بحارالانوار · كتاب النبوة
باب 9 قصة ذبح البقرة الآيات، البقرة 2 وإذ قال موسى
ج ۱۳، ص ۲۵۸–۲۷۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
67 - 73.
تفسير: " فادارأتم " أي اختصمتم في شأنها إذ المتخاصمان يدفع بعضهم بعضا، أو تدافعتم بأن طرح قتلها كل عن نفسه إلى صاحبه. وأصله " تدارأتم " فأدغمت التاء في الدال واجتلبت لها همزة الوسل " فقلنا اضربوه " الضمير للنفس، والتذكير على تأويل الشخص أو القتيل " ببعضها " أي أي بعض كان، وقيل: ضرب بفخذ البقرة وقام حيا وقال: قتلني فلان ثم عاد ميتا، وقيل: ضرب بذنبها، وقيل: بلسانها، وقيل: بعظم من عظامها، وقيل: بالبضعة التي بين الكتفين.
1 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن ابن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
إن رجلا من خيار بني إسرائيل وعلمائهم خطب امرأة منهم فأنعمت له، وخطبها ابن عم لذلك الرجل وكان فاسقا رديئا فلم ينعموا له، فحسد ابن عمه الذي أنعموا له فقعد له فقتله غيلة، ثم حمله إلى موسى عليه السلام، فقال: يا نبي الله هذا ابن عمى فقد قتل، فقال موسى عليه السلام: من قتله؟ قال: لا أدري، وكان القتل في بني إسرائيل عظيما جدا، فعظم
ذلك على موسى فاجتمع إليه بنو إسرائيل فقالوا: ما ترى يا نبي الله؟ وكان في بني إسرائيل رجل له بقرة وكان له ابن بار، وكان عند ابنه سلعة فجاء قوم يطلبون سلعته وكان مفتاح بيته تحت رأس أبيه وكان نائما، وكره ابنه أن ينبهه وينغص عليه نومه فانصرف القوم فلم يشتروا سلعته، فلما انتبه أبوه قال له: يا بني ماذا صنعت في سلعتك؟ قال: هي قائمة لم أبعها، لان المفتاح كان تحت رأسك فكرهت أن أنبهك وأنغص عليك نومك، قال له أبوه: قد جعلت هذه البقرة لك عوضا عما فاتك من ربح سلعتك، وشكر الله لابنه ما فعل بأبيه وأمر موسى بني إسرائيل أن يذبحوا تلك البقرة بعينها ، فلما اجتمعوا إلى موسى وبكوا وضجوا قال لهم موسى: " إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة " فتعجبوا وقالوا: " أتتخذنا هزوا " نأتيك بقتيل فتقول: اذبحوا بقرة فقال لهم موسى: " أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين " فعلموا أنهم قد أخطؤوا فقالوا:
" ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر " والفارض التي قد ضربها الفحل ولم تحمل، والبكر التي لم يضربها الفحل، فقالوا: " ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها " أي شديدة الصفرة تسر الناظرين " إليها " قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض " أي لم تذلل " ولا تسقي الحرث " أي لا تسقي الزرع " مسلمة لاشية فيها " أي لا نقطة فيها إلا الصفرة " قالوا الآن جئت بالحق " هي بقرة فلان فذهبوا ليشتروها فقال: لا أبيعها إلا بملء جلدها ذهبا، فرجعوا إلى موسى عليه السلام فأخبروه فقال لهم موسى: لابد لكم من ذبحها بعينها، فاشتروها بملء جلدها ذهبا فذبحوها، ثم قالوا: يا نبي الله ما تأمرنا؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليه قل لهم: اضربوه ببعضها وقولوا: من قتلك؟ فأخذوا الذنب فضربوه به وقالوا: من قتلك يا فلان؟ فقال: فلان ابن فلان ابن عمي الذي جاء به، وهو قوله: " فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ".
بيان: أنعم له أي قال له: نعم. والغيلة بالكسر: الاغتيال، يقال: قتله غيلة، و هو أن يخدعه ويذهب به إلى موضع فإذا صار إليه قتله. ونغص كفرح: لم يتم مراده، والبعير لم يتم شربه، وأنغص الله عليه العيش ونغصه عليه فتنغصت: تكدرت. قال البيضاوي: قصته أنه كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه طمعا في ميراثه وطرحوه على باب المدينة، ثم جاؤوا يطالبون بدمه، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيى فيخبر بقاتله " لا فارض ولا بكر " لا مسنة ولا فتية، يقال: فرضت البقرة فروضا من الفرض وهو القطع كأنها فرضت سنها، وتركيب البكر للأولية ومنه البكرة والباكورة. انتهى. أقول: المعنى الذي ذكره علي بن إبراهيم للفارض لم أعثر عليه، ويمكن أن يكون كناية عن غاية كبرها حيث لا تحمل، والعوان: الوسط بين الصغيرة والكبيرة.
قوله: " فاقع لونها " أي شديدة صفرة لونها، وقيل: خالص الصفرة، وقيل: حسن الصفرة.
