پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب النبوة

باب 6 خروجه عليه السلام من الماء

ج ۱۳، ص ۱۶۴–۱۹۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۳

57 - 61.

المائدة " 5 " وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين * يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين * قالوا يا موسى إن فيها قوما

جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون * قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون * وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين * قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون * قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين * قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين

20 - 26.

الأعراف " 7 " وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون * قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين * وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم

138 - 141.

" وقال تعالى ": ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون * وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن و السلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون * وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين * فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون

159 - 162.

تفسير: قوله تعالى: " وظللنا عليكم الغمام " قال الطبرسي رحمه لله: أي جعلنا لكم الغمام ظلة وسترة تقيكم حر الشمس في التيه " وأنزلنا عليكم المن " هو الذي يعرفه الناس يسقط على الشجر، وقيل: إنه شئ كالصمغ كان يقع على الأشجار طعمه كالزبد والعسل، وقيل: إنه الخبز المرقق، وقيل: إنه جميع النعم التي أتتهم مما من الله به عليهم بلا تعب

" والسلوى " قيل: هو السمانى، وقيل: طائر أبيض يشبه السمانى " كلوا من طيبات ما رزقناكم " أي قلنا لهم: كلوا من الشهي اللذيذ، وقيل: المباح الحلال، وقيل: المباح الذي يستلذ أكله " وما ظلمونا " أي فكفروا هذه النعمة وما نقصونا بكفرانهم أنعمنا " ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " ينقصون، وقيل: أي ما ضرونا ولكن كانوا أنفسهم يضرون.

وكان سبب إنزال المن والسلوى عليهم أنه لما ابتلاهم الله بالتيه إذ قالوا لموسى: " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " حين أمرهم بالمسير إلى بيت المقدس وحرب العمالقة بقوله: " ادخلوا الأرض المقدسة " فوقعوا في التيه فصاروا كلما ساروا تاهوا في قدر خمسة فراسخ أو ستة، وكلما أصبحوا ساروا غادين فأمسوا فإذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه، كذلك حتى تمت المدة وبقوا فيها أربعين سنة، وفي التيه توفي موسى وهارون، ثم خرج يوشع بن نون، وقيل: كان الله يرد الجانب الذي انتهوا إليه من الأرض إلى الجانب الذي ساروا منه، فكانوا يضلون على الطريق، لأنهم كانوا خلقا عظيما، فلا يجوز أن يضلوا كلهم عن الطريق في هذه المدة المديدة، وفي هذا المقدار من الأرض، ولما حصلوا في التيه ندموا على ما فعلوه، فألطف الله بهم بالغمام لما شكوا حرا لشمس، وأنزل عليهم المن من وقت طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وكانوا يأخذون منها ما يكفيهم ليومهم وقال الصادق عليه السلام: كان ينزل المن على بني إسرائيل من بعد الفجر إلى طلوع الشمس، فمن نام في ذلك الوقت لم ينزل نصيبه، فلذلك يكره النوم في هذا الوقت إلى طلوع الشمس.

وقال ابن جريج: وكان الرجل منهم إن أخذ من المن والسلوى زيادة على طعام يوم واحد فسد إلا يوم الجمعة، فإنهم إذا أخذوا طعام يومين لم يفسد، وكانوا يأخذون منها ما يكفيهم ليوم الجمعة والسبت لأنه كان لا يأتيهم يوم السبت، وكانوا يخبزونه مثل القرصة ويوجد له طعم كالشهد المعجون بالسمن، وكان الله تعالى يبعث لهم السحاب بالنهار فيدفع عنهم حر الشمس، وكان ينزل عليهم في الليل من السماء عمود من نور يضئ لهم مكان السراج، وإذا ولد فيهم مولود يكون عليه ثوب يطول بطوله كالجلد " حيث شئتم " أي

أنى شئتم " رغدا " أي موسعا عليكم مستمتعين بما شئتم من طعام القرية، وقيل: إن هذه إباحة منه لغنائمها وتملك أموالها " وقولوا حطة " روي عن الباقر عليه السلام أنه قال: نحن باب حطتكم " وسنزيد المحسنين " على ما يستحقونه من الثواب تفضلا " وإذ استسقى موسى " أي في التيه لما شكوا إليه الظماء فأوحى الله تعالى إليه " أن اضرب بعصاك " وهو عصاه المعروف " الحجر " أي أي حجر كان، أو حجر مخصوص، وسيأتي ذكر الأقوال فيه " قد علم كل أناس مشربهم " أي كل سبط موضع شربهم " كلوا واشربوا " أي قلنا لهم: كلوا واشربوا " ولا تعثوا " أي لا تسعوا في الأرض فسادا. وقال البيضاوي: ومن أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله وقلة تدبره في عجائب صنعه، فإنه لما أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشعر وينفر الخل و يجذب الحديد لم يمتنع أن يخلق الله حجرا يسخره لجذب الماء من تحت الأرض، أو لجذب الهواء من الجوانب وتصييره ماء بقوة التبريد " على طعام واحد " يريد به ما رزقوا في التيه من المن والسلوى وبوحدته أنها لا تختلف ولا تتبدل " الذي هو أدنى " أي أدون قدرا. " إذ جعل فيكم أنبياء " إذ لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء " وجعلكم ملوكا " أي وجعل منكم أو فيكم، وقد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء بعد فرعون، وقيل: لما كانوا مملوكين في أبدي القبط فأنقذهم وجعلهم مالكين لأنفسهم وأمورهم سماهم ملوكا " وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين " من فلق البحر وتظليل الغمام والمن والسلوى ونحوها، وقيل: أي عالمي زمانهم.

" يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة " أرض بيت المقدس لكونها قرار الأنبياء ومسكن

المؤمنين وقيل: الطور وما حوله، وقيل: دمشق وفلسطين وبعض الأردن، وقيل:

الشام. " التي كتب الله لكم " قال الطبرسي: أي كتب لكم في اللوح أنها لكم، وقيل: أي وهب الله لكم، وقيل: أمركم الله بدخولها. فإن قيل: كيف كتب الله لهم مع قوله: " فإنها محرمة عليهم " فجوابه أنها كانت هبة من الله لهم ثم حرمها عليهم، وقيل: الذين كتب لهم هم الذين كانوا مع يوشع بعد موت موسى بشهرين " ولا ترتدوا على أدباركم " أي لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها، أو عن طاعة الله.

