پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد التاسع عشر

باب الاحراز المروية عن الصادق صلوات الله عليه وبعض أدعيته وعوذاته عليه السلام أقول: قد مضى بعض أحرازه عليه السلام في جملة أحراز أبيه الباقر عليه السلام

ج ۹۱، ص ۲۶۹–۲۹۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۹۱

" باب " * (الاحراز المروية عن الصادق صلوات الله عليه) * * (وبعض أدعيته وعوذاته عليه السلام) * أقول: قد مضى بعض أحرازه عليه السلام في جملة أحراز أبيه الباقر عليه السلام.

1 - مهج الدعوات: بالاسناد إلى هارون بن موسى التلعكبري، عن محمد بن علي الصيرفي عن ابن أبي نجران، عن ياسر مولى الربيع قال: سمعت الربيع يقول: لما حج المنصور، وصار بالمدينة سهر ليلة فدعاني فقال: يا ربيع انطلق في وقتك هذا على

أخفض جناح وألين مسير، فان استطعت أن تكون وحدك فافعل حتى تأتي أبا عبد الله جعفر بن محمد فقل له: هذا ابن عمك يقرأ عليك السلام ويقول لك إن الدار وإن نأت، والحال وإن اختلفت فانا نرجع إلى رحم أمس من يمين بشمال، ونعل بقبال وهو يسئلك المصير إليه في وقتك هذا فان سمح بالمسير معك فأوطه خدك وإن امتنع بعذر أو غيره فاردد الامر إليه في ذلك، فان أمرك بالمصير إليه في تأن فيسر ولا تعسر، واقبل العفو ولا تعنف في قول ولا فعل.

قال الربيع: فصرت إلى بابه، فوجدته في دار خلوته، فدخلت عليه من غير استيذان، فوجدته معفرا خديه مبتهلا بظهر يديه، قد أثر التراب في وجهه وخديه، فأكبرت أن أقول شيئا حتى فرغ من صلاته ودعائه، ثم انصرف بوجهه فقلت: السلام عليك يا أبا عبد الله، فقال: وعليك السلام يا أخي ما جاء بك؟ فقلت:

ابن عمك يقرأ عليك السلام، ويقول حتى بلغت آخر الكلام.

فقال: ويحك يا ربيع ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم؟ ويحك يا ربيع أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون، أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، قرأت على أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وبركاته ثم أقبل على صلاته وانصرف إلي بوجهه.

فقلت: هل بعد السلام من مستعتب عليه أو إجابة، فقال نعم قل له: أرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب فهو يرى أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للانسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى إنا والله يا أمير المؤمنين قد خفناك، وخافت لخوفنا النسوة اللاتي أنت أعلم بهن، ولا بد لنا من الايضاح به، فان كففت وإلا أجرينا اسمك على الله عز وجل في كل يوم خمس مرات، وأنت حدثتنا عن أبيك، عن جدك أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أربع دعوات لا يحجبن عن الله تعالى: دعاء الوالد لولده: والأخ

لظهر الغيب لأخيه، والمظلوم، والمخلص.

قال الربيع: فما استتم الكلام حتى أتت رسل المنصور تقفو أثري وتعلم خبري، فرجعت وأخبرته بما كان، فبكى، ثم قال: ارجع إليه وقل له: الامر في لقائك إليك والجلوس عنا، وأما النسوة اللاتي ذكرتهن فعليهن السلام، فقد آمن الله روعهن وجلاهمهن.

قال: فرجعت إليه فأخبرته بما قال المنصور، فقال له: وصلت رحما وجزيت خيرا ثم اغرورقت عيناه، حتى قطر من الدمع في حجره قطرات، ثم قال: يا ربيع إن هذه الدنيا وإن أمتعت ببهجتها، وغرت بزبرجها فان آخرها لا يعدو أن يكون كآخر الربيع الذي يروق بخضرته، ثم يهيج عند انتهاء مدته وعلى من نصح لنفسه، وعرف حق ما عليه وله، أن ينظر إليها نظر من عقل عن ربه جل وعلا، وحذر سوء منقلبه.

فان هذه الدنيا قد خدعت قوما فارقوها أسر ما كانوا إليها، وأكثر ما كانوا اغتباطا بها، طرقتهم آجالهم بياتا وهم نائمون، أو ضحى وهم يلعبون فكيف اخرجوا عنها، وإلى ما صاروا بعدها أعقبتهم الألم، وأورثتهم الندم، وجرعتهم مر المذاق وغصصتهم بكأس الفراق، فيا ويح من رضي عنها بها أو أقر عينا، أما رأى مصرع آبائه ومن سلف من أعدائه وأوليائه، يا ربيع أطول بها حسرة وأقبح بها كثرة، وأخسر بها صفقة، وأكبر بها ترحة إذا عاين المغرور بها أجله، وقطع بالأماني أمله.

وليعمل على أنها أعطي أطول الاعمار وأمدها، وبلغ فيها جميع الآمال هل قصاراه إلا الهرم؟ أو غايته إلا الوخم (2)؟ نسأل الله لنا ولك عملا صالحا بطاعته ومآبا إلى رحمته، ونزوعا عن معصيته، وبصيرة في حقه، فإنما ذلك له وبه.

فقلت: يا أبا عبد الله أسئلك بكل حق بينك وبين الله جل وعلا إلا عرفتني ما ابتهلت به إلى ربك تعالى، وجعلته حاجزا بينك وبين حذرك وخوفك، لعل الله يجبر بدوائك كسيرا، ويغني به فقيرا، والله ما أغني غير نفسي، قال الربيع: فرفع

يده، وأقبل على مسجده كارها أن يتلو الدعاء صحفا ولا يحضر ذلك بنية فقال:

اللهم إني أسئلك يا مدرك الهاربين، ويا ملجأ الخائفين، ويا صريخ المستصرخين، ويا غياث المستغيثين، ويا منتهى غاية السائلين، ويا مجيب دعوة المضطرين، يا أرحم الراحمين، يا حق يا مبين يا ذا الكيد المتين، يا منصف المظلومين من الظالمين، يا مؤمن أوليائه من العذاب المهين، يا من يعلم خائنة الأعين بخافيات لحظ الجفون وسرائر القلوب، وما كان وما يكون، يا رب السماوات والأرضين، والملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، ورب الجن والإنس أجمعين، يا شاهدا لا يغيب، يا غالبا غير مغلوب، يا من هو على كل شئ رقيب وعلى كل أمر حسيب، ومن كل عبد قريب، ولكل دعوة مستجيب يا إله الماضين والغابرين والمقرين والجاحدين، وإله الصامتين والناطقين، ورب الاحياء والميتين.

يا الله يا رباه، يا عزيز يا حكيم، يا غفور يا رحيم، يا أول يا قديم، يا شكور يا حليم، يا قاهر يا عليم، يا سميع يا بصير، يا لطيف يا خبير، يا عالم يا قدير، يا قهار يا غفار يا جبار، يا خالق، يا رازق يا راتق يا فاتق يا صادق يا أحد يا صمد، يا واحد يا ماجد، يا رحمان يا فرد يا منان يا سبوح، يا حنان يا قدوس يا رؤوف، يا مهيمن.

يا حميد يا مجيد يا مبدئ يا معيد يا ولي يا علي يا قوي يا غني، يا بارئ يا مصور، يا ملك يا مقتدر، يا باعث يا وارث، يا متكبر يا عظيم يا باسط يا قابض، يا سلام يا مؤمن، يا بار يا وتر، يا معطي يا مانع، يا ضار يا نافع يا مفرق يا جامع، يا حق يا مبين، يا حي يا قيوم، يا ودود يا معيد، يا طالب يا غالب، يا مدرك يا جليل، يا مفضل يا كريم يا متفضل يا متطول، يا أواب يا سمح.