وروى الكليني، عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن بعض أصحابه بلغ به جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من لبس نعلا صفراء لم يزل ينظر في سرور ما دامت عليه، لان الله عز وجل يقول: " صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ". قوله: " بقرة لا ذلول " قال البيضاوي: أي لم تذلل للكراب وسقي الحروث، و (لا) ذلك صفة لبقرة، بمعنى غير ذلول، و (لا) الثانية مزيدة لتأكيد الأولى، والفعلان صفتا ذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية " مسلمة " سلمها الله من العيوب، أو أهلها من العمل، أو أخلص لونها، من سلم له كذا: إذا خلص له " لا شية فيها " لا لون فيها يخالف لون جلدها، وهي في الأصل مصدر وشاه وشيا وشية إذا خلط بلونه لونا آخر " وما كادوا يفعلون " لتطويلهم وكثرة مراجعتهم. وقال الطبرسي رحمه الله: أي قرب أن لا يفعلوا ذلك مخافة اشتهار فضيحة القاتل،
وقيل: كادوا أن لا يفعلوا ذلك لغلاء ثمنها، فقد حكي عن ابن عباس أنهم اشتروها بملء جلدها ذهبا من مال المقتول، وعن السدي: بوزنها عشر مرات ذهبا، وقال عكرمة: وما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير. انتهى. وقال البيضاوي: ولعله تعالى إنما لم يحيه ابتداء وشرط فيه ما شرط لما فيه من التقرب وأداء الواجب ونفع اليتيم والتنبيه على بركة التوكل والشفقة على الأولاد، و إن من حق الطالب أن يقدم قربة، ومن حق المتقرب أن يتحرى الأحسن ويغالي بثمنه، وإن المؤثر في الحقيقة هو الله تعالى والأسباب أمارات لا أثر لها، وإن من أراد أن يعرف أعدى عدوه الساعي في إماتته الموت الحقيقي فطريقه أن يذبح بقرة نفسه التي هي القوة الشهوية حين زال عنها شره الصبا ولم يلحقها ضعف الكبر، وكانت معجبة رائقة المنظر، غير مذللة في طلب الدنيا، مسلمة عن دنسها، لا سمة بها من مقابحها بحيث يصل أثره إلى نفسه فيحيى حياد طيبة، ويعرب عما به ينكشف الحال ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدارء والنزاع.
2 - عيون أخبار الرضا (ع): أبي، عن الكميداني ومحمد العطار، عن ابن عيسى، عن البزنطي قال:
سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: إن رجلا من بني إسرائيل قتل قرابة له ثم أخذه فطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل، ثم جاء يطلب بدمه، فقالوا لموسى عليه السلام: إن سبط آل فلان قتلوا فلانا فأخبرنا من قتله، قال: ائتوني ببقرة، قالوا:
" أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين " ولو أنهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم " قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر " يعني لا كبيرة ولا صغيرة " عوان بين ذلك " ولو أنهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم " قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين " ولو أنهم عمدوا إلى بقرة لأجزأتهم
ولكن شددوا فشدد الله عليهم " قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها قالوا الآن جئت بالحق " فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني إسرائيل، فقال: لا أبيعها إلا بملء مسكها ذهبا، فجاؤوا إلى موسى عليه السلام فقالوا له ذلك، فقال:
اشتروها، فاشتروها وجاؤوا بها، فأمر بذبحها ثم أمر أن يضرب الميت بذنبها، فلما فعلوا ذلك حيي المقتول، وقال: يا رسول الله إن ابن عمي قتلني دون من يدعي عليه قتلي، فعلموا بذلك قاتله ، فقال لرسول الله موسى عليه السلام بعض أصحابه: إن هذه البقرة لها نبأ فقال: وما هو؟ قال: إن فتى من بني إسرائيل كان بارا بأبيه وإنه اشترى بيعا فجاء إلى أبيه فرأى والأقاليد تحت رأسه، فكره أن يوقظه فترك ذلك البيع فاستيقظ أبوه فأخبره، فقال: أحسنت خذ هذه البقرة فهي لك عوضا لما فاتك، قال: فقال له رسول الله موسى عليه السلام:
انظروا إلى البر ما بلغ بأهله. تفسير العياشي: عن البزنطي مثله.
بيان: لا يخفى دلالة هذا الخبر والأخبار الآتية على كون التكليف في الأول غير التكليف بعد السؤال، وقد اختلف علماء الفريقين في ذلك، قال الشيخ الطبرسي رحمه الله:
اختلف العلماء في هذه الآيات: فمنهم من ذهب إلى أن التكليف فيها متغاير، ولو أنهم ذبحوا أولا أي بقرة اتفقت لهم كانوا قد امتثلوا الامر، فلما لم يفعلوا كانت المصلحة أن شدد عليهم التكليف، ولما راجعوا المرة الثانية تغيرت مصلحتهم إلى تكليف ثالث.
ثم اختلف هؤلاء من وجه آخر: فمنهم من قال في التكليف الأخير أنه يجب أن يكون مستوفيا لكل صفة تقدمت، فعلى هذا القول يكون التكليف الثاني والثالث ضم تكليف إلى تكليف زيادة في التشديد عليهم لما فيه من المصلحة، ومنهم من قال: يجب أن
يكون بالصفة الأخيرة فقط دون ما تقدم، وعلى هذا القول يكون التكليف الثاني نسخا للأول، والثالث للثاني، وقد يجوز نسخ الشئ قبل الفعل لان المصلحة يجوز أن تتغير بعد فوات وقتها، وإنما لا يجوز نسخ الشئ قبل وقت الفعل لان ذلك يؤدي إلى البداء.
