بحارالانوار · كتاب النبوة
باب 10 قصة موسى عليه السلام حين لقى الخضر وسائر قصص
ج ۱۳، ص ۳۰۴–۳۲۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
إنه لما كان من أمر موسى عليه السلام الذي كان أعطي مكتل فيه حوت مملح، وقيل له: هذا يدلك على صاحبك عند عين مجمع البحرين، لا يصيب منها شئ ميتا إلا حيي، يقال له الحياة، فانطلقا حتى بلغا الصخرة فانطلق الفتى يغسل الحوت في العين فاضطرب في يده حتى خدشه وانفلت منه، ونسيه الفتى، فلما جاوز الوقت الذي وقت فيه أعيا موسى وقال لفتاه: " آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا * قال أرأيت " إلى قوله: " على آثارهما قصصا " فلما أتاها وجد الحوت قد خر في البحر فاقتصا الأثر حتى أتيا صاحبهما في جزيرة من جزائر البحر، إما متكئا وإما جالسا في كساء له، فسلم عليه موسى، فعجب
من السلام وهو في أرض ليس فيها السلام، فقال: من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: أنت موسى بن عمران الذي كلمه الله تكليما؟ قال: نعم، قال: فما حاجتك؟ قال: أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا، قال: إني وكلت بأمر لا تطيقه ووكلت بأمر لا أطيقه، وقد قال له: " إنك لن تستطيع معي صبرا * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا " فحدثه عن آل محمد وعما يصيبهم حتى اشتد بكاؤهما، ثم حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعن أمير المؤمنين عليه السلام وعن ولد فاطمة وذكر له من فضلهم وما أعطوا حتى جعل يقول: يا ليتني من آل محمد، وعن رجوع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى قومه وما يلقى منهم ومن تكذيبهم إياه، وتلا هذه الآية: " و نقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة " فإنه أخذ عليهم الميثاق. بيان: قوله: (وعن رجوع رسول الله صلى الله عليه وآله) أي بعد الهجرة أو في الرجعة.
33 - تفسير العياشي: عن عبد الرحمن بن سيابة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن موسى صعد المنبر وكان منبره ثلاث مراق، فحدث نفسه أن الله لم يخلق خلقا أعلم منه، فأتاه جبرئيل فقال له: إنك قد ابتليت فأنزل فإن في الأرض من هو أعلم منك فاطلبه، فأرسل إلى يوشع إني قد ابتليت فاصنع لنا زادا وانطلق بنا، فاشترى حوتا فخرج بآذربيجان ثم شواه ثم حمله في مكتل، ثم انطلقا يمشيان في ساحل البحر - والنبي إذا مر في مكان لم يعي أبدا حتى يجوز ذلك الوقت - قال: فبينما هما يمشيان حتى انتهيا إلى شيخ مستلقى معه عصاه موضوعة إلى جانبه، وعليه كساء إذا قنع رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطى رجليه خرج رأسه، قال: فقام موسى يصلي، وقال ليوشع: احفظ علي، قال: فقطرت قطرة من السماء في المكتل فاضطرب الحوت ثم جعل يجر المكتل إلى البحر قال: وهو قوله: " واتخذ سبيله في البحر سربا " قال: ثم إنه جاء طير فوقع على ساحل البحر ثم أدخل منقاره فقال:
يا موسى ما أخذت من علم ربك ما حمل ظهر منقاري من جميع البحر، قال: ثم قام فمشى فتبعه يوشع، فقال موسى لما أعيا حيث جاز الوقت فيه: " آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا
هذا نصبا " إلى قوله: " في البحر عجبا " قال: فرجع موسى يقتص أثره حتى انتهى إليه و هو على حاله مستلق، فقال له موسى: السلام عليك، فقال: وعليك السلام يا عالم بني إسرائيل، قال: ثم وثب فأخذ عصاه بيده، قال: فقال له موسى: إني قد أمرت أن أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا، فقال كما قص عليكم: " إنك لن تستطيع معي صبرا ".
