پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب النبوة

باب 2 أحوال موسى عليه السلام من حين ولادته إلى نبوته

ج ۱۳، ص ۱۳–۳۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۳

من الناصحين * فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين * ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل * ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير * فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير * فجاءته إحديهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين * قالت إحديهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين * قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين * قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل * فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون * فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين * وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل و لا تخف إنك من الآمنين * اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم قوما فاسقين * قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون * وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون * قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون

3 - 35 تفسير: قال الطبرسي نور الله ضريحه: " علا في الأرض " أي بغى وتجبر في أرض مصر " وجعل أهلها شيعا " أي فرقا يكرم أقواما ويذل آخرين، أو جعل بني إسرائيل أقوما في الخدمة والتسخير " يستضعف طائفة منهم " يعني بني إسرائيل " يذبح أبناءهم و يستحيي نساءهم " يقتل الأبناء ويستبقي البنات ولا يقتلهن، وذلك أن بعض الكهنة قال له:

إن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون سبب ذهاب ملكك، وقيل: رأى فرعون في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني

إسرائيل، فسأل علماء قومه فقالوا: يخرج من هذا البلد رجل يكون هلاك مصر على يده " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا " أي أن فرعون كان يريد إهلاك - بني إسرائيل و نحن نريد أن نمن عليهم " ونجعلهم أئمة " أي قادة ورؤساء في الخير " ونجعلهم الوارثين " لديار فرعون وقومه وأموالهم " ونمكن لهم في الأرض " أي أرض مصر " منهم " أي من بني إسرائيل " ما كانوا يحذرون " من ذهاب الملك على يد رجل منهم، قال الضحاك: عاش فرعون أربعمائة سنة وكان قصيرا دميما، وهو أول من خضب بالسواد، وعاش موسى عليه السلام مائة وعشرين سنة. " وأوحينا إلى أم موسى " أي ألهمناها وقذفناها في قلبها، وليس بوحي نبوة، وقيل: أتاها جبرئيل عليه السلام بذلك، وقال: كان الوحي رؤيا منام عبر عنها من تثق به من علماء بني إسرائيل " أن أرضعيه " ما لم تخافي عليه الطلب " فإذا خفت عليه " القتل " فألقيه في اليم " أي في البحر وهو النيل " ولا تخافي " عليه الضيعة " ولا تحزني " عن فراقه " إنا رادوه إليك " سالما عن قريب.

قال وهب: لما حملت بموسى أمه كتمت أمرها عن جميع الناس، ولم يطلع على حملها أحد من خلق الله، وذلك شئ ستره الله لما أراد أن يمن به على بني إسرائيل، فلما كانت السنة التي تولد فيها موسى بعث فرعون القوابل وتقدم إليهن أن يفتشن النساء تفتيشا لم يفتشنه قبل ذلك، وحملت أم موسى فلم ينتأ بطنها، ولم يتغير لونها ولم

يظهر لبنها، فكانت القوابل لا يعرضن لها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها موسى ولدته أمه ولا رقيب عليها ولا قابلة ولم يطلع عليها أحد إلا أخته مريم، وأوحى الله تعالى إليها " أن أرضعيه " الآية، قال: وكتمته أمه ثلاثة أشهر ترضعه في حجرها لا يبكي ولا يتحرك، فلما خافت عليه عملت له تابوتا مطبقا ومهدت له فيه ثم ألقته في البحر ليلا كما أمرها الله تعالى.

" فالتقطه آل فرعون " أي أصابوه وأخذوه من غير طلب " ليكون لهم عدوا وحزنا " أي ليكون لهم في عاقبة أمره كذلك، لا أنهم أخذوه لذلك، وكانت القصة في ذلك أن النيل جاء بالتابوت إلى موضع فيه فرعون وامرأته على شط النيل، فأمر فرعون به وفتحت آسية بنت مزاحم بابه، فلما نظرت إليه ألقى الله في قلبها محبة موسى، وكانت آسية بنت مزاحم امرأة من بني إسرائيل استنكحها فرعون، وهي من خيار النساء، ومن بنات الأنبياء، وكانت اما للمؤمنين ترحمهم وتتصدق عليهم يدخلون عليها، فلما نظر فرعون إلى موسى غاظه ذلك فقال: كيف أخطأ هذا الغلام الذبح؟! قالت آسية وهي قاعدة إلى جنبه: هذا الوليد أكبر من ابن سنة، وإنما أمرت أن تذبح الولدان لهذه السنة فدعه يكن قرة عين لي ولك، وإنما قالت ذلك لأنه لم يكن له ولد فأطمعته في الولد " وهم لا يشعرون " أن هلاكهم على يديه " فارغا " أي خاليا من ذكر كل شئ إلا من ذكر موسى، أو من الحزن سكونا إلى ما وعدها الله به، أو من الوحي الذي أوحي إليها بنسيانها " إن كادت لتبدي به " أي أنها كادت تبدي بذكر موسى فتقول: يا ابناه من شدة الوجد، أوهمت بأن تقول أنها أمه لما رأته عند دعاء فرعون إياها للارضاع لشدة سرورها به " وقالت " أي أم موسى " لأخته " أي أخت موسى واسمها كليمة " قصيه "

أي اتبعي أثره وتعرفي خبره " فبصرت به عن جنب " تقديره: فذهبت أخت موسى فوجدت آل فرعون أخرجوا موسى " فبصرت به عن جنب " أي عن بعد، وقيل: عن جانب تنظر إليه وجعلت تدخل إليهم كأنها لا تريده " وهم لا يشعرون " أنها أخته أو جاءت متعرفة عن خبره " وحرمنا عليه المراضع " أي منعناهن منه وبغضناهن إليه فلا يؤتى بمرضع فيقبلها " من قبل " أي من قبل مجئ أمه " فقالت هل أدلكم " وهذا يدل على أن الله تعالى ألقى محبته في قلب فرعون فلغاية شفقته عليه طلب له المراضع، وكان موسى عليه السلام لا يقبل ثدي واحدة منهن بعد أن أتاه مرضع بعد مرضع، فلما رأت أخته وجدهم به ورأفتهم عليه قالت لهم:

" هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم " أي يقبلون هذا الولد، ويبذلون النصح في أمره، ويحسنون تربيته " وهم له ناصحون " يشفقون عليه، قيل: إنها لما قالت ذلك قال هامان:

إن هذه المرأة تعرف أن هذا الولد من أي أهل بيت هو، فقالت هي: إنما عنيت أنهم ناصحون للملك فأمسكوا عنها.

" ورددناه إلى أمه " فانطلقت أخت موسى إلى أمها فجاءت بها إليهم، فلما وجد موسى ريح أمه قبل ثديها وسكن بكاؤه، وقيل: إن فرعون قال لامه: كيف ارتضع منك ولم يرتضع من غيرك؟ قالت: لأني امرأة طيبة الريح، طيبة اللبن، لا أكاد اوتى بصبي إلا ارتضع مني، فسر فرعون بذلك " ولكن أكثرهم لا يعلمون " أن وعد الله حق.

