اذهب بنا إلى الأرض التي طلب النخل فيها، فذهبوا إليها، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يثقب الأرض بإصبعه، ثم يقول لعي: ضع في الثقب نواة، ثم يرد التراب عليها و يفتح رسول الله أصابعه فينفجر الماء من بينها، فيسقى ذلك الموضع، ثم يصير إلى موضع ثان فيفعل بها كذلك، فإذا فرغ من الثانية تكون الأولى قد نبتت ثم يصير إلى موضع الثالثة فإذا فرغ منها تكون الأولى قد حملت، ثم يصير إلى موضع رابع وقد نبتت الثالثة وحملت الثانية، وهكذا حتى فرغ من غرس الخمسمائة وقد حملت كلها، فنظر اليهودي، وقال: صدقت قريش أن محمدا ساحر، وقال:
قد قبضت منك النخل فأين الذهب؟ فتناول رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجرا كان بين يديه فصار ذهبا أجود ما يكون، فقال اليهودي: ما رأيت ذهبا قط مثله، وقدره مثل تقدير عشر أواقي، فوضعه في الكفة فرجح فزاد عشرا، فرجح حتى صار أربعين أوقية
لا تزيد ولا تنقص، قال سلمان، فانصرفت إلى رسول الله فلزمت خدمته و أنا حر.
7 - الخرائج: روي أن عليا (عليه السلام) دخل المسجد بالمدينة غداة يوم قال: رأيت في النوم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقال لي: إن سلمان توفي ووصاني بغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، وها أنا خارج إلى المدائن لذلك، فقال عمر: خذ الكفن من بيت المال، فقال علي (عليه السلام) ذلك مكفي مفروغ منه، فخرج والناس معه إلى ظاهر المدينة، ثم خرج وانصرف الناس، فلما كان قبل ظهيرة رجع وقال: دفنته، وأكثر الناس لم يصدقوا حتى كان بعد مدة، وصل من المدائن مكتوب أن سلمان توفي في يوم كذا، ودخل علينا أعرابي فغسله وكفنه وصلى عليه ودفنه، ثم انصرف فتعجب الناس كلهم.
8 - مناقب ابن شهرآشوب: كتب رسول الله (صلى الله عليه وآله) عهد لحي سلمان بكازرون: هذا كتاب من محمد بن عبد الله رسول الله، سأله الفارسي سلمان وصية بأخيه مهاد بن فروخ بن مهيار وأقاربه وأهل بيته وعقبه من بعده، ما تناسلوا من أسلم منهم، وأقام على دينه سلام الله، أحمد الله إليكم، إن الله تعالى أمرني أن أقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أقولها وآمر الناس بها، والامر كله لله، خلقهم وأماتهم، وهو ينشرهم وإليه المصير.
ثم ذكر فيه من احترام سلمان إلى أن قال:
وقد رفعت عنهم جز الناصية والجزية والخمس والعشر وسائر المؤن والكلف فإن سألوكم فأعطوهم، وإن استغاثوا بكم فأغيثوهم، وإن استجاروا بكم فأجيروهم وإن أساؤا فاغفروا لهم، وإن أسئ إليهم فامنعوا عنهم وليعطوا من بيت مال المسلمين في كل سنة مائتي حلة، ومن الأواقي مائة، فقد استحق سلمان ذلك من رسول الله. ثم دعا لمن عمل به، ودعا على من أذاهم. وكتب علي بن أبي طالب والكتاب إلى اليوم في أيديهم، ويعمل القوم برسم النبي (صلى الله عليه وآله)، فلولا ثقته بأن
دينه يطبق الأرض لكان كتبه هذا السجل مستحيلا.