يا فارج الهم، ويا كاشف الغم، يا منزل الحق، يا قابل الصدق، يا فاطر السماوات والأرض، يا عماد السماوات والأرض، يا ممسك السماوات والأرض يا ذا البلاء الجميل، والطول العظيم، يا ذا السلطان الذي لا يذل، والعز الذي لا يضام يا معروفا بالاحسان، يا موصوفا بالامتنان، يا ظاهرا بلا مشافهة، يا باطنا بلا ملامسة يا سابق الأشياء بنفسه، يا أولا بغير غاية، يا آخرا بغير نهاية، يا قائما بغير انتصاب، يا عالما بلا اكتساب، يا ذا الأسماء الحسنى، والصفات المثلى، والمثل الاعلى.

يامن قصرت عن وصفه ألسن الواصفين، وانقطعت عنه أفكار المتفكرين وعلا وتكبر عن صفات الملحدين، وجل وعز عن عيب العائبين، وتبارك وتعالى عن كذب الكاذبين، وأباطيل المبطلين، وأقاويل العادلين، يا من بطن فخبر وظهر فقدر، وأعطى فشكر، وعلا فقهر.

يا رب العين والأثر، والجن والبشر، والأنثى والذكر، والبحث والنظر والقطر والمطر، والشمس والقمر، يا شاهد النجوى، وكاشف الغمى، ودافع البلوى، وغاية كل شكوى، يا نعم النصير والمولى، يا من هو على العرش استوى له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، يا منعم يا مفضل يا مجمل يا محسن يا كافي يا شافي يا محيي يا مميت، يا من يرى ولا يرى، ولا يستعين بسناء الضياء، يا محصي عدد الأشياء.

يا علي الجد، يا غالب الجند، يا من له على كل شئ يد، وفي كل شئ كبد، يا من لا يشغله صغير عن كبير، ولا حقير عن خطير، ولا يسير عن عسير يا فاعل بغير مباشرة، يا عالم من غير تعلم، يا من بدأ بالنعمة قبل استحقاقها والفضيلة قبل استيجابها، يا من أنعم على المؤمن والكافر، واستصلح الفاسد والصالح، عليه ورد المعاند والشارد عنه، يامن أهلك بعد البينة، وأخذ بعد قطع المعذرة، وأقام الحجة، ودرأ عن القلوب الشبهة، وأقام الدلالة، وقاد إلى

معاينة الآية.

يا بارئ الجسد، وموسع الولد، ومجري القوت، ومنشر العظام بعد الموت ومنزل الغيث، يا سامع الصوت، وسابق الفوت، يا رب الآيات والمعجزات مطر ونبات، وآباء وأمهات، وبنين وبنات، وذاهب وآت، وليل داج، وسماء ذات أبراج، وسراج وهاج، وبحر عجاج، ونجوم تمور، وأرواح تدور، ومياه تفور، ومهاد موضوع، وستر مرفوع، ورياح وبلاء مدفوع، وكلام مسموع، ومنام وسباع وأنعام، ودواب وهوام، وغمام وآكام، وأمور ذات نظام، من شتاء ومصيف وربيع وخريف، أنت أنت خلقت هذا يا رب فأحسنت وقدرت فأتقنت، وسويت فأحكمت، ونبهت على الفكرة فأنعمت، وناديت الاحياء فأفهمت، فلم يبق علي إلا الشكر لك، والذكر لمحامدك، والانقياد إلى طاعتك، والاستماع للداعي إليك فان عصيتك فلك الحجة، وإن أطعتك فلك المنة.

يا من يمهل فلا يعجل، ويعلم فلا يجهل، ويعطي فلا يبخل، يا أحق من عبد وحمد وسئل ورجي واعتمد أسئلك بكل اسم مقدس مطهر مكنون اخترته لنفسك، وكل ثناء عال رفيع كريم رضيت به مدحة لك، بحق كل ملك قريب منزلته عندك، وبحق كل نبي أرسلته إلى عبادك، وبكل شئ جعلته مصدقا لرسلك، وبكل كتاب فصلته وبينته وأحكمته، وشرعته ونسخته، وبكل دعاء سمعته فأجبته، وعمل رفعته، وأسئلك بكل من عظمت حقه، وأعليت قدره، وشرفت بنيانه، ممن أسمعتنا ذكره، وعرفتنا أمره، وممن لم تعرفنا مقامه، ولم تظهر لنا شأنه، ممن خلقته من أول ما ابتدأت به خلقك، وممن تخلقه إلى انقضاء علمك.

وأسئلك بتوحيدك الذي فطرت عليه العقول، وأخذت به المواثيق، وأرسلت به الرسل، وأنزلت عليه الكتب، وجعلته أول فروضك ونهاية طاعتك، فلم تقبل حسنة إلا معها ، ولم تغفر سيئة إلا بعدها، وأتوجه إليك بجودك ومجدك وكرمك وعزك وجلالك وعفوك وامتنانك وتطولك، وبحقك الذي هو أعظم من حقوق خلقك.

وأسئلك يا الله يا الله يا الله يا رباه يا رباه يا رباه يا رباه يا رباه وأرغب إليك خاصا وعاما، وأولا وآخرا، وبحق محمد الأمين، رسولك سيد المرسلين، ونبيك إمام المتقين، وبالرسالة التي أداها، والعبادة التي اجتهد فيها والمحنة التي صبر عليها، والمغفرة التي دعا إليها، والديانة التي أحرض عليها منذ وقت رسالتك إياه إلى أن توفيته، بما بين ذلك من أقواله الحكيمة، وأفعاله الكريمة، ومقاماته المشهورة، وساعاته المعدودة، أن تصلي عليه كما وعدته من نفسك، وتعطيه أفضل ما أمل من ثوابك، وتزلف لديك منزلته، وتعلى عندك درجته، وتبعثه المقام المحمود، وتورده حوض الكرم والجود، وتبارك عليه بركة عامة تامة خاصة ماسة زاكية عالية سامية لا انقطاع لدوامها، ولا نقيصة في كمالها ولا مزيد إلا في قدرتك عليها، وتزيده بعد ذلك مما أنت أعلم به، وأقدر عليه وأوسع له، وتؤتي ذلك حتى أزداد في الايمان به بصيرة وفي محبته ثباتا وحجة وعلى آله الطاهرين الطيبين الأخيار، المنتجبين الأبرار، وعلى جبرئيل وميكائيل والملائكة المقربين وحملة عرشك أجمعين، وعلى جميع النبيين والمرسلين، والصديقين والشهداء والصالحين، عليه وعليهم السلام ورحمة الله وبركاته.

اللهم إني أصبحت لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا قد زل مصرعي، وانقطع مسئلتي، وذل ناصري، وأسلمني أهلي وولدي بعد قيام حجتك، وظهور براهينك عندي، ووضوح دلائلك، اللهم إنه قد أكدى الطلب وأعيت الحيل إلا عندك، وانغلقت الطرق وضاقت المذاهب إلا إليك، ودرست الآمال وانقطع الرجاء إلا منك، وكذب الظن وأخلفت العداة إلا عدتك.

اللهم إن مناهل الرجاء لفضلك مترعة، وأبواب الدعاء لمن دعاك مفتحة والاستغاثة لمن استغاث بك مباحة، وأنت لداعيك بموضع الإجابة، والصارخ إليك ولي الإغاثة، والقاصد إليك قريب المسافة، وأن موعدك عوض عن منع الباخلين ومندوحة عما في أيدي المستأثرين، ودرك من حبل الموازين، والراحل إليك يا رب قريب المسافة منك، وأنت لا تحتجب عن خلقك إلا أن تحجبهم الأعمال السيئة

دونك، وما أبرئ نفسي منها، ولا أرفع قدري عنها إني لنفسي يا سيدي لظلوم وبقدري لجهول إلا أن ترحمني، وتعود بفضلك علي، وتدرء عقابك عني، وترحمني وتلحظني بالعين التي أنقذتني بها من حيرة الشك، ورفعتني من هوة الضلالة وأنعشتني من ميتة الجهالة، وهديتني بها من الأنجاح الحايرة.

