پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب النبوة

باب 17 ولادة

ج ۱۴، ص ۲۰۵–۲۲۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۴

مريم " 19 " واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا * فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا * قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا * قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا * قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا * قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا * فحملته فانتبذت به مكانا قصيا * فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا * فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا * وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا * فكلي واشربي و قري عينا * فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا * فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا * يا أخت هارون ما كان

أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا * فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا * قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أينما كنت و أوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا * وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا * و السلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا * ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون * ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون

16 - 35.

الأنبياء " 21 " والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين 91.

التحريم " 66 " ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا و صدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين 12.

1 - تفسير علي بن إبراهيم: " ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها " قال: لم ينظر إليها " فنفخنا فيه من روحنا " أي روح الله مخلوقة " وكانت من القانتين " أي من الداعين.

2 - الكافي: محمد بن يحيى، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن عمرو الزيات، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لم يولد لستة أشهر إلا عيسى بن مريم، والحسين ابن علي عليهما السلام.

3 - علل الشرائع: أحمد بن الحسن، عن أحمد بن يحيى، عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن المثنى الهاشمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لم يعش مولود قط لستة أشهر غير الحسين وعيسى بن مريم عليهما السلام.

4 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل في صفة المعراج وساق الحديث إلى أن قال: ثم قال لي جبرئيل: انزل فصل، فنزلت وصليت، فقال لي: تدري أين صليت؟ فقلت: لا، فقال: صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى تكليما، ثم ركبت فمضينا ما شاء الله، ثم قال لي: انزل فصل، فنزلت وصليت، فقال لي: أتدري أين صليت؟ فقلت: لا، فقال: صليت في بيت لحم و بيت لحم بناحية بيت المقدس حيث ولد عيسى بن مريم عليه السلام الخبر.

5 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه وعلي بن محمد جميعا، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام يتخلل بساتين الكوفة فانتهى إلى نخلة فتوضأ عندها ثم ركع وسجد، فأحصيت في سجوده خمسمائة تسبيحة، ثم استند إلى النخلة فدعا بدعوات ثم قال: يا حفص إنها والله النخلة التي قال الله جل ذكره لمريم: " وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ".

6 - تفسير علي بن إبراهيم: " واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا " قال:

خرجت إلى النخلة اليابسة " فاتخذت من دونهم حجابا " قال: في محرابها " فأرسلنا إليها روحنا " يعني جبرئيل عليه السلام " فتمثل لها بشرا سويا * قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا " فقال لها جبرئيل: " إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا " فأنكرت ذلك لأنه لم يكن في العادة أن تحمل المرأة من غير فحل، فقالت: " أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا " ولم يعلم جبرئيل أيضا كيفية القدرة فقال لها:

" كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا " قال:

فنفخ في جيبها فحملت بعيسى عليه السلام بالليل فوضعته بالغداة، وكان حملها تسع ساعات

جعل الله الشهور لها ساعات، ثم ناداها جبرئيل: " وهزي إليك بجذع النخلة " أي هزي النخلة اليابسة، فهزت وكان ذلك اليوم سوقا فاستقبلها الحاكة وكانت الحياكة أنبل صناعة في ذلك الزمان، فأقبلوا على بغال شهب، فقالت لهم مريم: أين النخلة اليابسة؟

فاستهزؤوا بها وزجروها، فقالت لهم: جعل الله كسبكم نزرا، وجعلكم في الناس عارا، ثم استقبلها قوم من التجار فدلوها على النخلة اليابسة فقالت لهم: جعل الله البركة في كسبكم، و أحوج الناس إليكم، فلما بلغت النخلة أخذها المخاض فوضعت بعيسى، فلما نظرت إليه قالت:

" يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا " ماذا أقول لخالي؟ وماذا أقول لبني إسرائيل؟ فناداها عيسى من تحتها: " ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا " أي نهرا " وهزي إليك بجذع النخلة " أي حركي النخلة " تساقط عليك رطبا جنيا " أي طيبا، وكانت النخلة قد يبست منذ دهر طويل فمدت يدها إلى النخلة فأورقت وأثمرت وسقط عليها الرطب الطري وطابت نفسها، فقال لها عيسى: قمطيني وسويني ثم افعلي كذا وكذا، فقمطته وسوته، وقال لها عيسى: " فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما " وصمتا كذا نزلت " فلن أكلم اليوم إنسيا " ففقدوها في المحراب فخرجوا في طلبها، وخرج خالها زكريا عليه السلام فأقبلت وهو في صدرها وأقبلن مؤمنات بني إسرائيل يبزقن في وجهها، فلم تكلمهن حتى دخلت في محرابها، فجاء إليها بنو إسرائيل وزكريا فقالوا لها: " يا مريم لقد جئت شيئا فريا * يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا " ومعنى قولهم: يا أخت هارون أن هارون كان رجلا فاسقا زانيا فشبهوها به، من أين هذا البلاء الذي جئت به والعار الذي ألزمته بني إسرائيل؟

فأشارت إلى عيسى في المهد فقالوا لها: " كيف نكلم من كان في المهد صبيا " فأنطق الله عيسى عليه السلام فقال: " إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا * وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا

شقيا * والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا * ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون " أي يتخاصمون، فقال الصادق عليه السلام في قوله: " وأوصاني بالصلاة والزكاة " قال: زكاة الرؤوس، لان كل الناس ليست لهم أموال، وإنما الفطرة على الغني والفقير والصغير والكبير.