9 - تفسير الإمام العسكري: قال أبو محمد العسكري (عليه السلام): إن سلمان الفارسي رحمة الله عليه مر بقوم من اليهود فسألوه أن يجلس إليهم ويحدثهم بما سمع من محمد في يومه هذا فجلس إليهم لحرصه على إسلامهم، فقال: سمعت محمد (صلى الله عليه وآله) يقول: إن الله عز وجل يقول: يا عبادي أوليس من له إليكم حوائج كبار لا تجودون بها إلا أن يتحمل عليكم بأحب الخلق إليكم تقضونها كرامة لشفيعهم؟ ألا فاعلموا أن أكرم الخلق علي وأفضلهم لدي محمد وأخوه علي ومن بعده من الأئمة الذين هم الوسائل إلي ألا فليدعني من همته حاجة يريد نفعها أو دهته داهية يريد كشف ضررها بمحمد وآله الأفضلين الطيبين الطاهرين أقضها له أحسن ما يقيضها ممن تستشفعون إليه بأعز الخلق عليه، فقالوا لسلمان وهم يسخرون ويستهزؤن به:
يا با عبد الله ما بالك لا تقترح على الله وتتوسل بهم أن يجعلك أغنى أهل المدينة؟
فقال سلمان: قد دعوت الله بهم وسألته ما هو أجل وأفضل وأنفع من ملك الدنيا بأسرها سألته بهم صلى الله عليهم أن يهب لي لسانا لتمجيده وثنائه ذاكرا، وقلبا لآلائه شاكرا، وعلى الدواهي الداهية لي صابرا، وهو عز وجل قد أجابني إلى ملتمسي من ذلك، وهو أفضل من ملك الدنيا بحذافيرها، وما تشتمل عليه من خيراتها مائة ألف ألف مرة، قال (عليه السلام): فجعلوا يهزؤن به ويقولون: يا سلمان لقد ادعيت مرتبة عظيمة شريفة نحتاج أن نمتحن صدقك عن كذبك فيها، وها نحن أولا قائمون
إليك بسياطنا فضاربوك بها، فاسئل ربك أن يكف أيدينا عنك، فجعل سلمان يقول:
اللهم اجعلني على البلاء صابرا. وجعلوا يضربونه بسياطهم حتى أعيوا وملوا، و جعل سلمان لا يزيد على قوله: اللهم اجعلني على البلاء صابرا، فلما ملوا وأعيوا قالوا له: يا سلمان ما ظننا أن روحا ثبت في مقرها مع شدة هذا العذاب الوارد عليك، ما بالك لا تسأل ربك أن يكفنا عنك؟ فقال: لان سؤالي ذلك ربي خلاف الصبر، بل سلمت لامهال الله تعالى لكم، وسألته الصبر، فلما استراحوا قاموا إليه بعد بسياطهم فقالوا: لا نزال نضربك بسياطنا حتى تزهق روحك، أو تكفر بمحمد (صلى الله عليه وآله)، فقال: ما كنت لافعل ذلك، فإن الله قد أنزل على محمد: " الذين يؤمنون بالغيب " وإن احتمالي لمكارهكم لادخل في جملة من مدحه الله تعالى بذلك سهل علي يسير، فجعلوا يضربونه بسياطهم حتى ملوا ثم قعدوا، وقالوا: يا سلمان لو كان لك عند ربك قدر لايمانك بمحمد لاستجاب الله دعاءك وكفنا عنك، فقال سلمان: ما أجهلكم كيف يكون مستجيبا دعائي إذا فعل بي خلاف ما أريد منه، أنا أردت منه الصبر فقد استجاب لي وصبرني، ولم أسأله كفكم عني فيمنعني حتى يكون ضد دعائي كما تظنون، فقاموا إليه ثالثة بسياطهم فجعلوا يضربونه وسلمان لا يزيد على قوله: اللهم صبرني على البلاء في حب صفيك وخليلك محمد، فقالوا له: يا سلمان ويحك أوليس محمد قد رخص لك أن تقول من الكفر به ما تعتقد ضده للتقية من أعدائك؟ فما لك لا تقول ما نقترح به عليك للتقية؟ فقال سلمان:
إن الله قد رخص لي في ذلك ولم يفرضه علي، بل أجاز لي أن لا أعطيكم ما تريدون وأحتمل مكارهكم، وجعله أفضل المنزلتين، وأنا لا أختار غيره، ثم قاموا إليه بسياطهم وضربوه ضربا كثيرا وسيلوا دماءه وقالوا له وهم ساخرون: لا تسأل الله كفنا عنك، ولا تظهر لنا ما نريده منك لنكف به عنك، فادع علينا بالهلاك إن كنت
