پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب النبوة

باب 18 فضله ورفعة شأنه ومعجزاته وتبليغه ومدة عمره ونقش

ج ۱۴، ص ۲۵۸–۲۶۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۴

قال وهب: وربما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى في اليوم خمسون ألفا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام يمشي إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء على شرط الايمان " وأحيي الموتى بإذن الله " إنما أضاف الاحياء إلى نفسه على وجه المجاز والتوسع، لان الله كان يحيي الموتى عند دعائه، وقيل: إنه أحيا أربعة أنفس: عازر وكان صديقا له، وكان قد مات منذ ثلاثة أيام فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، ثم قال: " اللهم رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع إنك أرسلتني إلى بني إسرائيل أدعوهم إلى دينك، وأخبرهم أني أحيي الموتى، فأحي عازر " فخرج من قبره وبقي وولد له، وابن العجوز مر به ميتا على سريره فدعا الله عيسى فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه ورجع إلى أهله، وبقي وولد له، وابنة العاشر، قيل له: أتحييها وقد ماتت أمس؟ فدعا الله فعاشت وبقيت وولدت، وسام بن نوح دعا باسم الله الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه، فقال: قد قامت القيامة؟ قال: لا ولكني دعوتك باسم الله الأعظم، قال: ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان لان سام ابن نوح قد عاش خمسمائة سنة وهو شاب، ثم قال له: مت، قال: بشرط أن يعيذني الله من سكرات الموت، فدعا الله سبحانه ففعل.

وقال الكلبي: كان عيسى عليه السلام يحيي الأموات بيا حي يا قيوم " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم " كان يقول للرجل: تغديت بكذا وكذا، ورفعت إلى بيتك كذا " إن في ذلك لآية " أي حجة ومعجزة ودلالة " لكم إن كنتم مؤمنين " بالله لان العلم بالمرسل لابد وأن يكون قبل العلم بالرسول.

وقال رحمه الله في قوله تعالى: " إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء " قيل فيه أقوال:

أحدها: أن يكون معناه: هل يفعل ربك ذلك بمسألتك إياه لتكون علما على صدقك؟ ولا يجوز أن يكونوا شكوا في قدرة الله سبحانه على ذلك، لأنهم كانوا عارفين مؤمنين، وكأنهم سألوه ذلك ليعرفوا صدقه وصحة أمره من حيث لا يعترض عليهم فيه إشكال ولا شبهة، ومن ثم قالوا: " وتطمئن قلوبنا " كما قال إبراهيم عليه السلام " ولكن ليطمئن قلبي " عن أبي علي الفارسي.

وثانيها: أن المراد: هل يقدر ربك؟ وكان هذا في ابتداء أمرهم قبل أن يستحكم معرفتهم بالله، ولذلك أنكر عليهم عيسى عليه السلام فقال: " اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " لأنهم لم يستكمل إيمانهم في ذلك الوقت.

وثالثها: أن يكون معناه: هل يستجيب لك ربك؟ وإليه ذهب السدي في قوله:

يريد: هل يطيعك ربك إن سألته؟ وهذا على أن يكون استطاع بمعنى أطاع كما يكون استجاب بمعنى أجاب.

قال الزجاج: يحتمل مسألة الحواريين عيسى المائدة ضربين: أحدهما أن يكونوا أرادوا أن يزدادوا تثبيتا، كما قال إبراهيم عليه السلام: " رب أرني كيف تحيي الموتى " وجائز أن تكون مسألتهم المائدة قبل علمهم أنه أبرأ الأكمه والأبرص و أحيا الموتى.

" قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " معناه: اتقوا الله أن تسألوه شيئا لم تسأله الأمم قبلكم، وقيل: معناه الامر بالتقوى مطلقا، كما أمر الله سبحانه المؤمنين بها في قوله:

" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله " عن أبي علي الفارسي، وقيل: أمرهم أن لا يقترحوا

الآيات، وأن لا يقدموا بين يدي الله ورسوله، لان الله تعالى قد أراهم البراهين والمعجزات بإحياء الموتى وغيره مما هو أو كد مما سألوه وطلبوه، عن الزجاج.

