بحارالانوار · كتاب النبوة
باب 8 قصص ذي القرنين
ج ۱۲، ص ۲۰۰–۲۱۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
يا معشر الفقهاء وأهل الكتب وآثار النبوة هل وجدتم فيما قرأتم من كتب الله وفي كتب من كان قبلكم من الملوك أن الله عينا تدعى عين الحياة، فيها من الله عزيمة إنه من يشرب منها لم يمت حتى يكون هو الذي يسأل الله الموت؟ قالوا: لا يا أيها الملك، قال: فهل وجدتم فيما قرأتم من الكتب أن الله في الأرض ظلمة لم يطأها إنس ولا جان؟ قالوا: لا أيها الملك فحزن عليه ذو القرنين حزنا شديدا وبكى إذ لم يخبر عن العين والظلمة بما يحب، وكان فيمن حضره غلام من الغلمان من أولاد الأوصياء: أوصياء الأنبياء، وكان ساكتا لا يتكلم حتى إذا آيس ذو القرنين منهم قال له الغلام: أيها الملك إنك تسأل هؤلاء عن أمر ليس لهم به علم، وعلم ما تريد عندي، ففرح ذو القرنين فرحا شديدا حتى نزل عن فراشه وقال له: ادن مني فدنا منه، فقال: أخبرني، قال: نعم أيها الملك ، إني وجدت في كتاب آدم الذي كتب يوم سمي له ما في الأرض من عين أو شجر، فوجدت فيه أن لله عينا تدعى عين الحياة، فيها من أمر الله عزيمة، إنه من يشرب منها لم يمت حتى يكون هو الذي يسأل الله الموت بظلمة لم يطأها إنس ولا جان، ففرح ذو القرنين وقال: ادن مني يا أيها الغلام تدري أين موضعها؟ قال: نعم، وجدت في كتاب آدم أنها على قرن الشمس - يعني مطلعها - ففرح ذو القرنين وبعث إلى أهل مملكته فجمع أشرافهم وفقهاءهم وعلماءهم و أهل الحكم منهم فاجتمع إليه ألف حكيم وعالم وفقيه، فلما اجتمعوا عليه تهيأ للمسير وتأهب له بأعد العدة وأقوى القوة، فسار بهم يريد مطلع الشمس يخوض البحار ويقطع الجبال والفيافي والأرضين والمفاوز فسار اثني عشر سنة حتى انتهى إلى طرف الظلمة، فإذا هي ليست بظلمة ليل ولا دخان ولكنها هواء يفور سد ما بين الأفقين، فنزل بطرفها
وعسكر عليها، وجمع علماء أهل عسكره وفقهاءهم وأهل الفضل منهم، فقال: يا معشر الفقهاء والعلماء إني أريد أن أسلك هذه الظلمة، فخروا له سجدا فقالوا: أيها الملك إنك لتطلب أمرا ما طلبه ولا سلكه أحد كان قبلك من النبيين والمرسلين ولا من الملوك، قال:
إنه لا بد لي من طلبها، قالوا: أيها الملك إنا لو نعلم أنك إذا سلكتها ظفرت بحاجتك منها بغير عنت عليك لامرنا ولكنا نخاف أن يعلق بك منها أمر يكون فيه هلاك ملكك، وزوال سلطانك، وفساد من الأرض، فقال: لابد من أن أسلكها، فخروا سجدا لله وقالوا: إنا نتبرء إليك مما يريد ذو القرنين.
