بحارالانوار · المجلد التاسع عشر
باب ما ورد عن أمير المؤمنين صلوات
ج ۹۰، ص ۶۱–۹۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۳ از ۴
وأما الوجه الرابع من الشرك فهو شرك الريا قال الله تعالى: " فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " فهؤلاء صاموا وصلوا واستعملوا أنفسهم بأعمال أهل الخير إلا أنهم يريدون به رئاء الناس فأشركوا لما أتوه من الرياء، فهذه جملة وجوه الشرك في كتاب الله تعالى.
وأما ما ذكر من الظلم في كتابه فوجوه شتى فمنها ما حكاه الله تعالى عن قول لقمان لابنه: " يا بني لا تشرك با لله إن الشرك لظلم عظيم " ومن الظلم مظالم الناس فيما بينهم من معاملات الدنيا، وهي شتى قال الله تعالى: " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون " الآية.
فأما الرد على من أنكر زيادة الكفر فمن ذلك قول الله عز وجل في كتابه:
" إنما النسئ زيادة في الكفر " وقوله تعالى: " فأما الذين في قلوبهم مرض فزادهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون " وقوله: " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا " الآية وغير ذلك في كتاب الله.
وأما ما فرضه سبحانه من الفرائض في كتابه فدعائم الاسلام وهي خمس دعائم وعلى هذه الفرائض الخمسة بني الاسلام، فجعل سبحانه لكل فريضة من هذه الفرائض أربعة حدود، لا يسع أحدا جهلها: أولها الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام
ثم الحج، ثم الولاية وهي خاتمتها، والحافظة لجميع الفرائض والسنن.
فحدود الصلاة أربعة: معرفة الوقت، والتوجه إلى القبلة، والركوع والسجود، وهذه عوام في جميع الناس، العالم والجاهل، وما يتصل بها من جميع أفعال الصلاة والاذان والإقامة وغير ذلك، ولما علم الله سبحانه أن العباد لا يستطيعون أن يؤدوا هذه الحدود كلها على حقائقها جعل فيها فرائض، وهي الأربعة المذكورة، وجعل ما فيها من هذه الأربعة من القراءة والدعاء والتسبيح التكبير والاذان والإقامة وما شاكل ذلك سنة واجبة، من أحبها يعمل بها إعمالا فهذا ذكر حدود الصلاة.
وأما حدود الزكاة فأربعة أولها معرفة الوقت الذي يجب فيه الزكاة، والثاني القسمة، والثالث الموضع الذي توضع فيه الزكاة، والرابع القدر، فأما معرفة العدد والقسمة، فإنه يجب على الانسان أن يعلم كم يجب من الزكاة في الأموال التي فرضها الله تعالى من الإبل والبقر والغنم والذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والزبيب، فيجب أن يعرف كم يخرج من العدد والقسمة ويتبعهما الكيل والوزن والمساحة فما كان من العدد، فهو من باب الإبل والبقر والغنم، وأما المساحة فمن باب الأرضين والمياه، وما كان من المكيل فمن باب الحبوب التي هي أقوات الناس في كل بلد، وأما الوزن فمن الذهب والفضة وسائر ما يوزن من أبواب مبلغ التجارات مما لا يدخل في العدد ولا الكيل، فإذا عرف الانسان ما يجب عليه في هذه الأشياء، وعرف الوضع وتوضع فيه كان مؤديا للزكاة على ما فرض الله تعالى.
وأما حدود الصيام فأربعة حدود أولها اجتناب الأكل والشرب، والثاني
اجتناب النكاح، والثالث اجتناب القئ متعمدا، والرابع، اجتناب الاغتماس في الماء وما يتصل بها، وما يجري مجراها من السنن كلها.
وأما حدود الحج فأربعة وهي الاحرام، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف في الموقفين،، وما يتبعهما ويتصل بها فمن ترك هذه الحدود وجب عليه الكفارة والإعادة.
وأما حدود الوضوء للصلاة فغسل اليدين والوجه والمسح على الرأس وعلى الرجلين وما يتعلق ويتصل بها سنة واجبة على من عرفها، وقدر على فعلها.