" قالوا " أي قال الحواريون: " نريد أن نأكل منها " قيل في معناه قولان:

أحدهما أن يكون الإرادة التي هي من أفعال القلوب، ويكون التقدير فيه: نريد السؤال من أجل هذا الذي ذكرنا، والآخر أن تكون الإرادة هنا بمعنى المحبة التي هي ميل الطباع، أي نحب ذلك " وتطمئن قلوبنا " يجوز أن يكونوا قالوه وهم مستبصرون في دينهم، ومعناه: نريد أن نزداد يقينا، وذلك أن الدلائل كلما كثرت مكنت المعرفة في النفس، عن عطاء " ونعلم أن قد صدقتنا " بأنك رسول الله، وهذا يقوي قول من قال: إن هذا كان في ابتداء أمرهم، والصحيح أنهم طلبوا المعاينة والعلم الضروري والتأكيد في الاعجاز " ونكون عليها من الشاهدين " لله بالتوحيد، ولك بالنبوة، وقيل: من الشاهدين لك عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم. ثم أخبر سبحانه عن سؤال عيسى إياه فقال:

" قال عيسى بن مريم " عن قومه لما التمسوا عنه، وقيل: إنه إنما سأل ربه ذلك حين أذن له في السؤال: " اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء " أي خوانا عليه طعام من السماء " تكون لنا عيدا " قيل في معناه قولان: أحدهما: نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيدا نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا، عن السدي وقتادة وابن جريح وهو قول أبي علي الجبائي. الثاني: أن معناه: يكون عائدة فضل من الله ونعمة منه لنا، والأول هو الوجه " لأولنا وآخرنا " أي لأهل زماننا ومن يجئ بعدنا، وقيل: معناه: يأكل منها آخر الناس كما يأكل أولهم، عن ابن عباس " وآية منك " أي دلالة منك عظيمة الشأن في إزعاج قلوب العباد إلى الاقرار بمدلولها، والاعتراف بالحق الذي يشهد به ظاهرها يدل على توحيدك وصحة نبوة نبيك " وارزقنا " أي واجعل ذلك رزقا لنا، وقيل: معناه: و ارزقنا الشكر عليها، عن الجبائي " وأنت خير الرازقين " وفي هذا دلالة على أن العباد قد يرزق بعضهم بعضا، لأنه لو لم يكن كذلك لم يصح أن يقال له سبحانه: " أنت خير الرازقين "

كما لا يجوز أن يقال: أنت خير الآلهة، لما لم يكن غيره إلها " قال الله " مجيبا له إلى ما التمسه: " إني منزلها " يعني المائدة " عليكم فمن يكفر بعد منكم " أي بعد إنزالها عليكم " فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين " قيل في معناه أقوال:

أحدها: أراد عالمي زمانهم فجحد القوم وكفروا بعد نزولها فمسخوا قردة و خنازير، عن قتادة، وروي عن أبي الحسن موسى عليه السلام أنهم مسخوا خنازير.

وثانيها أنه أراد عذاب الاستيصال.

وثالثها: أنه أراد جنسا من العذاب لا يعذب به أحدا غيرهم، وإنما استحقوا هذا النوع من العذاب بعد نزول المائدة لأنهم كفروا بعد ما رأوا الآية التي هي من أزجر الآيات عن الكفر بعد سؤالهم لها، فاقتضت الحكمة اختصاصهم بفن من العذاب عظيم الموقع، كما اختصت آيتهم بفن من الزجر عظيم الموقع.

القصة. اختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا؟ فقال الحسن ومجاهد: إنها لم تنزل، وإن القوم لما سمعوا الشرط استعفوا من نزولها ، وقالوا: لا نريدها ولا حاجة لنا فيها، فلم تنزل، والصحيح أنها نزلت لقوله سبحانه: " إني منزلها عليكم " ولا يجوز أن يقع في خبره الخلف، ولان الاخبار قد استفاضت عن النبي والصحابة والتابعين في أنها نزلت، قال كعب: إنها نزلت يوم الأحد، ولذلك اتخذه النصارى عيدا، واختلفوا في كيفية نزولها وما عليها، فروي عن عمار بن ياسر، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: نزلت المائدة خبزا ولحما، وذلك أنهم سألوا عيسى عليه السلام طعاما لا ينفد يأكلون منها، قال: فقيل لهم:

فإنها مقيمة لكم ما لم تخونوا أو تخبؤوا وترفعوا، فإن فعلتم ذلك عذبتم، قال:

فما مضى يومهم حتى خبؤوا ورفعوا وخانوا.