قال المفسرون: لما عبر موسى وبنو إسرائيل البحر وهلك فرعون أمرهم الله بدخول الأرض المقدسة، فلما نزلوا عند نهر الأردن خافوا من الدخول، فبعث موسى عليه السلام من كل سبط رجلا وهم الذين ذكرهم الله سبحانه في قوله: " وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا " فعاينوا من عظم شأنهم وقوتهم شيئا عجيبا، فرجعوا إلى بني إسرائيل فأخبروا موسى عليه السلام بذلك فأمرهم أن يكتموا ذلك، فوفى اثنان منهم يوشع بن نون من سبط بنيامين، وقيل: إنه كان من سبط يوسف، وكالب بن يوفنا من سبط يهودا، وعصى العشرة وأخبروا بذلك، وقيل: كتم خمسة منهم وأظهر الباقون، وفشا الخبر في الناس فقالوا: إن دخلنا عليهم تكون نساؤنا وأهالينا غنيمة لهم، وهموا بالانصراف إلى مصر وهموا بيوشع وكالب، و أرادوا أن يرجموهما بالحجارة، فاغتاظ لذلك موسى عليه السلام وقال: " رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي " فأوحى الله إليه: إنهم يتيهون في الأرض أربعين سنة، وإنما يخرج منهم من لم يعص الله في ذلك، فبقوا في التيه أربعين سنة في ستة عشر فرسخا، وقيل: تسعة فراسخ، وقيل: ستة فراسخ، وهم ستمائة ألف مقاتل، لا تنخرق ثيابهم وتنبت معهم، و ينزل عليهم المن والسلوى، ومات النقباء غير يوشع بن نون وكالب، ومات أكثرهم ونشأ ذراريهم فخرجوا إلى حرب أريحا وفتحوها، واختلفوا فيمن فتحها فقيل: فتحها موسى

ويوشع على مقدمته، وقيل: فتحها يوشع وكان قد توفي موسى وبعثه الله نبيا، وروي أنهم كانوا في المحاربة إذ غابت الشمس فدعا يوشع فرد الله عليهم الشمس حتى فتحوا أريحا، وقيل: كان وفاة موسى وهارون في التيه، وتوفي هارون قبل موسى بسنة وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة في ملك إفريدون ومنوچهر، وكان عمر يوشع مائة وستة وعشرين سنة، وبقي بعد وفاته مدبرا لامر بني إسرائيل سبعا وعشرين سنة " قالوا " يعني بني إسرائيل: " إن فيها " أي في الأرض المقدسة " قوما حبارين " شديدي البأس والبطش والخلق. قال ابن عباس: بلغ من جبرية هؤلاء القوم أنه لما بعث موسى النقباء رآهم رجل من الجبارين يقال له عوج فأخذهم في كمه مع فاكهة كان حملها من بستانه وأتى بهم الملك فنثرهم بين يديه، وقال للملك تعجبا منهم: هؤلاء يريدون قتالنا، فقال الملك:

ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا، قال مجاهد: وكانت فاكهتهم لا يقدر على حمل عنقود منها خمسة رجال بالخشب! ويدخل في قشر نصف رمانة خمسة رجال! وإن موسى كان طوله عشرة أذرع، وله عصا طولها عشرة أذرع ونزا من الأرض مثل ذلك بلغ كعب عوج ابن عنق فقتله! وقيل: كان طول سريره ثمانمائة ذراع.

" وإنا لن ندخلها " يعني لقتالهم " فإن يخرجوا " يعني الجبارين " قال رجلان " هما يوشع وكالب، وقيل: رجلان كانا من مدينة الجبارين وكانا على دين موسى فلما بلغهما خبر موسى جاءاه فاتبعاه " من الذين يخافون " الله تعالى " أنعم الله عليهما " بالاسلام، و قيل: يخافون الجبارين، أي لم يمنعهم الخوف من الجبارين أن قالوا الحق، أنعم الله عليهما بالتوفيق للطاعة " ادخلوا " يا بني إسرائيل " عليهم " على الجبارين " الباب " باب مدينتهم، وإنما علما أنهم يظفرون بهم لما أخبر به موسى عليه السلام من وعد الله تعالى بالنصر، وقيل: لما رأوه من إلقاء الرعب في قلوب الجبارين " إنا لن ندخلها " أي هذه المدينة " إنا ههنا قاعدون " إلى أن تظفر بهم وترجع إلينا فحينئذ ندخل " إلا نفسي " أي لا أملك إلا

تصريف نفسي في طاعتك " وأخي " أي وأخي كذلك لا يملك إلا نفسه، أو لا أملك أيضا إلا أخي لأنه يجيبني إذا دعوت " فافرق " أي فافصل " بيننا " وبينهم بحكمك فإنها " أي الأرض المقدسة " محرمة عليهم " تحريم منع، وقيل: تحريم تعبد " يتيهون " أي يتحيرون في المسافة التي بينهم وبينها لا يهتدون إلى الخروج منها. وقال أكثر المفسرين: إن موسى وهارون كانا معهم في التيه، وقيل: لم يكونا فيه لان التيه عذاب وعذبوا عن كل يوم عبدوا فيه العجل سنة، والأنبياء لا يعذبون، قال الزجاج إن كانا في التيه فجائز أن يكون الله سهل عليهما ذلك، كما سهل على إبراهيم النار فجعلها عليه بردا وسلاما.

ومتى قيل: كيف يجوز على عقلاء كثيرين أن يسيروا في فراسخ يسيرة فلا يهتدوا للخروج منها؟ فالجواب عنه من وجهين:

أحدهما: أن يكون ذلك بأن تحول الأرض التي هم عليها إذا ناموا وردوا إلى المكان الذي ابتدؤوا منه.

والآخر أن يكون بالأسباب المانعة عن الخروج عنها، إما بأن تمحى العلامات التي يستدل بها، أو بأن يلقى شبه بعضها على بعض، ويكون ذلك معجزا خارقا للعادة.

وقال قتادة: لم يدخل بلد الحبارين أحد من القوم إلا يوشع وكالب بعد موت موسى بشهرين، وإنما دخلها أولادهم معهما " فلا تأس على القوم الفاسقين " أي لا تحزن على هلاكهم لفسقهم. " يعكفون على أصنام لهم " أي يقبلون عليها، ملازمين لها، مقيمين عندها يعبدونها، قال قتادة: كان أولئك القوم من لخم وكانوا نزولا بالرقة. وقال ابن جريح: كانت تماثيل بقر وذلك أول شأن العجل " إنكم قوم تجهلون "

ربكم وعظمته، أو نعمة ربكم فيما صنع بكم " متبر " أي مدمر مهلك " ما هم فيه " من عبادة الأصنام " أبغيكم " أي ألتمس لكم " على العالمين " أي على عالمي زمانكم، وقيل: أي خصكم بفضائل لم يعطها أحدا غيركم، وهو أن أرسل إليكم رجلين منكم لتكونوا أقرب إلى القبول، وخلصكم من أذى فرعون وقومه على أعجب وجه وأورثكم أرضهم وديارهم و أموالهم. " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق " أي جماعة يدعون إلى الحق " وبه يعدلون " أي وبالحق يحكمون ويعدلون في حكمهم، واختلف فيهم على أقوال:

أحدها: أنهم قوم من وراء الصين لم يغيروا ولم يبدلوا، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام.