حدثني محمد بن جعفر قال: حدثني محمد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " وجعلني مباركا أينما كنت " قال: نفاعا. أقول: في بعض النسخ بعد قوله: " في المهد صبيا " زيادة وهي قوله: فنطق عيسى عليه السلام بإذن الله بلسان فصيح، وقال: " إني عبد الله آتاني الكتاب " أي قدر لي أن أكون صاحب شرع له " وجعلني نبيا " إلى قوله: " ويوم أبعث حيا " قيل: لا يكون على الانسان شئ أشد من هذه المواطن الثلاثة: عند الولادة وقد فارق رفاهية اعتدال الحرارة الغريزية، وصدم أهوال الدنيا، ولمس الأيدي له، وهو موجب لصراخه، وعند الممات وما يجده من سكرات الموت، وفراق الأحبة والمسكن، ومجاورة الأموات الذين لا يتعارفون ولا يتزاورون، وعند الحشر وما يكون من أهوال يوم القيامة، فأخبر عيسى عليه السلام أن الله تعالى قد سلمه وآمنه من الآلام والأهوال في هذه الأحوال الثلاث.

7 - أمالي الطوسي: المفيد، عن علي بن بلال، عن إسماعيل بن علي بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عيسى بن حميد الطائي، عن أبيه حميد بن قيس، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال

إن أمير المؤمنين عليه السلام لما رجع من وقعة الخوارج اجتاز بالزوراء، فقال للناس: إنها الزوراء فسيروا وجنبوا عنها، فإن الخسف أسرع إليها من الوتد في النخالة، فلما أتى يمنة السواد إذا هو براهب في صومعة له، فقال له الراهب: لا تنزل هذه الأرض بجيشك قال: ولم؟ قال: لأنها لا ينزلها إلا نبي أو وصي نبي يقاتل في سبيل الله عز وجل هكذا نجد في كتبنا، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنا وصي سيد الأنبياء، وسيد الأوصياء فقال له الراهب: فأنت إذن أصلع قريش، ووصي محمد، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنا ذلك، فنزل الراهب إليه فقال: خذ علي شرائع الاسلام، إني وجدت في الإنجيل نعتك وأنك تنزل أرض براثا بيت مريم وأرض عيسى عليه السلام، فأتى أمير المؤمنين عليه السلام موضعا

فلكزه برجله فانبجست عين خرارة، فقال: هذه عين مريم التي أنبعت لها، ثم قال: اكشفوا ههنا على سبعة عشر ذراعا، فكشف فإذا بصخرة بيضاء، فقال عليه السلام: على هذه وضعت مريم عيسى عليه السلام من عاتقها وصلت ههنا، ثم قال: أرض براثا هذه بيت مريم عليها السلام.

8 - التهذيب: محمد بن أحمد بن داود، عن محمد بن همام، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن سعد بن عمرو الزهري، عن بكر بن سالم، عن أبيه، عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليه السلام في قوله تعالى: " فحملته فانتبذت به مكانا قصيا " قال: خرجت من دمشق حتى أتت كربلاء فوضعته في موضع قبر الحسين عليه السلام ثم رجعت من ليلتها.

9 - علل الشرائع: بالاسناد إلى وهب قال: لما أجاء المخاض مريم عليها السلام إلى جذع النخلة اشتد عليها البرد، فعمد يوسف النجار إلى حطب فجعله حولها كالحظيرة، ثم أشعل فيه النار فأصابتها سخونة الوقود من كل ناحية حتى دفئت، وكسر لها سبع جوزات وجدهن في خرجه فأطعمها، فمن أجل ذلك توقد النصارى النار في ليلة الميلاد، وتلعب بالجوز.

10 - إكمال الدين: القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن الصادق عليه السلام قال: لما ولد المسيح أخفى الله ولادته وغيب شخصه، لان مريم لما حملته انتبذت به مكانا قصيا، ثم إن زكريا وخالتها أقبلا يقصان أثرها حتى هجما عليها وقد وضعت ما في بطنها وهي تقول: " يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا " فأطلق الله تعالى ذكره لسانه بعذرها وإظهار حجتها، فلما ظهر اشتدت البلوى والطلب على بني إسرائيل، وأكب الجبابرة والطواغيت عليهم، حتى كان من أمر المسيح عليه السلام ما قد أخبر الله به، واستتر شمعون بن حمون والشيعة حتى أفضى بهم الاستتار إلى جزيرة من جزائر البحر فأقاموا بها ففجر لهم فيها العيون العذبة، وأخرج لهم من كل الثمرات، وجعل لهم فيها الماشية، وبعث إليهم سمكة تدعى القمد لا لحم لها ولا عظم، وإنما هي جلد ودم، فخرجت من البحر فأوحى الله عز وجل إلى النحل أن يركبها فركبها فأتت النحل إلى تلك الجزيرة ونهض النحل وتعلق بالشجر فغرس وبنى وكثر العسل، ولم يكونوا يفقدون شيئا من أخبار المسيح. أقول: تمامه في قصة طالوت.

11 - الكافي: أحمد بن مهران وعلي بن إبراهيم جميعا، عن محمد بن علي، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم، عن أبي الحسن موسى عليه السلام في حديث طويل قال:

أما أم مريم فاسمها مرتا وهي وهيبة بالعربية، وأما اليوم الذي حملت فيه مريم فهو يوم الجمعة للزوال وهو اليوم الذي هبط فيه الروح الأمين، وليس للمسلمين عيد كان

أولى منه، وأما اليوم الذي ولدت فيه مريم فهو يوم الثلاثاء لأربع ساعات ونصف من النهار، والنهر الذي ولدت عليه مريم عيسى هو الفرات، فحجبت لسانها ونادى قيدوس ولده وأشياعه فأعانوه وأخرجوا آل عمران لينظروا إلى مريم، فقالوا لها ما قص الله في كتابه.