اللهم وقد علمت أن أفضل زاد الراحل إليك عزة إرادة وإخلاص نية، وقد دعوتك بعزم إرادتي وإخلاص طويتي وصادق نيتي، فها أنا ذا مسكينك بائسك أسيرك فقيرك سائلك، منيخ بفنائك قارع باب رجائك، وأنت آنس الآنسين لأوليائك وأحرى بكفاية المتوكل عليك، وأولى بنصر الواثق بك، وأحق برعاية المنقطع إليك سري لك مكشوف وأنا إليك ملهوف، وأنا عاجز وأنت قدير، وأنا صغير وأنت كبير وأنا ضعيف وأنت قوي، وأنا فقير وأنت غني.

إذا أوحشتني الغربة آنسني ذكرك، وإذا صبت علي الأمور استجرت بك، وإذا تلاحكت علي الشدائد أملتك، وأين يذهب بي عنك وأنت أقرب من وريدي، وأحصن من عديدي وأوجد من مكاني، وأصح في معقولي، وأزمة الأمور كلها بيدك، صادرة عن قضائك، مذعنة بالخضوع لقدرتك، فقيرة إلى عفوك، ذات فاقة إلى قارب من رحمتك، وقد مسني الفقر، ونالني الضر، وشملتني الخصاصة، وعرتني الحاجة وتوسمت بالذلة، وغلبتني المسكنة، وحقت علي الكلمة، وأحاطت بي الخطيئة وهذا الوقت الذي وعدت أولياءك فيه الإجابة، فامسح ما بي بيمينك الشافية، وانظر إلي بعينك الراحمة، وأدخلني في رحمتك الواسعة، وأقبل علي بوجهك يا ذا الجلال والاكرام، فإنك إذا أقبلت على أسير فككته، وعلى ضال هديته، وعلى حائر آويته، وعلى ضعيف قويته، وعلى خائف آمنته.

اللهم إنك أنعمت علي فلم أشكر، وابتليتني فلم أصبر، فلم يوجب عجزي عن شكرك منع المؤمل من فضلك، وأوجب عجزي عن الصبر على بلائك كشف ضرك وإنزال رحمتك فيا من قل عند بلائه صبري فعافاني، وعند نعمائه شكري فأعطاني، أسئلك المزيد من فضلك

والايزاع لشكرك والاعتداد بنعمائك، في أعفى العافية، وأسبغ النعمة إنك على كل شئ قدير.

اللهم لا تخلني من يدك، ولا تنركني لقاء عدوك ولا لعدوي، ولا توحشني من لطائف الخفية، وكفايتك الجميلة، وإن شردت عنك فارددني إليك، وإن فسدت عليك فأصلحني لك، فإنك ترد الشارد، وتصلح الفاسد، وأنت على كل شئ قدير.

اللهم هذا مقام العائذ بك، اللائذ بعفوك، المستجير بعز جلالك، قد رأى أعلام قدرتك فأره آثار رحمتك فإنك تبدئ الخلق ثم تعيده، وهو أهون عليك ولك المثل الاعلى في السماوات والأرض وأنت العزيز الحكيم.

اللهم فتولني ولاية تغنيني بها عن سواها، وأعطني عطية لا أحتاج إلى غيرك معها، فإنها ليست ببدع من ولايتك، ولا بنكر من عطيتك، ولا بأولى من كفايتك، ادفع الصرعة، وانعش السقطة، وتجاوز عن الزلة، واقبل التوبة، وارحم الهفوة وأنج من الورطة، وأقل العثرة، يا منتهى الرغبة، وغياث الكربة، وولي النقمة، وصاحبي في الشدة، ورحمان الدنيا والآخرة.

أنت رحماني إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أو عدو يملك أمري؟ وإن لم تك علي ساخطا فما أبالي غير أن عفوك لا يضيق عني، ورضاك ينفعني وكنفك يسعني، ويدك الباسطة تدفع عني، فخذ بيدي من دحض الذلة، فقد كبوت فثبتني على الصراط المستقيم، واهدني وإلا غويت.

يا هادي الطريق، يا فارج المضيق، يا إلهي بالتحقيق، يا جاري اللصيق، يا ركني الوثيق، يا كنزي العتيق، أحلل عني المضيق، واكفني شر ما أطيق، وما لا أطيق، يا أهل التقوى، وأهل المغفرة، وذا العز والقدرة، والآلاء والعظمة يا أرحم الراحمين، وخير الغافرين، وأكرم الناظرين، ورب العالمين، لا تقطع منك رجائي ولا تخيب دعائي، ولا تجهد بلائي ولا تسئ قضائي، ولا تجعل النار مأواي، واجعل الجنة مثواي، وأعطني من الدنيا سؤلي ومناي، وبلغني من الآخرة

أملي ورضاي، وآتني في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا برحمتك عذاب النار، يا أرحم الراحمين إنك على كل شئ قدير، وبكل شئ محيط، وأنت حسبي ونعم الوكيل.

قال مؤلفه: كتبته من مجموع بخط الشيخ الجليل أبي الحسين محمد بن هارون التلعكبري أدام الله تأييده هكذا كان في الأصل.

ومن ذلك دعاء الصادق عليه السلام لما استدعاه المنصور مرة ثانية بعد عوده من مكة إلى المدينة، حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن النوفلي قال: حدثني الربيع صاحب أبي جعفر المنصور قال: حججت مع أبي جعفر المنصور فلما كنا في بعض الطريق قال لي المنصور: يا ربيع إذا نزلت المدينة فاذكر لي جعفر بن محمد بن علي ابن الحسين بن علي فوالله العظيم لا يقتله أحد غيري، احذر تدع أن تذكرني به قال فلما صرنا إلى المدينة أنساني الله عز وجل ذكره.

قال: فلما صرنا إلى مكة قال لي: يا ربيع ألم آمرك أن تذكرني بجعفر ابن محمد إذا دخلنا المدينة؟ قال: فقلت: نسيت ذلك يا مولاي يا أمير المؤمنين، قال:

فقال لي: إذا رجعت إلى المدينة فاذكرني به، فلا بد من قتله، فإن لم تفعل لأضربن عنقك، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، ثم قلت لغلماني وأصحابي: اذكروني بجعفر بن محمد إذا دخلنا المدينة إنشاء الله تعالى، فلم يزل غلماني وأصحابي يذكروني به في كل وقت ومنزل ندخله وننزل فيه حتى قدمنا المدينة.

فلما نزلنا بها دخلت إلى المنصور فوقفت بين يديه وقلت له: يا أمير المؤمنين جعفر بن محمد، قال: فضحك وقال لي: نعم اذهب يا ربيع فأتني به ولا تأتني به إلا مسحوبا قال: فقلت له: يا مولاي يا أمير المؤمنين حبا وكرامة، وأنا أفعل ذلك طاعة لأمرك، قال: ثم نهضت وأنا في حال عظيم من ارتكابي ذلك، قال: فأتيت الإمام الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام وهو جالس في وسط داره، فقلت له: جعلت فداك إن أمير المؤمنين يدعوك إليه، فقال لي: السمع والطاعة، ثم نهض وهو معي يمشي، قال:

فقلت له: يا ابن رسول الله إنه أمرني أن لا آتيه بك إلا مسحوبا، قال: فقال الصادق:

امتثل يا ربيع ما أمرك به، قال: فأخذت بطرف كمه أسوقه إليه، فلما أدخلته إليه رأيته وهو جالس على سريره، وفي يده عمود حديد يريد أن يقتله به، ونظرت إلى جعفر عليه السلام وهو يحرك شفتيه، فلم أشك أنه قاتله، ولم أفهم الكلام الذي كان جعفر عليه السلام يحرك به شفتيه به، فوقفت انظر إليها.