قال: فانطلقا حتى انتهيا إلى معبر فلما نظر إليهم أهل المعبر فقالوا: والله لا نأخذ من هؤلاء أجرا، اليوم نحملهم، فلما ذهبت السفينة وسط الماء خرقها، قال له موسى كما أخبرتم ثم قال: " ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا * قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا " قال: وخرجا على ساحل البحر فإذا غلام يلعب مع غلمان عليه قميص حرير أخضر، في اذنيه درتان، فتوركه العالم فذبحه، قال له موسى:
" أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا ".
قال: " فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا " خبزا نأكله فقد جعنا، قال:
وهي قرية على ساحل البحر يقال لها ناصرة، وبها تسمى النصارى نصارى، فلم يضيفوهما ولا يضيفون بعدهما أحدا حتى تقوم الساعة. وكان مثل السفينة فيكم وفينا ترك الحسين البيعة لمعاوية، وكان مثل الغلام فيكم قول الحسن بن علي عليه السلام لعبد الله بن علي: لعنك الله من كافر، فقال له: قد قتلته يا أبا محمد، وكان مثل الجدار فيكم علي والحسن والحسين عليهم السلام. بيان: تورك فلان الصبي: جعله على وركه معتمدا عليها، ذكره الفيروزآبادي وأما كون ترك الحسين عليه السلام البيعة لمعاوية لعنه الله شبيها بخرق السفينة لأنه عليه السلام
بترك البيعة مهد لنفسه المقدسة الشهادة، وبها انكسرت سفينة أهل البيت صلوات الله عليهم وكان فيها مصالح عظيمة: منها ظهور كفر بني أمية وجورهم على الناس، وخروج الخلق عن طاعتهم. ومنها: ظهور حقية أهل البيت عليهم السلام وإمامتهم إذ لو بايعه الحسين عليه السلام أيضا لظن أكثر الناس وجوب متابعة خلفاء الجور وعدم كونهم عليهم السلام ولاة الامر.
ومنها: أن بسبب ذلك صار من بعده من الأئمة عليهم السلام آمنين مطمئنين، ينشرون العلوم بين الناس، إلى غير ذلك من المصالح التي لا يعلمها غيرهم، ولو كان ما ذكره المؤرخون من بيعته عليه السلام له أخيرا حقا كان المراد ترك البيعة ابتداء، ولا يبعد أن يكون في الأصل يزيد بن معاوية فسقط الساقط الملعون هو وأبوه. وأما ما تضمن من قول الحسن عليه السلام لعبد الله بن علي فيشكل توجيهه، لأنه كان من السعداء الذين استشهدوا مع الحسين صلوات الله عليه على ما ذكره المفيد وغيره، والقول بأنه عليه السلام علم أنه لو بقي بعد ذلك ولم يستشهد لكفر بعيد.
والظاهر أن يكون عبيد الله مصغرا بناء على ما ذكره ابن إدريس، أنه لم يستشهد مع الحسين عليه السلام ردا على المفيد، وذكر صاحب المقاتل وغيره أنه صار إلى المختار فسأله أن يدعو إليه ويجعل الامر له فلم يفعل، فخرج ولحق بمصعب ابن الزبير فقتل في الوقعة وهو لا يعرف.
قوله: (فقال له) أي أمير المؤمنين عليه السلام (قد قتلته) أي سيقتل سبب لعنك، أو هذا إخبار بأنه سيقتل كما قتل الخضر الغلام لكفره. وأما مثل الجدار فلعل المراد أن الله تعالى كما حفظ العلم تحت الجدار للغلامين لصلاح أبيهما فكذلك حفظ العلم لصلاح علي والحسن والحسين عليهم السلام في أولادهم إلى أن يظهره القائم عليه السلام للخلق، أو حفظ الله علم الرسول صلى الله عليه وآله بأمير المؤمنين للحسنين صلوات الله عليهم فأقام عليا عليه السلام للخلافة بعد أن أصابه ما أصابه من المخالفين والله يعلم.
34 - تفسير العياشي: عن عبد الله بن ميمون القداح، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال:
بينما موسى قاعد في ملا من بني إسرائيل إذ قال له رجل: ما أرى أحدا أعلم بالله منك، قال موسى: ما أرى، فأوحى الله إليه: بلى عبدي الخضر، فسأل السبيل إليه: وكان له آية الحوت إن افتقده، فكان من شأنه ما قص الله.