" ولما بلغ أشده " أي ثلاثا وثلاثين سنة " واستوى " أي بلغ أربعين سنة " آتيناه حكما وعلما " أي فقها وعقلا وعلما بدينه ودين آبائه، فعلم موسى وحكم قبل أن يبعث نبيا، وقيل: نبوة وعلما " ودخل المدينة " يريد مصر، وقيل: مدينة ميق من أرض مصر، وقيل: على فرسخين من مصر " على حين غفلة من أهلها " أراد به نصف النهار و

الناس قائلون، وقيل: بين العشائين، وقيل: كان يوم عيد لهم وقد اشتغلوا بلعبهم، و اختلفوا في سبب دخوله فقيل: إنه كان موسى حين كبر يركب في مواكب فرعون، فلما كان ذات يوم قيل له: إن فرعون قد ركب فركب في أثره، فلما كان وقت القائلة دخل المدينة ليقيل، وقيل: إن بني إسرائيل كانوا يجتمعون إلى موسى ويسمعون كلامه، و لما بلغ أشده خالف قوم فرعون فاشتهر ذلك منه، وأخافوه فكان لا يدخل مصرا إلا خائفا " فدخلها على حين غفلة " وقيل: إن فرعون أمر بإخراجه من البلد فلم يدخل إلا الآن " يقتتلان " أي يختصمان في الدين، وقيل: في أمر الدنيا " هذا من شيعته وهذا من عدوه " أي أحدهما إسرائيلي والآخر قبطي يسخر الإسرائيلي ليحمل حطبا إلى مطبخ فرعون، و قيل: كان أحدهما مسلما والآخر كافرا " فاستغاثه الذي من شيعته " استنصره لينصره عليه.

وروى أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ليهنئكم الاسم، قال: وما الاسم؟

قال: الشيعة، أما سمعت الله سبحانه يقول: " فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى " أي دفع في صدره بجمع كفه، وقيل: ضربه بعصاه " فقضى عليه " أي فقتله وفرغ من أمره.

" قال رب إني ظلمت نفسي " يعني في هذا القتل فإنهم لو علموا بذلك لقتلوني " رب بما أنعمت علي " أي بنعمتك علي من المغفرة وصرف بلاء الأعداء عني " فلن أكون ظهيرا للمجرمين " أي فلك علي أن لا أكون مظاهرا ومعينا للمشركين " فأصبح " موسى في اليوم الثاني " في المدينة خائفا " من قتل القبطي " يترقب " أي ينتظر الاخبار، يعني أنه خاف من فرعون وقومه أن يكونوا عرفوا أنه هو الذي قتل القبطي، وكان يتجسس وينتظر الاخبار في شأنه " فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه " معناه أن الإسرائيلي الذي كان قد خلصه بالأمس ووكز القبطي من أجله يستصرخ ويستعين به على رجل آخر من القبط خاصمه، قال ابن عباس: لما فشا قتل القبطي قيل لفرعون: إن بني إسرائيل قتلوا رجلا منا، قال: أتعرفون قاتله ومن يشهد عليه؟ قالوا: لا، فأمرهم بطلبه فبينا هم يطوفون إذ مر موسى عليه السلام من الغد ورأي ذلك الإسرائيلي يطلب نصرته ويستغيث به

" قال له موسى إنك لغوي مبين " أي ظاهر الغواية، قاتلت بالأمس رجلا وتقاتل اليوم آخر، ولم يرد الغواية في الدين، والمراد أن من خاصم آل فرعون مع كثرتهم فإنه غوي أي خائب فيما يطلبه، عادل عن الصواب فيما يقصده.

" فلما أراد أن يبطش " أي فلما أخذته الرقة على الإسرائيلي وأراد أن يدفع القبطي الذي هو عدو لموسى والإسرائيلي عنه ويبطش به، أي يأخذه بشدة ظن الإسرائيلي أن موسى قصده لما قال له: " إنك لغوي مبين " فقال: " أتريد أن تقتلني " وقيل: هو من قول القبطي لأنه قد اشتهر أمر القتل بالأمس وأنه قتله بعض بني إسرائيل " إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض " أي ما تريد إلا أن تكون جبارا عاليا في الأرض بالقتل والظلم، ولما قال الإسرائيلي ذلك علم القبطي أن القاتل موسى، فانطلق إلى فرعون فأخبره به، فأمر فرعون بقتل موسى وبعث في طلبه.

" فخرج منها " أي من مدينة فرعون " خائفا " من أن يطلب فيقتل " يترقب " الطلب قال ابن عباس: خرج متوجها نحو مدين وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه، و قيل: إنه خرج بغير زاد ولا حذاء ولا ظهر وكان لا يأكل إلا من حشيش الصحراء حتى بلغ ماء مدين " ولما توجه تلقاء مدين " قال الزجاج: أي لما سلك في الطريق الذي يلقى مدين فيها، وهي على مسيرة ثمانية أيام من مصر، نحو ما بين الكوفة إلى البصرة، ولم يكن له بالطريق علم ولذلك قال: " عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " أي يرشدني قصد السبيل إلى مدين، وقيل: إنه لم يقصد موضعا بعينه ولكنه أخذ في طريق مدين.

وقال عكرمة: عرضت لموسى أربع طرق فلم يدر أيتها يسلك، ولذلك قال: " عسى ربي أن يهديني " فلما دعا ربه استجاب له ودله على الطريق المستقيم إلى مدين، وقيل: جاء ملك على فرس بيده عنزة فانطلق به إلى مدين، وقيل: إنه خرج حافيا ولم يصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه عن ابن جبير " فلما ورد ماء مدين " وهو بئر كانت لهم

" وجد عليه أمة من الناس " أي جماعة من الرعاة يسقون مواشيهم الماء من البئر " تذودان " أي تحبسان وتمنعان غنمهما من الورود إلى الماء، أو عن أن تختلط بأغنام الناس، أو تذودان الناس عن مواشيهما " قال " موسى لهما: " ما خطبكما " أي ما شأنكما؟ ومالكما لا تسقيان مع الناس؟ " قالتا لا نسقي " عند المزاحمة مع الناس " حتى يصدر الرعاء " قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وابن عامر يصدر بفتح الياء وضم الدال، أي حتى يرجع الرعاء من سقيهم، والباقون يصدر بضم الياء وكسر الدال، أي حتى يصدروا مواشيهم عن وردهم فإذا انصرف الناس سقينا مواشينا من فضول الحوض " وأبونا شيخ كبير " لا يقدر أن تولى السقي بنفسه من الكبر، ولذلك احتجنا ونحن نساء أن نسقي الغنم، وإنما قالتا ذلك تعريضا للطلب من موسى أن يعينهما على السقي أو اعتذارا في الخروج بغير محرم " فسقى لهما " أي فسقى موسى غنمهما الماء لأجلهما، وهو أنه زحم القوم على الماء حتى أخرجهم عنه ثم سقى لهما، وقيل: رفع لأجلهما حجرا عن بئر كان لا يقدر على رفع ذلك الحجر إلا عشرة رجال وسألهم أن يعطوه دلوا فنالوه دلوا وقالوا له: انزح إن أمكنك، وكان لا ينزحها إلا عشرة فنزحها وحده، وسقى أغنامهما ولم يسق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت الغنم " ثم تولى إلى الظل " أي ثم انصرف إلى ظل سمرة فجلس تحتها من شدة الحر وهو جائع " فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " قال ابن عباس: سأل نبي الله اكلة من خبز يقيم به صلبه، وقال ابن إسحاق: فرجعتا إلى أبيهما في ساعة كانا لا ترجعان فيها فأنكر شأنهما وسألهما فأخبرتاه الخبر، فقال لإحداهما: علي به، فرجعت الكبرى إلى موسى لتدعوه فذلك قوله: " فجاءته إحديهما تمشي على استحياء " أي مستحيية معرضة عن عادة النساء الخفرات، وقال: غطت وجهها بكم درعها " قالت إن أبي يدعوك ليجزيك " أي ليكافئك على سقيك لغنمنا.