وذهب آخرون إلى أن التكليف واحد وأن الأوصاف المتأخرة إنما هي للبقرة المتقدمة، وإنما تأخر البيان وهو مذهب المرتضى قدس الله روحه، واستدل بهذه الآية على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، قال: إنه تعالى لما كلفهم ذبح بقرة قالوا لموسى عليه السلام: " ادع لنا ربك يبين لنا ما هي " فلا يخلو قولهم: " ما هي " من أن يكون كناية عن البقرة المتقدمة ذكرها، أو عن التي أمروا بها ثانيا، والظاهر من قولهم: " ما هي " يقتضي أن يكون السؤال عن صفة البقرة المأمور بذبحها، لأنه لا علم لهم بتكليف ذبح بقرة أخرى ليستفهموا عنها، وإذا صح ذلك فليس يخلو قوله: " إنها بقرة لا فارض ولا بكر " من أن يكون الهاء فيه كناية عن البقرة الأولى أو غيرها، وليس يجوز أن يكون كناية عن بقرة ثانية إذ الظاهر تعلقها بما تضمنه سؤالهم، ولأنه لو لم يكن الامر على ذلك لم يكن جوابا لهم، وقول القائل في جواب من سأله ما كذا وكذا؟: إنه بالصفة الفلانية، صريح في أن الهاء كناية عما وقع السؤال عنه، هذا مع قولهم: " إن البقر تشابه علينا " فإنهم لم يقولوا ذلك إلا وقد اعتقدوا أن خطابهم مجمل غير مبين، ولو كان على ما ذهب إليه القوم فلم لم يقل لهم: وأي تشابه عليكم وإنما أمرتم بذبح أي بقرة كانت؟
وأما قوله: " وما كادوا يفعلون " فالظاهر أن ذمهم مصروف إلى تقصيرهم، أو تأخيرهم امتثال الامر بعد البيان التام لا على ترك المبادرة في الأول إلى ذبح بقرة. انتهى.
أقول: غاية ما أفاده رحمه الله هو أن الظاهر من الآيات ذلك، وبعد تسليمه فقد يعدل عن الظاهر لورود النصوص المعتبرة، وأما النسخ قبل الفعل فقد مر الكلام فيه في باب الذبيح عليه السلام، وتفصيل القوم في ذلك موكول إلى مظانه من الكتب الأصولية.
3 - قصص الأنبياء: بإسناده إلى الصدوق عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن البزنطي عن أبان بن عثمان، عن أبي حمزة، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان في مدينة اثنا عشر سبطا أمة أبرار، وكان فيهم شيخ له ابنة وله ابن أخ خطبها إليه فأبى أن يزوجها فزوجها من غير. فقعد له في الطريق إلى المسجد فقتله وطرحه على طريق أفضل سبط لهم، ثم غدا يخاصمهم فيه، فانتهوا إلى موسى صلوات الله عليه فأخبروه فأمرهم أن يذبحوا بقرة، قالوا: أتتخذنا هزوا؟ نسألك من قتل هذا تقول: اذبحوا بقرة ! قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، ولو انطلقوا إلى بقرة لأجيزت، ولكن شددوا فشدد الله عليهم، قالوا: " ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول " فرجعوا إلى موسى وقالوا: لم نجد هذا النعت إلا عند غلام من بني إسرائيل وقد أبى أن يبيعها إلا بملء مسكها دنانير، قال: فاشتروها، فابتاعوها فذبحت، قال: فأخذ جذوة من لحمها فضربه فجلس، فقال موسى: من قتلك؟ فقال: قتلني ابن أخي الذي يخاصم في قتلى، قال:
فقتل. فقالوا: يا رسول الله إن لهذه البقرة لنبأ، فقال صلوات الله عليه: وما هو؟ قالوا: إنها كانت لشيخ من بني إسرائيل وله ابن بار به، فاشترى الابن بيعا فجاء لينقدهم الثمن فوجد أباه نائما، فكره أن يوقظه والمفتاح تحت رأسه، فأخذ القوم متاعهم فانطلقوا، فلما استيقظ قال له: يا أبت إني اشتريت بيعا كان لي فيه من الفضل كذا وكذا. وإني جئت لانقدهم الثمن فوجدتك نائما، وإذا المفتاح تحت رأسك، فكرهت أن أوقظك، وإن القوم أخذوا متاعهم ورجعوا، فقال الشيخ: أحسنت يا بني، فهذه البقرة لك بما صنعت، وكانت بقية كانت لهم، فقال رسول الله عليه السلام: انظروا ماذا صنع به البر.
4 - قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحجال، عن مقاتل بن مقاتل، عن أبي الحسن عليه السلام قال: إن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة وكان يجزيهم ما ذبحوا وما تيسر من البقر، فعنتوا وشددوا فشدد عليهم.
5 - قصص الأنبياء: بهذا الاسناد عن ابن عيسى، عن علي بن سيف، عن محمد بن عبيدة، عن الرضا عليه السلام قال: إن بني إسرائيل شد دوا فشدد الله عليهم، قال لهم موسى عليه السلام:
اذبحوا بقرة، قالوا: ما لونها؟ فلم يزالوا شددوا حتى ذبحوا بقرة بملء جلدها ذهبا.
6 - تفسير العياشي: عن ابن محبوب، عن علي بن بقطين، قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول:
إن الله أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة، وإنما كانوا يحتاجون إلى ذنبها فشدد الله عليهم.