قالوا: وليس لاحد منهم مال دون صاحبه، يمطرون بالليل، ويضحون بالنهار و يزرعون لا يصل إليهم منا أحد ولا منهم إلينا، وهم على الحق.

قال ابن جريح: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبط تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقا في الأرض فساروا فيه سنة ونصف سنة حتى خرجوا من وراء الصين! فهم هناك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا.

وقيل: إن جبرئيل انطلق بالنبي صلى الله عليه وآله ليلة المعراج إليهم فقرأ عليهم من القرآن عشر سور نزلت بمكة فآمنوا به وصدقوه، وأمرهم أن يقيموا مكانهم ويتركوا السبت، وأمرهم بالصلاة والزكاة ولم تكن نزلت فريضة غيرهما ففعلوا.

وروى أصحابنا أنهم يخرجون مع قائم آل محمد عليهم السلام، وروي أن ذا القرنين رآهم فقال: لو أمرت بالمقام لسرني أن أقيم بين أظهركم.

وثانيها: أنهم قوم من بني إسرائيل تمسكوا بالحق وبشريعة موسى عليه السلام في وقت ضلالة القوم وقتلهم أنبياءهم، وكان ذلك قبل نسخ شريعتهم بشريعة عيسى عليه السلام فالتقدير:

كانوا يهدون.

وثالثها: أنهم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله مثل عبد الله بن سلام وابن صوريا وغيرهما وفي حديث أبي حمزة الثمالي والحكم بن ظهير أن موسى لما أخذ الألواح قال: رب إني أجد في الألواح أمة هي خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون في الخلق، السابقون في دخول الجنة فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة كتبهم في صدورهم يقرؤونها فاجعلهم أمتي، قال:

تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتب له عشر أمثالها، وإن هم بسيئة ولم يعملها لم يكتب عليه، وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد.

قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر، ويقاتلون الأعور الكذاب فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم الشافعون وهم المشفوع لهم فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال موسى:

رب اجعلني من أمة أحمد. قال أبو حمزة: فاعطي موسى آيتين لم يعطوها - يعني أمة أحمد - قال الله: يا موسى " إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي " وقال: " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون " قال: فرضي موسى كل الرضاء.

وفي حديث غير أبي حمزة: قال النبي صلى الله عليه وآله لما قرأ " وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ": هذه لكم، وقد أعطى الله قوم موسى مثلها.

" وقطعناهم اثنتي عشر أسباطا أمما " أي وفرقنا بني إسرائيل اثنتي عشرة فرقة " أسباطا " يعني أولاد يعقوب عليه السلام فإنهم كانوا اثني عشر، وكان لكل واحد منهم أولاد ونسل فصار كل فرقة منهم سبطا وأمة، وإنما جعلهم سبحانه أمما ليتميزوا في مشربهم ومطعمهم، ويرجع كل أمة منهم إلى رئيسهم، فيخف الامر على موسى ولا يقع بينهم

اختلاف وتباغض " فانبجست " الانبجاس: خروج الماء الجاري بقلة، والانفجار: خروجه بكثرة، وكان يبتدئ الماء من الحجر بقلة، ثم يتسع حتى يصير إلى الكثرة.

1 - تفسير علي بن إبراهيم: " وجعلكم ملوكا " يعني في بني إسرائيل، لم يجمع الله لهم النبوة و الملك في بيت واحد، ثم جمع الله ذلك لنبيه. قوله: " وقطعناهم " أي ميزناهم.

2 - تفسير علي بن إبراهيم: " وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى " الآية، فإن بني إسرائيل لما عبر بهم موسى البحر نزلوا في مفازة فقالوا: يا موسى أهلكتنا وقتلتنا وأخرجتنا من العمران إلى مفازة لا ظل ولا شجر ولا ماء، وكانت تجئ بالنهار غمامة تظلهم من الشمس وينزل عليهم بالليل المن فيقع على النبات والشجر والحجر فيأكلونه، وبالعشي يجئ طائر مشوي فيقع على موائدهم، وإذا أكلوا وشبعوا طار ومر، وكان مع موسى حجر يضعه في وسط العسكر ثم يضربه بعصاه فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا كما حكى الله، فيذهب الماء إلى كل سبط في رحله، وكانوا اثني عشر سبطا، فلما طال عليهم الأمد قالوا: " يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها " والفوم هي الحنطة، فقال لهم موسى: " أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم " فقالوا: " يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون " فنصف الآية في سورة البقرة وتمامها وجوابها لموسى في سورة المائدة. قوله: " وقولوا حطة " أي حط عنا ذنوبنا، فبدلوا ذلك وقالوا: حنطة، وقال الله: " فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا " آل محمد صلوات الله عليهم حقهم " رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ". بيان: قال البيضاوي: الفوم: الحنطة، ويقال للخبز، وقيل: الثوم. وقال

الفيروزآبادي: الفوم بالضم: الثوم والحنطة والحمص والخبز وسائر الحبوب التي تخبز.

3 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله: " يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم " فإن ذلك نزل لما قالوا: " لن نصر على طعام واحد " فقال لهم موسى: " اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم " فقالوا: " إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون " فنصف الآية ههنا ونصفها في سورة البقرة، فلما قالوا لموسى:

" إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها " فقال لهم موسى:

لابد أن تدخلوها، فقالوا له: " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " فأخذ موسى بيد هارون وقال كما حكى الله: " إني لا أملك إلا نفسي وأخي " يعني هارون فافرق بيننا وبين قومنا القوم الفاسقين، فقال الله: " إنها محرمة عليهم أربعين سنة " يعني مصر أن يدخلوها أربعين سنة " يتيهون في الأرض " فلما أراد موسى أن يفارقهم فزعوا وقالوا: إن خرج موسى من بيننا نزل علينا العذاب، ففزعوا إليه وسألوه أن يقيم معهم ويسأل الله أن يتوب عليهم، فأوحى الله إليه: قد تبت عليهم على أن يدخلوا مصر، وحرمتها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض عقوبة لقولهم: " اذهب أنت وربك فقاتلا " فدخلوا كلهم في التوبة والتيه إلا قارون، فكانوا يقومون في أول الليل ويأخذون في قراءة التوراة، فإذا أصبحوا على باب مصر دارت بهم الأرض فردتهم إلى مكانهم، وكان بينهم وبين مصر أربع فراسخ، فبقوا على ذلك أربعين سنة، فمات هارون وموسى في التيه ودخلها أبناؤهم وأبناء أبناءهم. بيان: تفسير الأرض المقدسة بمصر خلاف ما أجمع عليه المفسرون والمؤرخون

كما سيأتي، وأما قوله تعالى: " اهبطوا مصرا " فقيل: أراد مصر فرعون الذي خرجوا منه، وقيل: بيت المقدس، وقيل: أراد مصرا من الأمصار، يعني إن ما تسألونه إنما يكون في الأمصار كما سيجئ في الاخبار، وقوله: " إلا قارون " أي أنه لم يدخل في التوبة، وسيأتي شرحه وتمام القصة في باب قصص قارون.