وقال ابن عباس: إن عيسى بن مريم قال لبني إسرائيل: صوموا ثلاثين يوما، ثم سلوا الله ما شئتم يعطكموه، فصاموا ثلاثين يوما، فلما فرغوا قالوا: يا عيسى إنا لو عملنا

لاحد من الناس فقضينا عمله لأطعمنا طعاما، وإنا صمنا وجعنا فادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء، فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام وروى عطاء بن السائب عن زاذان وميسرة قالا: كانت إذا وضعت المائدة لبني إسرائيل اختلفت عليهم الأيدي من السماء بكل طعام إلا اللحم، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أنزل على المائدة كل شئ إلا الخبز واللحم، وقال عطاء: نزل عليها كل شئ إلا السمك واللحم، وقال عطية العوفي: نزل من السماء سمكة فيها طعم كل شئ وقال عمار وقتادة: كان عليها ثمر من ثمار الجنة، وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشيا حيث كانوا، كالمن والسلوى لبني إسرائيل، وقال يمان بن رئاب: كانوا يأكلون منها ما شاؤوا، وروى عطاء بن أبي رياح عن سلمان الفارسي أنه قال: والله ما تبع عيسى عليه السلام شيئا من المساوي قط ولا انتهر شيئا، ولا قهقه ضحكا ولا ذب ذبابا عن وجهه، ولا أخذ على أنفه من شئ نتن قط، ولا عبث قط، ولما سأله الحواريون أن ينزل عليهم مائدة لبس صوفا وبكى وقال: " اللهم ربنا أنزل علينا مائدة " الآية، فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين وهم ينظرون إليها وهي تهوي منقضة حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى عليه السلام وقال: " اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة و عقوبة " واليهود ينظرون إليها ينظرون إلى شئ لم يروا مثله قط، ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه، فقام عيسى عليه السلام فتوضأ وصلى صلاة طويلة ثم كشف المنديل عنها وقال:

" بسم الله خير الرازقين " فإذا هو سمكة مشوية ليس عليها فلوسها، تسيل سيلا من الدسم، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها من أنواع البقول ما عدا الكراث، وإذا خمسة أرغفة، على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟

فقال عيسى: ليس شئ مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة، ولكنه شئ افتعله الله

تعالى بالقدرة الغالبة، كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله، وقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية اليوم آية أخرى، فقال عيسى عليه السلام: يا سمكة أحيي بإذن الله، فاضطربت السمكة وعاد عليها فلوسها وشوكها ففزعوا منها، فقال عيسى عليه السلام: مالكم تسألون أشياء إذا أعطيتموها كرهتموها؟! ما أخوفني عليكم أن تعذبوا، يا سمكة عودي كما كنت بإذن الله، فعادت السمكة مشوية كما كانت، قالوا: يا روح الله كن أول من يأكل منها ثم نأكل نحن، فقال عيسى: معاذ الله أن آكل منها، ولكن يأكل منها من سألها، فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا لها عيسى عليه السلام أهل الفاقة والزمنى والمرضى و المبتلين فقال: كلوا منها ولكم الهناء ولغيركم البلاء، فأكل منها ألف وثلاث مائة رجل وامرأة من فقير ومريض ومبتلى وكلهم شبعان يتجشى، ثم نظر عيسى عليه السلام إلى السمكة فإذا هي كهيئتها كما نزلت من السماء، ثم طارت المائدة صعدا وهم ينظرون إليها حتى توارت عنهم فلم يأكل منها يومئذ زمن إلا صح، ولا مريض إلا برئ، ولا فقير إلا استغنى ولم يزل غنيا حتى مات، وندم الحواريون ومن لم يأكل منها، وكانت إذا نزلت اجتمع الأغنياء والفقراء والصغار والكبار يتزاحمون عليها، فلما رأى ذلك عيسى عليه السلام جعلها نوبة بينهم، فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحى فلا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفئ طارت صعدا وهم ينظرون في ظلها حتى توارت عنهم، وكانت تنزل غبا: يوما ويوما لا، فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام اجعل مائدتي للفقراء دون الأغنياء فعظم ذلك على الأغنياء حتى شكوا وشككوا الناس فيها، فأوحى الله تعالى إلى عيسى:

إني شرطت على المكذبين شرطا: إن من كفر بعد نزولها أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فقال عيسى: " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " فمسخ منهم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثين رجلا باتوا من ليلهم على فرشهم مع نسائهم في ديارهم فأصبحوا خنازير، يسعون في الطرقات والكناسات، ويأكلون العذرة في الحشوش، فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى عليه السلام وبكوا وبكى على الممسوخين

أهلوهم فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا.