35 - تفسير العياشي: عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان سليمان أعلم من آصف، وكان موسى أعلم من الذي اتبعه.
36 - تفسير العياشي: عن ليث بن سليم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: شكا موسى إلى ربه الجوع في ثلاثة مواضع: " آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، لاتخذت عليه أجرا، رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ".
37 - تفسير العياشي: عن إسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس قال: ما وجدت للناس ولعلي بن أبي طالب شبها إلا موسى وصاحب السفينة، تكلم موسى بجهل، وتكلم صاحب السفينة بعلم، وتكلم الناس بجهل، وتكلم علي بعلم.
38 - تفسير العياشي: عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام إن نجدة الحروري كتب
إلى ابن عباس يسأله عن سبي الذراري، فكتب إليه: أما الذراري فلم يكن رسول الله يقتلهم، وكان الخضر يقتل كافرهم ويترك مؤمنهم، فإن كنت تعلم ما يعلم الخضر فاقتلهم!.
39 - تفسير العياشي: عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: بينما العالم يمشي مع موسى إذا بغلام يلعب قال: فوكزه العالم فقتله، فقال له موسى: " أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا " قال: فأدخل العالم يده فاقتلع كتفه فإذا عليه مكتوب: كافر مطبوع.
40 - تفسير العياشي: عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كان يقرء " وكان وراءهم ملك " يعني أمامهم " يأخذ كل سفينة غصبا ". بيان: قال الطبرسي رحمه الله: ويستعمل وراء بمعنى القدام أيضا على الاتساع، لأنها جهة مقابلة لجهة، فكأن كل واحدة من الجهتين وراء الأخرى.
41 - تفسير العياشي: عن حريز، عمن ذكره، عن أحدهما أنه قرأ: وكان أبواه مؤمنين و طبع كافرا.
42 - تفسير العياشي: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " فخشينا " خشي إن أدرك الغلام أن يدعو أبويه إلى الكفر فيجيبانه من فرط حبهما له.
43 - تفسير العياشي: عن عبد الله بن خالد رفعه قال: كان في كتف الغلام الذي قتله العالم مكتوب: كافر.
44 - تفسير العياشي: عن محمد بن عمر، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله ليحفظ ولد المؤمن إلى ألف سنة، وإن الغلامين كان بينهما وبين أبويهما سبعمائة سنة.
45 - تفسير العياشي: عن عثمان، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " فأردنا أن
يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما " قال: ولدت لهما جارية فولدت غلاما فكان نبيا.
46 - تفسير العياشي: عن الحسن بن سعيد اللحمي قال: ولدت لرجل من أصحابنا جارية فدخل على أبي عبد الله عليه السلام فرآه متسخطا لها، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: أرأيت لو أن الله أوحى إليك: إني أختار لك أو تختار لنفسك؟ ما كنت تقول؟ قال: كنت أقول:
يا رب تختار لي، قال: فإن الله قد اختار لك. ثم قال: إن الغلام الذي قتله العالم حين كان مع موسى في قول الله: " فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما " قال: فأبدلهما جارية ولدت سبعين نبيا.
47 - تفسير العياشي: عن أبي يحيى الواسطي رفعه إلى أحدهما في قول الله: " وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين " إلى قوله: " وأقرب رحما " قال أبدلهما مكان الابن بنتا فولدت سبعين نبيا.
48 - تفسير العياشي: عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كم من إنسان له حق لا يعلم به؟ قال: قلت: وما ذاك أصلحك الله؟ قال: إن صاحبي الجدار كان لهما كنز تحته، أما إنه لم يكن ذهب ولا فضة، قال: قلت فأيهما كان أحق به؟ فقال: الأكبر، كذلك نقول.
49 - تفسير العياشي: عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله ليفلح بفلاح الرجل المؤمن ولده وولد ولده ويحفظه في دويرته ودويرات حوله، فلا يزالون في حفظ الله لكرامته على الله. ثم ذكر العلامين فقال: وكان أبوهما صالحا، ألم تر أن الله شكر صلاح أبويهما لهما.
50 - تفسير العياشي: عن محمد بن عمرو الكوفي، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الغلامين كان بينهما وبين أبيهما سبعمائة سنة.