4 - تفسير علي بن إبراهيم: " وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم " فإنه لما غرق الله فرعون وأصحابه وعبر موسى وأصحابه البحر نظر أصحاب موسى إلى قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى: " يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة " فقال موسى: " إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون * قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين " إلى قوله: " وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم " وهو محكم. أقول: روى الثعلبي، عن محمد بن قيس قال: جاء يهودي إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا أبا الحسن ما صبرتم بعد نبيكم إلا خمسا وعشرين سنة حتى قتل بعضكم بعضا، قال: بلى ولكن ما جف أقدامكم من البحر حتى قلتم: " يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة "!.

5 - الاختصاص: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن أبان، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما انتهى بهم إلى الأرض المقدسة قال لهم: " ادخلوا الأرض المقدسة " إلى قوله: " فإنكم غالبون " قالوا: " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون * قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين " فلما

أبوا أن يدخلوها حرمها الله عليهم فتاهوا في أربعة فراسخ أربعين سنة " يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين " قال أبو عبد الله عليه السلام: وكانوا إذا أمسوا نادى مناديهم: أمسيتم الرحيل، فيرتحلون بالحداء والرجز حتى إذا أسحروا أمر الله الأرض فدارت بهم فيصبحون في منزلهم الذي ارتحلوا منه، فيقولون: قد أخطأتم الطريق، فمكثوا بهذا أربعين سنة، ونزل عليهم المن والسلوى حتى هلكوا جميعا إلا رجلين: يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وأبناءهم، وكانوا يتيهون في نحو من أربعة فراسخ فإذا أرادوا أن يرتحلوا ثبت ثيابهم عليهم وخفافهم، قال: وكان معهم حجر إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه فانفجرت اثنتا عشرة عينا لكل سبط عين، فإذا ارتحلوا رجع الماء فدخل في الحجر ووضع الحجر على الدابة.

6 - قصص الأنبياء: الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما انتهى بهم موسى عليه السلام إلى الأرض المقدسة قال لهم: ادخلوا، فأبوا أن يدخلوها، فتاهوا في أربعة فراسخ أربعين سنة وكانوا إذا أمسوا نادى مناديهم أمسيتم الرحيل، حتى إذا انتهوا إلى مقدار ما أرادوا أمر الله الأرض فدارت بهم إلى منازلهم الأولى فيصبحون في منزلهم الذي ارتحلوا منه، فمكثوا بذلك أربعين سنة، ينزل عليهم المن والسلوى فهلكوا فيها أجمعين إلا رجلين:

يوشع بن نون وكالب بن يوفنا اللذين أنعم الله عليهما، ومات موسى وهارون عليهما السلام فدخلها

يوشع بن نون وكالب وأبناؤهم، وكان معهم حجر كان موسى يضربه بعصاه فينفجر منه الماء لكل سبط عين.

7 - قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق بإسناده إلى وهب بن منبه، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام حين جاز بهم البحر: خبرنا يا موسى بأي قوة وأي عدة وعلى أي حمولة نبلغ الأرض المقدسة ومعك الذرية والنساء والهرمى والزمنى؟ فقال موسى عليه السلام: ما أعلم قوما ورثه الله من عرض الدنيا ما ورثكم، ولا أعلم أحدا آتاه منها مثل الذي آتاكم، فمعكم من ذلك مالا يحصيه إلا الله تعالى، وقال موسى: سيجعل الله لكم مخرجا فاذكروه وردوا إليه أموركم، فإنه أرحم بكم من أنفسكم، قالوا: فادعه يطعمنا ويسقنا ويكسنا ويحملنا من الرجلة ويظلنا من الحر، فأوحى الله تعالى إلى موسى: قد أمرت السماء أن يمطر عليهم المن والسلوى، وأمرت الريح أن يشوي لهم السلوى، وأمرت الحجارة أن تنفجر، وأمرت الغمام أن تظلهم، وسخرت ثيابهم أن تنبت بقدر ما ينبتون، فلما قال لهم موسى ذلك سكتوا فسار بهم موسى، فانطلقوا يؤمون الأرض المقدسة وهي فلسطين، و إنما قدسها لان يعقوب عليه السلام ولد بها، وكانت مسكين أبيه إسحاق ويوسف عليهما السلام، ونقلوا كلهم بعد الموت إلى أرض فلسطين.

8 - قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق، عن الطالقاني، عن ابن عقدة، عن جعفر بن عبد الله، عن كثير بن عياش، عن أبي الجارود، عن الباقر عليه السلام قال في قوله تعالى: " وادخلوا الباب سجدا " إن ذلك حين فصل موسى من أرض التيه فدخلوا العمران، وكان بنو إسرائيل أخطؤوا خطيئة فأحب الله أن ينقذهم منها إن تابوا، فقال لهم: إذا انتهيتم إلى باب القرية فاسجدوا وقولوا: حطة تنحط عنكم خطاياكم، فأما المحسنون ففعلوا ما أمروا به، وأما الذين ظلموا فزعموا حنطة حمراء فبدلوا فأنزل الله تعالى رجزا.

بيان: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا

منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا ": أجمع المفسرون على أن المراد بالقرية ههنا بيت المقدس، ويؤيده قوله في موضع آخر: " ادخلوا الأرض المقدسة " وقال ابن زيد: إنها أريحا قرية قرب بيت المقدس، وكان فيها بقايا من قوم عاد، فيهم عوج بن عنق، والباب قيل هو باب حطة من بيت المقدس وهو الباب الثامن، عن مجاهد، وقيل: باب القبة التي يصلي إليها موسى وبنو إسرائيل، وقال قوم: هو باب القرية التي أمروا بدخولها، وقال الجبائي:

والآية على باب القبة أدل لأنهم لم يدخلوا القرية في حياة موسى، وآخر الآية يدل على أنهم كانوا يدخلون على غير ما أمروا به في أيام موسى.

وقوله: " سجدا " قيل: معناه: ركعا، وهو شدة الانحناء، عن ابن عباس، وقال غيره:

إن معناه: ادخلوا خاضعين متواضعين، وقيل: معناه: ادخلوا الباب فإذا دخلتموه فاسجدوا لله سبحانه شكرا، عن وهب " وقولوا حطة " قال أكثر أهل العلم: معناه: حط عنا ذنوبنا وهو أمر بالاستغفار، وقال ابن عباس: أمروا أن يقولوا هذا الامر حق، وقال عكرمة:

أمروا أن يقولوا: لا إله إلا الله لأنها تحط الذنوب، واختلف في تبديلهم فقيل: إنهم قالوا بالسريانية: حطا سمقاثا، معناه: حنطة حمراء فيها شعيرة، وكان قصدهم في ذلك الاستهزاء ومخالفة الامر، وقيل: إنهم قالوا: حنطة تجاهلا واستهزاء، وكانوا أمروا أن يدخلوا الباب سجدا وطوطئ لهم الباب ليدخلوه كذلك فدخلوه زاحفين على أستاههم.