12 - التهذيب: بإسناده، عن علي بن الحسن، عن محمد بن عبد الله بن زرارة، عن البزنطي عن أبان بن عثمان، عن كثير النواء، عن أبي جعفر عليه السلام قال: يوم عاشوراء هو اليوم الذي ولد فيه عيسى بن مريم عليه السلام.

13 - من لا يحضره الفقيه: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى وابن هاشم، عن الوشاء، عن الرضا عليه السلام قال: ليلة خمس وعشرين من ذي القعدة ولد فيها إبراهيم عليه السلام وولد فيها عيسى بن مريم عليه السلام، الخبر.

بيان: لعل الخبر الأول الدال على كون ولادته في يوم عاشوراء محمول على التقية كما يشهد به بعض الأخبار، وكذا الاخبار المختلفة الواردة في زمان الحمل وموضع الولادة لعل بعضها محمولة على التقية لاشتهارها بين المخالفين. والله يعلم.

14 - قصص الأنبياء: قال الباقر عليه السلام: إن مريم بشرت بعيسى، فبينا هي في المحراب إذ تمثل لها الروح الأمين بشرا سويا " قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا " فتفل في جيبها فحملت بعيسى فلم يلبث أن ولدت. وقال: لم يكن على وجه الأرض شجرة إلا ينتفع بها ولها ثمرة ولا شوك لها حتى قالت فجرة بني آدم كلمة السوء، فاقشعرت الأرض، وشاكت الشجر، وأتى إبليس تلك الليلة فقيل له: قد ولد الليلة ولد لم يبق على وجه الأرض صنم إلا خر لوجهه وأتى المشرق والمغرب يطلبه فوجده في بيت دير قد حفت به الملائكة، فذهب يدنو فصاحت الملائكة: تنح، فقال لهم: من أبوه؟ فقالت: فمثله كمثل آدم، فقال إبليس: لأضلن به أربعة أخماس الناس.

15 - قصص الأنبياء: الصدوق، عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن زياد بن سوقه، عن الحكم بن عيينة قال: قال أبو جعفر عليه السلام:

لما قالت العواتق الفرية - وهن سبعون - لمريم: " لقد جئت شيئا فريا " أنطق الله عيسى عليه السلام عند ذلك ، فقال لهن: ويلكن تفترين على أمي؟ أنا عبد الله، آتاني الكتاب وأقسم بالله لأضربن كل امرأة منكن حدا بافترائكن على أمي، قال الحكم: فقلت للباقر عليه السلام: أفضربهن عيسى عليه السلام بعد ذلك؟ قال: نعم ولله الحمد والمنة.

16 - علل الشرائع: بإسناده عن وهب اليماني قال: إن يهوديا سأل النبي فقال: يا محمد أكنت في أم الكتاب نبيا قبل أن تخلق؟ قال: نعم، قال: وهؤلاء أصحابك المؤمنون مثبتون معك قبل أن يخلقوا؟ قال: نعم، قال: فما شأنك لم تتكلم بالحكمة حين خرجت

من بطن أمك كما تكلم عيسى بن مريم على زعمك وقد كنت قبل ذلك نبيا؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله إنه ليس أمري كأمر عيسى بن مريم عليه السلام إن عيسى بن مريم خلقه الله عز وجل من أم ليس له أب كما خلق آدم من غير أب ولا أم، ولو أن عيسى عليه السلام حين خرج من بطن أمه لم ينطق بالحكمة لم يكن لامه عذر عند الناس، وقد أتت به من غير أب، وكانوا يأخذونها كما يأخذون به من المحصنات، فجعل الله عز وجل منطقه عذرا لامه.

17 - قصص الأنبياء: الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن يحيى بن عبد الله قال: كنا بالحيرة فركبت مع أبي عبد الله عليه السلام فلما صرنا حيال قرية فوق الماصر قال: هي هي، حين قرب من الشط و صار على شفير الفرات، ثم نزل فصلى ركعتين، ثم قال: أتدري أين ولد عيسى عليه السلام؟

قلت: لا، قال: في هذا الموضع الذي أنا فيه جالس، ثم قال: أتدري أين كانت النخلة؟

قلت: لا، فمد يده خلفه فقال: في هذا المكان، ثم قال: أتدري ما القرار وما الماء المعين؟

قلت: لا، قال: هذا هو الفرات، ثم قال: أتدري ما الربوة؟ قلت: لا، فأشار بيده عن يمينه فقال: هذا هو الجبل إلى النجف، وقال: إن مريم ظهر حملها وكانت في واد فيه خمسمائة بكر يتعبدن، وقال: حملته تسع ساعات، فلما ضربها الطلق خرجت من المحراب إلى بيت دير لهم فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة فوضعته فحملته فذهبت به إلى قومها، فلما رأوها فزعوا فاختلف فيه بنو إسرائيل فقال بعضهم: هو ابن الله، وقال بعضهم: هو عبد الله و نبيه، وقالت اليهود: بل هو ابن الهنة، ويقال للنخلة التي أنزلت على مريم: العجوة.

بيان: المآصر بالمد جمع الماصر كمجلس أي المحبس، ولعل المراد محابس الماء، والماصر بغير مد: الحاجز بين الشيئين. والحد بين الأرضين. وابن الهنة كناية عن ولد الزنا، بأن يكون المراد بالهنة الشر والقبيح كما تطلق عليه كثيرا، وقد يكنى به عن كل جنس، فالمعنى ابن رجل.