7 - تفسير الإمام العسكري: قوله عز وجل: " وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة " إلى قوله: " لعلكم تعقلون " قال الإمام عليه السلام: قال الله عز وجل ليهود المدينة: واذكروا إذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة تضربون ببعضها هذا المقتول بين أظهركم ليقوم حيا سويا بإذن الله تعالى ويخبركم بقاتله، وذلك حين القي القتيل بين أظهرهم، فألزم موسى عليه السلام أهل القبيلة بأمر الله أن يحلف خمسون من أماثلهم بالله القوي الشديد إله بني إسرائيل، مفضل محمد وآله الطيبين على البرايا أجمعين ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، فإن حلفوا بذلك غرموا دية المقتول، وإن نكلوا نصوا على القاتل أو أقر القاتل فيقاد منه، فإن لم يفعلوا حبسوا في مجلس ضنك إلى أن يحلفوا أو يقروا
أو يشهدوا على القاتل، فقالوا: يا نبي الله أما وقت أيماننا أموالنا ولا أموالنا أيماننا؟ قال:
لا، هكذا حكم الله.
وكان السبب أن امرأة حسناء ذات جمال وخلق كامل وفضل بارع ونسب شريف وستر ثخين كثر خطابها، وكان لها بنو أعمام ثلاثة فرضيت بأفضلهم علما وأثخنهم سترا، وأرادت التزويج به، فاشتد حسد ابني عمه الآخرين له وغبطاه عليها لايثارها إياه، فعمدا إلى ابن عمها المرضي فأخذاه إلى دعوتهما ثم قتلاه وحملاه إلى محلة تشتمل على أكثر قبيلة في بني إسرائيل فألقياه بين أظهرهم ليلا، فلما أصبحوا وجدوا القتيل هناك فعرف حاله، فجاء ابنا عمه القاتلان له فمزقا على أنفسهما، وحثيا التراب على رؤوسهما، واستعديا عليهم، فأحضرهم موسى عليه السلام وسألهم فأنكروا أن يكونوا قتلوه أو علموا قاتله، قال: فحكم الله عز وجل على من فعل هذه الحادثة ما عرفتموه فقالوا: يا موسى أي نفع في أيماننا لنا إذا لم تدرء عنا الغرامة الثقيلة؟ أم أي نفع في غرامتنا لنا إذا لم تدرء عنا الايمان؟ فقال موسى عليه السلام: كل النفع في طاعة الله تعالى والايتمار لامره والانتهاء عما نهى عنه، فقالوا: يا نبي الله غرم ثقيل ولا جناية لنا، وأيمان غليظة ولا حق في رقابنا، لو أن الله عز وجل عرفنا قاتله بعينه وكفانا مؤونته فادع لنا ربك أن يبين لنا هذا القاتل لينزل به ما يستحقه من العقاب وينكشف أمره لذوي الألباب.
فقال موسى عليه السلام: إن الله عز وجل قد بين ما أحكم به في هذا، فليس لي أن أقترح عليه غير ما حكم ولا أعترض عليه فيما أمر، ألا ترون أنه لما حرم العمل في السبت وحرم لحم الجمل لم يكن لنا أن نقترح عليه أن يغير ما حكم به علينا من ذلك، بل علينا أن نسلم له حكمه، ونلتزم ما ألزمناه، وهم بأن يحكم عليهم بالذي كان يحكم به على غيرهم في مثل حادثتهم، فأوحى
الله عز وجل إليه: يا موسى أجبهم إلى ما اقترحوا، وسلني أن أبين لهم القاتل ليقتل ويسلم غيره من التهمة والغرامة، فإني إنما أريد بإجابتهم إلى ما اقترحا توسعة الرزق على رجل من خيار أمتك، دينه الصلاة على محمد وآله الطيبين، والتفضيل لمحمد وعلي بعده على سائر البرايا، اغنيه في هذه الدنيا في هذه القضية ليكون بعض ثوابه عن تعظيمه لمحمد وآله.
فقال موسى: يا رب بين لنا قاتله، فأوحى الله تعالى إليه: قل لبني إسرائيل إن الله يبين لكم ذلك بأن يأمركم أن تذبحوا بقرة فتضربوا ببعضها المقتول فيحيى فتسلمون لرب العالمين ذلك، وإلا فكفوا عن المسألة والتزموا ظاهر حكمي، فذلك ما حكى الله عز وجل. " وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم " أي سيأمركم أن تذبحوا بقرة إن أردتم الوقوف على القاتل وتضربوا المقتول ببعضها ليحيى ويخبر بالقاتل، فقالوا: يا موسى أتتخذنا هزوا وسخرية؟ تزعم أن الله يأمر أن نذبح بقرة ونأخذ قطعة من ميت ونضرب بها ميتا فيحيى أحد الميتين بملاقاة بعض الميت الآخر له؟ كيف يكون هذا؟ قال موسى: " أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين " أنسب إلى الله عز وجل ما لم يقل لي، وأن أكون من الجاهلين، أعارض أمر الله بقياسي على ما شاهدت دافعا لقول الله تعالى وأمره.