فقال ذو القرنين: يا معشر العلماء أخبروني بأبصر الدواب، قالوا: الخيل الإناث البكارة أبصر الدواب، فانتخب من عسكره فأصاب ستة آلاف فرس إناثا أبكارا وانتخب من أهل العلم والفضل والحكمة ستة آلاف رجل، فدفع إلى كل رجل فرسا وولى فسحر - وهو الخضر - على ألفي فرس، فجعلهم على مقدمته، وأمرهم أن يدخلوا الظلمة، وسار ذو القرنين في أربعة آلاف وأمر أهل عسكره أن يلزموا معسكره اثني عشر سنة، فإن رجع هو إليهم إلى ذلك الوقت وإلا تفرقوا في البلاد ولحقوا ببلادهم أو حيث شاؤوا، فقال الخضر:
أيها الملك إنا نسلك في الظلمة لا يرى بعضنا بعضا كيف نصنع بالضلال إذا أصابنا؟ فأعطاه ذو القرنين خرزة حمراء كأنها مشعلة لها ضوء، فقال: خذ هذه الخرزة فإذا أصابكم الضلال فارم بها إلى الأرض فإنها تصيح، فإذا صاحت رجع أهل الضلال إلى صوتها، فأخذها الخضر ومضى في الظلمة، وكان الخضر يرتحل وينزل ذو القرنين، فبينا الخضر يسير ذات يوم إذ عرض له واد في الظلمة فقال لأصحابه: قفوا في هذا الموضع لا يتحركن أحد منكم
عن موضعه، ونزل عن فرسه فتناول الخرزة فرمى بها في الوادي فأبطأت عنه بالإجابة حتى خاف أن لا يجيبه، ثم أجابته فخرج إلى صوتها فإذا هي على جانب العين، و إذا ماؤها أشد بياضا من اللبن، وأصفى من الياقوت، وأحلى من العسل، فشرب منه ثم خلع ثيابه فاغتسل منها، ثم لبس ثيابه ثم رمى بالخرزة نحو أصحابه فأجابته، فخرج إلى أصحابه وركب وأمرهم بالمسير فساروا، ومر ذو القرنين بعده فأخطأ الوادي فسلكوا تلك الظلمة أربعين يوما وأربعين ليلة، ثم خرجوا بضوء ليس بضوء نهار ولا شمس ولا قمر ولكنه نور، فخرجوا إلى أرض حمراء رملة خشخاشة فركة كان حصاها اللؤلؤ، فإذا هو بقصر مبني على طول فرسخ. فجاء ذو القرنين إلى الباب فعسكر عليه، ثم توجه بوجهه وحده إلى القصر فإذا طائر وإذا حديدة طويلة قد وضع طرفاها على جانبي القصر، والطير أسود معلق في تلك الحديدة بين السماء والأرض كأنه الخطاف أو صورة الخطاف أو شبيه بالخطاف أو هو خطاف، فلما سمع الطائر خشخشة ذي القرنين قال: من هذا؟ قال: أنا ذو القرنين، فقال الطائر: يا ذا القرنين أما كفاك ما وراءك حتى وصلت إلى حد بابي هذا، ففرق ذو القرنين فرقا شديدا، فقال: يا ذا القرنين لا تخف وأخبرني، قال: سل، قال: هل كثر في الأرض بنيان الاجر والجص؟ قال: نعم، قال: فانتفض الطير وامتلأ حتى ملا من الحديدة ثلثها، ففرق ذو القرنين فقال: لا تخف وأخبرني، قال: سل، قال: هل كثرت المعازف؟ قال: نعم، قال: فانتقض الطير وامتلأ حتى ملا من الحديدة ثلثيها، ففرق ذو القرنين فقال: لا تخف وأخبرني، قال:
سل، قال: هل ارتكب الناس شهادة الزور في الأرض؟ قال: نعم، فانتفض انتفاضة وانتفخ فسد ما بين جداري القصر، قال: فامتلأ ذو القرنين عند ذلك فرقا منه، فقال له: لا تخف وأخبرني، قال:
سل، قال هل ترك الناس شهادة أن لا إله إلا الله؟ قال: لا، فانضم ثلثه ثم قال: يا ذا القرنين لا تخف وأخبرني، قال: سل، هل ترك الناس الصلاة المفروضة؟ قال: لا، قال: فانضم ثلث آخر، ثم قال: يا ذا القرنين لا تخف وأخبرني، قال: سل، قال: هل ترك الناس الغسل من الجنابة؟ قال: لا، قال: فانضم حتى عاد إلى حاله الأول، فإذا هو بدرجة مدرجة إلى أعلى القصر.