وفي تفسير أهل البيت عليهم الصلاة والسلام: كانت المائدة تنزل عليهم فيجتمعون عليها ويأكلون منها ثم يرفع، فقال كبراؤهم ومترفوهم: لا ندع سفلتنا يأكلون منها معنا، فرفع الله المائدة ببغيهم ومسخوا قردة وخنازير انتهى كلامه رحمه الله. وقال الثعلبي في تفسيره: قالت العلماء بأخبار الأنبياء: بعث عيسى عليه السلام رسولين من الحواريين إلى أنطاكية، فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب صاحب ياسين، فسلما عليه، فقال الشيخ لهما: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، فقال: أمعكما آية؟ قالا: نعم، نحن نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، فقال الشيخ: إن لي ابنا مريضا صاحب فراش منذ سنين، قالا: فانطلق بنا إلى منزلك نتطلع حاله، فأتى بهما إلى منزله فمسحا ابنه فقام في الوقت بإذن الله صحيحا، ففشا الخبر في المدينة وشفى الله على يديهما كثيرا من المرضى وكان لهم ملك يقال له شلاحن، وكان من ملوك الروم يعبد الأصنام، قالوا: فأنهى الخبر إليه فدعاهما فقال لهما: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى، قال: وما آيتكما؟ قالا:

نبرئ الأكمه والأبرص، ونشفي المرضى بإذن الله، قال: وفيم جئتما؟ قالا: جئناك ندعوك من عبادة مالا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر، فقال الملك: ولنا إله سوى آلهتنا؟ قالا: نعم، من أوجدك وآلهتك، قال: قوما حتى أنظر في أمركما، فتتبعهما ناس فأخذوهما وضربوهما في السوق.

وقال وهب بن منبه: بعث عيسى عليه السلام هذين الرسولين إلى أنطاكية فأتياها ولم يصلا إلى ملكها، فطالت مدة مقامهما فخرج الملك ذات يوم فكبرا وذكر الله، فغضب الملك وأمر بهما فأخذا وحبسا وجلد كل واحد منهما مائة جلدة، قالوا: فلما كذب الرسولان وضربا بعث عيسى رأس الحواريين شمعون الصفا على أثرهما لينصرهما، فدخل

شمعون البلدة متنكرا وجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به، فرفع خبره إلى الملك فدعاه فرضي عشرته وأنس به وأكرمه، ثم قال له ذات يوم: أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل كلمتهما وسمعت قولهما؟ فقال الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك، قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى يتطلع ما عندهما، فدعاهما الملك فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى ههنا؟ قالا: الله الذي خلق كل شئ وليس له شريك، قال لهما شمعون: فصفاه وأوجزا، فقالا: إنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، قال شمعون: وما آيتكما؟ قالا له: ما تتمناه، فأمر الملك حتى جاؤوا بغلام مطموس العينين، موضع عينيه كالجبهة، فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر، فأخذا بندقتين من الطين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما، فتعجب الملك فقال شمعون للملك: إن أنت سألت إلهك حتى يصنع صنيعا مثل هذا فيكون لك ولإلهك شرفا ، فقال له الملك: ليس لي عنك سر، إن إلهنا الذي نعبده لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع! وكان شمعون إذا دخل الملك بيت الصنم يدخل بدخوله ويصلي كثيرا ويتضرع حتى ظنوا أنه على ملتهم، فقال الملك للرسولين:

إن قدر إلهكما الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما، قالا: إلهنا قادر على كل شئ، فقال الملك: إن ههنا ميتا مات منذ سبعة أيام ابن لدهقان وأنا أخذته ولم أدفنه حتى يرجع أبوه وكان غائبا، فجاؤوا بالميت وقد تغير وأروح، وجعلا يدعوان ربهما علانية، وجعل شمعون يدعو ربه سرا، فقام الميت وقال: إني قد مت منذ سبعة أيام وأدخلت في سبعة أودية من النار، وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله، ثم قال: فتحت أبواب السماء فنظرت فرأيت شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة؟ قال الملك: ومن الثلاثة؟ قال: شمعون وهذان، وأشار إلى صاحبيه، فتعجب الملك، فلما علم شمعون أن قوله قد أثر في الملك أخبره بالحال ودعاه فآمن قوم، وكان الملك فيمن آمن،