18 - قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق بإسناده إلى ابن أورمة، عن أحمد بن خالد

الكرخي، عن الحسن بن إبراهيم، عن سليمان الجعفري، عن أبي الحسن عليه السلام قال:

أتدري بما حملت مريم؟ قلت: لا، قال: من تمر صرفان أتاها به جبرئيل عليه السلام. المحاسن: أبي وبكر بن صالح، عن سليمان الجعفري عنه عليه السلام مثله، وفي آخره:

نزل بها جبرئيل فأطعمها فحملت.

19 - بصائر الدرجات: علي بن الحسين، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن الحكم، عن سليمان بن نهيك، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: " وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين " قال: الربوة: نجف الكوفة، والمعين: الفرات.

20 - الكافي: أحمد بن مهران وعلي بن إبراهيم جميعا، عن محمد بن علي، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم، عن أبي الحسن موسى عليه السلام في مسائله التي سأل النصراني عنها فقال له أبو إبراهيم عليه السلام: والنهر الذي ولدت عليه مريم عيسى هل تعرفه؟

قال: لا، قال: هو الفرات. الخبر.

21 - المحاسن: أبي، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ستة كرهها الله تعالى لي فكرهتها للأئمة من ذريتي، وعد منها الرفث في الصوم، قال: وما الرفث في الصيام؟ قال: ما كره الله لمريم في قوله: " إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا " قال: قلت: صمتت من أي شئ؟ قال: من الكذب.

22 - كتاب النجوم: ذكر أبو جعفر بن بابويه في كتاب النبوة في باب سياقه حديث عيسى بن

مريم عليه السلام فقال ما هذا لفظه: وقدم عليها وفد من عظماء المجوس زائرين معظمين لأمر ابنها، وقالوا: إنا قوم ننظر في النجوم، فلما ولد ابنك طلع بمولوده نجم من نجوم الملك، فنظرنا فيه فإذا ملكه ملك نبوة لا يزول عنه ولا يفارقه حتى يرفعه إلى السماء فيجاور ربه عز وجل ما كانت الدنيا مكانها، ثم يصير إلى ملك هو أطول وأبقى مما كان فيه، فخرجنا من قبل المشرق حتى رفعنا إلى هذا المكان فوجدنا النجم متطلعا عليه من فوقه، فبذلك عرفنا موضعه، وقد أهدينا له هدية جعلناها له قربانا لم يقرب مثله لاحد قط، وذلك أنا وجدنا هذا القربان يشبه أمره، وهو الذهب والمر واللبان لان الذهب سيد المتاع كله، وكذلك ابنك هو سيد الناس ما كان حيا، ولان المر جبار الجراحات وكذلك ابنك يبرئ الله به الجراحات والأمراض والجنون والعاهات كلها، ولان اللبان يبلغ دخانه السماء ولن يبلغها دخان شئ غيره وكذلك ابنك يرفعه الله عز وجل إلى السماء وليس يرفع من أهل زمانه غيره.

23 - علل الشرائع: الدقاق، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: لم خلق الله عيسى من غير أب وخلق سائر الناس من الآباء والأمهات؟ فقال: ليعلم الناس تمام قدرته وكمالها، ويعلموا أنه قادر على أن يخلق خلقا من أنثى من غير ذكر، كما هو قادر على أن يخلقه من غير ذكر ولا أنثى، وإنه عز وجل فعل ذلك ليعلم أنه على كل شئ قدير.

24 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن الأحول قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الروح التي في آدم قوله: " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي " قال: هذه روح مخلوقة، والروح التي في عيسى مخلوقة.

25 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن ثعلبة ابن ميمون، عن حمران قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله: " وروح منه " قال: هي روح الله مخلوقة خلقها في آدم وعيسى عليهما السلام. أقول: قد مضت الاخبار في تفسير الروح في كتاب التوحيد، وستأتي في كتاب الإمامة إن شاء الله تعالى.

26 - أمالي الصدوق: أبي، عن ابن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن نوح بن شعيب، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن علقمة، عن الصادق عليه السلام أنه قال في حديث طويل: ألم ينسبوا مريم بنت عمران إلى أنها حملت بعيسى من رجل نجار اسمه يوسف؟! الخبر.

27 - وبإسناده عن علي عليه السلام قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا علي إن فيك شبها من عيسى بن مريم عليه السلام: أحبته النصارى حتى أنزلوه بمنزلة ليس بها، و أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه.

28 - الكافي: حميد بن زياد، عن أبي العباس عبيد الله بن أحمد الدهقان، عن علي بن الحسن الطاطري، عن محمد بن زياد بياع السابري، عن أبان، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن مريم حملت بعيسى عليه السلام تسع ساعات، كل ساعة شهرا.

29 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جراح المدائني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن

الصيام ليس من الطعام والشراب وحده، ثم قال: قالت مريم: " إني نذرت للرحمن صوما " أي صمتا.

30 - الكافي: علي بن محمد، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن الوشاء، عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير، عنه عليه السلام مثله.

31 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: كانت نخلة مريم عليها السلام العجوة، ونزلت في كانون.

32 - الروضة، روضة الواعظين: عن مجاهد، عن أبي عمرو وأبي سعيد الخدري في حديث طويل في ولادة علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال: هذا عيسى بن مريم عليه السلام قال الله عز وجل فيه: " فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا " إلى قوله.