فقال الطير: يا ذا القرنين اسلك هذه الدرجة، فسلكها وهو خائف لا يدري ما يهجم عليه حتى استوى على ظهرها، فإذا هو بسطح ممدود مد البصر، وإذا رجل شاب أبيض مضئ الوجه عليه ثياب بيض حتى كأنه رجل أو في صورة رجل أو شبيه بالرجل أو هو رجل، وإذا هو رافع رأسه إلى السماء ينظر إليها واضع يده على فيه، فلما سمع خشخشة ذي القرنين قال: من هذا؟ قال: أنا ذو القرنين، قال: يا ذا القرنين أما كفاك ما وراءك حتى وصلت إلي؟! قال ذو القرنين: مالي أراك واضعا يدك على فيك؟ قال: يا ذا القرنين أنا صاحب الصور، و إن الساعة قد اقتربت وأنا أنتظر أن أؤمر بالنفخ فأنفخ، ثم ضرب بيده فتناول حجرا فرمى به إلى ذي القرنين كأنه حجر أو شبه حجر أو هو حجر فقال: يا ذا القرنين خذها فإن جاع جعت، وإن شبع شبعت فارجع، فرجع ذو القرنين بذلك الحجر حتى خرج به إلى أصحابه فأخبرهم بالطير وما سأله عنه وما قال له وما كان من أمره، وأخبرهم بصاحب السطح وما قال له وما أعطاه، ثم قال لهم: إنه أعطاني هذا الحجر وقال لي: إن جاع جعت وإن شبع شبعت، قال: أخبروني بأمر هذا الحجر، فوضع في إحدى الكفين فوضع حجر مثله في الكفة الأخرى ثم رفع الميزان فإذا الحجر الذي جاء به أرجح بمثل الاخر فوضعوا آخر فمال به حتى وضعوا ألف حجر كلها مثله، ثم رفعوا الميزان فمال بها ولم يستمل به الألف حجر فقالوا: يا أيها الملك لا علم لنا بهذا.
فقال له الخضر: أيها الملك إنك تسأل هؤلاء عمالا علم لهم به، وقد أوتيت علم
هذا الحجر، فقال ذو القرنين: فأخبرنا به وبينه لنا، فتناول الخضر الميزان فوضع الحجر الذي جاء به ذو القرنين في كفة الميزان، ثم وضع حجرا آخر في كفة أخرى، ثم وضع كفة تراب على حجر ذي القرنين يزيده ثقلا ثم رفع الميزان فاعتدل، وعجبوا وخروا سجدا لله تعالى وقالوا: أيها الملك هذا أمر لم يبلغه علمنا وإنا لنعلم أن الخضر ليس بساحر فكيف هذا وقد وضعنا معه ألف حجر كلها مثله فمال بها وهذا قد اعتدل به وزاده ترابا؟
قال ذو القرنين: بين يا خضر لنا أمر هذا الحجر، قال الخضر: أيها الملك إن أمر الله نافذ في عباده، وسلطانه قاهر، وحكمه فاصل وإن الله ابتلى عباده بعضهم ببعض، وابتلى العالم بالعالم، والجاهل بالجاهل، والعالم بالجاهل، والجاهل بالعالم، وإنه ابتلاني بك، وابتلاك بي، فقال ذو القرنين: يرحمك الله يا خضر إنما تقول: ابتلاني بك حين جعلت أعلم مني وجعلت تحت يدي أخبرني يرحمك الله عن أمر هذا الحجر، فقال الخضر: أيها الملك إن هذا الحجر مثل ضربه لك صاحب الصور، يقول: إن مثل بني آدم مثل هذا الحجر الذي وضع ووضع معه ألف حجر فمال بها، ثم إذا وضع عليه التراب شبع وعاد حجرا مثله، فيقول: كذلك مثلك أعطاك الله من الملك ما أعطاك فلم ترض به حتى طلبت أمرا لم يطلبه أبدا من كان قبلك، ودخلت مدخلا لم يدخله إنس ولا جان، يقول: كذلك ابن آدم ولا يشبع حتى يحثى عليه التراب، قال: فبكى ذو القرنين بكاء شديدا وقال: صدقت يا خضر يضرب لي هذا المثل، لا جرم إني لا أطلب أثرا في البلاد بعد مسلكي هذا، ثم انصرف راجعا في الظلمة فبينا هم يسيرون إذ سمعوا خشخشة تحت سنابك خيلهم، فقالوا: أيها الملك ما هذا؟ فقال: خذوا منه، فمن أخذ منه ندم، ومن تركه ندم، فأخذ بعض وترك بعض، فلما خرجوا من الظلمة إذا هم بالزبرجد فندم الاخذ والتارك، ورجع ذو القرنين إلى دومة الجندل وكان بها منزله، فلم يزل بها حتى قبضه الله إليه. قال: وكان صلى الله عليه وآله إذا حدث بهذا الحديث قال: رحم الله أخي ذا القرنين ما كان مخطئا إذ سلك ما سلك وطلب ما طلب.