وأكثر المفسرين على أن أباها شعيب عليه السلام، وقال وهب وابن جبير: هو يثروب

أخي شعيب، وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعدما كف بصره ودفن بين المقام وزمزم، و قيل: يثروب هو اسم شعيب، قال أبو حازم: لما قالت: " ليجزيك أجر ما سقيت لنا " كره ذلك موسى عليه السلام وأراد أن لا يتبعها ولم يجد بدا أن يتبعها لأنه كان في أرض مسبعة وخوف فخرج معها، وكانت الريح تضرب ثوبها فيصف لموسى عجزها، فجعل موسى يعرض عنها مرة ويغض مرة، فناداها: يا أمة الله كوني خلفي فأريني السمت بقولك، فلما دخل على شعيب إذا هو بالعشاء مهيأ فقال له شعيب: اجلس يا شاب فتعش فقال له موسى : أعوذ بالله، قال شعيب: ولم ذاك؟ ألست بجائع؟ قال: بلى ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما، وإنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من عمل الآخرة بملء الأرض ذهبا، فقال له شعيب: لا والله يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف ونطعم الطعام، قال: فجلس موسى يأكل.

" نجوت من القوم الظالمين " يعني فرعون وقومه فإنهم لا سلطان لهم بأرضنا ولسنا من مملكته " قالت إحديهما " أي إحدى ابنتيه واسمها صفورة وهي التي تزوج بها، واسم الأخرى ليا، وقيل: اسم الكبرى صفراء، واسم الصغرى صفيراء " يا أبت استأجره " أي اتخذه أجيرا " القوي الأمين " أي من يقوى على العمل وأداء الأمانة " على أن تأجرني " أي على أن تكون أجيرا لي ثمان سنين " فمن عندك " أي ذلك تفضل منك وليس بواجب عليك " وما أريد أن أشق عليك " في هذه الثماني حجج وأن أكلفك خدمة سوى رعي الغنم، وقيل: وما أشق عليك بأن آخذك بإتمام عشر سنين " ستجدني إن شاء الله من الصالحين " في حسن الصحبة والوفاء بالعهد، وحكى يحيى بن سلام أنه جعل لموسى كل سخلة توضع على خلاف شية أمها، فأوحى الله تعالى إلى موسى في المنام: أن ألق عصاك في الماء، ففعل فولدن كلهن على خلاف شبههن، وقيل: إنه وعده أن يعطيه

تلك السنة من نتاج غنمه كل أدرع وإنما نتجت كلها درعاء.

وروى الحسين بن سعيد، عن صفوان بن يحيى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل أيتهما التي قالت: " إن أبي يدعوك "؟ قال: التي تزوج بها، قيل: فأي الأجلين قضى؟ قال:

أوفاهما وأبعدهما عشر سنين، قيل: فدخل بها قبل أن يمضي الشرط أو بعد انقضائه؟

قال: قبل أن ينقضي، قيل له: فالرجل يتزوج المرأة ويشترط لأبيها إجارة شهرين أيجوز ذلك؟ قال: إن موسى عليه السلام علم أنه سيتم له شرطه، قيل: كيف؟ قال: إنه علم أنه سيبقى حتى يفي.

" قال " موسى " ذلك بيني وبينك " أي ذلك الذي شرطت علي فلك، وما شرطت لي من تزويج إحداهما فلي وتم الكلام، ثم قال: " أيما الأجلين " من الثماني والعشر " قضيت " أي أتممت وفرغت منه " فلا عدوان علي " أي فلا ظلم علي بأن أكلف أكثر منها " والله على ما نقول وكيل " أي شهيد فيما بيني وبينك " فلما قضى موسى الأجل " أي أوفاهما، وروى الواحدي بإسناده عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى؟ فقل: خيرهما وأبرهما، وإذا سئل أي المرأتين تزوج؟ فقل:

الصغرى منهما وهي التي جاءت فقال: " يا أبت استأجره ".

وقال وهب: تزوج الكبرى منهما، وفي الكلام حذف وهو: فلما قضى موسى الأجل وتسلم زوجته ثم توجه نحو الشام وسار بأهله " آنس من جانب الطور نارا " وقيل: إنه لما زوجها منه أمر الشيخ أن يعطى موسى عصا يدفع السباع عن غنمه بها فاعطي العصا، وقيل: خرج آدم بالعصا من الجنة فأخذها جبرئيل عليه السلام بعد موت آدم وكانت معه حتى لقي بن موسى عليه السلام ليلا فدفعها إليه، وقيل: لم تزل الأنبياء يتوارثونها حتى وصلت إلى شعيب عليه السلام فأعطاها موسى وكانت عصي الأنبياء عنده.

وروى عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كانت عصا موسى قضيب آس من الجنة أتاه به جبرئيل لما توجه تلقاء مدين.

وقال السدي: كانت تلك العصا استودعها شعيبا ملك في صورة رجل فأمر ابنته أن تأتيه بعصا فدخلت وأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها الشيخ قال: ايتيه بغيرها، فألقتها وأرادت أن تأخذ غيرها فكان لا تقع في يدها إلا هي، فعلت ذلك مرارا فأعطاها موسى.

وقوله: " سار بأهله " قيل: إنه مكث بعد انقضاء الأجل عند صهره عشرا أخرى تمام عشرين، ثم استأذنه في العود إلى مصر ليزور والدته وأخاه فأذن له فسار بأهله، عن مجاهد، وقيل: إنه لما قضى العشر سار بأهله أي بامرأته وبأولاد الغنم التي كانت له وكانت قطيعا فأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته في شهرها فسار في البرية غير عارف بالطريق فألجأه المسير إلى جانب الطور الأيمن في ليلة مظلمة شديدة البرد، وأخذ امرأته الطلق، وضل الطريق وتفرقت ماشيته وأصابه المطر فبقي لا يدري أين يتوجه، فبينا هو كذلك إذ آنس من جانب الطور نارا.