من الصادقين في دعواك أن الله تعالى لا يرد دعاءك بمحمد وآله الطيبين، فقال سلمان: إني لاكره أن أدعو الله لهلاككم مخافة أن يكون فيكم من قد علم الله أنه سيؤمن بعد فأكون قد سألت الله تعالى اقتطاعه عن الايمان، فقالوا: قل اللهم أهلك من كان في معلومك أنه يبقى إلى الموت على تمرده، فإنك لا تصادف بهذا الدعاء ما خفته، قال: فانفرج له حائط البيت الذي هو فيه مع القوم، وشاهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقول: يا سلمان ادع عليهم بالهلاك، فليس فيهم أحد يرشد، كما دعا نوح (عليه السلام) على قومه لما عرف أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، فقال سلمان: تريدون أن أدعو عليكم بالهلاك؟ فقالوا: تدعوا أن يقلب الله سوط كل واحد منا أفعى تعطف رأسها، ثم تمشش عظام سائر بدنه، فدعا الله بذلك فما من سياطهم سوط إلا قلبه الله تعالى عليهم أفعى لها رأسان، فتناول برأس منها رأسه وبرأس آخر يمينه التي كان فيها سوطه، ثم رضضتهم ومششتهم وبلعتهم و التقمتهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في مجلسه: معاشر المسلمين إن الله قد نصر أخاكم سلمان ساعتكم هذه على عشرين من مردة اليهود والمنافقين، قلب سياطهم أفاعي رضضتهم ومششتهم وهشمت عظامهم والتقمتهم، فقوموا بنا ننظر إلى تلك الأفاعي المبعوثة لنصرة سلمان، فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه إلى تلك الدار، وقد اجتمع إليها جيرانها من اليهود والمنافقين لما سمعوا ضجيج القوم بالتقام الأفاعي لهم، وإذا هم خائفون منها نافرون من قربها، فلما جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرجت كلها من البيت إلى الشارع المدينة، وكان شارعا ضيقا، فوسعه الله تعالى وجعله عشرة أضعافه، ثم نادت الأفاعي: السلام عليك يا محمد يا سيد الأولين والآخرين السلام عليك يا علي يا سيد الوصيين، السلام على ذريتك الطبين الطاهرين الذين جعلوا على الخلائق قوامين، ها نحن سياط هؤلاء المنافقين، قلبنا الله تعالى أفاعي بدعاء هذا المؤمن سلمان، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الحمد لله الذي جعل من أمتي
من يضاهي بدعائه عند كفه وعند انبساطه نوحا نبيه، ثم نادت الأفاعي: يا رسول الله: قد اشتد غضبنا غيظا على هؤلاء الكافرين، وأحكامك وأحكام وصيك جايزة علينا في ممالك رب العالمين، ونحن نسألك أن تسأل الله تعالى أن يجعلنا من أفاعي جهنم التي تكون فيها لهؤلاء معذبين، كما كنا لهم في الدنيا ملتقمين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد أجبتكم إلى ذلك، فالحقوا بالطبق الأسفل من جهنم بعد أن تقذفوا ما في أجوافكم من أجزاء هؤلاء الكافرين ليكون أتم لخزيهم وأبقى للعار عليهم إذا كانوا بين أظهرهم مدفونين، يعتبر بهم المؤمنون المارون بقبورهم، يقولون:
هؤلاء الملعونون المخزيون بعداء ولي محمد: سلمان الخير من المؤمنين، فقذفت الأفاعي ما في بطونها من أجزاء أبدانهم فجاء أهلوهم فدفنوهم وأسلم كثير من الكافرين، وأخلص كثير من المنافقين، وغلب الشقاء على كثير من الكافرين والمنافقين، وقالوا: هذا سحر مبين، ثم أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على سلمان فقال:
يا با عبد الله أنت من خواص إخواننا المؤمنين، ومن أحباب قلوب ملائكة الله المقربين إنك في ملكوت السماوات والحجب الكرسي والعرش وما دون ذلك إلى الثرى أشهر في فضلك عندهم من الشمس الطالعة في يوم لا غيم فيه ولا قتر ولا غبار في الجو أنت من أفاضل الممدوحين بقوله: " الذين يؤمنون بالغيب ".