قال الربيع: فلما قرب منه جعفر بن محمد قال له المنصور: ادن مني يا ابن عمي، وتهلل وجهه، وقربه منه، حتى أجلسه معه على السرير، ثم قال: يا غلام ائتني بالحقة فأتاه بالحقة، فإذا فيها قدح الغالية، فغلفه منها بيده، ثم حمله على بغلة وأمر له ببدرة، وخلعة، ثم أمره بالانصراف قال: فلما نهض من عنده خرجت بين يديه حتى وصل إلى منزله، فقلت له: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله إني لم أشك فيه ساعة تدخل عليه يقتلك، ورأيتك تحرك شفتيك في وقت دخولك فما قلت؟ قال لي: نعم، يا ربيع اعلم أني قلت:

" حسبي الرب من المربوبين، حسبي الخالق من المخلوقين، حسبي من لم يزل حسبي، حسبي الله الذي لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم حسبي الذي لم يزل حسبي، حسبي حسبي حسبي الله ونعم الوكيل.

اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام، واحفظني بعزك، واكفني شره بقدرتك، ومن علي بنصرك وإلا هلكت وأنت ربى، اللهم إنك أجل وأخير مما أخاف وأحذر اللهم إني أدرء بك في نحره، وأعوذ بك من شره، وأستعينك عليه، وأستكفيك إياه، يا كافي موسى فرعون، ومحمد صلى الله عليه وآله الأحزاب. الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون، لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون، وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ".

ووجدت: عقيب هذا الدعاء ما هذا لفظه: عوذة مولانا جعفر الصادق عليه السلام حين استدعاه المنصور برواية الربيع.

بالله أستفتح، وبالله أستنجح، وبرسوله صلى الله عليه وآله وبأمير المؤمنين صلى الله عليه أتشفع، وبالحسن والحسين صلى الله عليهما أتقرب، اللهم لين لي صعوبته وسهل لي حزونته، ووجه سمعه وبصره وجميع جوارحه إلي بالرأفة والرحمة وأذهب عني غيظه وبأسه ومكره وجنوده وأحزابه، وانصرني عليه بحق كل ملك سائح في رياض قدسك، وفضاء نورك، وشرب من حيوان مائك، وأنقذنى بنصرك العام المحيط، جبرئيل عن يميني، وميكائيل عن يسارى، ومحمد صلى الله عليه وآله أمامى والله وليي وحافظي وناصري وأماني، فان حزب الله هم الغالبون، استترت واحتجبت وامتنعت وتعززت بكلمة الله الوحدانية الأزلية الإلهية التي من امتنع بها كان محفوظا، إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين.

قال الربيع: فكتبته في رق وجعلته في حمايل بسيفي، فوالله ما هبت المنصور بعدها.

الكتاب العتيق الغروي: حدثنا أبو محمد الحسين بن محمد النوفلي وذكره نحوه إلى قوله: ما هبت المنصور بعدها.

2 - مهج الدعوات: أقول: وقد رأيت في كتاب عتيق من وقف أم الخليفة الناصر أوله أخبار وقعة الحرة باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قرأت إنا أنزلناه في ليلة القدر حين دخلت على أبي جعفر وهو يريد قتلي، فحال الله بينه وبين ذلك فلما قرأها حين نظر إليه لم يخرج إليه حتى ألطفه، وقيل له: بما احترست قال: بالله، وبقراءة إنا أنزلناه في ليلة القدر، ثم قلت: " يا الله يا الله - سبعا - إني أتشفع إليك بمحمد صلى الله عليه وآله من أن تقلبه لي " فمن ابتلى بمثل ذلك فليصنع

بمثل صنعي، ولولا أننا نقرأها ونأمر بقراءتها شيعتنا لتخطفهم الناس، ولكن هي والله لهم كهف.

ومن ذلك: دعاء الصادق عليه السلام لما استدعاه المنصور مرة ثالثة بالربذة رويناه باسنادنا إلى محمد بن الحسن الصفار باسناده في كتاب الدعاء، عن إبراهيم بن جبلة، عن مكرمة الكندي قال: لما نزل أبو جعفر المنصور الربذة وجعفر بن محمد يومئذ بها قال: من يعذرني من أبي جعفر هذا، قد رجلا وأخر أخرى يقول: أتنحى عن محمد - أقول: يعني محمد بن عبد الله بن الحسن - فان يظفر فإنما الامر لي وإن تكن الأخرى فكنت قد أحرزت نفسي، أما والله لأقتلنه ثم التفت إلى إبراهيم بن جبلة قال: يا ابن جبلة قم إليه فضع في عنقه ثيابه، ثم ائتني به سحبا.

قال إبراهيم: فخرجت حتى أتيت منزله، فلم أصبه، فطلبته في مسجد أبي ذر فوجدته في باب المسجد، قال: فاستحييت أن أفعل ما أمرت به فأخذت بكمه فقلت له:

أجب أمير المؤمنين، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، دعني حتى أصلي ركعتين ثم بكى بكاء شديدا، وأنا خلفه، ثم قال: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، فكم من كرب يضعف عنه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه القريب، ويشمت به العدو، وتعييني فيه الأمور أنزلته بك وشكوته إليك راغبا فيه إليك عمن سواك ففرجته وكشفته

وكفيتنيه، فأنت ولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل حاجة، فلك الحمد كثيرا، ولك المن فاضلا.

أقول: ووجدت زيادة هذا الدعاء عن مولانا الرضا عليه السلام:

بنعمتك اللهم تتم الصالحات، يا معروفا بالمعروف، يا من هو بالمعروف موصوف، أنلني من معروفك معروفا تغنيني به عن معروف من سواك برحمتك يا أرحم الراحمين.

ثم قال: اصنع ما أمرت به، فقلت: والله لا أفعل، ولو ظننت أني اقتل فأخذت بيده فذهبت به، لا والله ما أشك إلا أنه يقتله، قال: فلما انتهيت إلى باب الستر قال: " يا إله جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومحمد صلى الله عليه وآله تول في هذه الغداة عافيتي، ولا تسلط علي في هذه الغداة أحدا من خلقك بشئ لا طاقة لي به ".

ثم قال إبراهيم: فلما أدخلته عليه، قال فاستوى جالسا ثم أعاد عليه الكلام فقال: قدمت رجلا وأخرت أخرى أما والله لأقتلنك، فقال: يا أمير المؤمنين ما فعلت فارفق بي، فوالله لقل ما أصحبك، فقال له أبو جعفر: انصرف، ثم قال:

التفت إلى عيسى بن علي فقال له: يا أبا العباس الحقه فسله أبي أم به؟ قال: فخرج يشتد حتى لحقه، فقال: يا أبا عبد الله إن أمير المؤمنين يقول لك: أبك أم به؟

فقال: لابل بي، فقال أبو جعفر: صدق، قال إبراهيم: ثم خرجت فوجدته قاعدا ينتظرني يتشكر لي صنعي به، وإذا به يحمد الله ويقول:

الحمد لله الذي أدعوه فيجيبني، وإن كنت بطيئا حين يدعوني، والحمد لله الذي أسأله فيعطيني، وإن كنت بخيلا حين يستقرضني، والحمد لله الذي استوجب الشكر علي بفضله، وإن كنت قليلا شكري، والحمد لله الذي وكلني الناس [إليه] ظ فأكرمني، ولم يكلني إليهم فيهينوني، فرضيت بلطفك يا رب لطفا وبكفايتك خلفا.

اللهم يا رب ما أعطيتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب اللهم

وما زويت عني مما أحب فاجعله قواما فيما تحب، اللهم أعطني ما أحب، واجعله خيرا لي، واصرف عني ما أكره، واجعله خيرا لي، اللهم ما غيبت عني من الأمور فلا تغيبني عن حفظك، وما فقدت فلا أفقد عونك، وما نسيت فلا أنسى ذكرك وما ملكت فما أمل شكرك، عليك توكلت حسبي الله ونعم الوكيل.