وروى أبو بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما قضى موسى الأجل وسار بأهله نحو بيت المقدس أخطأ الطريق ليلا فرأى نارا " إني آنست نارا " أي أبصرت بخبر، أي من الطريق الذي أريد قصده وهل أنا على صوبه أو منحرف عنه، وقيل: بخبر من النار هل هي لخير نأنس به أو لشر نحذره " أو جذوة " أي قطعة من النار، وقيل: بأصل شجرة فيها نار " لعلكم تصطلون " أي تستدفئون بها " من شاطئ الواد الأيمن " أي من الجانب الأيمن للوادي " في البقعة المباركة " وهي البقعة التي قال الله تعالى فيها لموسى: " اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى " وإنما كانت مباركة لأنها معدن الوحي والرسالة وكلام الله تعالى، أو لكثرة الأشجار والثمار والخير والنعم بها، والأول أصح " من الشجرة " إنما سمع موسى عليه السلام النداء والكلام من الشجرة لان الله تعالى فعل الكلام فيها، وجعل الشجرة محل الكلام، لان الكلام عرض يحتاج إلى محل، وعلم موسى بالمعجزة أن ذلك كلامه تعالى، وهذه أعلى منازل الأنبياء، أعني أن يسمعوا كلام الله من غير واسطة ومبلغ وكان كلامه سبحانه: " أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين " أي أن المكلم لك هو الله مالك العالمين تعالى وتقدس عن أن يحل في محل، أو يكون في مكان لأنه ليس بعرض ولا جسم

" وأن ألق عصاك " إنما أعاد سبحانه هذه القصة وكررها في السور تقريرا للحجة على أهل الكتاب واستمالة بهم إلى الحق، ومن أحب شيئا أحب ذكره، والقوم كانوا يدعون محبة موسى عليه السلام، وكل من ادعى اتباع سيده مال إلى ذكره بالفضل، على أن كل موضع من مواضع التكرار لا يخلو من زيادة فائدة " فلما رآها تهتز " أي تتحرك " كأنها جان " من سرعة حركتها أو شدة اهتزازها " ولى مدبرا " موسى " ولم يعقب " أي لم يرجع، فنودي: " يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين " من ضررها " اسلك يدك " أي أدخلها " من غير سوء " أي من غير برص " واضمم إليك جناحك من الرهب " أي ضم يدك إلى صدرك من الخوف فلا خوف عليك، عن ابن عباس ومجاهد، والمعنى أن الله سبحانه أمره أن يضم يده إلى صدره فيذهب ما أصابه من الخوف عند معاينة الحية، وقيل: أمره سبحانه بالعزم على ما أراده منه وحثه على الجد فيه لئلا يمنعه الخوف الذي يغشاه في بعض الأحوال فيما أمره بالمضي فيه، وليس يريد بقوله: " اضمم يدك " الضم المزيل للفرجة بين الشيئين، وقيل: إنه لما ألقى العصا وصارت حية بسط يده كالمتقي وهما جناحاه فقيل له: " اضمم إليك جناحك " أي ما بسطته من يدك لأنك آمن من ضررها، ويجوز أن يكون معناه أسكن ولا تخف فإن من هاله أمر أزعجه حتى كأنه يطيره، وآلة الطيران الجناح، فكأنه عليه السلام قد بلغ نهاية الخوف فقيل له: ضم منشور جناحك من الخوف واسكن، وقيل: معناه: إذا هالك أمر يدك لما تبصر من شعاعها فاضممها إليك لتسكن " فذانك برهانان " أي اليد والعصا حجتان من ربك على نبوتك مرسلا بهما إلى فرعون وملائه.

قوله: " هو أفصح مني لسانا " إنما قال ذلك لعقدة كانت في لسانه " فأرسله معي ردءا " أي معينا لي على تبليغ رسالتك " يصدقني " أي مصدقا لي على ما أؤديه من الرسالة

وقيل: أي لكي يصدقني فرعون " قال سنشد عضدك بأخيك " أي سنجعله رسولا معك وننصرك به " ونجعل لكما سلطانا " أي حجة وقوة وبرهانا " فلا يصلون إليكما بآياتنا " أي لا يصل فرعون وقومه إلى الاضرار بكما بسبب ما نعطيكما من الآيات وما يجري على أيديكما من المعجزات، وقيل: إن قوله " بآياتنا " موضعه التقديم، أي ونجعل لكما سلطانا بآياتنا فلا يصلون إليكما " أنتما ومن اتبعكما الغالبون " على فرعون وقومه، القاهرون لهم. أقول: سيأتي سائر الآيات وتفسيرها في الباب الآتي.

1 - منتخب البصائر: بإسناده إلى المفضل بن عمر، عن الصادق عليه السلام قال: إن بقاع الأرض تفاخرت، ففخرت الكعبة على البقعة بكربلاء فأوحى الله إليها: اسكتي ولا تفخري عليها فإنها البقعة المباركة التي نودي موسى منها من الشجرة.

2 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن ابن محبوب، عن العلاء، عن محمد، عن أبي جعفر عليه السلام قال:

إن موسى عليه السلام لما حملت أمه به لم يظهر حملها إلا عند وضعه، وكان فرعون قد وكل بنساء بني إسرائيل نساء من القبط تحفظهن، وذلك أنه لما كان بلغه عن بني إسرائيل أنهم يقولون: إنه يولد فينا رجل يقال له موسى بن عمران يكون هلاك فرعون و أصحابه على يديه، فقال فرعون عند ذلك: لأقتلن ذكور أولادهم حتى لا يكون ما يريدون وفرق بين الرجال والنساء، وحبس الرجال في المحابس، فلما وضعت أم موسى بموسى عليه السلام نظرت وحزنت واغتمت وبكت وقالت: يذبح الساعة، فعطف الله قلب الموكلة بها عليه، فقالت لام موسى: مالك قد اصفر لونك؟ فقالت: أخاف أن يذبح ولدي، فقالت: لا تخافي، وكان موسى لا يراه أحد إلا أحبه وهو قول الله عز وجل، " وألقيت عليك محبة مني " فأحبته القبطية الموكلة به، وأنزل الله على أم موسى التابوت ونوديت: ضعه في التابوت فاقذفيه في اليم وهو البحر، ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك

وجاعلوه من المرسلين، فوضعته في التابوت وأطبقت عليه وألقته في النيل، وكان لفرعون قصر على شط النيل متنزه فنظر من قصره - ومعه آسية امرأته - إلى سواد في النيل ترفعه الأمواج وتضربه الرياح حتى جاءت به على باب قصر فرعون، فأمر فرعون بأخذه فاخذ التابوت ورفع إليه فلما فتحه وجد فيه صبيا، فقال: هذا إسرائيلي، فألقى الله في قلب فرعون لموسى محبة شديدة وكذلك في قلب آسية، وأراد أن يقتله فقالت آسية: " لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا " وهم لا يشعرون أنه موسى ولم يكن لفرعون ولد، فقال: التمسوا له ظئرا تربيه، فجاؤوا بعدة نساء قد قتل أولادهن فلم يشرب لبن أحد من النساء، وهو قول الله: " وحرمنا عليه المراضع من قبل " وبلغ أمه أن فرعون قد أخذه فحزنت وبكت كما قال الله: " وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به " يعني كادت أن تخبرهم بخبره، أو تموت ثم ضبطت نفسها، فكانت كما قال: " لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين " ثم قالت لأخت موسى:

قصيه، أي اتبعيه، فجاءت أخته إليه فبصرت به عن جنب، أي عن بعد وهم لا يشعرون، فلما لم يقبل موسى بأخذ ثدي أحد من النساء اغتم فرعون غما شديدا فقالت أخته:

" هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون " فقالوا: نعم، فجاءت بأمه، فلما أخذته في حجرها وألقمته ثديها التقمه وشرب ففرح فرعون وأهله وأكرموا أمه فقالوا لها: ربيه لنا فإنا نفعل بك ونفعل وذلك قول الله: " فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون " وكان فرعون يقتل أولاد بني إسرائيل كل ما يلدون، ويربي موسى ويكرمه، ولا يعلم أن هلاكه على يده، فلما درج موسى كان يوما عند فرعون فعطس موسى فقال: " الحمد لله رب العالمين " فأنكر فرعون ذلك عليه ولطمه وقال: ما هذا الذي تقول؟ فوثب موسى على لحيته وكان طويل اللحية

فهلبها أي قلعها، فهم فرعون بقتله، فقالت امرأته: غلام حدث لا يدري ما يقول، وقد لطمته بلطمتك إياه، فقال فرعون: بل يدري، فقالت له: ضع بين يديك تمرا وجمرا، فإن ميز بينهما فهو الذي تقول، فوضع بين يديه تمرا وجمرا فقال له: كل، فمد يده إلى التمر فجاء جبرئيل فصرفها إلى الجمر في فيه فاحترق لسانه فصاح وبكى، فقالت آسية لفرعون: ألم أقل لك أنه لا يعقل؟ فعفى عنه.