ثم قال موسى عليه السلام: أوليس ماء الرجل نطفة ميت وماء المرأة ميت يلتقيان فيحدث الله من التقاء الميتين بشرا حيا سويا؟ أوليس بذوركم التي تزرعونها في أرضكم تتفسخ في أرضيكم وتعفن وهي ميتة، ثم يخرج الله منها هذه السنابل الحسنة البهجة وهذه الأشجار الباسقة المؤنقة؟ فلما بهرهم موسى عليه السلام قالوا له: " يا موسى ادع لنا ربك يبين لنا ما هي " أي ما صفتها لنقف عليها، فسأل موسى ربه عز وجل فقال:
" إنها بقرة لا فارض " كبيرة " ولا بكر " صغيرة " عوان " وسط " بين ذلك " بين الفارض والبكر " فافعلوا ما تؤمرون " إذا أمرتم به " قالوا يا موسى ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها " أي لون هذه البقرة التي تريد أن تأمرنا بذبحها، قال موسى عن الله تعالى بعد السؤال والجواب " إنها بقرة صفراء فاقع " حسنة لون الصفرة ليس بناقص تضرب إلى بياض، ولا بمشبع تضرب إلى السواد " لونها " هكذا فاقع " تسر " البقرة " الناظرين " إليها لبهجتها وحسنها وبريقها " قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي " صفتها قال عن الله تعالى: " إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض " لم تذلل لإثارة الأرض ولم ترض بها ولا تسقي الأرض ولا هي ممن تجر الدوالي ولا تدير النواعير، قد أعفيت من ذلك أجمع " مسلمة " من العيوب كلها لا عيب فيها " لا شيقة فيها " لا لون فيها من غيرها.
فلما سمعوا هذه الصفات قالوا: يا موسى أفقد أمرنا ربنا بذبح بقرة هذه صفتها؟
قال: بلى، ولم يقل موسى في الابتداء بذلك، لأنه لو قال: إن الله يأمركم لكانوا إذا قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي وما لونها وما هي كان لا يحتاج أن يسأله ذلك عز وجل، ولكن كان يجيبهم هو بأن يقول: أمركم ببقرة فأي شئ وقع عليه اسم البقر فقد خرجتم من أمره إذا ذبحتموها، قال: فلما استقر الامر عليهم طلبوا هذه البقرة فلم يجدوها إلا عند شاب من بني إسرائيل أراه الله في منامه محمدا وعليا وطيبي ذريتهما، فقالا له: أما إنك كنت لنا محبا مفضلا، ونحن نريد أن نسوق إليك بعض جزائك في الدنيا، فإذا راموا شراء بقرتك فلا تبعها إلا بأمر أمك، فإن الله عز وجل يلقنها ما يغنيك به وعقبك، ففرح الغلام، وجاءه القوم يطلبون بقرته فقالوا: بكم تبيع بقرتك؟ قال: بدينارين والخيار
لامي، قالوا: قد رضينا بدينار، فسألها فقالت: بل بأربعة، فأخبرهم فقالوا: نعطيك دينارين، فأخبر أمه فقالت: بمائة، فما زالوا يطلبون على النصف مما تقول أمه ويرجع إلى أمه فتضعف الثمن حتى بلغ ثمنها ملء مسك ثور أكبر ما يكون، ملؤه دنانير، فأوجب لهم البيع، ثم ذبحوها فأخذوا قطعة وهي عجب الذنب الذي منه خلق ابن آدم وعليه يركب إذا أعيد خلقا جديدا فضربوه بها وقالوا: اللهم بجاه محمد وآله الطيبين الطاهرين لما أحييت هذا الميت وأنطقته ليخبر عن قاتله، فقام سالما سويا وقال: يا نبي الله قتلني هذان ابنا عمي، حسداني على ابنة عمي فقتلاني وألقياني في محلة هؤلاء ليأخذوا ديتي، فأخذ موسى الرجلين فقتلهما، وكان قبل أن يقوم الميت ضرب بقطعة من البقرة فلم يحي، فقالوا: يا نبي الله أين ما وعدتنا عن الله؟ قال موسى: قد صدقت وذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى إني لا اخلف وعدي ولكن ليقدموا للفتى من ثمن بقرته فيملؤوا مسكها دنانير ثم أحيي هذا، فجمعوا أموالهم ووسع الله جلد الثور حتى وزن ما ملئ به جلده فبلغ خمسة آلاف ألف دينار، فقال بعض بني إسرائيل لموسى عليه السلام وذلك بحضرة المقتول المنشور المضروب ببعض البقرة: لا ندري أيهما أعجب: إحياء الله هذا وإنطاقه بما نطق أو إغناؤه لهذا الفتى بهذا المال العظيم؟ فأوحى الله إليه: يا موسى قل لبني إسرائيل من أحب منكم أن أطيب في الدنيا عيشه وأعظم في جناني محله وأجعل بمحمد وآله الطيبين فيها منادمته ليفعل كما فعل هذا الفتى، إنه كان قد سمع من موسى بن عمران ذكر محمد وعلي وآلهما الطيبين وكان عليهم مصليا ولهم على جميع الخلائق
من الجن والإنس والملائكة مفضلا، فلذلك صرفت إليه المال العظيم ليتنعم بالطيبات، ويتكرم بالهبات والصلات، ويتحبب بمعروفه إلى ذوي المودات، ويكبت بنفقاته ذوي العداوات.