توضيح: قال الفيروزآبادي: المش: الخلط حتى يذوب، ومسح اليد بالشئ لتنظيفها، ومص أطراف العظام كالتمشش، وأخذ مال الرجل شيئا بعد شئ. والقتر: الغبرة.
10 - مناقب ابن شهرآشوب: روى حبيب بن حسن العتكي. عن جابر الأنصاري قال: صلى بنا أمير المؤمنين (عليه السلام) صلاة الصبح، ثم أقبل علينا فقال: معاشر الناس أعظم الله أجركم في أخيكم سلمان، فقالوا في ذلك، فلبس عمامة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودراعته، و أخذ قضيبه وسيفه، وركب على العضباء وقال لقنبر: عد عشرا، قال: ففعلت فإذا
نحن على باب سلمان، قال زذان: فلما أدركت سلمان الوفاة قلت له : من المغسل لك؟ قال: من غسل رسول الله، فقلت: إنك بالمدائن وهو بالمدينة، فقال: يا زاذان إذا شددت لحيي تسمع الوجبة، فلما شددت لحييه سمعت الوجبة وأدركت الباب فإذا أنا بأمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا زاذان قضى أبو عبد الله سلمان؟ قلت: نعم يا سيدي، فدخل وكشف الرداء عن وجهه فتبسم سلمان إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال لم: مرحبا يا أبا عبد الله إذا لقيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقل له ما مر على أخيك من قومك ثم أخذ في تجهيزه فلما صلى عليه كنا نسمع من أمير المؤمنين (عليه السلام) تكبيرا شديدا وكنت رأيت معه رجلين، فقال: أحدهما جعفر أخي، والآخر الخضر (عليهما السلام)، و مع كل واحد منهما سبعون صفا من الملائكة، في كل صف ألف ألف ملك.
بيان: قوله: فقالوا في ذلك، أي ما قالوا، قوله، عشرا، لعل المراد الخطوات. والوجبة: السقطة مع الهدة، أو صوت الساقط.
11 - رجال الكشي: حمدويه بن نصير، عن أبي الحسين بن نوح، عن صفوان، عن ابن بكير، عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أدرك سلمان العلم الأول والعلم الآخر، وهو بحر لا ينزح، وهو منا أهل البيت، بلغ من علمه أنه مر برجل في رهط فقال له: يا عبد الله تب إلى الله عز وجل من الذي عملت به في بطن بيتك البارحة. قال: ثم مضى، فقال له القوم: لقد رماك سلمان بأمر فما رفعته عن نفسك، قال: إنه أخبرني بأمر ما اطلع عليه إلا الله وأنا.
وفي خبر آخر مثله وزاد في آخره: إن الرجل كان أبا بكر بن أبي قحافة.
الاختصاص: ابن قولويه، عن أبيه وابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى عن ابن فضال، عن ابن بكير مثله إلى قوله: إلا الله رب العالمين وأنا.
12 - رجال الكشي: جبرئيل بن أحمد، عن سهل بن زياد، عن مخل، عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: دخل أبو ذر على سلمان وهو يطبخ قدرا له فبينا هما يتحادثان
إذا انكبت القدر على وجهها على الأرض فلم يسقط من مرقها ولا من ودكها شئ فعجب من ذلك أبو ذر عجبا شديدا، وأخذ سلمان القدر فوضعها على حالها الأول على النار ثانية، وأقبلا يتحدثان، فبينما هما يتحدثان إذا انكبت القدر على وجهها فلم يسقط منها شئ من مرقها ولا من ودكها قال فخرج أبو ذر وهو مذعور من عند سلمان، فبينما هو متفكر إذ لقي أمير المؤمنين (عليه السلام) على الباب، فلما أن بصر به أمير المؤمنين (عليه السلام) قال له: يا با ذر ما الذي أخرجك وما الذي ذعرك (3)؟ فقال له أبو ذر: يا أمير المؤمنين رأيت سلمان صنع كذا وكذا فعجبت من ذلك فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا با ذر إن سلمان لو حدثك بما يعلم لقلت: رحم الله قاتل سلمان يا با ذر إن سلمان باب الله في الأرض، من عرفه كان مؤمنا، ومن أنكره كان كافرا، وإن سلمان منا أهل البيت.