ولو ظفر بوادي الزبرجد في مذهبه لما ترك فيه شيئا إلا أخرجه إلى الناس لأنه كان راغبا،
ولكنه ظفر به بعد ما رجع فقد زهد.
30 - جبرئيل بن أحمد، عن موسى بن جعفر رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: إن ذا القرنين عمل صندوقا من قوارير ثم حمل في مسيره ما شاء الله، ثم ركب البحر فلما انتهى إلى موضع منه قال لأصحابه: دلوني، فإذا حركت الحبل فأخرجوني، فإن لم أحرك الحبل فأرسلوني إلى آخره، فأرسلوه في البحر وأرسلوا الحبل مسيرة أربعين يوما، فإذا ضارب يضرب حيث الصندوق ويقول يا ذا القرنين أين تريد؟ قال: أريد أن أنظر إلى ملك ربي في البحر كما رأيته في البر، فقال: يا ذا القرنين إن هذا الموضع الذي أنت فيه مر فيه نوح زمان الطوفان فسقط منه قدوم فهو يهوي في قعر البحر إلى الساعة لم يبلغ قعره، فلما سمع ذو القرنين ذلك حرك الحبل وخرج. بيان: قال الفيروزآبادي: الخشخشة: صوت السلاح، وكل شئ يابس إذا حل بعضه ببعض، والدخول في الشئ. انتهى.
وقوله عليه السلام: (فركة) أي كانت لينة بحيث كان يمكن فركها باليد.
31 - تفسير العياشي: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: تغرب الشمس في عين حامية في بحر دون المدينة التي مما يلي المغرب - يعني جابلقا -. بيان: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر " حامية " أي حارة، وقرأ الباقون " حمئة " أي ذات حمئة وطين أسود، وأولت بأن المراد أنه بلغ ساحل البحر المحيط فرآها كذلك، إذ لم يكن في مطمح نظره غير الماء، ولذا قال تعالى: " وجدها تغرب " ولم يقل: كانت تغرب.
32 - تفسير العياشي: عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: " لم نجعل لهم من دونها سترا " كذلك قال: لم يعلموا صنعة البيوت. ايضاح: قال الرازي: فيه قولان: الأول: إنه شاطئ بحر لا جبل ولا شئ يمنع من وقوع شعاع الشمس عليهم، فلهذا إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب واغلة في الأرض
أو غاصوا في الماء فيكون عند طلوع الشمس يتعذر عليهم التصرف في المعاش، وعند غروبها يشتغلون بتحصيل مهمات المعاش، وحالهم بالضد من أحوال سائر الخلق.
والقول الثاني: إن معناه: لا ثياب لهم، ويكونون كسائر الحيوانات عراة أبدا، وفي كتب الهيئة إن حال أكثر أهل الزنج كذلك، وحال كل من سكن البلاد القريبة من خط الاستواء كذلك، وذكر في بعض كتب التفسير أن بعضهم قال: سافرت حتى جاوزت الصين، فسألت عن هؤلاء القوم فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فبلغتهم وإذا أحدهم يفرش إحدى اذنيه ويلبس الأخرى، فلما قرب طلوع الشمس سمعت صوتا كهيئة الصلصلة فغشي علي، ثم أفقت فلما طلعت الشمس إذا هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلوني سربالهم، فلما ارتفع النهار جعلوا يصطادون السمك ويطرحون في الشمس فينضج.