قال الراوي: فقلت لأبي جعفر عليه السلام: فكم مكث موسى غائبا عن أمه حتى رده الله عليها؟ قال: ثلاثة أيام، فقلت: وكان هارون أخا موسى لأبيه وأمه؟ قال: نعم، أما تسمع الله يقول: " يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي " فقلت: فأيهما كان أكبر سنا؟ قال:

هارون، فقلت: وكان الوحي ينزل عليهما جميعا؟ قال: كان الوحي ينزل على موسى، وموسى يوحيه إلى هارون، فقلت له: أخبرني عن الاحكام والقضاء والأمر والنهي، أكان ذلك إليهما؟ قال: كان موسى الذي يناجي ربه ويكتب العلم، ويقضي بين بني إسرائيل وهارون يخلفه إذا غاب عن قومه للمناجاة، قلت: فأيهما مات قبل صاحبه؟ قال: مات هارون قبل موسى عليه السلام وماتا جميعا في التيه، قلت: وكان لموسى ولد؟ قال: لا، كان الولد لهارون والذرية له.

قال: فلم يزل موسى عند فرعون في أكرم كرامة حتى بلغ مبلغ الرجال، وكان ينكر عليه ما يتكلم به موسى من التوحيد حتى هم به فخرج موسى من عنده ودخل المدينة فإذا رجلان يقتتلان: أحدهما يقول بقول موسى، والآخر يقول؟ قول فرعون، فاستغاثه الذي هو من شيعته، فجاء موسى فوكز صاحبه فقضى عليه وتوارى في المدينة، فلما كان من الغد جاء آخر فتشبث بذلك الرجل الذي يقول بقول موسى، فاستغاث بموسى، فلما

نظر صاحبه إلى موسى قال له: " أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس " فخلى صاحبه وهرب، وكان خازن فرعون مؤمنا بموسى قد كتم إيمانه ستمائة سنة وهو الذي قال الله:

" وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله " وبلغ فرعون خبر قتل موسى الرجل فطلبه ليقتله فبعث المؤمن إلى موسى: " إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين " فخرج منها كما حكى الله " خائفا يترقب " قال: يلتفت يمنة ويسرة ويقول: " رب نجني من القوم الظالمين " ومر نحو مدين وكان بينه وبين مدين مسيرة ثلاثة أيام، فلما بلغ باب مدين رأى بئرا يستقي الناس منها لأغنامهم وداوبهم، فقعد ناحية ولم يكن أكل منذ ثلاثة أيام شيئا، فنظر إلى جاريتين في ناحية ومعهما غنيمات لا تدنوان من البئر، فقال لهما: ما لكما لا تستقيان؟ فقالتا كما حكى الله:

" حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير " فرحمهما موسى ودنا من البئر فقال لمن على البئر:

أستقي لي دلوا ولكم دلوا، وكان الدلو يمده عشرة رجال، فاستقى وحده دلوا لمن على البئر، ودلوا لبنتي شعيب وسقى أغنامهما " ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " وكان شديد الجوع.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن موسى كليم الله حيث سقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال: " رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " والله ما سأل الله إلا خبزا يأكل، لأنه كان يأكل بقلة الأرض، ولقد رأوا خضرة البقل من صفاق بطنه من هزاله، فلما رجعتا ابنتا شعيب إلى شعيب قال لهما: أسرعتما الرجوع! فأخبرتاه بقصة موسى ولم تعرفاه، فقال شعيب لواحدة منهما: اذهبي إليه فادعيه لنجزيه أجر ما سقى لنا، فجاءت إليه كما حكى الله " تمشي على استحياء " فقالت له: " إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا " فقام

موسى عليه السلام معها فمشت أمامه فسفقتها الرياح فبان عجزها، فقال لها موسى: تأخري و دليني على الطريق بحصات تلقيها أمامي أتبعها، فأنا من قوم لا ينظرون في أدبار النساء، فلما دخل على شعيب قص عليه قصته فقال له شعيب: " لا تخف نجوت من القوم الظالمين " قالت إحدى بنات شعيب: " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين " فقال لها شعيب: أما قوته فقد عرفته بسقي الدلو وحده، فبم عرفت أمانته؟ فقالت: إنه قال لي: تأخري عني ودليني على الطريق فأنا من قوم لا ينظرون في أدبار النساء عرفت أنه ليس من القوم الذين ينظرون في أعجاز النساء، فهذه أمانته، فقال له شعيب " إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين " فقال له موسى:

" ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي " أي لا سبيل علي إن عملت عشر سنين أو ثماني سنين، فقال موسى: " الله على ما نقول وكيل ".

قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أي الأجلين قضى؟ قال: أتمهما عشر حجج، قلت له: فدخل بها قبل أن يمضي الأجل أو بعد؟ قال: قبل، قلت: فالرحل يتزوج المرأة ويشترط لأبيها إجارة شهرين يجوز ذلك؟ قال: إن موسى عليه السلام علم أنه يتم له شرطه، فكيف لهذا أن يعلم أنه يبقى حتى يفي؟! قلت له: جعلت فداك أيتهما زوجه شعيب من بناته؟ قال: التي ذهبت إليه فدعته وقالت لأبيها: " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ".