وأما حدود الامام المستحق للإمامة فمنها أن يعلم الامام المتولي عليه أنه معصوم من الذوب كلها صغيرها وكبيرها، لا يزل في الفتيا ولا يخطئ في الجواب ولا يسهو ولا ينسى، ولا يلهو بشئ من أمر الدنيا.
والثاني أن يكون أعلم الناس بحلال الله وحرامه، وضروب أحكامه وأمره ونهيه، وجميع ما يحتاج إليه الناس، فيحتاج الناس إليه ويستغني عنهم.
والثالث يجب أن يكون أشجع الناس لأنه فئة المؤمنين التي يرجعون إليها إن انهزم من الزحف انهزم الناس بانهزامه.
والرابع يجب أن يكون أسخى الناس وإن بخل أهل الأرض كلهم لأنه إن استولى الشح عليه شح على ما في يديه من أموال المسلمين.
والخامس العصمة من جميع الذنوب، وبذلك يتميز من المأمومين الذين هم غير معصومين، لأنه لو لم يكن معصوما لم يؤمن عليه أن يدخل فيما يدخل فيه الناس من موبقات الذنوب المهلكات، والشهوات واللذات، ولو دخل في هذه الأشياء لاحتاج إلى من يقيم عليه الحدود، فيكون حينئذ إماما مأموما، ولا يجوز أن يكون الامام بهذه الصفة.
وأما وجوب كونه أعلم الناس فإنه لو لم يكن عالما لم يؤمن أن يقلب الاحكام والحدود، ويختلف عليه القضايا المشكلة فلا يجيب عنها بخلافها، أما وجوب كونه أشجع الناس فيما قدمناه، لأنه لا يصح أن ينهزم فيبوء بغضب من الله تعالى وهذه
لا يصح أن يكون صفة الامام، وأما وجوب كونه أسخى الناس فيما قدمناه وذلك لا يليق بالامام.
وقد جعل الله تعالى لهذه الأربعة فرائض دليلين أبان لنا بهما المشكلات وهما الشمس والقمر: أي النبي ووصيه بلا فصل.
وأما الزجر في كتاب الله عز وجل فهو ما نهى الله سبحانه ووعد العقاب لمن خالفه مثل قوله تعالى " ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا " وقوله تعالى " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن " وقوله سبحانه " ولا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة " وقوله " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق " ومثل هذا كثير في كتاب الله تعالى.
وأما ترغيب العباد في كتاب الله تعالى " ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا وقوله " من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب وقوله " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " وقوله: " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله " الآية وقوله " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما " وأمثال ذلك كثير في كتاب الله تعالى.
أما الترهيب في كتاب الله فقوله سبحانه " يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم " إلى قوله " ولكن عذاب الله شديد " وقوله عز وجل " واتقوا
يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " وقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ربكم واخشوا يوما لا تجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إلى آخر الآية وقوله تعالى " إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين " الآية.
أما الجدال ومعانيه في كتاب الله تعالى " وإن فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحق بعدما تبيين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون " ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بدر كان خروجه في طلب العدو، وقال لأصحابه: إن الله عز وجل قد وعدني أن أظفر بالعير أو بقريش، فخرجوا معه على هذا فلما أقبلت العير وأمره الله بقتال قريش أخبر أصحابه فقال: إن قريشا قد أقبلت وقد وعدني الله سبحانه إحدى الطائفتين أنها لكم وأمرني بقتال قريش.
قال: فجزعوا من ذلك وقالوا: يا رسول الله فانا لم نخرج على أهبة الحرب قال: وأكثر قوم منهم الكلام والجدال، فأنزل الله تعالى " وإذا يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم - إلى قوله - ويقطع دابر الكافرين " وكقوله سبحانه " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله " وقوله سبحانه " وجادلهم بالتي هي أحسن " ومثل هذا [كثير في كتاب الله تعالى.
وأما] الاحتجاج على الملحدين وأصناف المشركين مثل قوله حكاية عن قول إبراهيم عليه السلام " ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتيه الله الملك " إلى آخر الآية وقوله سبحانه عن الأنبياء في مجادلتهم لقومهم في سورة الأعراف وغيرها، وقوله تعالى حكاية عن قوم نوح عليه السلام: " يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا
إن كنت من الصادقين " ومثل هذا كثير موجود في مجادلة الأمم للأنبياء.