33 - تفسير العياشي: عن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " اجعل بيننا وبينهم سدا * فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا " قال: هو السد التقية.
34 - تفسير العياشي: عن المفضل قال: سألت الصادق عليه السلام عن قوله: " أجعل بينكم وبينهم ردما " قال: التقية " فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا " قال: ما استطاعوا له نقبا إذا عمل بالتقية، لم يقدروا في ذلك على حيلة وهو الحصن الحصين، وصار بينك وبين أعداء الله سدا لا يستطيعون له نقبا، قال: وسألته عن قوله: " فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء " قال: رفع التقية عند قيام القائم فينتقم من أعداء الله. بيان: كأن هذا كلام على سبيل التمثيل والتشبيه، أي جعل الله التقية لكم سدا لرفع ضرر المخالفين عنكم إلى قيام القائم عليه السلام ورفع التقية، كما أن ذا القرنين وضع السد لرفع فتنة يأجوج ومأجوج إلى أن يأذن الله لرفعها.
تكملة: قال الرازي: اختلف الناس في أن ذا القرنين من هو، وذكروا أقوالا:
الأول: أنه الإسكندر بن فيلقوس اليوناني، قالوا: والدليل عليه أن القرآن دل على أن الرجل المسمى بذي القرنين بلغ ملكه إلى أقصى المغرب بدليل قوله: " حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة " وأيضا بلغ ملكه أقصى المشرق بدليل قوله: " حتى إذا بلغ مطلع الشمس " وأيضا بلغ ملكه أقصى الشمال بدليل إن يأجوج ومأجوج قوم من الترك ويسكنون في أقصى الشمال، وبدليل أن السد المذكور في القرآن يقال في كتب التواريخ إنه في أقصى الشمال، فهذا المسمى بذي القرنين في القرآن قد دل القرآن على أن ملكه بلغ أقصى المشرق والمغرب والشمال، وهذا هو تمام القدر المعمور من الأرض، ومثل ذلك الملك البسيط لاشك أنه على خلاف العادة، وما كان كذلك وجب أن يبقى ذكره مخلدا على وجه الدهر، وأن لا يبقى مخفيا مستترا، والملك الذي اشتهر في كتب التواريخ أنه بلغ ملكه إلى هذا القدر ليس إلا الإسكندر، وذلك لأنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كانوا طوائف، ثم قصد ملوك المغرب وقهرهم، وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر وبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل، وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه، ثم انعطف إلى أرمنية وباب الأبواب ودانت له العبرانيون والقبط والبربر، وتوجه بعد ذلك إلى دار ابن دارا وهزمه مرات إلى أن قتله صاحب حرسه، واستولى الإسكندر على ملوك الفرس، وقصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق ومرض بشهر ذور ومات بها، فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلا ملك الأرض بالكلية أوما يقرب منها وثبت بعلم التواريخ أن الذي هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر وجب القطع بأن المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلقوس اليوناني.
ثم ذكروا في تسمية ذي القرنين بهذا الاسم وجوها: الأول: إنه لقب بهذا اللقب لأجل بلوغه قرني الشمس أي مطلعها ومغربها كما لقب أردشير بطول اليدين لنفوذ أمره حيث أراده. والثاني: إن الفرس قالوا: إن دارا الأكبر كان تزوج بابنة فيلقوس، فلما قرب منها وجد منها رائحة منكرة فردها إلى أبيها وكانت قد حملت منه بالإسكندر فولدت الإسكندر بعد عودها إلى أبيها فيلقس، فبقي الإسكندر عند فيلقس وأظهر أنه ابنه وهو في الحقيقة ابن دارا الأكبر، قالوا: والدليل على ذلك أن الإسكندر لما أدرك دارا بن دارا وبه رمق وضع رأسه في حجره وقال لدارا: يا أخي أخبرني عمن فعل هذا لأنتقم لك منه؟ فهذا ما قاله الفرس، قالوا: فعلى هذا التقدير فالإسكندر أبوه دارا الأكبر، وأمه بنت فيلقس، فهذا إنما تولد من أصلين مختلفين الفرس والروم، وهذا الذي قاله الفرس، وإنما ذكروه لأنهم أرادوا أن يجعلوه من نسل ملوك العجم حتى لا يكون ملك مثله من نسب غير نسب ملوك العجم، و هو في الحقيقة كذب، وإنما قال الإسكندر لدارا " يا أخي " على سبيل التواضع وأكرم دارا بذلك الخطاب.