فلما قضى موسى الأجل قال لشعيب: لابد لي أن أرجع إلى وطني وأمي وأهل بيتي، فمالي عندك؟ فقال شعيب: ما وضعت أغنامي في هذه السنة من غنم بلق فهو لك، فعمد موسى عندما أراد أن يرسل الفحل على الغنم إلى عصاه فقشر منه بعضه وترك بعضه وعزره في وسط مربض الغنم وألقى عليه كساء أبلق، ثم أرسل الفحل على الغنم فلم

تضع الغنم في تلك السنة إلا بلقا، فلما حال عليه الحول حمل موسى امرأته وزوده شعيب من عنده وساق غنمه، فلما أراد الخروج قال لشعيب: أبغي عصا تكون معي، وكانت عصي الأنبياء عنده قد ورثها مجموعة في بيت، فقال له شعيب: ادخل هذا البيت وخذ عصا من بين تلك العصي، فدخل فوثبت عليه عصا نوح وإبراهيم عليهما السلام وصارت في كفه فأخرجها ونظر إليها شعيب فقال: ردها وخذ غيرها، فردها ليأخذ غيرها فوثبت إليه تلك بعينها فردها حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فلما رأى شعيب ذلك قال له: اذهب فقد خصك الله بها، فساق غنمه فخرج يريد مصر، فلما صار في مفازة ومعه أهله أصابهم برد شديد وريح و ظلمة وقد جنهم الليل ونظر موسى إلى نار قد ظهرت كما قال الله: " فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون " فأقبل نحو النار يقتبس فإذا شجرة ونار تلتهب عليها، فلما ذهب نحو النار يقتبس منها أهوت إليه ففزع منها وعدا ورجعت النار إلى الشجرة فالتفت إليها وقد رجعت إلى الشجرة فرجع الثانية ليقتبس فأهوت نحوه فعدا وتركها ثم التفت وقد رجعت إلى الشجرة، فرجع إليها الثالثة فأهوت إليه فعدا ولم يعقب أي لم يرجع، فناداه الله: أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين قال موسى عليه السلام: فما الدليل على ذلك؟ قال الله: ما في يمينك يا موسى؟ قال: هي عصاي قال: ألقها يا موسى، فألقاها فصارت حية ففزع منها موسى وعدا، فناداه الله: خذها ولا تخف إنك من الآمنين، اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء، أي من غير علة، و ذلك أن موسى عليه السلام كان شديد السمرة فأخرج يده من جيبه فأضاءت له الدنيا، فقال الله عز وجل: " فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين " فقال موسى كما حكى الله: " رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون * وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون * قال سنشد

عضدك بأخيك ونجعل لكم سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ". بيان: قوله: " فارغا " قال البيضاوي: أي صفرا من العقل لما دهاها من الخوف و الحيرة حين سمعت بوقوعه في يد فرعون، كقوله تعالى: " وأفئدتهم هواء " أي خلاء لا عقول فيها " إن كادت لبتدي به " إنها كادت لتظهر بموسى أي بأمره وقصته من فرط الزجرة أو الفرح بتبنيه " لولا أن ربطنا على قلبها " بالصبر والثبات " لتكون من المؤمنين " من المصدقين على الله أو من الواثقين بحفظه لا بتبني فرعون وعطفه انتهى. قوله عليه السلام: (فهلبها) قال الجزري: الهلب: الشعر، وقيل: هو ما غلظ من شعر الذنب وغيره، يقال: هلبت الفرس: إذا نتفت هلبه. قوله: (فوكر صاحبه) أي ضربه بجميع كفه (فقضى عليه) أي قتله.

وقال البيضاوي: " إني لما أنزلت إلي " لأي شئ أنزلت " من خير " قليل أو كثير، وحمله الأكثرون على الطعام " فقير " محتاج سائل، ولذلك عدي باللام، وقيل:

معناه: إني لما أنزلت إلي من خير الدين صرت فقيرا في الدنيا، لأنه كان في سعة عند فرعون انتهى. وسفقت الباب وأسفقته أي رددته. قوله: " بخبر " أي بخبر الطريق " أو جذوة " أي عود غليظ سواء كان في رأسه نار أو لم يكن، ولذلك بينه بقوله: " من النار لعلكم تصطلون " أي تستدفئون بها. قوله تعالى: " ردءا " أي معينا. قوله تعالى " بآياتنا " قال البيضاوي: متعلق بمحذوف أي اذهبا بآياتنا، أو بنجعل أي نسلطكما بها، أو بمعنى لا يصلون أي تمتنعون منهم، أو قسم جوابه لا يصلون، أو بيان للغالبون.

3 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي جميلة قال:

سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإن موسى عليه السلام ذهب

يقتبس نارا فانصرف إليهم وهو نبي مرسل.

4 - علل الشرائع: أبي، عن محمد العطار، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن علي بن الحسين ابن جعفر الضبي، عن أبيه، عن بعض مشايخه قال: أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام:

وعزتي يا موسى لو أن النفس التي قتلت أقرت لي طرفة عين أني لها خالق ورازق أذقتك طعم العذاب، وإنما عفوت عنك آمرها لأنها لم تقر بي طرفة عين أني لها خالق ورازق.

5 - من لا يحضره الفقيه: عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن عليه السلام في قول الله عز وجل: " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين " قال: قال لها شعيب: يا بنية هذا قوي قد عرفته بدفع الصخرة، الأمين من أين عرفته؟ قالت: يا أبت إني مشيت قدامه فقال: امشي من خلفي فإن ضللت فأرشديني إلى الطريق، فإنا قوم لا ننظر في أدبار النساء.

6 - الإحتجاج، عيون أخبار الرضا (ع): في خبر ابن الجهم قال: سأل المأمون الرضا عليه السلام عن قول الله عز وجل:

" فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان " قال الرضا عليه السلام: إن موسى عليه السلام دخل مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها، وذلك بين المغرب والعشاء، فوجد فيها رجلين يقتتلان: هذا من شيعته، وهذا من عدوه. فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فقضى موسى عليه السلام على العدو بحكم الله تعالى ذكره فوكزه فمات، قال: هذا من عمل الشيطان، يعني الاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين، لا ما فعله موسى عليه السلام من قتله، إنه يعني الشيطان عدو مضل مبين.

قال المأمون: فما معنى قول موسى: " رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي "؟ قال:

يقول: إني وضعت نفسي غير موضعها بدخولي هذه المدينة " فاغفر لي " أي استرني

من أعدائك لئلا يظفروا بي فيقتلوني " فغفر له إنه هو الغفور الرحيم " قال موسى عليه السلام: " رب بما أنعمت علي " من القوة حتى قتلت رجلا بوكزة " فلن أكون ظهيرا للمجرمين " بل أجاهد في سبيلك بهذه القوة حتى ترضى " فأصبح " موسى عليه السلام " في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه " على آخر " قال له موسى إنك لغوي مبين " قاتلت رجلا بالأمس وتقاتل هذا اليوم؟ لأؤدبنك، وأراد أن يبطش به، فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما وهو من شيعته قال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين.

قال المأمون: جزاك الله خيرا يا أبا الحسن فما معنى قول موسى لفرعون: " فعلتها إذا وأنا من الضالين "؟ قال الرضا عليه السلام: إن فرعون قال لموسى عليه السلام لما أتاه: " وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين " بي، قال موسى: " فعلتها إذا وأنا من الضالين " عن الطريق بوقوعي إلى مدينة من مدائنك " ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكمها وجعلني من المرسلين " الخبر. بيان: قال الرازي: احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء بأن ذلك القبطي إما أن يقال إنه كان مستحق القتل أو لم يكن كذلك، فإن كان الأول فلم قال: " هذا من عمل الشيطان "؟ ولم قال: " رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي "؟ ولم قال في سورة أخرى:

" فعلتها إذا وأنا من الضالين "؟ وإن كان الثاني كان قتله معصية وذنبا. والجواب: أنه لم لا يجوز أن يقال إنه كان لكفره مباح الدح، وأما قوله: " هذا من عمل الشيطان " ففيه وجوه:

أحدها: أن الله تعالى وإن أباح قتل الكفار إلا أنه كان الأولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر، فلما قتل فقد ترك ذلك المندوب فهو قوله: " هذا من عمل الشيطان ".