قوله: " رجزا " أي عذابا، وقال ابن زيد: هلكوا بالطاعون فمات منهم في ساعة واحدة أربعة وعشرون ألفا من كبرائهم.

9 - تفسير العياشي: عن أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام أن رأس المهدي يهدى إلى موسى بن عيسى على طبق، قلت: فقد مات هذا وهذا، قال: فقد قال الله: " ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم " فلم يدخلوها ودخلها الأبناء - أو قال أبناء الأبناء - فكان ذلك دخولهم،

فقلت: أو ترى أن الذي قال في المهدي وفي ابن عيسى يكون مثل هذا؟ فقال: نعم يكون في أولادهم، فقلت: ما ينكر أن يكون ما كان في ابن الحسن يكون في ولده؟

قال: ليس ذاك مثل ذا.

10 - تفسير العياشي: عن حريز ، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، حتى لا تخطؤون طريقهم، ولا يخطئكم سنة بني إسرائيل. ثم قال أبو جعفر عليه السلام: قال موسى لقومه: " يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم " فردوا عليه وكانوا ستمائة ألف، فقالوا: يا موسى " إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون * قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما " أحدهما يوشع بن نون، والآخر كالب بن يافنا، قال: وهما ابنا عمه فقالا: " ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه " إلى قوله: " إنا ههنا قاعدون " قال: فعصى أربعون ألفا، وسلم هارون وابناه ويوشع بن نون وكالب بن يافنا، فسماهم الله فاسقين فقال: " لا تأس على القوم الفاسقين " فتاهوا أربعين سنة لأنهم عصوا فكان حذو النعل بالنعل، إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قبض لم يكن على أمر الله إلا علي والحسن والحسين وسلمان والمقداد وأبو ذر، فمكثوا أربعين حتى قام علي فقاتل من خالفه. بيان: القذة: ريش السهم. وقوله: (وسلم هارون) أي التسليم الكامل. ولعله عليه السلام حسب الأربعين من زمان إظهار النبي صلى الله عليه وآله خلافة أمير المؤمنين عليه السلام وإنكار المنافقين ذلك بقلوبهم حتى أظهروه بعد وفاته صلى الله عليه وآله.

11 - تفسير العياشي: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام عن قوله: " يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم " قال: كتبها لهم ثم محاها.

12 - تفسير العياشي: عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لي: إن بني إسرائيل قال لهم " ادخلوا الأرض المقدسة " فلم يدخلوها حتى حرمها عليهم وعلى أبنائهم، وإنما دخلها أبناء الأبناء.

13 - تفسير العياشي: عن إسماعيل الجعفي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له، أصلحك الله " ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم " أكان كتبها لهم؟ قال: إي والله لقد كتبها لهم ثم بدا له لا يدخلوها. قال: ثم ابتدأ هو فقال: إن الصلاة كانت ركعتين عند الله فجعلها للمسافر وزاد للمقيم ركعتين فجعلها أربعا.

14 - تفسير العياشي: عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن قول الله:

" ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم " قال: كتبها لهم ثم محاها ثم كتبها لأبنائهم فدخلوها، والله يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. 15 - تفسير العياشي: عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر أهل مصر وذكر قوم موسى وقولهم: " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " فحرمها الله عليهم أربعين سنة وتيههم، فكان إذا كان العشاء أخذوا في الرحيل ونادوا: الرحيل الرحيل، الوحي الوحي، فلم يزالوا كذلك حتى تغيب الشفق حتى إذا ارتحلوا واستوت بهم الأرض قال الله للأرض: ديري بهم، فلم يزالوا كذلك حتى إذا أسحروا وقارب الصبح قالوا: إن هذا الماء قد أتيتموه فانزلوا، فإذا أصبحوا إذا أبنيتهم ومنازلهم التي كانوا فيها بالأمس فيقول بعضهم لبعض: يا قوم لقد ظللتم وأخطأتم الطريق، فلم يزالوا كذلك حتى أذن الله لهم فدخلوها وقد كان كتبها لهم.

16 - تفسير العياشي: عن داود الرقي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: نعم الأرض الشام وبئس القوم أهلها، وبئس البلاد مصر، أما إنها سجن

من سخط الله عليه، ولم يكن دخول بني إسرائيل مصر إلا من سخط ومعصية منهم لله، لان الله قال: " ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم " يعني الشام فأبوا أن يدخلوها فتاهوا في الأرض أربعين سنة في مصر وفيا فيها، ثم دخلوها بعد أربعين سنة، قال: وما كان خروجهم من مصر ودخولهم الشام إلا من بعد توبتهم ورضى الله عنهم، وقال:

إني لأكره أن آكل من شئ طبخ في فخارها، وما أحب أن أغسل رأسي من طينها مخافة أن يورثني ترابها الذل ويذهب بغيرتي.

17 - تفسير العياشي: عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى: " ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم " قال: كان في علمه أنهم سيعصون ويتيهون أربعين سنة ثم يدخلونها بعد تحريمه إياها عليهم.

18 - التهذيب: قال الصادق عليه السلام: نومة الغداة مشومة تطرد الرزق، وتصفر اللون وتغيره وتقبحه، وهو نوم كل مشوم، إن الله تعالى يقسم الأرزاق ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وإياكم وتلك النومة، وكان المن والسلوى ينزل على بني إسرائيل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فمن نام تلك الساعة لم ينزل نصيبه، وكان إذا انتبه فلا يرى نصيبه احتاج إلى السؤال والطلب.