13 - الفضائل: حدثنا الامام شيخ الاسلام أبو الحسن بن علي بن محمد المهدي بالاسناد الصحيح عن الأصبغ بن نباتة أنه قال: كنت مع سلمان الفارسي رحمه الله وهو أمير المدائن في زمان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وذلك أنه قد ولاه المدائن عمر بن الخطاب، فقام إلى أن ولى الامر علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال الأصبغ: فأتيته يوما وقد مرض مرضه الذي مات فيه، قال: فلم أزل أعوده في مرضه حتى اشتد به الامر وأيقن الموت، قال: فالتفت إلي وقال لي: يا أصبغ عهدي برسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يا سلمان سيكلمك ميت إذا دنت وفاتك، وقد اشتهيت أن أدري وفاتي دنت أم لا، فقال الأصبغ: بماذا تأمر يا سلمان يا أخي؟ قال له:
تخرج وتأتيني بسرير وتفرش عليه ما يفرش للموتى، ثم تحملني بين أربعة فتأتون بي إلى المقبرة، فقال الأصبغ: حبا وكرامة، فخرجت مسرعا وغبت ساعة وأتيته بسرير وفرشت عليه ما يفرش للموتى، ثم أتيته بقوم حملوه حتى أتوا به إلى المقبرة
فلما وضعوه فيها قال لهم: يا قوم استقبلوا بوجهي القبلة، فلما استقبل القبلة بوجهه نادى بعلو صوته: السلام عليكم يا أهل عرصة البلا، السلام عليكم يا محتجبين عن الدنيا، قال فلم يجبه أحد، فنادى ثانية: السلام عليكم يا من جعلت المنايا لهم غداء السلام عليكم يا من جعلت الأرض عليكم غطاء، السلام عليكم يامن لقوا أعمالهم في دار الدنيا، السلام عليكم يا منتظرين النفخة الأولى، سألتكم بالله العظيم، والنبي الكريم إلا أجابني منكم مجيب، فأنا سلمان الفارسي مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنه قال لي: يا سلمان إذا دنت وفاتك سيكلمك ميت، وقد اشتهيت أن أدري دنت وفاتي أم لا، فلما سكت سلمان من كلامه فإذا هو بميت قد نطق من قبره وهو يقول:
السلام عليك ورحمة الله وبركاته، يا أهل البناء والفناء المشتغلون بعرصة الدنيا ها نحن لكلامك مستمعون، ولجوابك مسرعون، فسل عما بدالك يرحمك الله تعالى، قال سلمان: أيها الناطق بعد الموت، المتكلم بعد حسرة الفوت، أمن أهل الجنة أم من أهل النار (2)؟ فقال: يا سلمان أنا ممن أنعم الله تعالى عليه بعفوه وكرمه، وأدخله جنته برحمته، فقال له سلمان: الآن يا عبد الله صف لي الموت كيف وجدته، وماذا لقيت منه، وما رأيت وما عانيت؟ قال: مهلا يا سلمان فوالله إن قرضا بالمقاريض ونشرا بالمناشير لاهون علي من غصة الموت، اعلم أني كنت في دار الدنيا ممن ألهمني الله تعالى الخير، وكنت أعمل به، وأؤدي فرائضه، وأتلوا كتابه، وأحرص في بر الوالدين، وأجتنب المحارم، وأفزع عن المظالم، وأكد الليل و النهار في طلب الحلال خوفا من وقفة السؤال، فبينا أنا في ألذ عيش وغبطة وفرح وسرور إذ مرضت وبقيت في مرضي أياما حتى انقضت من الدنيا مدتي، فأتاني عند ذلك شخص عظيم الخلقة، فظيع المنظر، فوقف مقابل وجهي، لا إلى السماء صاعدا، ولا إلى الأرض نازلا، فأشار إلى بصري فأعماه، وإلى سمعي فأصمه، وإلى لساني