والقول الثاني: قال أبو الريحان البيروني المنجم في كتابه الذي سماه بالآثار الباقية من القرون الخالية: قيل: إن ذا القرنين هو أبو كرب شمر بن عمير بن أفريقش الحميري، وهو الذي بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها، وهو الذي افتخر به أحد الشعراء من حمير حيث قال:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما * ملكا علا في الأرض غير معبد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي * أسباب ملك من كريم سيد ثم قال أبو الريحان: ويشبه أن يكون هذا القول أقرب لان الاذواء كانوا من اليمن وهم الذين لا تخلوا أساميهم من ذي كذي المنار وذي نواس وذي النون و ذي يزن.
والثالث أنه كان عبدا صالحا ملكه الله الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة وإن كنا لا نعرف من هو، ثم ذكروا في تسميته بذي القرنين وجوها:
الأول: سأل ابن الكواء عليا عليه السلام عن ذي القرنين وقال: أملك أو نبي؟ قال:
لا ملك ولا نبي، كان عبدا صالحا ضرب على قرنه الأيمن، فمات ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات، فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله. الثاني: سمي بذي القرنين لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس. الثالث: قيل: كانت صفحتا رأسه من نحاس. الرابع:
كان على رأسه ما يشبه القرنين. الخامس: كان لتاجه قرنان. السادس: عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا يعني شرقها وغربها. السابع: كان له قرنان أي ضفيرتان. الثامن: إن الله تعالى سخر له النور والظلمة فإذا سرى يهديه النور من أمامه ويمتد الظلمة من ورائه. التاسع: يجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما سمي الشجاع بالقرن لأنه يقطع أقرانه. العاشر: أنه رأى في المنام كأنه صعد الفلك وتعلق بطرفي الشمس وقرنيها - أي جانبيها - فسمي لهذا السبب بذي القرنين. الحادي عشر: سمي بذلك لأنه دخل النور والظلمة.
والقول الرابع: أن ذا القرنين ملك من الملائكة، عن عمر; وإنه سمع رجلا يقول:
يا ذا القرنين، فقال: اللهم اغفر أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى سميتم بأسماء الملائكة؟ فهذا جملة ما قيل في هذا الباب، والقول الأول أظهر لأجل الدليل الذي ذكرناه، وهو أن مثل هذا الملك العظيم يجب أن يكون معلوم الحال، وهذا الملك العظيم هو الإسكندر، فوجب أن يكون المراد بذي القرنين هو إلا أن فيه إشكالا قويا وهو أنه كان تلميذا لأرسطاطاليس الحكيم، وكان على مذهبه، فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطا طاليس حق وصدق وذلك مما لا سبيل إليه.
المسألة الثانية: اختلفوا في أن ذا القرنين هل كان من الأنبياء أم لا، منهم من قال: إنه كان من الأنبياء، واحتجوا عليه بوجوه:
الأول قوله: " إنا مكنا له في الأرض " والأولى حمله على التمكين في الدين، والتمكين الكامل في الدين هو النبوة.
والثاني قوله: " وآتيناه من كل شئ سببا " ومن جملة الأشياء النبوة: فمقتضى العموم في قوله: " وآتيناه من كل شئ سببا " هو أنه تعالى آتاه من النبوة سببا.