51 - تفسير العياشي: عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله: " وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما " فقال: أما إنه ما كان ذهبا ولا فضة وإنما كان أربع كلمات: إني أنا الله لا إله إلا أنا، من أيقن بالموت لم يضحك سنة، ومن أقر بالحساب لم يفرح قلبه، ومن آمن بالقدر لم يخش إلا ربه. الكافي: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن صفوان مثله.
52 - من رياض الجنان أخذه من أربعين السيد الحسين بن دحية بن خليفة الكلبي بإسناده عن عمار بن خالد، عن إسحاق الأزرق، عن عبد الملك بن سليمان قال:
وجد في ذخيرة أحد حواري المسيح رق فيه مكتوب بالقلم السرياني منقول من التوراة:
إنه لما تشاجر موسى والخضر عليهما السلام في قصة السفينة والغلام والجدار ورجع موسى إلى قومه سأله أخوه هارون عليه السلام عما استعلمه من الخضر عليه السلام وشاهده من عجائب البحر، قال: بينا أنا والخضر على شاطئ البحر إذ سقط بين أيدينا طائر أخذ في منقاره قطرة و رمى بها نحو المشرق، وأخذ ثانية ورماها في المغرب، وأخذ ثالثة ورمى بها نحو السماء، ورابعة
رماها إلى الأرض، ثم أخذ خامسة وعاد ألقاها في البحر، فبهتنا لذلك فسألت الخضر عليه السلام عن ذلك فلم يجب، وإذا نحن بصياد يصطاد فنظر إلينا وقال: مالي أراكما في فكر وتعجب من الطائر؟ قلنا: هو ذلك، قال: أنا رجل صياد قد علمت وأنتما نبيان ما تعلمان؟ قلنا: ما نعلم إلا ما علمنا الله، قال: هذا طائر في البحر يسمى مسلم، لأنه إذا صاح يقول في صياحه: مسلم، فأشار برمي الماء من منقاره إلى السماء والأرض و المشرق والمغرب إلى أنه يبعث نبي بعدكما تملك أمته المشرق والمغرب، ويصعد إلى السماء، ويدفن في الأرض، وأما رميه الماء في البحر يقول: إن علم العالم عند علمه مثل هذه القطرة، وورث علمه وصيه وابن عمه، فسكن ما كنا فيه من المشاجرة، و استقل كل واحد منا علمه بعد أن كنا معجبين بأنفسنا، ثم غاب الصياد عنا فعلمنا أنه ملك بعثه الله تعالى إلينا ليعرفنا حيث ادعينا الكمال. كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: ذكر بعض أصحابنا من رواة الحديث في كتاب الأربعين رواية أسعد الأربلي عن عمار بن خالد مثله. تذنيب: قال السيد المرتضى قدس الله روحه: فإن قيل: كيف يجوز أن يتبع موسى عليه السلام غيره ويتعلم منه وعندكم أن النبي لا يجوز أن يفتقر إلى غيره؟ وكيف يجوز أن يقول له: " إنك لن تستطيع معي صبرا " والاستطاعة عندكم هي القدرة، وقد كان موسى عليه السلام على مذهبكم قادرا على الصبر؟ وكيف قال موسى عليه السلام: " ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا " فاستثنى المشية في الصبر، وأطلق فيما ضمنه من طاعته واجتناب
معصيته؟ وكيف قال: " لقد جئت شيئا إمرا " و " شيئا نكرا " وما أتى العالم منكرا على الحقيقة، وما معنى قوله: " لا تؤاخذني بما نسيت " وعندكم أن النسيان لا يجوز على الأنبياء؟ ولم نعت موسى عليه السلام النفس بأنها زكية ولم تكن كذلك على الحقيقة؟
ولم قال: " فخشينا " فإن كان الذي خشيه الله تعالى ما ظنه قوم فالخشية لا تجوز عليه تعالى، وإن كان هو الخضر فكيف يستبيح دم الغلام لأجل الخشية والخشية لا تقتضي علما ولا يقينا؟