ومن ذلك: دعاء الصادق عليه السلام لما استدعاه المنصور مرة رابعة إلى الكوفة حدث الشيخ العالم أبو جعفر محمد بن أبي القاسم الطبري بمشهد مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في شوال من سنة خمس وخمسين وخمسمائة قال: حدثنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن شهريار الخازن بمشهد أمير المؤمنين عليه السلام في صفر سنة ستة عشر وخمسمائة قال: أخبرنا الشيخ أبو منصور محمد بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز العكبري المعدل ببغداد في ذي القعدة من سنة سبعين وأربعمائة، قال: قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن عمر بن حلوية القطان قراءة عليه بعكبرا قال: حدثنا عبد الله بن خلف بن علي بن الحسين بن مليح الشروطي بعكبرا، عن القاضي أبي بكر محمد بن إبراهيم الهمداني، عن الحسن بن علي البصري، عن الهيثم بن عبد الله الرماني والعباس بن عبد العظيم العنبري، قال: حدثنا الفضل بن الربيع قال: قال أبي الربيع الحاجب: بعث المنصور إبراهيم بن جبلة إلى المدينة ليشخص جعفر بن محمد فحدثني إبراهيم بعد قدومه بجعفر أنه لما دخل إليه فأخبره برسالة المنصور سمعته يقول:

اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة، واتكالي في كل أمر نزل بي عليك ثقة، وبك عدة، فكم من كرب يضعف فيه القوى، وتقل فيه الحيلة، وتعيى فيه الأمور، ويخذل فيه القريب ويشمت فيه العدو، وأنزلته بك وشكوته إليك، راغبا فيه إليك عمن سواك، ففرجته وكشفته، فأنت ولي كل نعمة، ومنتهى كل حاجة، لك الحمد كثيرا، ولك المن فاضلا.

فلما قدموا راحلته وخرج ليركب سمعته يقول:

اللهم بك أستفتح، وبك أستنجح، وبمحمد صلى الله عليه وآله أتوجه، اللهم ذلل لي حزونته، وكل حزونة، وسهل لي صعوبته، وكل صعوبة، وارزقني من الخير فوق ما أرجو، واصرف عني من الشر فوق ما أحذر، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب.

قال: فلما دخلنا الكوفة نزل فصلى ركعتين، ثم رفع يده إلى السماء فقال:

اللهم رب السماوات السبع وما أظلت، ورب الأرضين السبع وما أقلت، والرياح وما ذرأت، والشياطين وما أضلت، والملائكة وما عملت، وأسئلك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن ترزقني خير هذه البلدة، وخير ما فيها وخير أهلها، وخير ما قدمت له، وأن تصرف عني شرها وشر ما فيها وشر أهلها، وشر ما فدمت له.

قال الربيع: فلما وافى إلى حضرة المنصور، دخلت فأخبرته بقدوم جعفر ابن محمد وإبراهيم، فدعا المسيب بن زهير الضبي فدفع إليه سيفا وقال له: إذا دخل جعفر بن محمد فخاطبته وأومأت إليك فاضرب عنقه. ولا تستأمر، فخرجت إليه وكان صديقا لي الاقيه وأعاشره إذا حججت، فقلت: يا ابن رسول الله إن هذا الجبار قد أمر فيك بأمر كرهت أن ألقاك به، وإن كان في نفسك شئ تقول أو توصيني به، فقال: لا يروعك ذلك، فلو قد رآني لزال ذلك كله، ثم أخذ بمجامع الستر، فقال:

يا إله جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومحمد صلى الله عليه وعليهم، تولني في هذه الغداة، ولا تسلط علي أحدا من خلقك بشئ لا طاقة لي به.

ثم دخل به فحرك شفتيه بشئ لم أفهمه، فنظرت إلى المنصور فما شبهته إلا بنار صب عليها ماء فخمدت، ثم جعل يسكن غضبه حتى دنا منه جعفر بن محمد عليهما السلام وصار مع سريره فوثب المنصور فأخذ بيده ورفعه على سريره، ثم

قال له: يا أبا عبد الله يعز علي تعبك وإنما أحضرتك لأشكو إليك أهلك: قطعوا رحمي، وطعنوا في ديني، وألبوا الناس علي، ولو ولى هذا الامر غيري ممن هو أبعد رحما مني لسمعوا له وأطاعوا، فقال جعفر عليه السلام: يا أمير المؤمنين فأين يعدل بك عن سلفك الصالح، إن أيوب عليه السلام ابتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر، وإن سليمان أعطي فشكر، فقال المنصور: قد صبرت وغفرت وشكرت.

ثم قال: يا أبا عبد الله حدثنا حديثا كنت سمعته منك في صلة الأرحام، قال:

نعم، حدثني أبي، عن جدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحب أن ينسئ في أجله ويعافى في بدنه، فليصل رحمه، قال: ليس هذا هو، قال: نعم، حدثني أبي عن جدي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: رأيت رحما متعلقا بالعرش يشكو إلى الله تعالى عز وجل قاطعها، فقلت: يا جبرئيل كم بينهم؟ فقال: سبعة آباء فقال: ليس هذا هو قال: نعم حدثني أبي، عن جدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: احتضر رجل بار في جواره رجل عاق قال الله عز وجل لملك الموت: يا ملك الموت كم بقي من أجل العاق؟ قال: ثلاثون سنة، قال: حولها إلى هذا البار، فقال المنصور:

يا غلام ائتني بالغالية فأتاه بها فجعل يغلفه بيديه، ثم دفع إليه أربعة آلاف، ودعا بدابته فأتاه بها، فجعل يقول: قدم قدم إلى أن أتى بها إلى عند سريره، فركب جعفر بن محمد عليهما السلام وعدوت بين يديه فسمعته يقول:

الحمد لله الذي أدعوه فيجيبني، وإن كنت بطيئا حين يدعوني، والحمد لله الذي أسئله فيعطيني وإن كنت بخيلا حين يسئلني، والحمد لله الذي استوجب مني الشكر وإن كنت قليلا شكري، والحمد لله الذي وكلني الناس إليه فأكرمني ولم يكلني إليهم فيهينوني، يا رب كفى بلطفك لطفا، وبكفايتك خلفا.

فقلت له: يا ابن رسول الله إن هذا الجبار يعرضني على السيف كل قليل وقد دعا المسيب بن زهير فدفع إليه سيفا وأمره أن يضرب عنقك، وأنى رأيتك تحرك شفتيك حين دخلت بشئ لم أفهمه عنك، فقال: ليس هذا موضعه.

فرحت إليه عشيا قال: نعم، حدثني أبي، عن جدي أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما ألبت عليه اليهود وفزارة وغطفان، وهو قوله تعالى: " إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا " وكان ذلك اليوم من أغلظ يوم على رسول الله صلى الله عليه وآله، فجعل يدخل ويخرج وينظر إلى السماء، ويقول: ضيقي تتسعي، ثم خرج في بعض الليل فرأى شخصا حفيا فقال لحذيفة: انظر من هذا؟ فقال: يا رسول الله هذا علي بن أبي طالب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا الحسن أما خشيت أن تقع عليك عين، قال: إني وهبت نفسي لله ولرسوله، وخرجت حارسا للمسلمين في هذه الليلة، فما انقضى كلامهما حتى نزل جبرئيل عليه السلام وقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: قد رأيت موقف علي بن أبي طالب عليه السلام منذ الليلة وأهديت له من مكنون علمي كلمات لا يتعوذ بها عند شيطان مارد، ولا سلطان جائر، ولا حرق ولا غرق، ولا هدم ولا ردم، ولا سبع ضار، ولا لص قاطع إلا آمنه الله من ذلك، وهو أن يقول:

اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واكنفنا بركنك الذي لا يرام، وأعزنا بسلطانك الذي لا يضام، وارحمنا بقدرتك علينا ولا تهلكنا، فأنت الرجاء، رب كم من نعمة أنعمت بها علي قل لك عندها شكري، وكم بلية ابتليتني بها قل لك عندها صبري، فيا من قل عند نعمته شكري فلم يحرمني، ويا من قل عند بليته صبري فلم يخذلني، يا ذا المعروف الدائم الذي لا ينقضي أبدا. ويا ذا النعماء التي لا تحصى عددا، أسئلك أن تصلي على محمد وآله الطاهرين وأدرء بك في نحور الأعداء والجبارين اللهم أعني على ديني بدنياي وعلى آخرتي بتقو [ا] ى، واحفظني فيما غبت عنه، ولا تكلني إلى نفسي فيما حضرته، يا من لا تنقصه المغفرة، ولا تضره المعصية، أسألك فرجا عاجلا، وصبرا جميلا ورزقا واسعا، والعافية من جميع البلاء، والشكر على العافية، يا أرحم الراحمين.