19 - تفسير الإمام العسكري: قوله عز وجل: " وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " قال الإمام عليه السلام:

قال الله عز وجل: واذكروا يا بني إسرائيل إذ ظللنا عليكم الغمام لما كنتم في التيه تقيكم حر الشمس وبرد القمر " وأنزلنا عليكم المن والسلوى " المن: الترنجبين كان يسقط على شجرهم فيتناولونه، والسلوى: السمانى أطيب طير لحما يسترسل لهم فيصطادونه، قال الله عز وجل لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا نعمتي وعظموا من عظمته، ووقروا من وقرته ممن أخذت عليكم العهود والمواثيق لهم محمد وآله الطيبين. قال الله عز وجل: وما ظلمونا لما بدلوا وقالوا غير ما به أمروا ولم يفوا بما عليه عوهدوا لان

كفر الكافر لا يقدح في سلطاننا وممالكنا، كما أن إيمان المؤمن لا يزيد في سلطاننا، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون يضرون بها لكفرهم وتبديلهم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

عباد الله عليكم باعتقاد ولايتنا أهل البيت ولا تفرقوا بيننا، وانظروا كيف وسع الله عليكم حيث أوضح لكم الحجة ليسهل عليكم معرفة الحق، ثم وسع لكم في التقية لتسلموا من شرور الخلق، ثم إن بدلتم وغيرتم عرض عليكم التوبة وقبلها منكم، فكونوا لنعماء الله من الشاكرين. ثم قال الله عز وجل: " وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية " إلى قوله تعالى: " ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " قال الإمام عليه السلام: قال الله عز وجل: واذكروا يا بني إسرائيل إذ قلنا لأسلافكم: ادخلوا هذه القرية وهي أريحا من بلاد الشام، وذلك حين خرجوا من التيه، " فكلوا منها " من القرية " حيث شئتم رغدا " واسعا بلا تعب " وادخلوا الباب " القرية " سجدا " مثل الله تعالى على الباب مثال محمد وعلي وأمرهم أن يسجدوا تعظيما لذلك المثال، وأن يجددوا على أنفسهم بيعتهما وذكر موالاتهما، وليذكروا العهد والميثاق المأخوذين عليهم لهما، " وقولوا حطة " أي قولوا: إن سجودنا لله تعظيما لمثال محمد وعلي، واعتقادنا لولايتهما حطة لذنوبنا ومحو لسيئاتنا، قال الله تعالى: " نغفر لكم " أي بهذا الفعل " خطاياكم " السالفة، ونزيل عنكم آثامكم الماضية " وسنزيد المحسنين " من كان فيكم لم يقارف الذنوب التي قارفها من خالف الولاية، وثبت على ما أعطى الله من نفسه من عهد الولاية فإنا نزيدهم بهذا الفعل زيادة درجات ومثوبات، وذلك قوله عز وجل: " وسنزيد المحسنين ".

قوله عز وجل: " فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم " أي لم يسجدوا كما أمروا، ولا قالوا ما أمروا، ولكن دخلوها من مستقبليها بأستاههم وقالوا: هنطا سمقانا، أي حنطة حمراء ينقونها أحب إلينا من هذا الفعل وهذا القول، قال الله

عز وجل: " فأنزلنا على الذين ظلموا " غيروا وبدلوا ما قيل لهم ولم ينقادوا لولاية محمد وعلي وآلهما الطيبين " رجزا من السماء بما كانوا يفسقون " يخرجون عن أمر الله وطاعته قال: والرجز الذي أصابهم أنه مات منهم بالطاعون في بعض يوم مائة وعشرون ألفا، وهم من علم الله تعالى منهم أنهم لا يؤمنون ولا يتوبون، ولم ينزل هذا الرجز على من علم أنه يتوب أو يخرج من صلبه ذرية طيبة يوحد الله ويؤمن بمحمد ويعرف الولاية لعلي وصيه وأخيه، ثم قال الله تعالى: " وإذ استسقى موسى لقومه " قال: واذكروا يا بني إسرائيل إذ استسقى موسى لقومه طلب لهم السقي لما لحقهم العطش في التيه، وضجوا بالبكاء إلى موسى وقالوا: هلكنا بالعطش، فقال موسى: " إلهي بحق محمد سيد الأنبياء، وبحق علي سيد الأوصياء، وبحق فاطمة سيدة النساء، وبحق الحسن سيد الأولياء، وبحق الحسين سيد الشهداء، وبحق عترتهم وخلفائهم سادة الأزكياء لما سقيت عبادك هؤلاء " فأوحى الله تعالى: يا موسى " اضرب بعصاك الحجر " فضربه بها " فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس " كل قبيلة من بني أب من أولاد يعقوب " مشربهم " فلا يزاحم الآخرين في مشربهم، قال الله تعالى: " كلوا واشربوا من رزق الله " الذي آتاكموه " ولا تعثوا في الأرض مفسدين " ولا تسعوا فيها وأنتم مفسدون عاصون. ثم قال الله عز وجل: " وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد " اذكروا إذ قال أسلافكم: لن نصبر على طعام واحد:

المن والسلوى، ولابد لنا من خلط معه " فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها " قال موسى: " أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير " يريد: أتستدعون الأدنى ليكون لكم بدلا من الأفضل، ثم قال: " اهبطوا مصرا " من الأمصار من هذه التيه " فإن لكم ما سألتم " في المصر.

ثم قال الله عز وجل: " وضربت عليهم الذلة " أي الجزية أخزوا بها عند ربهم وعند مؤمني عباده " والمسكنة " هي الفقر والذلة " وباءوا بغضب من الله " احتملوا الغضب واللعنة من الله " ذلك بأنهم كانوا " ذلك الذي لحقهم من الذلة والمسكنة واحتملوا من غضب الله بأنهم كانوا " يكفرون بآيات الله " قبل أن ضرب عليهم هذه الذلة والمسكنة " ويقتلون النبيين بغير الحق " وكانوا يقتلونهم بغير حق بلا جرم كان منهم إليهم ولا إلى غيرهم " ذلك بما عصوا " ذلك الخذلان الذي استولى عليهم حتى فعلوا الآثام التي من أجلها ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله بما عصوا " وكانوا يعتدون " يتجاوزون أمر الله إلى أمر إبليس.

20 - الكافي: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم، عن أبي سعيد الخراساني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إن القائم عليه السلام إذا قام بمكة وأراد أن يتوجه إلى الكوفة نادى مناديه: ألا لا يحمل أحد منكم طعاما ولا شرابا، ويحمل حجر موسى بن عمران - وهو وقر بعير - فلا ينزل منزلا إلا انبعث عين منه، فمن كان جائعا شبع، ومن كان ظامئا روي، فهو زادهم حتى ينزل النجف من ظهر الكوفة.

21 - تفسير الإمام العسكري: أقبل رسول الله على اليهود وقال: احذروا أن ينالكم بخلاف أمر الله وخلاف كتاب الله ما أصاب أوائلكم الذين قال الله فيهم: " فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم " وأمروا بأن يقولوه، فقال الله تعالى: " فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا " عذابا " من السماء " طاعونا نزل بهم فمات منهم مائة وعشرون ألفا، ثم أخذهم بعد ذلك فمات منهم مائة وعشرون ألفا أيضا، وكان خلافهم أنهم لما أن بلغوا الباب رأوا بابا مرتفعا فقالوا:

ما بالنا نحتاج إلى أن نركع عند الدخول ههنا؟ ظننا أنه باب منحط لابد من

الركوع فيه، وهذا باب مرتفع إلى متى يسخر بنا هؤلاء؟ - يعنون موسى ويوشع بن نون - ويسجدوننا في الأباطيل؟ وجعلوا أستاههم نحو الباب وقالوا بدل قولهم حطة الذي أمروا به " حطا سمقانا " يعنون حنطة حمراء، فذلك تبديلهم. تتميم: قال الثعلبي: إن الله عز وجل وعد موسى عليه السلام أن يورثه وقومه الأرض المقدسة وهي الشام، وكان يسكنها الكنعانيون الجبارون. وهم العمالقة من ولد عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، وعد الله موسى أن يهلكهم ويجعل أرض الشام مساكن بني إسرائيل، فلما استقرت ببني إسرائيل الدار بمصر أمرهم الله بالسير إلى أريحا أرض الشام وهي الأرض المقدسة، وقال: يا موسى إني قد كتبتها لكم دارا وقرارا فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فإني ناصركم عليهم، وخذ من قومك اثني عشر نقيبا من كل سبط نقيبا ليكون كفيلا على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به، فاختار موسى النقباء من كل سبط نقيبا وأمره عليهم، فسار موسى عليه السلام ببني إسرائيل قاصدين أريحا فبعث هؤلاء النقباء إليها يتجسسون له الاخبار ويعلمون علمها وحال أهلها، فلقيهم رجلا من الجبارين يقال له عوج بن عناق، قال ابن عمر: كان طول عوج ثلاثة وعشرين ألف ذراع وثلاثمائة وثلاث

وثلاثين ذراعا وثلث ذراع بذراع الملك، وكان عوج يحتجر بالسحاب ويشرب، ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله!. ويروى أنه أتى نوحا عليه السلام أيام الطوفان فقال له: احملني معك في سفينتك، فقال له: اذهب يا عدو الله فإني لم أؤمر بك، وطبق الماء ما على الأرض من جبل وما جاوز ركبتي عوج! وعاش عوج ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله تعالى على يد موسى عليه السلام، وكان لموسى عليه السلام عسكر فرسخ في فرسخ، فجاء عوج حتى نظر إليهم، ثم أتى الجبل وقور منه صخرة على قدر العسكر ثم حملها ليطبقها عليهم، فبعث الله تعالى إليه الهدهد ومعه المسن - يعني منقاره - حتى قور الصخرة فانتقبت فوقعت في عنق عوج فطوقته فصرعته، فأقبل موسى عليه السلام وطوله عشرة أذرع وطول عصاه عشرة أذرع ونزا في السماء عشرة أذرع فما أصاب إلا كعبه وهو مصروع بالأرض فقتله.

قالوا: فأقبلت جماعة كثيرة ومعهم الخناجر فجهدوا حتى جزوا رأسه، فلما قتل وقع على نيل مصر فجسرهم سنة، قالوا: وكانت أمه عنق ويقال عناق إحدى بنات آدم عليه السلام من صلبه، فلما لقيهم عوج وعلى رأسه حزمة حطب أخذ الاثني عشر وجعلهم في حجزته وانطلق بهم إلى امرأته، وقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم

يريدون قتالنا، فطرحهم بين يديها، وقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: لا بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك، فجعلوا يتعرفون أحوالهم، وكان لا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس بالخشب! ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس أو أربعة! فلما خرجوا قال بعضهم لبعض: يا قوم إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم شكوا وارتدوا عن نبي الله، ولكن اكتموا شأنهم وأخبروا موسى وهارون فيريان فيه رأيهما، فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك، ثم انصرفوا إلى موسى عليه السلام بعد أربعين يوما وجاؤوا بحبة من عنبهم وقر رجل، وأخبروا بما رأوا، ثم إنهم نكثوا العهد وجعل كل واحد منهم ينهى سبطه وقريبه عن قتالهم ويخبرهم بما رأوا من حالهم إلا رجلان منهم وفيا بما قالا: يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا ختن موسى عليه السلام على أخته مريم، فلما سمع القوم ذلك من الجواسيس رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: يا ليتنا متنا في أرض مصر، وليتنا نموت في هذه البرية ولا يدخلنا الله القرية فتكون نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم، وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأسا وننصرف إلى مصر، فذلك قوله تعالى إخبارا عنهم: " قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين " قال قتادة: كانت لهم أجسام طويلة وخلقة عجيبة ليست لغيرهم " وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون " فقال لهم موسى: " ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم " فإن الله عز وجل سيفتحها عليكم، وإن الذي أنجاكم وفلق البحر هو الذي يظهركم عليهم فلم يقبلوا وردوا عليه أمره وهموا بالانصراف إلى مصر، فخرق يوشع وكالب ثيابهما و هما اللذان أخبر الله عز وجل عنهما في قوله: " قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما " بالتوفيق والعصمة " ادخلوا عليهم الباب " يعني قرية الجبارين " فإذا دخلتموه فإنكم غالبون " لان الله عز وجل منجز وعده، وإنا رأيناهم وخبرناهم فكانت أجسامهم قوية وقلوبهم ضعيفة فلا تخشوهم " وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين " فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصرهما، وقالوا: " يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " فغضب موسى ودعا عليهم فقال: " رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين " أي فاقض وافصل بيننا وبين القوم

العاصين، وكانت عجلة عجلها موسى عليه السلام فظهر الغمام على باب قبة الزمر، فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: إلى متى يعصيني هذا الشعب؟ وإلى متى لا يصدقون بالآيات؟

لأهلكنهم جميعا ولأجعلن لك شعبا أقوى وأكثر منهم.

فقال موسى : إلهي لو أنك قتلت هذا الشعب كلهم كرجل واحد لقالت الأمم الذين سمعوا: إنما قتل هذا الشعب من أجل أنه لم يستطع أن يدخلهم الأرض المقدسة فقتلهم في البرية، وإنك طويل صبرك، كثيرة نعمك، وأنت تغفر الذنوب، وتحفظ الآباء على الأبناء والأبناء على الآباء فاغفر لهم ولا توبقهم، فقال الله عز وجل: قد غفرت لهم بكلمتك ولكن بعدما سميتهم فاسقين ودعوت عليهم، بي حلفت لأحر من عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع وكالب، ولأتيهنهم في هذه البرية أربعين سنة مكان كل يوم من الأيام التي تجسسوا فيها سنة، وكانت أربعين يوما، ولنلقين جيفهم في هذه القفار، وأما بنوهم الذين لم يعلموا الخير والشر فإنهم يدخلون الأرض المقدسة، فذلك قوله تعالى: " فإنها محرمة عليهم أربعين سنة " في ستة فراسخ، وكانوا ستمائة ألف مقاتل، فكانوا يسيرون كل يوم جادين حتى إذا أمسوا وباتوا فإذا هم في الموضع الذي ارتحلوا منه، ومات النقباء العشرة الذين أفشوا الخبر بغتة، وكل من دخل التيه ممن جاوز عشرين سنة مات في التيه غير يوشع وكالب، ولم يدخل أريحا أحد ممن قالوا: " إنا لن ندخلها أبدا " فلما هلكوا وانقضت الأربعون السنة ونشأت النواشي من ذراريهم ساروا إلى حرب الجبارين، وفتح الله لهم.