قلنا: أما العالم الذي نعته الله في هذه الآيات فلا يجوز إلا أن يكون نبيا فاضلا وقد قيل: إنه الخضر عليه السلام، وأنكر أبو علي ذلك وزعم أنه ليس بصحيح، قال: لان الخضر يقال: إنه كان نبيا من أنبياء بني إسرائيل الذين بعثوا بعد موسى عليه السلام، وليس يمتنع أن يكون الله تعالى قد أعلم هذا العالم ما لم يعلمه موسى عليه السلام وأرشد موسى عليه السلام إليه ليتعلم منه، وإنما المنكر أن يحتاج النبي في العلم إلى بعض رعيته المبعوث إليهم، وأما أن يفتقر إلى غيره ممن ليس له برعية فجائز، وما تعلمه من هذا العالم إلا كتعلمه من الملك الذي يهبط إليه بالوحي، وليس في هذا دلالة على أنه كان أفضل من موسى في العلم، لأنه لا يمتنع أن يزيد موسى عليه السلام عليه في سائر العلوم التي هي أفضل وأشرف مما علمه. وأما نفي الاستطاعة فإنما أراد بها أن الصبر لا يخف عليك، وأنه يثقل على طبيعتك، كما يقول أحدنا لغيره: إنك لا تستطيع أن تنظر إلي ، وكما يقول للمريض الذي يجهده الصوم وإن كان عليا قادرا: إنك لا تستطيع الصيام ولا تطيقه، وربما عبر بالاستطاعة عن الفعل نفسه، كما قال الله تعالى حكاية عن الحواريين: " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء " فكأنه على هذا الوجه قال له: إنك لن تصبر ولن
يقع منك الصبر وإن كان إنما نفى القدرة على ما ظنه الجهال لكان العالم وهو في ذلك سواء، فلا معنى لاختصاصه بنفي الاستطاعة، والذي يدل على أنه إنما نفى عنه الصبر لا الاستطاعة قول موسى عليه السلام في جوابه: " ستجدني إن شاء الله صابرا " ولم يقل: ستجدني إن شاء الله مستطيعا، ومن حق الجواب أن يطابق الابتداء، فدل جوابه على أن الاستطاعة في الابتداء هي عبارة عن الفعل نفسه.
فأما قوله: " ولا أعصي لك أمرا " فهو أيضا مشروط بالمشية وليس بمطلق على ما ذكر في السؤال، فكأنه قال: ستجدني صابرا ولا أعصي لك أمرا إن شاء الله، وإنما قدم الشرط على الامرين جميعا، وهذا ظاهر في الكلام. فأما قوله: " لقد جئت شيئا إمرا " فقد قيل: إنه أراد شيئا عجبا، وقيل: إنه أراد شيئا منكرا، وقيل: إن الامر أيضا هو الداهية فكأنه قال: جئت داهية وقد ذهب بعض أهل اللغة إلى أن الامر مشتق من الكثرة من أمر القوم: إذا كثروا، وجعل عبارة عما كثر عجبه، وإذا حملت هذه اللفظة على العجب فلا سؤال فيها، وإن حملت على المنكر كان الجواب عنها وعن قوله: " لقد جئت شيئا نكرا " واحدا، وفي ذلك وجوه: منها أن ظاهر ما أتيته المنكر ومن يشاهده ينكره قبل أن يعرف علته.
ومنها: أن يكون حذف الشرط فكأنه أراد: إن كنت قتلته ظالما لقد جئت شيئا نكرا.
ومنها أنه أراد أنك أتيت أمرا بديعا غريبا، فإنهم يقولون فيما يستغربونه و يجهلون علته: إنه نكر ومنكر، وليس يمكن أن يدفع خروج الكلام مخرج الاستفهام والتقرير دون القطع، ألا ترى إلى قوله: " أخرقتها لتغرق أهلها " وإلى قوله: " أقتلت نفسا زكية بغير نفس " ومعلوم أنه إن كان قصد بخرق السفينة إلى التغريق فقد أتى منكرا، وكذلك إن كان قتل النفس على سبيل الظلم.
فأما قوله: " لا تؤاخذني بما نسيت " فقد ذكر فيه وجوه ثلاثة.
أحدها أنه أراد النسيان المعروف، وليس ذلك بعجب مع قصر المدة، فإن الانسان قد ينسى ما قرب زمانه لما يعرض له من شغل القلب وغير ذلك.