وأما ما في كتاب الله تعالى من القصص عن الأمم فإنه ينقسم على ثلاثة أقسام فمنه ما مضى، ومنه ما كان في عصره، ومنه ما أخبر الله تعالى به أنه يكون بعده.
فأما ما مضى فما حكاه الله تعالى فقال: " نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن " ومنه قول موسى لشعيب " فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين " ومنه ما أنزل الله من ذكر شرائع الأنبياء وقصصهم وقصص أممهم، حكاية عن آدم إلى نبينا صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين.
وأما الذي كان في عصر النبي صلى الله عليه وآله فمنه ما أنزل الله تعالى في مغازيه وأصحاب وتوبيخهم ومدح من مدح منهم، وذم من ذم منهم، وما كان من خير وشر وقصة كل فريق منهم، مثل ما قص من قصة غزاة بدر، وأحد، وخيبر، وحنين، وغيرها من المواطن والحروب، ومباهلة النصارى، ومحاربة اليهود، وغيره، مما لو شرح لطال ابه الكتاب.
وأما قصص ما يكون بعده فهو كل ما حدث بعده مما أخبر النبي صلى الله عليه وآله به وما لم يخبر، والقيامة وأشراطها، وما يكون من الثواب والعقاب، وأشباه ذلك.
وأما ما في كتاب الله تعالى من ضرب الأمثال فمثل قوله تعالى " ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة " إلى آخر الآية، وقوله تعالى " مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم " الآية وكقوله " الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح " إلى آخر الآية، وإنما ضرب الله سبحانه هذه الأمثال للناس في كتابه ليعتبروا بها، ويستبدلوا بها ما أراده منهم من الطاعة وهو كثير في كتابه تعالى.
وأما ما في كتابه تعالى في معنى التنزيل والتأويل فمنه ما تأويله في تنزيله ومنه ما تأويله قبل تنزيله ومنه ما تأويله مع تنزيله، ومنه ما تأويله بعد تنزيله.
فأما الذي تأويله في تنزيله فهو كل آية محكمة نزلت في تحريم شئ من الأمور المتعارفة التي كانت في أيام العرب، تأويلها في تنزيلها فليس يحتاج فيها إلى تفسير أكثر من تأويلها وذلك قوله تعالى في التحريم " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم " الآية وقوله " إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير " الآية وقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا - إلى قوله - وأحل الله البيع وحرم الربوا " وقوله تعالى " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا - إلى قوله - لعلكم تذكرون " ومثل ذلك في القرآن كثير مما حرم الله سبحانه، لا يحتاج المستمع إلى مسألة عنه.
وقوله عز وجل في معنى التحليل: " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وقوله سبحانه " وإذا حللتم فاصطادوا " وقوله تعالى " يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله " الآية وقوله تعالى " وطعامكم حل لهم " وقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم " وقوله تعالى: " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " وقوله تبارك وتعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات
ما أحل الله لكم " ومثل هذا كثير في كتاب الله تعالى.
وأما الذي تأويله قبل تنزيله فمثل قوله تعالى في الأمور التي حدثت في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله مما لم يكن الله أنزل فيها حكما مشروحا، ولم يكن عند النبي صلى الله عليه وآله فيها شئ ولا عرف ما وجب فيها، مثل ذلك من اليهود من بني قريظة والنضير، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما هاجر إلى المدينة كان بها ثلاث بطون من اليهود من بني هارون منهم بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو القينقاع فلما دخلت الأوس والخزرج في الاسلام، جاءت اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا محمد قد أحببنا أن نهادنك إلى أن نرى ما يصير إليه أمرك، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وآله تكرما وكتب لهم كتابا أنه قد هادنهم وأقرهم على دينهم لا يتعرض لهم وأصحابهم بأذية، وضمنوهم عن نفوسهم أنهم لا يكيدونه بوجه من الوجوه، ولا لاحد من أصحابه.