" إنسيا " فكلم أمه وقت مولده وقال حين أشارت إليه فقالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا: " إني عبد الله آتاني الكتاب " إلى آخر الآية، فتكلم عليه السلام في وقت ولادته فأعطي الكتاب والنبوة، وأوصى بالصلاة والزكاة في ثلاثة أيام من مولده، وكلمهم في اليوم الثاني من مولده. * تذنيب: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " إذ قالت الملائكة ": قال ابن عباس: يريد جبرئيل " يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه " ففيه قولان: أحدهما أنه المسيح سماه كلمة، عن ابن عباس وقتادة وجماعة من المفسرين، وإنما سمي بذلك لأنه كان بكلمة من الله من غير والد وهو قوله: " كن فيكون " يدل عليه قوله تعالى:

" إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون " وقيل: سمي بذلك لان الله تعالى بشر به في الكتب السالفة، كما يقول الذي يخبر بالامر إذا خرج موافقا لامره: قد جاء كلامي، ومما جاء من البشارة به في التوراة " أتانا الله من سيناء، و أشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران " وساعير هو الموضع الذي بعث منه المسيح عليه السلام وقيل: لان الله يهدي به كما يهدي بكلمته.

والقول الثاني: أن الكلمة بمعنى البشارة، كأنه قال: ببشارة منه ولد اسمه المسيح، والأول أقوى، ويؤيده قوله: " إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه " وإنما ذكر الضمير في اسمه وهو عائد إلى الكلمة لأنه واقع على مذكر فذهب إلى المعنى.

واختلف في أنه لم سمي بالمسيح فقيل: لأنه مسح باليمن والبركة، عن الحسن وقتادة وسعيد، وقيل: لأنه مسح بالتطهير من الذنوب، وقيل: لأنه مسح بدهن زيت بورك فيه، وكانت الأنبياء تتمسح به، عن الجبائي، وقيل: لأنه مسحه جبرئيل بجناحه وقت ولادته ليكون عوذة من الشيطان، وقيل: لأنه كان يمسح رأس اليتامى لله، وقيل: لأنه يمسح عين الأعمى فيبصر، عن الكلبي، وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة بيده إلا أبرأه، عن ابن عباس في رواية عطاء والضحاك، وقال أبو عبيدة: وهو بالسريانية مشيحا، فعربته العرب " عيسى ابن مريم " نسبه إلى أمه ردا على النصارى قولهم: إنه ابن الله " وجيها " ذا جاه وقدر وشرف " في الدنيا والآخرة ومن المقربين " إلى ثواب الله وكرامته " ويكلم الناس في المهد " أي صغيرا، والمهد الموضع الذي يمهد لنوم الصبي، ويعني بكلامه في المهد: " إني عبد الله آتاني الكتاب " الآية، ووجه كلامه في المهد أنه تنزيه لامه مما قذفت به وجلالة له بالمعجزة التي ظهرت فيه " وكهلا " أي يكلمهم كهلا بالوحي الذي يأتيه من الله،

أعلمنا الله سبحانه أنه يبقى إلى حال الكهولة، وفي ذلك إعجاز لكون المخبر في وفق الخبر، وقيل: المراد به الرد على النصارى بما كان فيه من التقلب في الأحوال لان ذلك مناف لصفة الاله " ومن الصالحين " أي ومن النبيين مثل إبراهيم وموسى عليهما السلام، وقيل: إن المراد بالآية: ويكلمهم في المهد دعاء إلى الله، وكهلا بعد نزوله من السماء ليقتل الدجال وذلك لأنه رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وذلك قبل الكهولة، عن زيد بن أسلم.

وفي ظهور المعجزة في المهد قولان:

أحدهما: أنها كانت مقرونة بنبوة المسيح عليه السلام لأنه سبحانه أكمل عقله في تلك الحال وجعله نبيا، وأوحى إليه بما تكلم به، عن الجبائي، وقيل: كان ذلك على التأسيس والارهاص لنبوته، عن ابن الاخشيد، ويجوز عندنا الوجهان، ويجوز أن يكون معجزة لمريم تدل على طهارتها وبراءة ساحتها إذ لا مانع لذلك، وقد دلت الأدلة الواضحة على جوازه، وإنما جحدت النصارى كلام المسيح في المهد مع كونه آية ومعجزة لان في ذلك إبطال مذهبهم لأنه قال: " إني عبد الله " وهو ينافي قولهم: إنه ابن الله، فاستمروا على تكذيب من أخبر بذلك " قالت مريم أنى يكون لي " أي كيف يكون لي " ولد ولم يمسسني بشر " لم تقل ذلك استبعادا واستنكارا، بل إنما قالت استفهاما واستعظاما لقدرة الله تعالى، لان في طبع البشر التعجب مما خرج عن المعتاد، وقيل: إنما قالت ذلك لتعلم أن الله سبحانه يرزقها الولد وهي على حالتها لم يمسسها بشر، أو يقدر لها زوجا ثم يرزقها الولد على مجرى العادة " قال كذلك الله يخلق ما يشاء " أي يخلق ما يشاء مثل ذلك، فهي حكاية ما قال لها الملك، أي يرزقك الولد وأنت على هذه الحالة لم يمسك بشر " إذا قضى أمرا " أي خلق أمرا، وقيل: إذا قدر أمرا " فإنما يقول له كن فيكون " وقيل في معناه قولان: أحدهما أنه إخبار بسرعة حصول مراد الله تعالى في كل شئ أراد حصوله من غير مهلة ولا معاناة