وكفر آخرون. انتهى. وذكر الطبرسي رحمه الله هذه القصة إلى هذا الموضع، ثم قال: وقد روى مثل ذلك العياشي بإسناده عن الثمالي وغيره عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام إلا أن في بعض الروايات: بعث الله الرسولين إلى أهل أنطاكية ثم بعث الثالث، وفي بعضها أن عيسى أوحى الله إليه أن يبعثهما، ثم بعث وصيه شمعون ليخلصهما، وأن الميت الذي أحياه الله بدعائهما كان ابن الملك، وساق الخبر إلى آخر ما أورده علي بن إبراهيم، ثم قال: وقال ابن إسحاق: بل كفر الملك وأجمع هو وقومه على قتل الرسل، فبلغ ذلك حبيبا وهو على باب المدينة الأقصى فجاء يسعى إليهم يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة الرسل. انتهى. وقال صاحب الكامل والثعلبي في العرائس: لما كانت مريم بمصر نزلت على دهقان وكانت داره يأوي إليها الفقراء والمساكين، فسرق له مال فلم يتهم إلا المساكين، فحزنت مريم، فلما رأى عيسى عليه السلام حزن أمه قال: أتريدين أن أدله على ماله؟ قالت: نعم، قال: إنه أخذه الأعمى والمقعد اشتركا فيه حمل الأعمى المقعد فأخذه، فقيل للأعمى: ليحمل المقعد، فأظهر المقعد العجز، فقال له المسيح: كيف قويت على حمله البارحة لما أخذتما المال! فاعترفا فأعاداه ونزل بالدهقان أضياف ولم يكن عنده شراب فاهتم لذلك، فلما رآه عيسى عليه السلام دخل

بيتا للدهقان فيه صفان من جرار، فأمر عيسى عليه السلام يده على أفواهها وهو يمشي فامتلأت شرابا، وعمره حينئذ اثنتا عشرة سنة، وكان في الكتاب يحدث الصبيان بما يصنع أهلوهم وبما يأكلون، قال وهب: بينما عيسى عليه السلام يلعب مع الصبيان إذ وثب غلام على صبي فضربه على رجله فقتله، فألقاه بين رجلي المسيح متلطخا بالدم، فانطلقوا به إلى الحاكم في ذلك البلد وقالوا: قتل صبينا، فسأله الحاكم فقال: ما قتلته، فأرادوا أن يبطشوا به فقال:

ايتوني بالصبي حتى أسأله من قتله، فعجبوا من قوله وأحضروه عند القتيل، فدعا الله تعالى وأحياه، فقال: من قتلك؟ فقال: قتلني فلان، فقال بنو إسرائيل للقتيل:

من هذا؟ قال: عيسى بن مريم، ثم مات من ساعته.

وقال عطاء: سلمت مريم عيسى عليه السلام إلى صباغ يتعلم عنده، فاجتمع عند الصباغ ثياب وعرض له حاجة، فقال للمسيح عليه السلام: هذه ثياب مختلفة الألوان، وقد جعلت في كل ثوب خيطا على اللون الذي تصبغ به فاصبغها حتى أعود من حاجتي هذه، فأخذها المسيح وألقاها في حب واحد، فلما عاد الصباغ سأله عن الثياب فقال: صبغتها، فقال:

أين هي؟ قال: في هذا الحب، قال: كلها؟ قال: نعم، قال: قد أفسدتها على أصحابها وتغيظ عليه، فقال له المسيح: لا تعجل وانظر إليها، فقام وأخرج كل ثوب منها على اللون الذي أراد صاحبه، فتعجب الصباغ منه، وعلم أن ذلك من الله تعالى.

ولما عاد عيسى وأمه إلى الشام نزلا بقرية يقال لها ناصرة وبها سميت

النصارى فأقام إلى أن بلغ ثلاثين سنة، فأوحى الله إليه أن يبرز للناس ويدعوهم إلى الله تعالى، ويداوي الزمني والمرضى والأكمه والأبرص وغيرهم من المرضى، ففعل ما أمر به، فأحبه الناس وكثر أتباعه، وحضر يوما طعام بعض الملوك كان دعا الناس إليه، فقعد على قصعة يأكل منها ولا ينقص، قال الملك: من أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريم، فنزل الملك وأتبعه في نفر من أصحابه فكانوا الحواريين، وقيل: إن الحواريين هم الصباغ الذي تقدم ذكره وأصحاب له، وقيل: كانوا صيادين، وقيل:

كانوا قصارين، وقيل: ملاحين والله أعلم. أقول: وقال السيد ابن طاوس في سعد السعود: رأيت في الإنجيل أن عيسى عليه السلام صعد السفينة ومعه تلاميذه وإذا اضطراب عظيم في البحر حتى كادت السفينة تتغطى بالأمواج، وكان هو كالنائم، فتقدم إليه تلاميذه وأيقظوه وقالوا: يا سيدنا نجنا لكيلا نهلك، فقال لهم: يا قليلي الايمان ما أخوفكم! فعند ذلك قام وانتهر الرياح فصار هدء عظيما، فتعجب الناس وقالوا: كيف هذا؟ إن الرياح والبحر لتسمعان منه.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.