* * * * (وفى ذكر النعم التي أنعم الله تعالى على بني إسرائيل في التيه) * قال الله سبحانه: " يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي الذي أنعمت عليكم " أي على أجدادكم وأسلافكم، وذلك أن الله سبحانه وتعالى فلق البحر لهم، وأنجاهم من فرعون، و أهلك عدوهم، وأورثهم ديارهم وأموالهم، وأنزل عليهم التوراة فيها بيان كل شئ يحتاجون إليه، وأعطاهم ما أعطاهم في التيه، وذلك أنهم قالوا لموسى في التيه: أهلكتنا وأخرجتنا من العمران والبنيان إلى مفازة لا ظل فيها ولاكن فأنزل الله تعالى عليهم غماما أبيض رقيقا وليس بغمام المطر أرق وأطيب وأبرد منه فأظلهم، وكان يسير معهم إذا ساروا، ويدوم عليهم من فوقهم إذا نزلوا، فذلك قوله تعالى: " وظللنا عليكم الغمام " يعني في التيه تقيكم من حر الشمس ، ومنها أنه جعل لهم عمودا من نور يضئ لهم بالليل إذا لم يكن ضوء القمر، فقالوا: هذا الظل والنور قد حصل فأين الطعام؟ فأنزل الله تعالى عليهم المن، واختلفوا فيه فقال مجاهد: هو شئ كالصمغ كان يقع على الأشجار وطعمه كالشهد، وقال الضحاك: هو الترنجبين، وقال وهب: هو الخبز الرقاق، وقال السدي: هو عسل كان يقع على الشجر من الليل فيأكلون منه، وقال عكرمة: هو شئ أنزله الله عليهم مثل الرب الغليظ، وقال الزجاج: جملة المن ما يمن الله به مما لا تعب فيه ولا نصب، كقول النبي صلى الله عليه وآله: " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين) قالوا: وكان ينزل عليهم هذا المن كل ليلة يقع على أشجارهم مثل الثلج، لكل إنسان منهم صاع كل ليلة، فقالوا:

يا موسى قتلنا هذا المن حلاوته فادع لنا ربك يطعمنا اللحم، فدعا موسى عليه السلام فأنزل الله عليهم السلوى.

واختلفوا فيه: فقال ابن عباس وأكثر الناس: هو طائر يشبه السماني، وقال أبو العالية ومقاتل: هي طير حمر بعث الله سبحانه سحابة فمطرت السماني عليهم في عرض ميل وقدر طول رمح في السماء بعضها على بعض وكانت السماء تمطر عليهم ذلك، وقيل: كانت طيرا مثل فراخ الحمام طيبا وسمنا قد تمعط ريشها وزغبها فكانت الريح تأتي بها إليهم فيصبحون وهو في معسكرهم، وقيل: إنها طير كانت تأتيهم فتسترسل لهم فيأخذونها بأيديهم، وقال عكرمة: هي طير تكون بالهند أكبر من العصفور، وقيل: هو العسل بلغة كنانة، فكان الله تعالى يرسل عليهم المن والسلوى فيأخذ كل واحد منهما ما يكفيه يوما وليلة، فإذا كان يوم الجمعة أخذ ما يكفيه يومين، لأنه لم يكن ينزل عليهم يوم السبت، فذلك قوله تعالى: " وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا " أي وقلنا لهم: كلوا " من طيبات " حلالات " ما رزقناكم " ولا تدخروا لغد، فخبوا لغد وتدود وفسد ما ادخروا وقطع الله عنهم ذلك، قال الله تعالى: " وما ظلمونا " أي ما يضرونا بالمعصية ومخالفة الامر " ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " يضرون باستيجابهم قطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا مؤونة ولا مشقة في الدنيا، ولا حساب ولا تبعة في العقبى.

ومنها أنهم عطشوا في التيه فقالوا: يا موسى من أين لنا الشراب؟ فاستسقى لهم موسى عليه السلام فأوحى الله سبحانه إليه: " أن اضرب بعصاك الحجر " واختلف العلماء فيه فقال وهب: كان موسى عليه السلام يقرع لهم أقرب حجر من عرض الحجارة فتنفجر عيونا، لكل سبط عين، وكانوا اثني عشر سبطا، ثم تسيل كل عين في جدول إلى سبط، فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشا، فأوحى الله عز وجل إلى موسى: لا تقرعن الحجارة بالعصا ولكن كلمها تطعك لعلهم يعتبرون، وكان يفعل ذلك، فقالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى الوحل وإلى الأرض التي ليست فيها حجارة؟ فأمر موسى فحمل معه حجرا فحيث ما نزلوا ألقاه.

وقال الآخرون: كان حجرا مخصوصا بعينه والدليل عليه قوله: " الحجر " فادخل الألف واللام للتعريف والتخصيص مثل قولك: رأيت الرجل.

ثم اختلفوا في ذلك الحجر ما هو؟ فقال ابن عباس: كان حجرا خفيفا مربعا مثل رأس الرجل، امر أن يحمله فكان يضع في مخلاته، فإذا احتاجوا إلى الماء ألفاه وضربه بعصاه فسقاهم، وقال أبو روق: كان الحجر من الكدان وهو حجارة رخوة كالمدر وكان فيه اثنا عشر حفرة، ينبع من كل حفرة عين ماء عذب فيأخذونه، فإذا فرغوا وأراد موسى حمله ضربه بعصاه فيذهب الماء، وكان يسقي كل يوم ستمائة ألف.

ومنها أنهم قالوا لموسى في التيه: من أين لنا اللباس؟ فجدد الله لهم ثيابهم التي كانت عليهم حتى لا تزيد على كرور الأيام ومرور الأعوام إلا جدة وطراوة ولا تخلق ولا تبلى، وتنمو على صبيانهم كما ينمون. انتهى. أقول: لا يخفى عليك مما أوردنا في تلك الأبواب أن موسى وهارون عليهما السلام لم يخرجا من التيه، وإن حجر موسى عليه السلام كان حجرا مخصوصا وهو عند قائمنا عليه السلام وسيأتي الاخبار في ذلك في كتاب الغيبة.

وروى الثعلبي عن وهب بن منبه قال: أوحى الله تعالى إلى موسى أن يتخذ مسجدا لجماعتهم، وبيت المقدس للتوراة ولتابوت السكينة، وقبابا للقربان، وأن يجعل لذلك المسجد سرادقات ظاهرها وباطنها من الجلود الملبسة عليها، وتكون تلك الجلود من جلود ذبائح القربان، وحبالها التي تمد بها من أصواف تلك الذبائح، وعهد أن لا تغزل تلك الحبال حائض، وأن لا يدبغ تلك الجلود جنب، وأمره أن ينصب تلك السرادقات على عمد من نحاس طول كل عمود منها أربعون ذراعا، ويجعل منه اثني عشر قسما مشرحا،

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.