والوجه الثاني أنه أراد: لا تؤاخذني بما تركت، ويجري ذلك مجرى قوله تعالى " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي " أي ترك، وقد روي هذا الوجه عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قال موسى: " لا تؤاخذني بما نسيت " يقول: بما تركت من عهدك.
والوجه الثالث: أنه أراد: لا تؤاخذني بما فعلته مما يشبه النسيان، فسماه نسيانا للمشابهة كما قال المؤذن لاخوة يوسف عليه السلام: " إنكم لسارقون " أي إنكم تشبهون السراق، وكما يتأول الخبر الذي يرويه أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال: كذب إبراهيم ثلاث كذبات: في قوله: سارة أختي، وفي قوله: بل فعله كبيرهم هذا، وفي قوله:
إني سقيم، والمراد بذلك - إن كان هذا الخبر صحيحا - أنه فعل ما ظاهره الكذب، وإذا حملنا هذه اللفظة على غير النسيان الحقيقي فلا سؤال فيها، وإذا حملناها على النسيان في الحقيقة كان الوجه فيها أن النبي إنما لا يجوز عليه النسيان فيما يؤديه أو في شرعه، أو في أمر يقتضي التنفير عنه، فأما فيما هو خارج عما ذكرناه فلا مانع من النسيان، ألا ترى أنه إذا نسي أو سها في مأكله أو مشربه على وجه لا يستمر ولا يتصل فينسب إلى أنه مغفل أن ذلك غير ممتنع وأما وصف النفس بأنها زكية فقد قلنا: إن ذلك خرج مخرج الاستفهام لا على سبيل الاخبار، وإذا كان استفهاما فلا سؤال على على هذا الموضع.
وقد اختلف المفسرون في هذه النفس فقال أكثرهم: إنه كان صبيا لم يبلغ الحلم، وإن الخضر وموسى عليهما السلام مرا بغلمان يلعبون فأخذ الخضر منهم غلاما فأضجعه وذبحه بالسكين، ومن ذهب إلى هذا الوجه يجب أن يحمل قوله: " زكية " على أنه من الزكاء الذي هو الزيادة والنماء، لا من الطهارة في الدين من قولهم: زكت الأرض يزكو إذا زاد ريعها، وذهب قوم إلى أنه كان رجل بالغا كافرا، ولم يكن يعلم موسى عليه السلام باستحقاقه للقتل فاستفهم عن حاله، ومن أجاب بهذا الجواب إذا سئل عن قوله تعالى: " حتى إذا لقيا غلاما " يقول: لا يمتنع تسمية الرجل بأنه غلام على مذهب العرب وإن كان بالغا.
وأما قوله: " فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا " فالظاهر يشهد أن الخشية هي من العالم لا منه تعالى، والخشية ههنا قيل: إنها العلم كما قال الله تعالى: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا " وقوله: " إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله " وقوله عز وجل: " وإن خفتم عيلة " وكل ذلك بمعنى العلم، وعلى هذا الوجه كان يقول: إنني علمت بإعلام الله تعالى لي أن هذا الغلام متي بقي كفر أبواه، ومتى قتل بقيا على إيمانهما، فصارت تبقيته مفسدة ووجب اخترامه، ولا فرق بين أن يميته الله تعالى وبين أن يأمر بقتله، وقد قيل: إن الخشية ههنا بمعنى الخوف الذي لا يكون معه يقين ولا قطع، وهذا يطابق جواب من قال: إن الغلام كان كافرا مستحقا للقتل بكفره، وانضاف إلى استحقاقه ذلك بالكفر خشية إدخال أبويه في الكفر وتزيينه لهما، وقال قوم: إن الخشية ههنا هي الكراهية، يقول القائل: فرقت
بين الرجلين خشية أن يقتتلا، أي كراهية لذلك، وعلى هذا التأويل والوجه الذي قلنا إنه بمعنى العلم لا يمتنع أن يضاف الخشية إلى الله تعالى. فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: " أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر " والسفينة البحرية تساوي المال الجزيل، وكيف يسمى مالكها بأنه مسكين والمسكين عند قوم شر من الفقير؟ وكيف قال: " وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا " ومن كان وراءهم قد سلموا من شره ونجوا من مكروهه، وإنما الحذر مما يستقبل ؟
قلنا: أما قوله: " لمساكين " ففيه غير وجه منها أنه لم يعن بوصفهم بالمسكنة الفقر، وإنما أراد عدم الناصر وانقطاع الحيلة كما يقال لمن له عدو يظلمه ويتهضمه: إنه مسكين ومستضعف وإن كان كثير المال واسع الحال، ويجري هذا المجرى ما روي عنه عليه السلام من قوله: مسكين مسكين رجل لا زوجة له. وإنما أراد وصفه بالعجز وقلة الحيلة وإن كان ذا مال واسع.