والثالث قوله تعالى: " قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا " والذي يتكلم الله معه لا بد وأن يكون نبيا، ومنهم من قال: إنه كان عبدا صالحا وما كان نبيا. انتهى. أقول: الظاهر من الاخبار أنه غير الإسكندر، وأنه كان في زمن إبراهيم عليه السلام وأنه أول الملوك بعد نوح عليه السلام وأما استدلاله فلا يخفى ضعفه بعد ما قد عرفت
مع أن الملوك المتقدمة لم يضبط أحوالهم بحيث لا يشذ عنهم أحد، وأيضا الظاهر من كلام أهل الكتاب الذين عليهم يعولون في التواريخ عدم الاتحاد، ثم الظاهر مما ذكرنا من الاخبار وغيرهما مما أورده الكليني وغيره أنه لم يكن نبيا ولكنه كان عبدا صالحا مؤيدا من عنده تعالى.
وأما يأجوج ومأجوج فقد ذكر الشيخ الطبرسي أن فسادهم أنهم كانوا يخرجون فيقتلونهم ويأكلون لحومهم ودوابهم; وقيل: كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يدعون شيئا أخضر إلا أكلوه، ولا يابسا إلا احتملوه، عن الكلبي; وقيل: أرادوا أنهم سيفسدون في المستقبل عند خروجهم; وورد في الخبر عن حذيفة قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن يأجوج ومأجوج فقال: يأجوج أمة ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كل قد حمل السلاح; قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز ، قلت: يا رسول الله وما الأرز؟ قال: شجر بالشام طويل، وصنف منهم طولهم وعرضهم سواء، وهؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم إحدى اذنيه ويلتحف بالأخرى ولا يمرون بفيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية. قال وهب ومقاتل: إنهم من ولد يافث بن نوح أبي الترك; وقال السدي: الترك سرية من يأجوج ومأجوج خرجت تغير فجاء ذو القرنين فضرب السد فبقيت خارجه. وقال قتادة: إن ذا القرنين بنى السد على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلة دون السد فهم الترك; وقال كعب. هم نادرة من ولد آدم، وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب فخلق الله من ذلك الماء والتراب يأجوج و مأجوج فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الام; وهذا بعيد انتهى.
أقول: سيأتي بيان أحوالهم في كتاب الغيبة إن شاء الله تعالى. ثم اعلم أنا إنما أوردنا قصة ذي القرنين بعد قصص إبراهيم عليه السلام تبعا للصدوق رحمه الله، ولما مر من أنه كان في زمنه عليه السلام، وذهب بعض المؤرخين إلى أنه كان متقدما على إبراهيم عليه السلام.
غريبة: قال الثعلبي في العرائس: يحكى أن الواثق بالله رأى في المنام كأن السد مفتوح، فوجه سلاما الترجمان في خمسين رجلا وأعطاه ديته خمسة آلاف دينار، وأعطى كل رجل من الخمسين ألف درهم ورزق سنة، وأعطاه مائتي بغل لحمل الزاد والماء، فتوجه من سر من رأى بكتاب من الواثق إلى إسحاق بن إسماعيل صاحب أرمينية وكان بتفليس، وكتب له إسحاق إلى صاحب السرير ملك الأردن، وكتب له ملك الأردن إلى طلخيذ فيلاذ شاه ملك الخور فأقام عنده حتى وجه خمسين رجلا أدلاء فساروا خمسة وعشرين يوما حتى انتهوا إلى أرض سوداء منتنة الريح، وكانوا قد حملوا خلا يشمونه من الرائحة الكريهة، فساروا فيها سبعة وعشرين يوما فمات ههنا قوم.