ولا تكلف سبب ولا أداة، وإنما كنى بهذه اللفظة لأنه لا يدخل في وهم العباد شئ أسرع من كن فيكون، والآخر أن هذه الكلمة جعلها الله علامة للملائكة فيما يريد إحداثه وإيجاده لما فيه من المصلحة والاعتبار، وإنما استعمل لفظة الامر فيما ليس بأمر هنا ليدل ذلك على أن فعله بمنزلة فعل المأمور في أنه لا كلفة فيه على الآمر. وقال رحمه الله في قوله " واذكر في الكتاب مريم إذا انتبذت من أهلها مكانا شرقيا " أي انفردت من أهلها إلى مكان في جهة المشرق وقعدت ناحية منهم، قال ابن عباس:

" إنما اتخذت النصارى المشرق قبلة لأنها انتبذت مكانا شرقيا، وقيل: اتخذت مكانا تنفرد فيه للعبادة لئلا تشتغل بكلام الناس، عن الجبائي، وقيل: تباعدت عن قومها حتى لا يروها، عن الأصم وأبي مسلم، وقيل: إنها تمنت أن تجد خلوة فتفلي رأسها، فخرجت في يوم شديد البرد فجلست في مشرقة للشمس، عن عطاء " فاتخذت من دونهم حجابا " أي فضربت من دون أهلها لئلا يروها سترا وحاجزا بينها وبينهم " فأرسلنا إليها روحنا " يعني جبرئيل عليه السلام عن ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم، وسماه الله روحا لأنه روحاني، وأضافه إلى نفسه تشريفا له " فتمثل لها بشرا سويا " معناه:

فأتاها جبرئيل فانتصب بين يديها في صورة آدمي صحيح لم ينقص منه شئ، وقال أبو مسلم:

إن الروح الذي خلق منه المسيح عليه السلام تصور لها إنسانا، والأول هو الوجه لاجماع المفسرين عليه، وقال عكرمة: كانت مريم إذا حاضت خرجت من المسجد، وكانت عند خالتها امرأة زكريا أيام حيضها، فإذا طهرت عادت إلى بيتها في المسجد، فبينما هي في مشرقة لها في ناحية الدار وقد ضربت بينها وبين أهلها سترا لتغتسل وتمتشط إذ دخل عليها جبرئيل في صورة رجل شاب أمرد سوي الخلق، فأنكرته فاستعاذت بالله منه " قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا " معناه إني أعتصم بالرحمن من شرك فاخرج من عندي إن كنت تقيا.

سؤال: كيف شرطت في التعوذ منه أن يكون تقيا والتقي لا يحتاج أن يتعوذ منه، وإنما يتعوذ من غير التقي؟.

والجواب أن التقي إذا تعوذ بالرحمن منه ارتدع عما يسخط الله، ففي ذلك تخويف وترهيب له، وهذا كما تقول: إن كنت مؤمنا فلا تظلمني، فالمعنى: إن كنت تقيا فاتعظ وأخرج.

وروي عن علي عليه السلام أنه قال: " علمت أن التقى ينهاه عن المعصية " وقيل: إن معنى قوله: " إن كنت تقيا " ما كنت تقيا حيث استحللت النظر إلي وخلوت بي، فلما سمع جبرئيل منه هذا القول قال لها: " إنما أنا رسول ربك لاهب لك غلاما زكيا " أي ولدا طاهرا من الأدناس، وقيل: ناميا في أفعال الخير، وقيل: يريد نبيا، عن ابن عباس " قالت " مريم " أنى يكون لي غلام " أي كيف يكون لي ولد " ولم يمسسني بشر " على وجه الزوجية " ولم أك بغيا " أي ولم أكن زانية، وإنما قالت ذلك لان الولد في العادة يكون من إحدى هاتين الجهتين، والمعنى أني لست بذات زوج وغير ذات الزوج لا تلد إلا عن فجور ولست فاجرة ، وإنما يقال للفاجرة بغي بمعنى أنها تبغي الزنا، أي تطلبه.

وفي هذه الآية دلالة على جواز إظهار الكرامات على غير الأنبياء عليهم السلام لان من المعلوم أن مريم ليست بنبية، وأن رؤية الملك على صورة البشر وبشارة الملك إياها وولادتها من غير وطئ إلى غيرها من الآيات التي أبانها الله بها من أكبر المعجزات، ومن لم يجوز إظهار المعجزات على غير النبي اختلفت أقوالهم في ذلك: فقال الجبائي وابنه:

إنها معجزات لزكريا، وقال البلخي: إنها معجزات لعيسى على سبيل الارهاص و التأسيس لنبوته " قال كذلك " أي قال لها جبرئيل حين سمع تعجبها من هذه البشارة:

الامر كذلك، أي كما وصفت لك " قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس " معناه ولنجعله علامة ظاهرة وآية باهرة للناس على نبوته ودلالة على براءة أمه " ورحمة منا " أي ولنجعله نعمة منا على الخلق يهتدون بسنته " وكان أمرا مقضيا " أي وكان خلق

عيسى عليه السلام من غير ذكر أمرا كائنا مفروغا منه محتوما، قضى الله سبحانه بأنه يكون و حكم به " فحملته " أي فحملت مريم بعيسى وحبلت في الحال، قيل: إن جبرئيل أخذ ردن قميصها بإصبعه فنفخ فيه فحملت مريم من ساعتها ووجدت حس الحمل، عن ابن عباس، وقيل: نفخ في كمها فحملت، عن ابن جريح.