قال الربيع: والله لقد دعاني المنصور ثلاث مرات يريد قتلي فتعوذت بهذه الكلمات، فيحول الله بينه وبين قتلي.

قال الحسن بن علي: قال العباس بن عبد العظيم: ما انصرفت ليلة من حانوتي إلا دعوت بهذه الكلمات، فأنسيت ليلة من الليالي أن أقرأها قبل انصرافي، فلما كان في بعض الليل وأنا نائم، استيقظت فذكرت أني لم أقرأها، فجعلت أعوذ حانوتي بها وأنا في فراشي وأدير يدي عليه، فلما كان في الغد بكرت فوجدت في حانوتي رجلا وإذا الحانوت مغلق عليه، فقلت له: ما شأنك وما تصنع ههنا؟ فقال:

دخلت إلى حانوتك لاسترق منه شيئا وكلما أردت الخروج حيل بيني وبين ذلك بسور من حديد.

ومن ذلك: دعاء لمولانا الصادق عليه السلام لما استدعاه المنصور مرة خامسة إلى بغداد قبل قتل محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن عليهم السلام وجدتها في كتاب عتيق في آخره: وكتب الحسين بن علي بن هند بخطه في شوال سنة ست وتسعين وثلاثمائة قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عبد الله بن صفوة الهمداني بالمصيصة قال:

حدثنا محمد بن العباس بن داود العاصمي قال: حدثنا الحسن بن علي بن يقطين، عن أبيه قال: حدثني محمد بن الربيع الحاجب قال: قعد المنصور أمير المؤمنين يوما في قصره في القبة الخضراء، وكانت قبل قتل محمد وإبراهيم تدعى الحمراء، وكان له يوم يقعد فيه يسمى ذلك اليوم يوم الذبح، وقد كان أشخص جعفر بن محمد عليهما السلام من المدينة، فلم يزل في الحمراء نهاره كله حتى جاء الليل ومضي أكثره، قال: ثم دعا أبي الربيع فقال له: يا ربيع إنك تعرف موضعك مني وأني يكون لي الخبر ولا تظهر عليه أمهات الأولاد، وتكون أنت المعالج له، فقال: قلت: يا أمير المؤمنين ذلك من فضل الله علي وفضل أمير المؤمنين، وما فوقي في النصح غاية، قال: كذلك أنت سر الساعة إلى جعفر بن محمد بن فاطمة فأتني به على الحال الذي تجده عليه، لا تغير شيئا مما هو عليه، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا والله هو العطب إن

أتيت به على ما أراه من غضبه قتله، وذهبت الآخرة، وإن لم آت به وادهنت في أمره قتلني وقتل نسلي، وأخذ أموالي، فخيرت بين الدنيا والآخرة، فمالت نفسي إلى الدنيا.

قال محمد بن الربيع: فدعاني أبي وكنت أفظ ولده وأغلظهم قلبا فقال لي: امض إلى جعفر بن محمد بن علي فتسلق على حائطه ولا تستفتح عليه بابا فيغير بعض ما هو عليه، ولكن انزل عليه نزولا فأت به على الحال التي هو فيها.

قال: فأتيته وقد ذهب الليل إلا أقله، فأمرت بنصب السلاليم، وتسلقت عليه الحائط، فنزلت عليه داره، فوجدته قائما يصلي، وعليه قميص ومنديل قد ائتزر به، فلما سلم من صلاته قلت له: أجب أمير المؤمنين! فقال: دعني أدعو وألبس ثيابي، فقلت له: ليس إلى تركك وذلك سبيل، قال: وأدخل المغتسل فأتطهر؟

قال: قلت: وليس إلى ذلك سبيل فلا تغسل نفسك فاني لا أدعك تغير شيئا.

قال: فأخرجته حافيا حاسرا في قميصه ومنديله، وكان عليه السلام قد جاوز السبعين فلما مضى بعض الطريق ضعف الشيخ، فرحمته فقلت له: اركب، فركب بغل شاكري كان معنا ثم صرنا إلى الربيع فسمعته وهو يقول له: ويلك يا ربيع قد أبطأ الرجل، وجعل يستحثه استحثاثا شديدا، فلما أن وقعت عين الربيع على جعفر بن محمد، وهو بتلك الحال بكى وكان الربيع يتشيع فقال له جعفر عليه السلام:

يا ربيع أنا أعلم ميلك إلينا، فدعني أصلي ركعتين، وأدعو، قال: شأنك وما تشاء فصلى ركعتين خففهما ثم دعا بعدهما بدعاء لم أفهمه إلا أنه دعاء طويل، والمنصور في ذلك كله يستحث الربيع، فلما فرغ من دعائه على طوله أخذ الربيع بذراعيه فأدخله على المنصور، فلما صار في صحن الإيوان وقف ثم حرك شفتيه بشئ ما لم

أدر ما هو ثم أدخلته فوقف بين يديه.

فلما نظر إليه قال: وأنت يا جعفر ما تدع حسدك وبغيك وإفسادك على أهل هذا البيت من بني العباس، وما يزيدك الله بذلك إلا شدة حسد ونكد ما يبلغ به ما تقدره، فقال له: والله يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئا من هذا ولقد كنت في ولاية بني أمية وأنت تعلم أنهم أعدى الخلق لنا ولكم، وأنهم لا حق لهم في هذا الامر فوالله ما بغيت عليهم ولا بلغهم عني سوء مع جفاهم الذي كان بي، وكيف يا أمير المؤمنين أصنع الآن هذا وأنت ابن عمي، وأمس الخلق بي رحما، وأكثرهم عطاء وبرا فكيف أفعل هذا.

فأطرق المنصور ساعة، وكان على لبد وعن يساره مرفقة جرمقانية وتحت لبده سيف ذو فقار كان لا يفارقه إذا قعد في القبة قال: أبطلت وأثمت ثم رفع ثني الوسادة، فأخرج منها إضبارة كتب فرمى بها إليه وقال: هذه كتبك إلى أهل خراسان، تدعوهم إلى نقض بيعتي، وأن يبايعوك دوني، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما فعلت ولا أستحل ذلك، ولا هو من مذهبي، وإني لممن يعتقد طاعتك على كل حال، وقد بلغت من السن ما قد أضعفني عن ذلك لو أردته، فصيرني في بعض جيوشك حتى تأتيني الموت فهو مني قريب، فقال: لا ولا كرامة، ثم أطرق وضرب يده إلى السيف فسل منه مقدار شبر وأخذ بمقبضه فقلت: إنا لله، ذهب والله الرجل ثم رد السيف.