ووجه آخر وهو أن السفينة للبحري الذي لا يتعيش إلا بها ولا يقدر على التكسب إلا من جهتها، كالدار التي يسكنها الفقير هو وعياله ولا يجد سواها فهو مضطر إليها ومنقطع الحيلة إلا منها، وإذا انضاف إلى ذلك أن يشاركه جماعة في السفينة حتى يكون له فيها الجزء اليسير كان أسوء حالا وأظهر فقرا.
ووجه آخر أن لفظة المساكين قد قرئت بتشديد السين، وإذا صحت هذه الرواية فالمراد بها البخلاء، وقد سقط السؤال.
فأما قوله تعالى: " وكان وراءهم ملك " فهذه اللفظة يعبر بها عن الامام والخلف معا
فهي ههنا بمعنى الامام، ويشهد بذلك قوله تعالى: " من ورائه جهنم " يعنى من قدامه وبين يديه، وقال الشاعر:
ليس على طول الحياة ندم * ومن وراء المرء ما يعلم ولا شبهة في أن المراد بجميع ذلك القدام، وقال بعض أهل العربية: إنما صلح أن يعبر بالوراء عن الامام إذا كان الشئ المخبر عنه بالوراء يعلم أنه لابد من بلوغه ثم سبقه وتخليفه. ووجه آخر: أنه يجوز أن يريد أن ملكا ظالما كان خلفهم وفي طريقهم عند رجوعهم على وجه لا انفكاك لهم منه ولا طريق لهم غير المرور به، فخرق السفينة حتى لا يأخذها إذا عادوا عليه، ويمكن أن يكون وراءهم على وجه الاتباع والطلب، والله أعلم بمراده.
53 - مهج الدعوات: روي أن الخضر وإلياس يجتمعان في كل موسم فيفترقان عن هذا الدعاء وهو: بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ما شاء الله كل نعمة فمن الله، ما شاء الله الخير كله بيد الله عز وجل، ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله.
54 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الخضر لموسى عليه السلام: يا موسى إن أصلح يوميك الذي هو أمامك،
فانظر أي يوم هو، وأعد له الجواب فإنك موقوف ومسؤول، وخذ موعظتك من الدهر فإن الدهر طويل قصير، فاعمل كأنك ترى ثواب عملك ليكون أطمع لك في الاجر، فإن ما هو آت من الدنيا كما قد ولى منها. بيان: طويل أي دهر الموعظة وهو ما مضى من الدهور، أو العمر من جهة الموعظة.
قصير أي دهر العمل أو من جهته. وقوله: (فإن ما هو آت) لعله تعليل لرؤية ثواب العمل وتعجيل حلول أوانه. أقول: سيأتي في أبواب وفاة الرسول ووفاة أمير المؤمنين صلى الله عليهما مجئ الخضر لتعزية أهل البيت عليهم السلام، وفي أبواب أحوال أمير المؤمنين عليه السلام أيضا مجيئه إليه عليه السلام.