وكانت الأوس حلفاء بني قريظة، والخزرج حلفاء بني النضير، وبنو النضير أكثر عددا من بني قريظة وأكثر أموالا، وكانت عدتهم ألف مقاتل، وكانت عدد بني قريظة مائة مقاتل، وكان إذا وقع بينهم قتل لم يرض بنو النضير أن يكون قتل بقتيل، بل يقولون نحن أشرف وأكثر وأقوى وأعز.
ثم اتفقوا بعد ذلك أن يكتبوا بينهم كتابا شرطوا فيه: أيما رجل من بني النضير قتل رجلا من بني قريظة دفع نصف الدية، وحمم وجهه - ومعنى حمم وجهه سخم وجهه بالسواد - ومعناه حمم بالفحم - ويقعد على حمار ويحول وجهه إلى ذنب الحمار، ونودي عليه في الحي وأيما رجل من بني قريظة قتل رجلا من بني النضير كان عليه الدية الكاملة، وقتل القاتل مع رفع الدية.
فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة، ودخل الأوس والخزرج في دين الاسلام، وثب رجل من بني قريظة على رجل من بني النضير فبعث بنو النضير إلى بني قريظة ابعثوا لنا بقاتل صاحبنا لنقتله، وابعثوا إلينا بالدية، فامتنعوا من ذلك وقالوا: ليس هذا حكم الله في التوراة وإنما هذا حكم ابتدعتموه وليس لكم علينا
إلا الدية أو القتل، فان رضيتم بذلك وإلا بيننا وبينكم محمد نتحاكم إليه جميعا.
قال: فبعث بنو النضير إلى عبد الله بن أبي بن سلول وكان رأس المنافقين فقالوا:
قد علمت ما بيننا من الحلف والموادعة، وقد كنا لكم يا معاشر الأنصار من الخزرج أنصارا على من آذاكم وقد امتنعت علينا بنو قريظة بما شرطناه عليهم، ودعوناه إلى حكم محمد وقد رضينا به، فاسأله أن لا ينقض شرطنا فقال لهم عبد الله بن أبي ابن سلول: ابعثوا إلى رجلا منكم ليحضر كلامي وكلام محمد فان علمتم أنه يحكم لكم ويقركم على ما كنتم عليه، فارضوا به، وإن لم يفعل فلا ترضوه لحكمه.
وجاء عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه رجل من اليهود فقال: يا رسول الله إن هؤلاء اليهود لهم العدد والعدة والمنعة وقد كانوا كتب بينهم كتاب شرط اتفقوا عليه فيما بينهم، ورضوا جميعا به، وهم صائرون إليك فلا تنقض عليهم شرطهم، فاغتم من كلامه ولم يجبه ودخل صلى الله عليه وآله منزله.
فأنزل الله عليه " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " يعني تعالى عبد الله بن أبي بن سلول ثم قال سبحانه: " ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين " يعني به الرجل اليهودي الذي وافى مع عبد الله بن أبي بن سلول ليسمع ما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله من الجواب لعبد الله، وقال: " لم يأتوك يحرفون الكلم عن مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم " إلى قوله تعالى: " فلن يضروك شيئا ".
وجعل سبحانه الامر إلى رسوله إن شاء أن يحكم حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، ثم قال تعالى: " وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين * وكيف يحكمونك وعندهم التورية فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين * إنا أنزلنا التورية فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين
أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون * وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون * وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقا لما بين يديه من التورية وآتيناه الإنجيل ".
[ومثل ذلك الظهار] في كتاب الله تعالى فان العرب كانت إذا ظاهر رجل منهم امرأته حرمت عليه إلى آخر الأبد، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله كان بالمدينة رجل من الأنصار يقال له: أوس بن الصامت وكان أول رجل ظاهر في الاسلام وكان كبير السن به ضعف فجرى بينه وبين أهله كلام، وكانت امرأته يسمى خولة بنت ثعلبة الأنصاري فقال لها أوس: أنت علي كظهر أمي ، ثم إنه ندم على ما كان منه، وقال: ويحك إنا كنا في الجاهلية نحرم علينا الأزواج في مثل هذا من قبل الاسلام، فلو أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله تسأله عن ذلك.