ثم ساروا في مدن خربة عشرين يوما ، فسألوا عن تلك المدن فقالوا: إنها قد ظهرت يأجوج ومأجوج فخربوها، ثم ساروا إلى حصون با لقرب من الجبل يتكلمون بالعربية و الفارسية يقرؤون القرآن لهم كتاتيب ومساجد، فقالوا: من القوم؟ قالوا: رسل أمير المؤمنين فقالوا: من أمير المؤمنين؟ قالوا: بالعراق، فتعجبوا وقالوا: شيخ أوشاب، وزعموا أنه لم يبلغهم خبره، ثم ساروا إلى جبل أملس ليس عليه خضرة، وإذا جبل مقطوع بواد عرضه مائة وخمسون ذراعا، فإذا عضادتان مبنيتان مقابلتا الجبل من جنبتي الوادي، كل عضادة خمسة وعشرون ذراعا الظاهر من تحتها عشرة أذرع، مبنية بلبن من حديد، مركبه بنحاس
في سمك خمسين ذراعا، وإذا دروند من حديد طرفاه على عضادتين، طوله مائة وعشرون ذراعا، قدر كبت طرفاه على العضادتين، على كل واحدة مقدار عشرة أذرع في عرض خمسة أذرع; وفوق ذلك الدروند بني بذلك اللبن من الحديد المنصب في النحاس إلى رأس الجبل، وارتفاعه مد البصر، وفوق ذلك شرف من حديد، في طرف كل شرفة قرنان مبني بعضها إلى بعض كل واحد إلى صاحبه، وإذا باب مصراعان منصوبان من حديد عرض كل باب خمسون ذراعا في ارتفاع خمسين ذراعا، قائمتاهما في دورهما على قدر الدروند وعلى الباب قفل طوله سبعة أذرع في غلظ ذراع، وارتفاع القفل من الأرض خمسة وخمسون ذراعا، وفوق القفل مقدار خمسة أذرع غلق، وعلى الغلق مفتاح طوله ذراع ونصف، وله اثنا عشر دندانجة كل واحدة كد سجدة منجل من أعظم ما يكون، ومعلق في سلسلة طولها ثمانية أذرع في استدارة أربعة أشبار، والحلقة التي في السلسلة مثل حلقة المنجنيق، وعتبة الباب عشرة أذرع، في وسطه مائة ذراع، سوى ما تحت العضادتين، والظاهر منها خمسة أذرع، هذا كله بذراع السواد، ورئيس تلك الحصون يركب في كل جمعة في عشرة فوارس، مع كل فارس مرزبة من حديد، كل واحد منها خمسون منا، فيضرب القفل بالمرزبات في كل يوم ثلاث ضربات يسمع من وراء الباب الصوت، ويعملون أن هناك حفظة، ويعلم هؤلاء أن أولئك لم يحدثوا في الباب حدثا، وإذا ضربوا أصغوا إليها بآذانهم يسمعون من داخل دويا، وبالقرب من هذا الجبل حصن عظيم كبير عشرة فراسخ
في عشرة فراسخ، تكسيرها مائة فرسخ، ومع الباب حصنان يكون كل واحد منهما مائتي ذراع في مائتي ذراع، وعلى باب هذين الحصنين صخرتان، وبين الحصنين عين ماء عذب، وفي أحد الحصنين آلة البناء التي بني بها السد: من قدور الحديد، ومغارف من حديد مثل قدر الصابون، وهناك بعض اللبن من الحديد قد التصق بعضه ببعض من الصدأ واللبنة ذراع ونصف في طول شبر، وسألنا هل رأوا هناك أحدا من يأجوج ومأجوج؟
فذكروا أنهم رأوا عدة منهم فوق الشرف، فهبت ريح سوداء فألقتهم إلى جانبهم، وكان مقدار الرجل في رأي العين شبرا ونصفا.
قال: فلما انصرفنا أخذتنا الادلاء على نواحي خراسان فعدلنا إليها فوقعنا إلى القرب من سمرقند على سبع فراسخ، وكان أصحاب الحصن قد زودونا الطعام ثم سرنا إلى عبد الله ابن طاهر فوصلنا بمائة ألف درهم، ووصل كل رجل كان معي خمسمائة درهم، وأجرى على كل فارس خمسة دراهم وعلى كل راجل ثلاثة دراهم كل يوم حتى صرنا إلى الري، ورجعنا إلى سر من أرى بعد ثمانية وعشرين شهرا.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.