قال الفتى: يا نبي الله كيف أحفظ هذه الأموال؟ أم كيف أحذر من عداوة من يعاديني فيها، وحسد من يحسدني لأجلها؟ قال: قل عليها من الصلاة على محمد وآله الطيبين ما كنت تقوله قبل أن تنالها، فإن الذي رزقكها بذلك القول مع صحة الاعتقاد يحفظها عليك أيضا بهذا القول مع صحة الاعتقاد، فقالها الفتى فما رامها حاسد له ليفسدها أو لص ليسرقها أو غاصب ليغصبها إلا دفعه الله عز وجل عنها بلطيفة من لطائفه حتى يمتنع من ظلمه اختيارا أو منعه منه بآفة أو داهية حتى يكفه عنه كف اضطرار. قال عليه السلام: فلما قال موسى للفتى ذلك وصار الله عز وجل له بمقالته حافظا قال هذا المنظور: " اللهم إني أسألك بما سألك به هذا الفتى من الصلاة على محمد وآله الطيبين والتوسل بهم أن تبقيني في الدنيا متمتعا بابنة عمي وتخزي عني أعدائي و حسادي وترزقني فيها خيرا كثيرا طيبا " فأوحى الله إليه: يا موسى إن لهذا الفتى المنشور بعد القتل ستين سنة، وقد وهبت له لمسألته وتوسله بمحمد وآله الطيبين سبعين سنة تمام مائة وثلاثين سنة، صحيحة حواسه، ثابت فيها جنانه، قوية فيها شهواته، يتمتع بحلال هذه الدنيا، ويعيش ولا يفارقها ولا تفارقه، فإذا حان حينه حان حينها وماتا جميعا معا فصارا إلى جناني، فكانا زوجين فيها ناعمين، ولو سألني يا موسى هذا الشقي القاتل بمثل ما توسل به هذا الفتى على صحة اعتقاده أن أعصمه من الحسد وأقنعه بما رزقته و ذلك هو الملك العظيم لفعلت، ولو سألني بذلك مع التوبة أن لا افضحه لما فضحته، و لصرفت هؤلاء عن اقتراح إبانة القاتل، ولأغنيت هذا الفتى من غير هذا الوجه بقدر هذا
المال، ولو سألني بعدما افتضح وتاب إلي وتوسل بمثل وسيلة هذا الفتى أن انسي الناس فعله بعدما ألطف لأوليائه فيعفون عن القصاص لفعلت، وكان لا يعيره بفعله أحد، ولا يذكره فيهم ذاكر، ولكن ذلك فضل أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم، وأعدل بالمنع على من أشاء وأنا العزيز الحكيم، فلما ذبحوها قال الله تعالى: " فذبحوها وما كادوا يفعلون " وأرادوا أن لا يفعلوا ذلك من عظم ثمن البقرة، ولكن اللجاج حملهم على ذلك واتهامهم لموسى عليه السلام حداهم، قال فضجوا إلى موسى عليه السلام وقالوا: افتقرت القبيلة ودفعت إلى التكفف، وانسلخنا بلجاجنا عن قليلنا وكثيرنا، فادع الله لنا بسعة الرزق، فقال لهم موسى عليه السلام: ويحكم ما أعمى قلوبكم؟ أما سمعتم دعاء الفتى صاحب البقرة وما أورثه الله تعالى من الغنى؟ أوما سمعتم دعاء الفتى المقتول المنشور وما أثمر له من العمر الطويل والسعادة والتنعم بحواسه وسائر بدنه وعقله؟ لم لا تدعون الله تعالى بمثل دعائهما وتتوسلون إلى الله بمثل وسيلتهما ليسد فاقتكم، ويجبر كسركم، ويسد خلتكم؟ فقالوا: " اللهم إليك التجأنا، وعلى فضلك اعتمدنا، فأزل فقرنا وسد خلتنا بجاه محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهم " فأوحى الله إليه: يا موسى قل لهم ليذهب رؤساؤهم إلى خربة بني فلان ويكشفوا في موضع كذا لموضع عينه وجه أرضها قليلا ويستخرجوا ما هناك، فإنه عشرة آلاف ألف دينار، ليردوا على كل من دفع في ثمن هذه البقرة ما دفع لتعود أحوالهم، ثم ليتقاسموا بعد ذلك ما يفضل وهو خمسة آلاف ألف دينار على قدر ما دفع كل واحد منهم في هذه المحنة، ليتضاعف أموالهم جزاء على توسلهم بمحمد وآله الطيبين، واعتقادهم لتفضيلهم، فذلك ما قال الله عز وجل: " و
إذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها " اختلفتم فيها (وتدار أتم خ ل) ألقى بعضكم الذنب في قتل المقتول على بعض، ودرأه عن نفسه وذويه " والله مخرج " مظهر " ما كنتم تكتمون " ما كان من خبر القاتل وما كنتم تكتمون من إرادة تكذيب موسى باقتراحكم عليه ما قدرتم أن ربه لا يجيبه إليه " فقلنا اضربوه ببعضها " ببعض البقرة " كذلك يحيي الله الموتى " في الدنيا والآخرة كما أحيا الميت بملاقاة ميت آخر له، أما في الدنيا فيتلاقى ماء الرجل ماء المرأة فيحيي الله الذي كان في الأصلاب والأرحام حيا، وأما في الآخرة فإن الله تعالى ينزل بين نفختي الصور بعدما ينفخ النفخة الأولى من دوين السماء الدنيا من البحر المسجور الذي قال الله فيه: " والبحر المسجور " وهي من مني كمني الرجل، فيمطر ذلك على الأرض فيلقى الماء المني مع الأموات البالية فينبتون من الأرض ويحيون، ثم قال الله عز وجل: " ويريكم آياته " سائر آياته سوى هذه الدلالات على توحيده ونبوة موسى عليه السلام نبيه وفضل محمد على الخلائق سيد عبيده وإمائه، وتبيينه فضله وفضل آله الطيبين على سائر خلق الله أجمعين " لعلكم تعقلون " تعتبرون وتتفكرون أن الذي فعل هذه العجائب لا يأمر الخلق إلا بالحكمة، ولا يختار محمدا وآله إلا لأنهم أفضل ذوي الألباب. بيان: (أما وقت أيماننا أموالنا) استبعاد منهم للحكم عليهم بالدية بعد حلفهم، أي أليس أيماننا وقاية لأموالنا وبالعكس حتى جمعت بينهما؟ والباسقة: الطويلة. وراض الدابة: ذللها. والنواعير جمع الناعورة وهي الدولاب والدلو يستقى بها، ونادمه منادمة ونداما: جالسه على الشراب. قوله عليه السلام: (ولم يقل موسى) حاصله أنه عليه السلام حمل قوله تعالى: " إن الله يأمركم " على حقيقة الاستقبال، ولذا فسره بقوله: سيأمركم، فوعدهم أولا بالامر، ثم بعد سؤالهم وتعيين البقرة أمرهم ولو قال موسى أولا بصيغة الماضي (أمركم أن تذبحوا) لتعلق الامر بالحقيقة، وكان يكفي أي بقرة كانت، وهذا وجه ثالث غير ما ذهب إليه الفريقان في تأويل الآية، لكن بقول السيد وأصحابه أنسب، وجمعه مع الأخبار السابقة لا يخلو من إشكال، ويمكن أن تحمل الأخبار السابقة على أنه تعالى لما علم أنه إن أمرهم ببقرة مطلقة لم يكتفوا بذلك فلذا لم يأمرهم بها أولا، أو على أنه بعد
الوعد بالامر لو لم يسألوا عن خصوص البقرة لأمرهم ببقرة مطلقة، فلما بادروا بالسؤال شدد عليهم، وهما بعيدان وارتكاب مثلهما فيها لهذا الخبر مع كونها أقوى وأكثر مشكل والله يعلم حقيقة الامر. وقال الثعلبي: قال المفسرون: وجد قتيل في بني إسرائيل اسمه عاميل ولم يدروا قاتله، واختلفوا في قاتله وسبب قتله، فقال عطا والسدي: كان في بني إسرائيل رجل كثير المال وله ابن عم مسكين لا وارث له غيره، فلما طال عليه حياته قتله ليرثه، وقال بعضهم:
كان تحت عاميل بنت عم له، كانت مثلا في بني إسرائيل بالحسن والجمال، فقتله ابن عمه لينكحها، فلما قتله حمله من قريته إلى قرية أخرى فألقاه هناك، وقال عكرمة: كان لبني إسرائيل مسجد له اثنا عشر بابا، لكل سبط منهم باب فوجد قتيل على باب سبط قتل وجر إلى باب سبط آخر، فاختصم فيه السبطان، وقال ابن سيرين: قتله القاتل ثم احتمله فوضعه على باب رجل منهم ثم أصبح يطلب بدمه، وقيل: ألقاه بين قريتين فاختصم فيه أهلهما فاشتبه أمر القتيل على موسى وكان ذلك قبل نزول القسامة، فأمرهم الله بذبح البقرة فشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، وإنما كان تشديدهم تقديرا من الله به وحكمة.
وكان السبب فيه على ما ذكره السدي وغيره أن رجلا من بني إسرائيل كان بارا بأبيه، وبلغ من بره أن رجلا أتاه بلؤلؤة فابتاعها بخمسين ألفا، وكان فيها فضل وربح، فقال للبائع: إن أبي نائم، ومفتاح الصندوق تحت رأسه، فأمهلني حتى يستيقظ فأعطيك الثمن، قال: فأيقظ أباك وأعطني المال، قال: ما كنت لافعل، ولكن أزيدك عشرة آلاف فأنظرني حتى ينتبه أبي، فقال الرجل: فأنا أحط عنك عشرة آلاف إن أيقظت أباك وعجلت النقد، فقال: وأنا أزيدك عشرين ألفا إن انتظرت انتباهة أبي، ففعل ولم
يوقظ أباه، فلما استيقظ أبوه أخبره بذلك فدعا له وجزاه خيرا، وقال: هذه البقرة لك بما صنعت، فقال رسول الله: انظروا ماذا صنع به البر.