فجاءت خولة بنت ثعلبة إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله زوجي ظاهر مني وهو أبو أولادي وابن عمي قد كان هذا الظهار في الجاهلية يحرم الزوجات على الأزواج أبدا، فقال لها: ما أظنك إلا أن حرمت عليه إلى آخر الأبد فجزعت جزعا شديدا وبكت ثم قامت فرفعت يديها إلى السماء وقالت: " إلى الله أشكو فراق زوجي، فرحمها أهل البيت، وبكوا لبكائها، فأنزل الله على نبيه " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير " إلى قوله: " والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم يوعظ به والله بما تعملون خبير * فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا " فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله:
قولي لأوس بن الصامت زوجك يعتق نسمة، فقالت: يا رسول الله وأنى له نسمة
لا والله ماله خادم غيري، قال: فيصوم شهرين متتابعين قالت: إنه شيخ كبير لا يقدر على الصيام، قال: فمريه أن يتصدق على ستين مسكينا قالت: وأنى له الصدقة فوالله ما بين لا بتيها أحوج منا، قال: فقولي فليمض إلى أم المنذر فليأخذ منها شطر وسق تمر، فليتصدق على ستين مسكينا، قال: فعادت إلى أوس، فقال لها:
ما وراك؟ قالت: خير وأنت ذميم، إن رسول الله صلى الله عليه وآله يأمرك أن تمضي إلى أم المنذر فتأخذ منها وسق تمر فلتصدق به على ستين مسكينا.
ومثل ذلك في اللعان: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما رجع من غزاة تبوك قام إليه عويمر بن الحارث العجلاني فقال: يا رسول الله إن امرأتي زنت بشريك بن السمخاط فأعرض عنه فأعاد عليه القول فأعرض عنه، فأعاد ثالثة فقال صلى الله عليه وآله ودخل، فنزل اللعان فخرج إليه فقال: ائتني بأهلك فقد أنزل الله فيكما قرآنا، فمضى وأتى بأهله وأتى معها قومها وكانت في شرف من الأنصار.
فوافوا رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصلى العصر، فلما فرغ أقبل عليهما وقال لهما:
تقدما إلى المنبر فلاعنا، فتقدم عويمر إلى المنبر فتلا عليها رسول الله صلى الله عليه وآله آية اللعان " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ".. فيما رماها به، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله:
والعني نفسك بالخامسة فشهدت، وقالت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله: اذهبا ولن يحل لك، ولن تحلي له أبدا.
فقال عويمر: يا رسول الله فالذي أعطيتها؟ فقال له: إن كنت صادقا فهو لها بما استحللته من فرجها، وإن كنت كاذبا فهو أبعد لك منه، وفرق بينهما.
ومثله أن قوما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ترهبوا وحرموا أنفسهم من طيبات الدنيا، وحلفوا على ذلك أنهم لا يرجعون إلى ما كانوا عليه أبدا، ولا يدخلون فيه بعد وقتهم ذلك، منهم عثمان بن مظعون، وسلمان وتمام عشرة من المهاجرين والأنصار، فأما عثمان بن مظعون فحرم على نفسه النساء، والآخر حرم الافطار بالنهار إلى غير ذلك من مشاق التكليف.
فجاءت امرأة عثمان بن مظعون إلى بيت أم سلمة فقالت لها: لم عطلت نفسك من الطيب والصبغ والخضاب وغيره؟ فقالت: لان عثمان بن مظعون زوجي ما قربني مذ كذا وكذا، قالت أم سلمة: ولم ذا؟ قالت: لأنه قد حرم على نفسه النساء وترهب، فأخبرت أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك وخرج إلى أصحابه وقال:
أترغبون عن النساء؟ إني آتي النساء، وافطر بالنهار، وأنام الليل، فمن رغب عن سنتي فليس مني، وأنزل الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ".
فقالوا: يا رسول الله إنا قد حلفنا على ذلك، فأنزل الله عز وجل " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " إلى قوله: " ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم فاحفظوا أيمانكم ".
ومثله أن قوما من الأنصار كانوا يعرفون ببني أبيرق وكانوا منافقين قد
أظهروا الاسلام وأسروا النفاق، وهم ثلاثة إخوة، يقال لهم: بشر ومبشر وبشير وكان بشر يكنى أبا طعمة، وكان رجلا حثيثا شاعرا قال: فنقبوا على رجل من الأنصار يقال له: رفاعة بن زيد بن عامر، وكان عم قتادة بن النعمان الأنصاري وكان قتادة ممن شهد بدرا، فأخذوا طعاما كان قد أعده لعياله وسيفا ودرعا.