وثانيها: أن قوله: " هذا " إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه، فقوله:

" هذا من عمل الشيطان " أي عمل هذا المقتول من عمل الشيطان، والمراد منه بيان كونه مخالفا لله تعالى مستحقا للقتل.

وثالثها: أن يكون قوله: " هذا " إشارة إلى المقتول، يعني أنه من جند الشيطان وحزبه، يقال: فلان من عمل السلطان أي من أحزابه.

وأما قوله: " رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي " فعلى نهج قول آدم عليه السلام: " ربنا ظلمنا أنفسنا " والمراد أحد وجهين: إما على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإن لم يكن هناك ذنب قط، أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب.

وأما قوله: " فاغفر لي " أي فاغفر لي ترك هذا المندوب، وفيه وجه آخر: وهو أن يكون المراد: " رب إني ظلمت نفسي " حيث قتلت هذا الملعون، فإن فرعون لو عرف ذلك لقتلني به " فاغفر لي " فاستره علي ولا توصل خبره إلى فرعون " فغفر له " أي ستره عن الوصول إلى فرعون، ويؤيده أنه قال عقيبه: " رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين " ولو كانت إعانة المؤمن ههنا سببا للمعصية لما قال ذلك.

وأما قوله: " فعلتها إذا وأنا من الضالين " فلم يقل: إني صرت بذلك ضالا، ولكن فرعون لما ادعى أنه كان كافرا في حال القتل نفى عن نفسه كونه كافرا في ذلك الوقت، واعترف بأنه كان ضالا، أي متحيرا لا يدري ما يجب عليه أن يفعله، وما يدين به في ذلك، انتهى. وقال السيد المرتضى قدس الله روحه: مما يجاب به عن هذا السؤال أن موسى عليه السلام لم يتعمد القتل ولا أراد، وإنما اجتاز فاستغاثه رجل من شيعته على رجل من عدوه بغى عليه وظلمه وقصد إلى قتله فأراد موسى أن يخلصه من يعده ويدفع عنه مكروهه،

فأدى ذلك إلى القتل من غير قصد إليه، وكل ألم يقع على سبيل المدافعة للظالم من غير أن يكون مقصودا فهو حسن غير قبيح، ولا يستحق العوض به، ولا فرق بين أن تكون المدافعة من الانسان عن نفسه وبين أن يكون عن غيره في هذا الباب. ثم ذكر نحوا من الأجوبة التي ذكرها الرازي ثم قال: فإن قيل: فما معنى قول فرعون لموسى عليه السلام: " وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين "؟ وقوله عليه السلام:

" فعلتها إذا وأنا من الضالين " وكيف نسب عليه السلام الضلال إلى نفسه ولم يكن عندكم في وقت من الأوقات ضالا؟ الجواب: أما قوله: " وأنت من الكافرين " فإنما أراد به: الكافرين لنعمتي وحق تربيتي، فإن فرعون كان المربي لموسى إلى أن كبر وبلغ، ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية عنه: " ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين ". فأما قول موسى عليه السلام: " فعلتها إذا وأنا من الضالين " فإنما أراد به من الذاهبين عن أن الوكزة تأتي على النفس، أو المدافعة تفضي إلى القتل، فقد يسمى الذاهب عن الشئ أنه ضال عنه، ويجوز أيضا أن يريد إني ضللت عن فعل المندوب إليه من الكف عن القتل في تلك الحال والفوز بمنزلة الثواب. ثم قال: فإن قيل: كيف يجوز لموسى عليه السلام أن يقول لرجل من شيعته يستصرخه:

" إنك لغوي مبين "؟ الجواب: إن قوم موسى كانوا غلاظا جفاة، ألا ترى إلى قولهم بعد مشاهدة الآيات لما رأوا من يعبد الأصنام: " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة " وإنما خرج موسى عليه السلام خائفا على نفسه من قوم فرعون بسبب قتل القبطي، فرأى ذلك الرجل يخاصم رجلا من أصحاب فرعون واستنصر موسى عليه السلام فقال له عند ذلك: " إنك لغوي مبين " وأراد إنك خائب في طلب ما لا تدركه، وتكلف مالا تطيقه، ثم قصد إلى نصرته كما نصره بالأمس على الآخر فظن أنه يريده بالبطش لبعد فهمه فقال له: " أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون

من المصلحين " فعدل عن قتله وصار ذلك سببا لشياع خبر القبطي بالأمس. انتهى. أقول: ما ذكره رحمه الله أحد الوجهين في تفسير الآية، والوجه الآخر أن قوله:

" يا موسى أتريد أن تقتلني " كلام القبطي لا كلام الإسرائيلي كما مر في رواية علي بن إبراهيم، ولعل الأظهر في الخبر هو الأول، ويحتمل الثاني أيضا كما لا يخفى بعد التأمل.

7 - إكمال الدين: ابن إدريس، عن أبيه، عن سهل، عن محمد بن آدم النسائي، عن أبيه آدم ابن أياس، عن المبارك بن فضالة، عن سعيد بن جبير، عن سيد العابدين علي بن الحسين، عن أبيه سيد الشهداء الحسين بن علي، عن أبيه سيد الوصيين علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما حضرت يوسف الوفاة جمع شيعته وأهل بيته فحمد الله وأثنى عليه، ثم حدثهم بشدة تنالهم يقتل فيها الرجال، وتشق بطون الحبالى، و تذبح الأطفال حتى يظهر الله الحق في القائم من ولد لاوي بن يعقوب، وهو رجل أسمر طويل، ووصفه لهم بنعته، فتمسكوا بذلك، ووقعت الغيبة والشدة ببني إسرائيل وهم ينتظرون قيام القائم أربعمائة سنة، حتى إذا بشروا بولادته ورأوا علامات ظهوره اشتدت البلوى عليهم وحمل عليهم بالخشب والحجارة، وطلب الفقيه الذي كانوا يستريحون إلى أحاديثه فاستتر، وتراسلوه وقالوا: كنا مع الشدة نستريح إلى حديثك، فخرج بهم إلى بعض الصحارى وجلس يحدثهم حديث القائم ونعته وقرب الامر، وكانت ليلة قمراء فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم موسى عليه السلام وكان في ذلك الوقت حديث السن وقد خرج من دار فرعون يظهر النزهة، فعدل عن موكبه وأقبل إليهم وتحته بغلة وعليه طيلسان خز، فلما رآه الفقيه عرفه بالنعت فقام إليه وانكب على قدميه فقبلهما ثم قال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرانيك، فلما رأى الشيعة ذلك علموا أنه صاحبهم فأكبوا على الأرض شكرا لله عز وجل فلم يزدهم على أن قال: أرجو أن يعجل الله فرجكم، ثم غاب بعد ذلك وخرج إلى مدينة مدين فأقام عند شعيب ما أقام، فكانت الغيبة الثانية أشد عليهم

من الأولى، وكانت نيفا وخمسين سنة، واشتدت البلوى عليهم واستتر الفقيه فبعثوا إليه أنه لا صبر لنا على استتارك عنا، فخرج إلى بعض الصحارى واستدعاهم وطيب قلوبهم و أعلمهم أن الله عز وجل أوحى إليه أنه مفرج عنهم بعد أربعين سنة، فقالوا بأجمعهم:

الحمد لله، فأوحى الله عز وجل: قل لهم: قد جعلتها ثلاثين سنة لقولهم الحمد لله، فقالوا: كل نعمة من الله، فأوحى الله إليه: قل لهم: قد جعلتها عشرين سنة، فقالوا: لا يأتي بالخير إلا الله، فأوحى الله إليه: قل لهم: قد جعلتها عشرا، فقالوا: لا يصرف الشر إلا الله، فأوحى الله إليه: قل لهم: لا تبرحوا فقد آذنت في فرجكم، فبينا هم كذلك إذ طلع موسى عليه السلام راكبا حمارا، فأراد الفقيه أن يعرف الشيعة ما يستبصرون به فيه، وجاء موسى حتى وقف عليهم فسلم عليهم، فقال له الفقيه: ما اسمك؟ فقال: موسى، قال: ابن من؟ قال: ابن عمران، قال:

ابن من؟ قال: ابن وهب بن لاوي بن يعقوب، قال: بماذا جئت؟ قال: بالرسالة من عند الله عز وجل: فقام إليه فقبل يده، ثم جلس بينهم وطيب نفوسهم وأمرهم أمره، ثم فرقهم فكان بين ذلك الوقت وبين فرجهم بغرق فرعون أربعون سنة. بيان: قوله عليه السلام: (وكانت نيفا وخمسين سنة) أي كان المقدر أولا هكذا ولذا أخبرهم بعد مضي نيف وعشر سنين ببقاء أربعين سنة، ثم خفف الله عنهم مرات حتى أظهر لهم موسى عليه السلام في الساعة بعد رجوعه عن مدين، وكان بقاؤه فيها عشر سنين ومدة ذهابه وإيابه نيفا.

8 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه جميعا، عن البزنطي قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام قول شعيب عليه السلام: " إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك " أي الأجلين قضى؟ قال:

وفى منهما بأبعدهما عشر سنين، قلت: فدخل بها قبل أن ينقضي الشرط أو بعد انقضائه؟ قال:

قبل أن ينقضي، قال: قلت له: فالرجل يتزوج المرأة ويشترط لأبيها إجارة شهرين

يجوز ذلك؟ فقال: إن موسى عليه السلام علم أنه سيتم له شرطه، فكيف لهذا بأن يعلم أنه سيبقى حتى يفي له؟!

9 - إكمال الدين: أبي وابن الوليد معا عن سعد والحميري ومحمد العطار وأحمد بن إدريس جميعا عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

إن يوسف بن يعقوب صلوات الله عليهما حين حضرته الوفاة جمع آل يعقوب وهم ثمانون رجلا فقال: إن هؤلاء القبط سيظهرون عليكم، ويسومونكم سوء العذاب، وإنما ينجيكم الله من أيديهم برجل من ولد لاوي بن يعقوب اسمه موسى بن عمران، غلام طويل جعد آدم، فجعل الرجل من بني إسرائيل يسمي ابنه عمران، ويسمي عمران ابنه موسى.

فذكر أبان بن عثمان، عن أبي الحصين، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ما خرج موسى حتى خرج قبله خمسون كذابا من بني إسرائيل كلهم يدعي أنه موسى بن عمران، فبلغ فرعون أنهم يرجفون به ويطلبون هذا الغلام، وقال له كهنته وسحرته: إن هلاك دينك وقومك على يدي هذا الغلام الذي يولد العام في بني إسرائيل، فوضع القوابل على النساء وقال: لا يولد العام غلام إلا ذبح، ووضع على أم موسى قابلة، فلما رأى ذلك بنو إسرائيل قالوا: إذا ذبح الغلمان واستحيي النساء هلكنا فلم نبق، فتعالوا لا نقرب النساء، فقال عمران أبو موسى: بل باشروهن فإن أمر الله واقع ولو كره المشركون، اللهم من حرمه فإني لا أحرمه، ومن تركه فإني لا أتركه وباشر أم موسى فحملت به، فوضع على أم موسى قابلة تحرسها، فإذا قامت قامت وإذا قعدت قعدت، فلما حملته أمه وقعت عليها المحبة، وكذلك حجج الله على خلقه، فقالت لها القابلة: مالك يا بنية تصفرين وتذوبين؟ قالت: لا تلوميني فإني إذا ولدت اخذ ولدي فذبح، قالت: فلا تحزني فإني سوف أكتم عليك، فلم تصدقها.

فلما أن ولدت التفتت إليها وهي مقبلة فقالت ما شاء الله، فقالت لها: ألم أقل: إني

سوف أكتم عليك، ثم حملته فأدخلته المخدع وأصلحت أمره، ثم خرجت إلى الحرس فقالت:

انصرفوا - وكانوا على الباب - فإنه خرج دم منقطع، فانصرفوا فأرضعته، فلما خافت عليه الصوت أوحى الله إليها: اعملي التابوت ثم اجعليه فيه، ثم أخرجيه ليلا فاطرحيه في نيل مصر، فوضعته في التابوت ثم دفعته في اليم، فجعل يرجع إليها وجعلت تدفعه في الغمر وإن الريح ضربته فانطلقت به، فلما رأته قد ذهب به الماء همت أن تصيح فربط الله على قلبها، قال: وكانت المرأة الصالحة امرأة فرعون من بني إسرائيل قالت لفرعون: إنها أيام الربيع فأخرجني و اضرب لي قبة على شط النيل حتى أتنزه هذه الأيام، فضرب لها قبة على شط النيل إذ أقبل التابوت يريدها، فقالت: ما ترون ما أرى على الماء؟ قالوا: إي والله يا سيدتنا إنا لنرى شيئا، فلما دنا منها قامت إلى الماء فتناولته بيدها، وكاد الماء يغمرها حتى تصايحوا عليها فجذبته فأخرجته من الماء فأخذته فوضعته في حجرها فإذا غلام أجمل الناس وأسرهم فوقعت عليه منها محبة فوضعته في حجرها، وقالت: هذا ابني، فقالوا: إي والله أي سيدتنا مالك ولد ولا للملك فاتخذي هذا ولدا.

فقامت إلى فرعون فقالت: إني أصبت غلاما طيبا حلوا نتخذه ولدا فيكون قرة عين لي ولك فلا تقتله، قال: ومن أين هذا الغلام؟ قالت: لا والله ما أدري إلا أن الماء جاء به، فلم تزل به حتى رضي، فلما سمع الناس أن الملك قد تبنى ابنا لم يبق أحد من رؤوس من كان مع فرعون إلا بعث إليه امرأته لتكون له ظئرا أو تحضنه، فأبى أن يأخذ من امرأة منهن ثديا، قالت امرأة فرعون: اطلبوا لابني ظئرا ولا تحقروا أحدا، فجعل لا يقبل من امرأة منهن، فقالت أم موسى لأخته: قصيه، انظري أترين له أثرا، فانطلقت حتى أتت باب الملك، فقالت: قد بلغني أنكم تطلبون ظئرا وههنا امرأة صالحة تأخذ ولدكم وتكفله لكم، فقالت: أدخلوها، فلما دخلت قالت لها امرأة فرعون: ممن أنت؟

قالت: من بني إسرائيل، قالت: اذهبي يا بنية فليس لنا فيك حاجة، فقال لها النساء:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.