ثم قال: يا جعفر أما تستحيي مع هذه الشيبة ومع هذا النسب أن تنطق بالباطل وتشق عصا المسلمين، تريد أن تريق الدماء، وتطرح الفتنة بين الرعية والأولياء فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما فعلت، ولا هذه كتبي ولا خطي ولا خادمي فانتضى من السيف ذراعا فقلت: إنا لله، مضى الرجل، وجعلت في نفسي إن أمرني فيه

بأمر أن أعصيه لأنني ظننت أنه يأمرني أن آخذ السيف فأضرب به جعفرا، فقلت:

إن أمرني ضربت المنصور، وإن أتى ذلك علي وعلى ولدي، وتبت إلى الله عز وجل مما كنت نويت فيه أولا.

فأقبل يعاتبه وجعفر يعتذر، ثم انتضى السيف إلا شيئا يسيرا منه فقلت:

إنا لله مضى والله الرجل، ثم أغمد السيف وأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال:

أظنك صادقا، يا ربيع هات العيبة من موضع كانت فيه في القبه فأتيته بها، فقال:

أدخل يدك فيها، فكانت مملوءة غالية، وضعها في لحيته، وكانت بيضاء، فاسودت وقال لي: أحمله على فاره من دوابي التي أركبها، وأعطه عشرة آلاف درهم وشيعه إلى منزله مكرما وخيره إذا أتيت به إلى المنزل بين المقام عندنا فنكرمه والانصراف إلى مدينة جده رسول الله صلى الله عليه وآله، فخرجنا من عنده وأنا مسرور فرح بسلامة جعفر عليه السلام، ومتعجب مما أراد المنصور وما صار إليه من أمره.

فلما صرنا في الصحن، قلت له: يا ابن رسول الله إني لاعجب مما عمد إليه هذا في بابك وما أصارك الله إليه من كفايته ودفاعه ولا عجب من أمر الله عز وجل وقد سمعتك تدعو في عقيب الركعتين بدعاء لم أدر ما هو إلا أنه طويل، ورأيتك قد حركت شفتيك ههنا أعني الصحن بشئ لم أدر ما هو؟ فقال لي: أما الأول فدعاء الكرب والشدائد لم أدع به على أحد قبل يومئذ، جعلته عوضا من دعاء كثير أدعو به إذا قضيت صلاتي لأني لم أترك أن أدعو ما كنت أدعو به، وأما الذي حركت به شفتي فهو دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الأحزاب حدثني به أبي عن جده عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال: لما كان يوم الأحزاب كانت المدينة كالإكليل من جنود المشركين، كانوا كما قال الله عز وجل " إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا

زلزالا شديدا " فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا الدعاء وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يدعو به إذا حزبه أمر.

اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يضام واغفر لي بقدرتك علي، رب لا أهلك وأنت الرجاء، اللهم أنت أعز وأكبر، مما أخاف وأحذر، بالله أستفتح، وبالله أستنجح، وبمحمد رسول الله صلى الله عليه وآله أتوجه يا كافي إبراهيم نمرود، وموسى فرعون، اكفني مما أنا فيه الله ربي لا أشرك به شيئا حسبي الرب من المربوبين، حسبي الخالق من المخلوقين، حسبي المانع من الممنوعين حسبي من لم يزل حسبي مذ قط حسبي، الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم.

ثم قال: لولا الخوف من أمير المؤمنين لدفعت إليك هذا المال، ولكن قد كنت طلبت مني أرضي بالمدينة، وأعطيتني بها عشرة آلاف دينار، فلم أبعك وقد وهبتها لك، قلت: يا ابن رسول الله إنما رغبتي في الدعاء الأول والثاني، لاذا فعلت هذا فهو البر ولا حاجة لي الآن في الأرض فقال: إنا أهل البيت لا نرجع في معروفنا، نحن ننسخك الدعاء ونسلم إليك الأرض، صر معي إلى المنزل، فصرت معه كما تقدم المنصور وكتب لي بعهدة الأرض، وأملى علي دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وأملى علي الذي دعا هو بعد الركعتين.

ثم ذكر في هذه الرواية الدعاء الذي قدمناه نحن في الرواية الأولى الذي أوله " اللهم إني أسئلك يا مدرك الهاربين، يا ملجأ الخائفين " وهو في النسخة العتيقة نحو ست قوائم بالطالبي إلى آخره، ثم قال: وقوله: " أنت ربي وأنت حسبي ونعم الوكيل والمعين " قال: فقلت يا ابن رسول الله لقد كثر استحثاث المنصور و استعجاله إياي، وأنت تدعو بهذا الدعاء الطويل متمهلا كأنك لم تخشه، قال:

فقال لي: نعم، قد كنت أدعو به بعد صلاة الفجر بدعاء لا بد منه، وأما الركعتان

فهما صلاة الغداة خففتهما ودعوت بذلك الدعاء بعدهما فقلت له: أما خفت أبا جعفر؟ وقد أعدلك ما أعد؟ قال: خيفة الله دون خيفته، وكان الله عز وجل في صدري أعظم منه.

قال الربيع: كان في قلبي ما رأيت من المنصور ومن غضبه وحنقه على جعفر ومن الجلالة له في ساعة ما لم أظنه يكون في بشر، فلما وجدت منه خلوة وطيب نفس قلت: يا أمير المؤمنين رأيت منك عجبا قال: ما هو؟ قلت يا أمير المؤمنين رأيت غضبك على جعفر غضبا لم أرك غضبته على أحد قط، ولا على عبد الله بن الحسن ولا على غيره من كل الناس حتى بلغ بك الامر أن تقتله بالسيف، وحتى أنك أخرجت من سيفك شبرا ثم أغمدته، ثم عاتبته ثم أخرجت منه ذراعا ثم عاتبته ثم أخرجته كله إلا شيئا يسيرا فلم أشك في قتلك له، ثم انجلى ذلك كله، فعاد رضى حتى أمرتني فسودت لحيته بالغالية التي لا يتغلف منها إلا أنت ولا يغلف منها ولدك المهدي، ولا من وليته عهدك، ولا عمومتك، وأجزته وحملته وأمرتني بتشييعه مكرما.

فقال: ويحك يا ربيع ليس هو كما ينبغي أن تحدث به، وستره أولى، ولا أحب أن يبلغ ولد فاطمة عليها السلام فيفتخرون ويتيهون بذلك علينا، حسبنا ما نحن فيه ولكن لا أكتمك شيئا، انظر من في الدار فنحهم، قال فنحيت كل من في الدار ثم قال لي: ارجع ولا تبق أحدا ففعلت ثم قال لي: ليس إلا أنا وأنت، والله لئن سمعت ما ألقيته إليك من أحد لأقتلنك وولدك وأهلك أجمعين، ولآخذن ما لك، قال قلت: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله، قال: يا ربيع قد كنت مصرا على قتل جعفر ولا أسمع له قولا ولا أقبل له عذرا، وكان أمره - وإن كان ممن لا يخرج بسيف - أغلظ عندي وأهم علي من أمر عبد الله بن الحسن، وقد كنت أعلم هذا منه ومن آبائه على عهد بني أمية، فلما هممت به في المرة الأولى تمثل لي رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا هو

حائل بيني وبينه، باسط كفيه، حاسر عن ذراعيه، قد عبس وقطب في وجهي فصرفت وجهي عنه ثم هممت به في المرة الثانية وانتضيت من السيف أكثر مما انتضيت منه في المرة الأولى، فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وآله قد قرب مني ودنا شديدا وهم بي أن لو فعلت لفعل، فأمسكت ثم تجاسرت وقلت: هذا بعض أفعال الرئي ثم انتضيت السيف في الثالثة فتمثل لي رسول الله صلى الله عليه وآله باسط ذراعيه قد تشمر واحمر وعبس وقطب حتى كاد أن يضع يده علي فخفت والله لو فعلت لفعل، وكان مني ما رأيت وهؤلاء من بني فاطمة صلوات الله عليهم لا يجهل حقهم إلا جاهل لاحظ له في الشريعة فإياك أن يسمع هذا منك أحد، قال محمد بن الربيع: فما حدثني به أبي حتى مات المنصور وما حدثت أنا به حتى مات المهدي وموسى وهارون، وقتل محمد.