وأقول: وجدت في كتاب مزار لبعض قدماء أصحابنا أنه روي عن علي بن إبراهيم عن أبيه قال: حججت إلى بيت الله الحرام فوردنا عند نزولنا الكوفة، فدخلنا مسجد السهلة فإذا نحن بشخص راكع ساجد، فلما فرغ دعا بهذا الدعاء: " أنت الله لا إله إ أنت " إلى آخر الدعاء، ثم نهض إلى زاوية المسجد فوقف هناك وصلى ركعتين ونحن معه، فلما انفتل من الصلاة سبح ثم دعا فقال: " اللهم " إلى آخر الدعاء، ثم نهض فسألناه عن المكان فقال: إن هذا الموضع بيت إبراهيم الخليل الذي كان يخرج منه إلى العمالقة. ثم مضى إلى الزاوية الغربية فصلى ركعتين ثم رفع يديه وقال: " اللهم " إلى آخر الدعاء، ثم قام ومضى إلى الزاوية الشرقية فصلى ركعتين ثم بسط كفيه وقال: " اللهم " إلى
آخر الدعاء، وعفر خديه على الأرض وقام فخرج فسألناه بم يعرف هذا المكان؟ فقال:
إنه مقام الصالحين والأنبياء والمرسلين، قال: فاتبعناه وإذا به قد دخل إلى مسجد صغير بين يدي السهلة فصلى فيه ركعتين بسكينة ووقار كما صلى أول مرة ثم بسط كفيه وقال:
" إلهي " إلى آخر الدعاء، ثم بكى وعفر خديه وقال: " ارحم من أساء واقترف واستكان واعترف " ثم قلب خده الأيسر ودعا ثم خرج فاتبعته وقلت له: يا سيدي بم يعرف هذا المسجد؟ فقال: إنه مسجد زيد بن صوحان صاحب علي بن أبي طالب عليه السلام ثم غاب عنا ولم نره. فقال لي صاحبي: إنه الخضر عليه السلام.
55 - وروى الديلمي في كتاب أعلام الدين عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ذات يوم لأصحابه: ألا أحدثكم عن الخضر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: بينا هو يمشي في سوق من أسواق بني إسرائيل إذ بصر به مسكين فقال: تصدق علي بارك الله فيك، قال الخضر:
آمنت بالله، ما يقضي الله يكون، ما عندي من شئ أعطيكه، قال المسكين: بوجه الله لما تصدقت علي إني رأيت الخير في وجهك ورجوت الخير عندك، قال الخضر: آمنت بالله إنك سألتني بأمر عظيم ما عندي من شئ أعطيكه إلا أن تأخذني فتبيعني، قال المسكين:
وهل يستقيم هذا؟ قال: الحق أقول لك إنك سألتني بأمر عظيم، سألتني بوجه ربي عز وجل، أما إني لا أخيبك في مسألتي بوجه ربي فبعني، فقدمه إلى السوق فباعه بأربعمائة درهم، فمكث عند المشتري زمانا لا يستعمله في شئ، فقال الخضر عليه السلام: إنما ابتعتني التماس خدمتي فمرني بعمل، قال: إني أكره أن أشق عليك إنك شيخ كبير، قال: لست تشق علي، قال: فقم فانقل هذه الحجارة - قال: وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم - فقام فنقل الحجارة في ساعته فقال له: أحسنت وأجملت وأطقت ما لم يطقه أحد قال: ثم عرض للرجل سفر فقال: إني أحسبك أمينا فاخلفني في أهلي خلافة حسنة، وإني أكره أن أشق عليك، قال: لست تشق علي، قال: فاضرب من اللبن شيئا حتى أرجع إليك، قال: فخرج الرجل لسفره ورجع وقد شيد بناءه، فقال له الرجل: أسألك
بوجه الله ما حسبك وما أمرك؟ قال: إنك سألتني بأمر عظيم بوجه الله عز وجل، ووجه الله عز وجل أوقعني في العبودية وسأخبرك من أنا، أنا الخضر الذي سمعت به، سألني مسكين صدقة ولم يكن عندي شئ أعطيه، فسألني بوجه الله عز وجل فأمكنته من رقبتي، فباعني فأخبرك أنه من سئل بوجه الله عز وجل فرد سائله وهو قادر على ذلك وقف يوم القيامة ليس لوجهه جلد ولا لحم ولا دم إلا عظم يتقعقع، قال الرجل: شققت عليك ولم أعرفك قال: لا بأس أبقيت وأحسنت، قال: بأبي أنت وأمي احكم في أهلي ومالي بما أراك الله عز وجل، أم أخيرك فأخلي سبيلك؟ قال: أحب إلي أن تخلي سبيلي فأعبد الله على سبيله، فقال الخضر عليه السلام: الحمد لله الذي أوقعني في العبودية فأنجاني منها.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.