وقال ابن عباس ووهب وغيرهما من أهل الكتب: كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل، وكان له عجل، فأتى بالعجل إلى غيضة وقال: اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر، ومات الرجل فشبت العجلة في الغيضة وصارت عوانا، وكانت تهرب من كل من رامها، فلما كبر الصبي كان بارا بوالدته، وكان يقسم الليلة ثلاثة أثلاث: يصلي ثلثا، وينام ثلثا، ويجلس عند رأس أمه ثلثا، فإذا أصبح انطلق واحتطب على ظهر، ويأتي به السوق فيبيعه بما شاء الله ثم يتصدق بثلثه، ويأكل ثلثه، ويعطي والدته ثلثا، فقالت له أمه يوما: إن أباك ورثك عجلة وذهب بها إلى غيضة كذا واستودعها، فانطلق إليها وادع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق أن يردها عليك، وإن من علامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تسمى المذهبة لحسنها وصفوتها وصفاء لونها، فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى فصاح بها وقال: أعزم عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه، فقبض على عنقها وقادها، فتكلمت البقرة بإذن الله وقالت: أيها الفتى البار بوالدته اركبني فإن ذلك أهون عليك، فقال الفتى: إن أمي لم تأمرني بذلك ولكن قالت: خذ بعنقها، قالت البقرة: بإله بني إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر علي أبدا فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله وينطلق معك لفعل لبرك بوالدتك، فصار الفتى بها فاستقبله عدو الله إبليس في صورة راع فقال: أيها الفتى إني رجل من رعاة البقر، اشتقت إلى أهلي فأخذت ثورا من ثيراني فحملت عليه زادي ومتاعي حتى إذا بلغت شطر الطريق ذهبت لأقضي حاجتي فعدا وسط الجبل وما قدرت عليه، وإني أخشى على نفسي الهلكة، فإن رأيت أن تحملني على بقرتك وتنجيني من الموت وأعطيك أجرها
بقرتين مثل بقرتك فلم يفعل الفتى، وقال: اذهب فتوكل على الله، ولو علم الله تعالى منك اليقين لبلغك بلا زاد ولا راحلة، فقال إبليس: إن شئت فبعنيها بحكمك، وإن شئت فاحملني عليها وأعطيك عشرة مثلها، فقال الفتى: إن أمي لم تأمرني بهذا، فبين الفتى كذلك إذ طار طائر من بين يدي البقرة ونفرت البقرة هاربة في الفلاة، وغاب الراعي ، فدعاها الفتى باسم إله إبراهيم فرجعت البقرة إليه، فقالت: أيها الفتى البار بوالدته ألم تر إلى الطائر الذي طار، فإنه إبليس عدو الله اختلسني، أما إنه لو ركبني لما قدرت علي أبدا، فلما دعوت إله إبراهيم جاء ملك فانتزعني من يد إبليس وردني إليك لبرك بأمك وطاعتك لها، فجاء بها الفتى إلى أمه فقالت له: إنك فقير لا مال لك، ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل، فانطلق فبع هذه البقرة وخذ ثمنها، قال لامه: بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة دنانير ولا تبعها بغير رضاي ومشورتي، وكان ثمن البقرة في ذلك الوقت ثلاثة دنانير، فانطلق بها الفتى إلى السوق فعقبه الله سبحانه ملكا ليري خلقه قدرته، وليختبر الفتى كيف بره بوالدته، وكان الله به خبيرا، فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟ قال: بثلاثة دنانير، وأشترط عليك رضى أمي، فقال له الملك: ستة دنانير ولا تستأمر أمك، فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلا برضى أمي، فردها إلى أمه وأخبرها بالثمن، فقالت:
ارجع فبعها بستة دنانير على رضى مني، فانطلق الفتى بالبقرة إلى السوق فأتى الملك فقال: استأمرت والدتك؟ فقال الفتى: نعم إنها أمرتني أن لا أنقصها من ستة دنانير على أن أستأمرها، قال الملك: فإني أعطيك اثني عشر على أن لا تستأمرها، فأبى الفتى ورجع إلى أمه وأخبرها بذلك، فقالت: إن ذاك الرجل الذي يأتيك هو ملك من الملائكة يأتيك في صورة آدمي ليجربك، فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟
ففعل ذلك فقال له الملك: اذهب إلى أمك وقل لها: امسكي هذه البقرة فإن موسى يشتريها منكم لقتيل يقتل في بني إسرائيل فلا تبيعوها إلا بملء مسكها دنانير، فأمسكا البقرة وقدر الله تعالى على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها مكافاة على بره بوالدته،
فضلا منه ورحمة، فطلبوها فوجدوها عند الفتى فاشتروها بملء مسكها ذهبا، وقال السدي اشتروها بوزنها عشر مرات ذهبا.
واختلفوا في البعض المضروب به: فقال ابن عباس: ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف وهو المقتل، وقال الضحاك: بلسانها، وقال الحسين بن الفضل هذا أولى الأقاويل، لان المراد كان من إحياء القتيل كلامه واللسان آلته، وقال سعيد بن جبير: بعجب ذنبها، وقال يمان بن رئاب وهو أولى التأويلات بالصواب: العصعص أساس البدن الذي ركب عليه الخلق، وإنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى، وقال مجاهد: بذنبها، وقال عكرمة والكلبي: بفخذها الأيمن، وقال السدي: بالبضعة التي بين كتفيها، وقيل: باذنها. ففعلوا ذلك فقام القتيل حيا بإذن الله تعالى وأوداجه تشخب دما، وقال: قتلني فلان، ثم سقط ومات مكانه. أقول: وقال السيد بن طاوس رحمه الله في كتاب سعد السعود: وجدت في تفسير منسوب إلى أبي جعفر الباقر عليه السلام وأما قول الله تعالى: " إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة " فذلك أن رجلين من بني إسرائيل وهما أخوان وكان لهما ابن عم أخ أبيهما وكان غنيا مكثرا، وكانت لهما ابنة عم حسناء شابة كانت مثلا في بني إسرائيل بحسنها وجمالها خافا أن ينكحها ابن عمها ذلك الغني فعمدا فقتلاه فاحتملاه فألقياه إلى جنب قرية ليبرؤوا منه، وأصبح القتيل بين ظهرانيهم، فلما غم عليهم شأنه ومن قتله قال أصحاب القرية الذين وجد عندهم: يا موسى ادع الله لنا أن يطلع على قاتل هذا الرجل، ففعل موسى ثم ذكر ما ذكره الله جل جلاله في كتابه، وقال ما معناه: إنهم شددوا فشدد الله عليهم، ولو ذبحوا في الأول أي بقرة كانت كافية، فوجدوا البقرة لامرأة فلم تبعها لهم إلا بملء جلدها ذهبا، وضربوا المقتول ببعضها، فعاش فأخبرهم بقاتله فأخذا فقتلا فأهلكا في الدنيا، وهكذا يقتلهما ربنا في الآخرة.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.