ومن ذلك: دعاء لمولانا الصادق جعفر بن محمد عليه أفضل الصلاة والسلام لما استدعاه المنصور به مرة سادسة وهي ثاني مرة إلى بغداد، بعد قتل محمد و إبراهيم ابني عبد الله بن الحسن، وجدتها في الكتاب العتيق الذي قدمت ذكره بخط الحسين بن علي بن هند قال: حدثنا محمد بن جعفر الرزاز القرشي، قال: حدثنا محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين قال: حدثنا بشير بن حماد، عن صفوان بن مهران الجمال، قال: رفع رجل من قريش المدينة من بني مخزوم إلى أبي جعفر المنصور - وذلك بعد قتله لمحمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن - أن جعفر بن محمد بعث مولاه المعلى بن خنيس بجباية الأموال من شيعته، وأنه كان يمد بها محمد بن عبد الله فكاد المنصور أن يأكل كفه على جعفر غيظا، وكتب إلى عمه داود - وداود إذ ذاك أمير

المدينة أن يسير إليه جعفر بن محمد، ولا يرخص له في التلوم والمقام فبعث إليه داود بكتاب المنصور، وقال: اعمل في المسير إلى أمير المؤمنين في غد ولا تتأخر قال صفوان وكنت بالمدينة يومئذ فأنفذ إلي جعفر عليه السلام فصرت إليه، فقال لي: تعهد راحلتنا فانا غادون في غد هذا إنشاء الله العراق، ونهض من وقته وأنا معه، إلى مسجد النبي صلى الله عليه وآله وكان ذلك بين الأولى والعصر، فركع فيه ركعات ثم رفع يديه، فحفظت يومئذ من دعائه:

يا من ليس له ابتداء ولا انتهاء، يا من ليس له أمد ولا نهاية، ولا ميقات ولا غاية، يا ذا العرش المجيد، والبطش الشديد، يا من هو فعال لما يريد، يا من لا يخفى عليه اللغات، ولا تشتبه عليه الأصوات، يا من قامت بجبروته الأرض والسماوات يا حسن الصحبة يا واسع المغفرة، يا كريم العفو صل على محمد وآل محمد واحرسني في سفري ومقامي وفي حركتي وانتقالي بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يضام.

اللهم إني أتوجه في سفري هذا بلا ثقة مني لغيرك، ولا رجاء يأوي بي إلا إليك ولا قوة لي أتكل عليها، ولا حيلة ألجا إليها إلا ابتغاء فضلك والتماس عافيتك، وطلب فضلك وإجرائك لي على أفضل عوائدك عندي، اللهم وأنت أعلم بما سبق لي في سفري هذا مما أحب وأكره فمهما أوقعت عليه قدرك فمحمود فيه بلاؤك منتصح فيه قضاؤك وأنت تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب.

اللهم فاصرف عني فيه مقادير كل بلاء، ومقضي كل لاواء، وابسط علي كنفا من رحمتك، ولطفا من عفوك، وتمام من نعمتك، حتى تحفظني فيه بأحسن ما حفظت به غائبا من المؤمنين، وخلقته في ستر كل عورة، وكفاية كل مضرة، و صرف كل محذور، وهب لي فيه أمنا وإيمانا وعافية ويسرا وصبرا وشكرا وأرجعني فيه سالما إلى سالمين يا أرحم الراحمين.

قال صفوان سألت أبا عبد الله الصادق عليه السلام بأن يعيد الدعاء علي فأعاده، و

كتبته فلما أصبح أبو عبد الله عليه السلام رحلت له الناقة، وسار متوجها إلى العراق حتى قدم مدينة أبي جعفر وأقبل حتى استأذن فأذن له، قال صفوان: فأخبرني بعض من شهد عن أبي جعفر قال: فلما رآه أبو جعفر قربه وأدناه ثم استدعا قصة الرافع على أبي عبد الله عليه السلام يقول في قصته أن معلى بن خنيس مولى جعفر بن محمد يجبي له الأموال [من جميع الآفاق، وأنه مد بها محمد بن عبد الله، فدفع إليه القصة فقرأ أبو عبد الله عليه السلام فأقبل عليه المنصور فقال: يا جعفر بن محمد ما هذه الأموال] التي يجبيها لك معلى بن خنيس؟.

فقال أبو عبد الله عليه السلام: معاذ الله من ذلك يا أمير المؤمنين، قال له: تحلف على براءتك من ذلك؟ قال: نعم أحلف بالله أنه ما كان من ذلك شئ، قال أبو جعفر: لا بل تحلف بالطلاق والعتاق، فقال أبو عبد الله: أما ترضى يميني بالله الذي لا إله إلا هو؟ قال أبو جعفر فلا تفقه علي فقال أبو عبد الله وأين تذهب بالفقه مني يا أمير المؤمنين.

قال له: دع عنك هذا فاني أجمع الساعة بينك وبين الرجل الذي رفع عنك حتى يواجهك فأتوا بالرجل، وسألوه بحضرة جعفر، فقال: نعم هذا صحيح وهذا جعفر بن محمد والذي قلت فيه كما قلت.

فقال أبو عبد الله عليه السلام: تحلف أيها الرجل أن هذا الذي رفعته صحيح؟ قال نعم، ثم ابتدأ الرجل باليمين، فقال: والله الذي لا إله إلا هو الطالب الغالب الحي القيوم، فقال له جعفر عليه السلام: لا تعجل في يمينك فاني أنا أستحلف، قال المنصور:

وما أنكرت من هذه اليمين؟.

قال عليه السلام: إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا أثنى عليه أن يعاجله بالعقوبة لمدحه له، ولكن قل يا أيها الرجل " أبرء إلى الله من حوله وقوته وألجأ إلى حولي وقوتي أني لصادق بر فيما أقول ".

فقال المنصور للقرشي: احلف بما استحلفك به أبو عبد الله، فحلف الرجل بهذه اليمين فلم يستتم الكلام حتى أجذم وخر ميتا، فراع أبا جعفر ذلك وارتعدت فرائصه، فقال: يا أبا عبد الله سر من غد إلى حرم جدك إن اخترت ذلك وإن اخترت المقام عندنا لم نأل في إكرامك وبرك، فوالله لا قبلت عليك قول أحد بعدها أبدا.

ومن ذلك دعاء الصادق عليه السلام لما استدعاه المنصور مرة سابعة وقد قدمنا في الاحراز عن الصادق عليه السلام لكن فيه ههنا زيادة عما ذكرنا، ولعل هذه الزيادة كانت قبل استدعائه لسعاية القرشي، وهذه برواية محمد بن عبد الله الإسكندري وهو دعاء جليل، مضمون الإجابة، نقلناه من كتاب قالبه نصف الثمن يشتمل على عدة كتب أولها كتاب التنبيه لمن يتفكر فيه، وهذا الدعاء في آخره، فقال ما هذا لفظه:

روى محمد بن عبد الله الإسكندري أنه قال: كنت من جملة ندماء أمير المؤمنين المنصور أبي جعفر وخواصه، وكنت صاحب سره من بين الجميع، فدخلت عليه يوما فرأيته مغتما وهو يتنفس نفسا باردا. فقلت: ما هذه الفكرة يا أمير المؤمنين؟ فقال لي: يا محمد لقد هلك من أولاد فاطمة مقدار مائة أو يزيدون وقد بقي سيدهم وإمامهم فقلت له: من ذلك؟ قال: جعفر بن محمد الصادق، فقلت له: يا أمير المؤمنين إنه رجل أنحلته العبادة، واشتغل بالله عن طلب الملك والخلافة، فقال: يا محمد وقد علمت أنك تقول به وبامامته، ولكن الملك عقيم، وقد آليت على نفسي أن لا أمسي عشيتي هذه أو أفرغ منه.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.