وروي عن الباقر عليه السلام أنه تناول جيب مدرعتها فنفخ نفخة فكمل الولد في الرحم من ساعته، كما يكمل الولد في أرحام النساء تسعة أشهر، فخرجت من المستحم وهي حامل مثقل فنظرت إليها خالتها فأنكرتها، ومضت مريم على وجهها مستحيية من خالتها ومن زكريا " فانتبذت به مكانا قصيا " أي تنحت بالحمل إلى مكان بعيد، وقيل: معناه انفردت به مكانا بعيدا من قومها حياء من أهلها وخوفا من أن يتهموها بسوء.

واختلفوا في مدة حملها فقيل: ساعة واحدة، قال ابن عباس: لم يكن بين الانتباذ والحمل إلا ساعة واحدة، لأنه تعالى لم يذكر بينهما فصلا لأنه قال: فحملته، فانتبذت به، فأجاءها، والفاء للتعقيب، وقيل: حملت به في ساعة، وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زاغت الشمس من يومها وهي بنت عشر سنين، عن مقاتل، وقيل: كانت مدة حملها تسع ساعات، وهذا مروي عن أبي عبد الله، وقيل. ستة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر، وكان ذلك آية وذلك أنه لم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غيره " فأجاءها المخاض " أي أجاءها الطلق أي وجع الولادة " إلى جذع النخلة " فالتجأت إليها لتستند إليها، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي قال ابن عباس: نظرت مريم إلى أكمة فصعدت مسرعة فإذا عليها جذع النخلة ليس عليها سعف، والجذع ساق النخلة، والألف واللام دخلت للعهد لا للجنس، أي النخلة المعروفة، فلما ولدت " قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا " أي شيئا حقيرا متروكا، عن ابن عباس، وقيل: شيئا لا يذكر ولا يعرف، عن قتادة وقيل: حيضة ملقاة، عن عكرمة والضحاك ومجاهد، قال ابن عباس: فسمع جبرئيل كلامها

وعرف جزعها " فناداها من تحتها " وكان أسفل منها تحت الأكمة: " أن لا تحزني " وهو قول السدي وقتادة والضحاك أن المنادي جبرئيل ناداها من سفح الجبل، وقيل: ناداها عيسى، عن مجاهد والحسن ووهب وسعيد بن جبير وابن زيد وابن جرير والجبائي. و إنما تمنت الموت كراهية لان يعصى الله فيها، وقيل: استحياء من الناس أن يظنوا بها سوءا، عن السدي، وروي عن الصادق عليه السلام: لأنها لم تر في قومها رشيدا ذا فراسة ينزهها عن السوء " قد جعل ربك تحتك سريا " أي ناداها جبرئيل أو عيسى ليزول ما عندها من الغم والجزع: لا تغتمي قد جعل ربك تحت قدميك نهرا تشربين منه وتطهرين من النفاس، عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، قالوا: وكان نهرا قد انقطع الماء عنه، فأرسل الله الماء فيه لمريم وأحيا ذلك الجذع حتى أثمر وأورق، وقيل: ضرب جبرئيل برجله فظهر ماء عذب، وقيل: بل ضرب عيسى برجله فظهر عين ماء تجري وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، وقيل: السري: عيسى عليه السلام، عن الحسن وابن زيد والجبائي، و السري هو الرفيع الشريف، قال الحسن: كان والله عبدا سريا " وهزي إليك بجذع النخلة " معناه: اجذبي إليك، والباء مزيدة، وقال الفراء: تقول العرب: هزه وهز به " تساقط عليك رطبا جنيا " الجني بمعنى المجتنى، من جنيت الثمرة واجتنيتها: إذا قطعتها، وقال الباقر عليه السلام: لم تستشف النفساء بمثل الرطب، إن الله تعالى أطعمه مريم في نفاسها، قال: إن الجذع كان يابسا لا ثمر عليه إذ لو كان عليه ثمر لهزته من غير أن تؤمر به، وكان في الشتاء فصار معجزة لخروج الرطب في غير أوانه ولخروجه دفعة واحدة، فإن العادة أن يكون نورا أولا، ثم يصير بلحا، ثم بسرا. وروي أنه لم يكن للجذع رأس وضربته برجلها فأورق وأثمر وانتثر عليها الرطب جنيا، والشجرة التي لا رأس لها لا تثمر في العادة.

وقيل: إن تلك النخلة كانت برنية، وقيل: كانت عجوة وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام " فكلي واشربي " أي كلي يا مريم من هذا الرطب، واشربي من هذا الماء " وقري عينا " جاء في التفسير: وطيبي نفسا، وقيل: معناه: لتبرد عينك سرورا بهذا الولد الذي ترين، لان دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة، وقيل: معناه: لتسكن عينك سكون سرور برؤيتك ما تحبين " فإما ترين من البشر أحدا " فسألك عن ولدك " فقولي إني نذرت للرحمن صوما " أي صمتا، عن ابن عباس، والمعنى: أوجبت على نفسي لله أن لا أتكلم، وقيل صوما، أي إمساكا عن الطعام والشراب والكلام، عن قتادة، وإنما أمرت بالصمت ليكفيها الكلام ولدها بما يبرئ ساحتها عن ابن مسعود وابن زيد ووهب، وقيل: كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام كما يصوم عن الطعام فلا يتكلم الصائم حتى يمسي، يدل على هذا قوله: " فلن أكلم اليوم إنسيا " أي إني صائمة فلا أكلم اليوم أحدا، وكان قد أذن لها أن تتكلم بهذا القدر ثم تسكت ولا تتكلم بشئ آخر، عن السدي، وقيل: كان الله تعالى أمرها أن تنذر لله الصمت، وإذا كلمها أحد تؤمي بأنها نذرت صمتا، لأنه لا يجوز أن يأمرها بأن تخبر بأنها نذرت ولم تنذر لان ذلك كذب عن الجبائي " فأتت به قومها تحمله " أي فأتت مريم بعيسى حاملة له، وذلك أنها لفته في خرقة وحملته إلى قومها " قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا " أي أمرا عظيما بديعا، إذ لم تلد أنثى قبلك من غير رجل، عن قتادة ومجاهد والسدي، وقيل: أمرا قبيحا منكرا من الافتراء وهو الكذب، عن الجبائي.