فعقره، فصرت لا أبصر ولا أسمع، فعند ذلك بكوا أهلي وأعواني، وظهر خبري إلى إخواني وجيراني، فقلت له عند ذلك: من أنت يا هذا الذي أشغلتني عن مالي وأهلي وولدي، فقال: أنا ملك الموت، أتيتك لأنقلك من دار الدنيا إلى الآخرة فقد انقضت مدتك، وجاءت منيتك، فبينا هو كذلك يخاطبني إذ أتاني شخصان وهما أحسن خلق رأيت، فجلس أحدهما عن يميني، والآخر عن شمالي فقالا لي: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، قد جئناك بكتابك فخذه الآن، وانظر ما فيه فقلت لهم: أي كتاب لي أقرأه؟ قالا: نحن الملكان اللذان كنا معك في دار الدنيا نكتب مالك وما عليك، فهذا كتاب عملك فنظرت في كتاب الحسنات وهو بيد الرقيب فسرني ما فيه وما رأيت من الخير، فضحكت عند ذلك وفرحت فرحا شديدا، ونظرت إلى كتاب السيئات وهو بيد العتيد فساءني ما رأيت وأبكاني، فقالا لي: أبشر فلك الخير، ثم دنا مني الشخص الأول فجذب الروح، فليس من جذبه يجذبها إلا وهي تقوم مقام كل شدة من السماء إلى الأرض، فلم يزل كذلك حتى صارت الروح في صدري، ثم أشار إلي بحربة لو أنها وضعت على الجبال لذابت، فقبض روحي من عرنين أنفي، فعلا عند ذلك الصراخ، وليس من شئ يقال أو يفعل إلا وأنا به عالم، فلما اشتد صراخ القوم وبكاؤهم جزعا علي فالتفت إليهم ملك الموت بغيظ و حنق وقال: معاشر القوم ممن بكاؤكم؟ فوالله ما ظلمناه فتشكوا، ولا اعتدينا عليه فتصيحوا وتبكوا، ولكن نحن وأنتم عند رب واحد. ولو أمرتم فينا كما أمرنا فيكم لامتثلتم فينا كما امتثلنا فيكم، والله ما أخذناه حتى فني رزقه، وانقطعت مدته وصار إلى رب كريم يحكم فيه ما يشاء، وهو على كل شئ قدير، فإن صبرتم اجرتم، وإن جزعتم أثمتم، كم لي من رجعة إليكم، أخذ البنين والبنات و الآباء والأمهات، ثم انصرف عند ذلك عني والروح معه، فعند ذلك أتاه ملك
آخر فأخذها منها وتركها في ثوب من حرير وصعد بها ، ووضعها بين يدي الله في أقل من طبقة جفن، فلما حصلت الروح بين يدي ربي سبحانه وتعالى وسألها عن الصغيرة والكبيرة وعن الصلاة والصيام في شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام، وقراءة القرآن والزكاة والصدقات، وسائر الأوقات والأيام، وطاعة الوالدين، وعن قتل النفس بغير الحق، وأكل مال اليتيم، وعن مظالم العباد، وعن التهجد بالليل والناس نيام وما يشاكل ذلك، ثم من بعد ذلك ردت الروح إلى الأرض بإذن الله تعالى، فعند ذلك أتاني غاسل فجردني من أثوابي، وأخذ في تغسيلي، فنادته الروح، يا عبد الله رفقا بالبدن الضعيف، فوالله ما خرجت من عرق إلا انقطع، ولا عضو إلا انصدع فوالله لو سمع الغاسل ذلك القول لما غسل ميتا أبدا، ثم إنه أجرى علي الماء وغسلني ثلاثة أغسال، وكفنني في ثلاثة أثواب، وحنطني في حنوط، وهو الزاد الذي خرجت به إلى دار الآخرة، ثم جذب الخاتم من يدي اليمنى بعد فراغه من الغسل، ودفعه إلى الأكبر من ولدي، وقال: آجرك الله في أبيك، وحسن لك الاجر والعزاء ثم أدرجني في الكفن، ولقنني ونادى أهلي وجيراني وقال هلموا إليه بالوداع فأقبلوا عند ذلك لوداعي، فلما فرغوا من وداعي حملت على سرير من خشب، والروح عند ذلك بين وجهي وكفني وضعت للصلاة فصلوا علي، فلما فرغوا من الصلاة وحملت إلى قبري ودليت فيه فعانيت هولا عظيما، يا سلمان يا عبد الله اعلم، أني قد سقطت من السماء إلى الأرض في لحدي، وشرج علي اللبن، وحثا التراب علي فعند ذلك سلبت الروح من اللسان، وانقلب السمع والبصر، فلما نادى المنادي بالانصراف أخذت في الندم، فقلت يا ليتني كنت من الراجعين، فجاوبني مجيب من جانب القبر: كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون، فقلت له:
من أنت يا هذا الذي تكلمني وتحدثني، فقال: أنا منبه قال: أنا ملك وكلني الله عز وجل بجميع خلقه، لأنبههم بعد مماتهم، ليكتبوا أعمالهم على أنفسهم بين يدي
الله عز وجل، ثم إنه جذبني وأجلسني، وقال لي: اكتب عملك، فقلت: إني لا أحصيه، فقال لي: أما سمعت قول ربك: " أحصاه الله ونسوه " ثم قال لي:
اكتب وأنا املي عليك، فقلت: أين البياض؟ فجذب جانبا من كفني فإذا هو رق فقال: هذه صحيفتك، فقلت: من أين القلم؟ قال سبابتك، فقلت: من أين المداد قال: ريقك، ثم أملى قال تعالى: " ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا " ثم إنه أخذ الكتاب وختمه بخاتم وطوقه في عنقي، فخيل لي أن جبال الدنيا جميعا قد طوقوها في عنقي، فقلت له: يا منبه ولم تفعل بي كذا؟ قال: ألم تسمع قول ربك: " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ كتابك بنفسك اليوم عليك حسيبا " فهذا تخاطب به يوم القيامة ويؤتى بك وكتابك بين عينيك منشورا، تشهد فيه على نفسك، ثم انصرف عني فأتاني منكر بأعظم منظر وأوحش شخص، وبيده عمود من الحديد، لو اجتمعت عليه الثقلان ما خركوه، ثم إنه صاح بي صيحة لو سمعها، أهل الأرض لماتوا جميعا، ثم قال لي:
يا عبد الله أخبرني من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وما عليه أنت؟ وما قولك في دار الدنيا؟
فاعتقل لساني من فزعه، وتحيرت في أمري، وما أدري ما أقول، وليس في جسمي عضو إلا فارقني من الخوف، فأتتني رحمة من ربي فأمسك قلبي، وأطلق بها لساني، فقلت له: يا عبد الله لما تفزعني وأنا أعلم أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وأن الله ربي، ومحمد نبيي، والاسلام، والقرآن كتابي، والكعبة قبلتي وعلي إمامي، والمؤمنون إخواني، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله، فهذا قولي واعتقادي، وعليه ألقى ربي في معادي، فعند ذلك
قال لي: الآن أبشر يا عبد الله بالسلامة، فقد نجوت ومضى عني، وأتاني نكير وصاح صيحة هائلة أعظم من الصحية الأولى، فاشتبك أعضائي بعضها في بعض كاشتباك الأصابع ثم قال لي: هات الآن عملك يا عبد الله فبقيت حائرا متفكرا في رد الجواب، فعند ذلك صرف الله عني شدة الروع والفزع وألهمني حجتي، وحسن اليقين والتوفيق فقلت عند ذلك: يا عبد الله رفقا بي، فإني قد خرجت من الدنيا وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، والنار حق، والصراط حق، والميزان حق، والنار والبعث حق، وأن الجنة وما وعد الله فيها من النعيم حق، وأن النار وما أوعد الله فيها من العذاب حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، ثم قال لي: يا عبد الله أبشر بالنعيم الدائم والخير المقيم، ثم إنه