فقال رفاعة لابن أخيه قتادة: إن بني أبيرق قد فعلوا بي كذا، فلما بلغ بني أبيرق ذلك جاؤوا إليهما وقالوا لهما: إن هذا من عمل لبيد بن سهل، وكان لبيد بن سهل رجلا صالحا شجاعا بطلا إلا أنه فقير لا مال له، فبلغ لبيدا قولهم فأخذ سيفه وخرج إليهم فقال لهم: يا بني أبيرق أترموني بالسرقة، وأنتم أولى به مني، والله لتبينن ذلك أو لأمكنن سيفي منكم، فلا يزالوا يلاطفونه حتى رجع عنهم وقالوا له: أنت برئ من هذا.
فجاء قتادة بن النعمان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: بأبي أنت وأمي إن أهل بيت منا نقبوا على عمي وأخذوا له كذا وكذا، وهم أهل بيت سوء وذكرهم بقبيح فبلغ ذلك بني أبيرق فمشوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ومعهم رجل من بني عمهم يقال له: أشتر بن عروة وكان رجلا فصيحا خطيبا فقال: يا رسول الله إن قتادة بن النعمان عمد إلى أهل بيت منا لهم حسب ونسب وصلاح، فرماهم بالسرق وذكرهم بالقبيح وقال فيهم غير الواجب، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن كان ما قلته حقا فبئس ما صنع.
فاغتم قتادة من ذلك ورجع إلى عمه فقال: يا ليتني مت ولم أكن كلمت رسول الله صلى الله عليه وآله في هذا، فأنزل الله تعالى: " إنا أنزلنا إليك الكتاب لتحكم بين الناس بما أريك الله ولا تكن للخائنين خصيما * واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما " إلى قوله: " وكان فضل الله عليك عظيما ".
ومثله أن قريشا كانوا إذا حجوا وقفوا بالمزدلفة، ولم يقفوا بعرفات
وكان تلبيتهم إذا أحرموا في الجاهلية " لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك " فجاءهم إبليس في صورة شيخ وقال لهم: ليس هذا تلبية أسلافكم قالوا: كيف كانت تلبية أسلافنا؟ فقال: كانت اللهم لبيك لبيك إن الحمد والنعمة لك، والملك لك لا شريك لك إلا شريكا هو لك.
فنفرت قريش من قوله، فقال: لا تنفروا من قولي وعلى رسلكم حتى آتي آخر كلامي، فقالوا له: قل، فقال: إلا شريك لك هو لك، تملكه وما ملك.
ألا ترون أنه تملك الشريك والشريك لا يملكه، فرضيت قريش بذلك فلما بعث الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله نهاهم عن ذلك، وقال: إن هذا شريك، فقالوا: ليس بشريك لأنه لا يملكه وما ملك، فأنزل الله سبحانه " ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء " إلى آخر الآية فأعلمهم أنهم لا يرضون بهذا فكيف ينسبون إلى الله.
ومثله حديث تميم الداري مع ابن مندي وابن أبي مارية وما كان من خبرهم في السفر، وكانا رجلين نصرانيين وتميم الداري رجل من رؤوس المسلمين.
خرجوا في سفر لهم، وكان مع تميم الداري خرج له فيه متاع وآنية منقوشة بالذهب، وقلادة من ذهب أخرج معه ليبيعه في بعض أسواق العرب، فلما فصلوا عن المدينة اعتل تميم علة شديدة فلما حضرته الوفاة، دفع جميع ما كان معه إلى ابن مندى وابن أبي مارية وأمرهما أن يوصلاه إلى أهله وذريته.