" يا أخت هارون " قيل فيه أقوال: أحدها أن هارون كان رجلا صالحا في بني إسرائيل ينسب إليه كل من عرف بالصلاح، عن ابن عباس وقتادة وكعب وابن زيد، والمغيرة بن شعبة رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وقيل: إنه لما مات شيع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمى هارون، فقولهم: " يا أخت هارون " معناه: يا شبيهة هارون في الصلاح ما كان هذا معروفا منك.

وثانيها. أن هارون كان أخاها لأبيها ليس من أمها، وكان معروفا بحسن الطريقة عن الكلبي.

وثالثها: أنه هارون أخو موسى عليه السلام فنسبت إليه لأنها من ولده كما يقال:

يا أخا تميم، عن السدي.

ورابعها: أنه كان رجلا فاسقا مشهورا بالعهر والفساد فنسبت إليه، وقيل لها:

يا شبيهته في قبح فعله، عن سعيد بن جبير.

" ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا " أي كان أبواك صالحين، فمن أين جئت بهذا الولد؟ " فأشارت إليه " أي فأومأت إلى عيسى بأن كلموه واستشهدوه على براءة ساحتي، فتعجبوا من ذلك ثم قالوا: " كيف نكلم من كان في المهد صبيا " معناه كيف نكلم صبيا في المهد؟ وقيل: صبيا في الحجر رضيعا؟ وكان المهد حجر أمه الذي تربيه فيه إذ لم تكن هيأت له مهدا، عن قتادة، وقيل: إنهم غضبوا عند إشارتها إليه، و قالوا: لسخريتها بنا أشد علينا من زناها، فلما تكلم عيسى عليه السلام قالوا: إن هذا الامر عظيم، عن السدي.

" قال " عيسى بن مريم: " إني عبد الله " قدم إقراره بالعبودية ليبطل به قول من يدعي له الربوبية، وكان الله سبحانه أنطقه بذلك لعلمه بما يقوله الغالون فيه، ثم قال " آتاني الكتاب وجعلني نبيا " أي حكم لي بإيتاء الكتاب والنبوة، وقيل: إن الله سبحانه أكمل عقله في صغره وأرسله إلى عباده وكان نبيا مبعوثا إلى الناس في ذلك الوقت مكلفا عاقلا، ولذلك كانت له تلك المعجزة، عن الحسن والجبائي، وقيل: إنه كلمهم وهو ابن أربعين يوما، عن وهب، وقيل: يوم ولد، عن ابن عباس وأكثر المفسرين وهو الظاهر وقيل: إن معناه إني عبد الله سيؤتيني الكتاب وسيجعلني نبيا، وكان ذلك معجزة لمريم عليها السلام على براءة ساحتها " وجعلني مباركا أينما كنت " أي وجعلني معلما للخير عن مجاهد، وقيل: نفاعا حيثما توجهت، والبركة: نماء الخير، والمبارك: الذي ينمي الخير به، وقيل: ثابتا دائما على الايمان والطاعة، وأصل البركة الثبوت، عن

الجبائي " وأوصاني بالصلاة والزكاة " أي بإقامتهما " ما دمت حيا " أي ما بقيت حيا مكلفا " وبرا بوالدتي " أي جعلني بارا بها أؤدي شكرها " ولم يجعلني جبارا " أي متجبرا " شقيا " والمعنى أني بتوفيقه كنت محسنا إليها حتى لم أكن من الجبابرة الأشقياء " والسلام علي " أي والسلامة علي من الله " يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا " أي في هذه الأحوال الثلاث، قيل: ولما كلمهم عيسى عليه السلام بذلك علموا براءة مريم، ثم سكت عيسى فلم يتكلم بعد ذلك حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان. انتهى ملخص تفسيره رحمه الله.

وقال البيضاوي: " ذلك عيسى بن مريم " أي الذي تقدم نعته هو عيسى بن مريم، لا ما تصفه النصارى " قول الحق " خبر محذوف، أي هو قول الحق الذي لا ريب فيه، و الإضافة للبيان، والضمير للكلام السابق أو لتمام القصة، وقيل: صفة عيسى أو بدله أو خبر ثان، ومعناه كلمة الله، وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب (قول) بالنصب على أنه مصدر مؤكد " الذي فيه يمترون " أي في أمره يشكون، أو يتنازعون، فقالت اليهود: ساحر، وقالت النصارى: ابن الله " إذا قضى أمرا " تبكيت لهم بأن من إذا أراد شيئا أوجده بكن كان منزها عن شبه الخلق في الحاجة في اتخاذ الولد بإحبال الإناث " والتي أحصنت فرجها " من الحلال والحرام يعني مريم " فنفخنا فيها " في عيسى فيها، أي أحييناه في جوفها، وقيل: فعلنا النفخ فيها " من روحنا " من الروح الذي هو بأمرنا وحده، أو من جهة روحنا جبرئيل " وجعلناها وابنها " أي قصتهما أو حالهما " آية للعالمين " فإن من تأمل حالهما تحقق كمال قدرة الصانع تعالى.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.