أضجعني وقال: نم نومة العروس، ثم إنه فتح لي بابا من عند رأسي إلى الجنة، وبابا من عند رجلي إلى النار، ثم قال لي: يا عبد الله انظر إلى ما صرت إليه من الجنة والنعيم، وإلى ما نجوت منه من نار الجحيم، ثم سد الباب الذي من عند رجلي، وأبقى الباب الذي من عند رأسي مفتوحا إلى الجنة، فجعل يدخل علي من روح الجنة ونعيمها، وأوسع لحدي مد البصر، ومضى عني، فهذا صفتي وحديثي وما لقيته من شدة الأهوال وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله، وأشهد أن الموت حق على طرف لساني، فراقب الله أيها السائل خوفا من وقفه السائل قال: ثم انقطع عند ذلك كلامه، قال سلمان رضي الله عنه عند ذلك:
حطوني رحمكم الله فحطيناه إلى الأرض، فقال: أسندوني، فأسندناه، ثم رمق بطرفه إلى السماء وقال: يا من بيده ملكوت كل شئ وإليه ترجعون، وهو يجير ولا يجار عليه، بك آمنت، ولنبيك اتبعت، وبكتابك صدقت، وقد أتاني ما وعدتني
يا من لا يخلف الميعاد اقبضني إلى رحمتك، وأنزلني دار كرامتك، فأنا أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فلما كمل شهادته قضى نحبه، لقي ربه رضي الله تعالى عنه، قال: فبينا نحن كذلك إذ أتى رجل على بغلة شهباء متلثما فسلم علينا، فرددنا السلام عليه، فقال: يا أصبغ جدوا في أمر سلمان، فأخذنا في أمره، فأخذ معه حنوطا وكفنا، فقال: هلموا فإن عندي ما ينوب عنه، فأتيناه بماء ومغسل، فلم يزل يغسله بيده حتى فرغ، وكفنه وصلينا عليه ودفناه ولحده علي (عليه السلام) بيده، فلما فرغ من دفنه وهم بالانصراف تعلقت بثوبه وقلت له: يا أمير المؤمنين كيف كان مجيئك؟ ومن أعلمك بموت سلمان؟
قال: فالتفت (عليه السلام) إلي وقال: آخذ عليك يا أصبغ، عهد الله وميثاقه أنك لا تحدث به أحدا ما دمت حيا في دار الدنيا، فقلت: يا أمير المؤمنين أموت قبلك؟ فقال:
لا يا أصبغ، بل يطوع عمرك، قلت له: يا أمير المؤمنين خذ علي عهدا وميثاقا، فإني لك سامع مطيع، إني لا أحدث به حتى يقضي الله من أمرك ما يقضي، وهو على كل شئ قدير، فقال لي: يا أصبغ بهذا عهدني رسول الله، فإني قد صليت هذه الساعة بالكوفة، وقد خرجت أريد منزلي، فلما وصلت إلى منزلي اضطجعت فأتاني آت في منامي، وقال: يا علي إن سلمان قد قضى نحبه، فركبت بغلتي، وأخذت معي ما يصلح للموتى، فجعلت أسير فقرب الله لي البعيد، فجئت كما تراني، وبهذا أخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم إنه دفنه وواراه، فلم أر صعد إلى السماء أم في الأرض نزل فأتى الكوفة والمنادي ينادي لصلاة المغرب، فحضر عندهم علي (عليه السلام)، وهذا ما كان من حديث وفاة سلمان الفارسي رضي الله عنه.
بيان: العرنين بالكسر: الانف كله، أو ما صلب من عظمه.
أقول: وجدت هذا الخبر في بعض مؤلفات أصحابنا، وساقه نحوا مما مر إلى قوله: وأوسع لحدي مد البصر، ومضى عني، وأنا يا سلمان لم أجد عند الله شيئا
يحبه الله أعظم من ثلاثة: صلاة ليلة شديدة البرد، وصوم يوم شديد الحر، وصدقة بيمينك لا تعلم بها شمالك، إلى آخر ما مر من خبر فوته رضي الله عنه.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.