فلما قدما إلى المدينة أخذا المتاع والآنية والقلادة ، فسألوهما هل مرض صاحبنا مرضا طويلا أنفق نفقة واسعة؟ قالا: ما مرض إلا أياما قلائل، قالوا:
فهل سرقت منه شئ من متاعه في سفره هذا؟ قالا: لا، لم يسرق منه شئ قالوا: فهل اتجر معكما في سفره تجارة خسر فيها؟ قالا: لم يتجر في شئ، قالوا: فانا افتقدنا أفضل شئ كان معه آنية منقوشة بالذهب، وقلادة من ذهب، فقالا: أما الذي دفعه إلينا فقد أديناه إليكم، فقدموهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأوجب عليهما اليمين، فحلفا وخلى سبيلهما.
ثم إن تلك الآنية والقلادة ظهرت عليهما، فجاء أولياء تميم إلى رسول الله فأخبروه، فأنزل الله عز وجل " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت " فأطلق سبحانه شهادة أهل الكتاب على الوصية فقط إذا كان ذلك في السفر، ولم يجدوا أحدا من المسلمين عند حضور الموت.
ثم قال تعالى: " تحبسونهما من بعد الصلاة " يعني صلاة العصر فيقسمان بالله أنهما أحق بذلك يعني تعالى يحلفان بالله أنهما أحق بهذه الدعوى منهما، فإنهما كذبا فيما حلفا و " لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين ".
فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله أولياءهم أن يحلفوا بالله على ما ادعوه، فحلفوا، فلما حلفوا أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الآنية والقلادة من ابن مندي وابن أبي مارية وردهما إلى أولياء تميم.
ثم قال الله عز وجل: " ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا ".
ومنه الحديث في أمر عائشة، وما رماها به عبد الله بن أبي بن سلول وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة فأنزل الله تعالى " إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه خيرا لكم بل هو شر لكم " الآية فكل ما كان من هذا وشبهه في كتاب الله تعالى فهو تأويله قبل تنزيله ومثله في القرآن كثير في مواضع شتى.
وأما ما تأويله بعد تنزيله فهي الأمور التي أخبر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وآله أنها ستكون بعده، مثل ما أخبر به من أمور القاسطين والمارقين والخوارج، وقتل عمار جرى ذلك المجرى، وأخبار الساعة والرجعة وصفات القيامة، مثل قوله تعالى:
" هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا " وقوله تعالى: " يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل " الآية وقوله سبحانه: " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " وقوله تعالى: " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون " وقوله عز وجل: " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما
استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم " إلى آخر الآية وقوله: " ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين " فنزلت هذه ولم يكن غلبت، وغلبت بعد ذلك.
ومثله " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ".
فهذه الآيات وأشباههما نزلت قبل تأويلها، وكل ذلك تأويله بعد تنزيله.
[وأما ما تأويله مع تنزيله فمثل] قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " فيحتاج من سمع هذا التنزيل عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعرف هؤلاء الصادقين الذين أمروا بالكينونية معهم، ويجب على الرسول أن يدل عليهم، ويجب على الأمة حينئذ امتثال الامر، ومثله قوله تعالى: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " فلم يستغن الناس في هذا المعنى بالتنزيل دون التفسير كما استغنوا بالآيات المتقدمة التي ذكرت في آيات ما تأويله في تنزيله اللاتي ذكرناها في الآيات المتقدمة [إلا] حين بين لهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن الولاة للامر الذي فرض الله طاعتهم من عترته المنصوص عليهم.
ومثله قوله تعالى: " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " فلم يستغن الناس عن بيان ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وحدود الصلاة كيف يصلونها وعددها وركوعها وسجودها ومواقيتها وما يتصل بها، وكذلك الزكاة والصوم وفرائض الحج وسائر الفرائض، إنما أنزلها الله وأمر بها في كتابه مجملة غير مشروحة للناس في معنى التنزيل وكان رسول الله صلى الله عليه وآله هو المفسر لها والمعلم للأمة كيف يؤدونها، وبهذه الطريقة وجب عليه صلى الله عليه وآله تعريف الأمة الصادقين عن الله عز وجل، " والشجرة الملعونة في
القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ".
ومثله قوله سبحانه في سورة التوبة: " ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن قل اذن خير لكم " ومثله قوله تعالى: " ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين " ومثله قوله عز وجل: " ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم " ومثل قوله عز وجل: " لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور ".
فوجب على الأمة أن يعرفوا هؤلاء المنزل فيهم هذه الآيات من هم؟ ومن غضب الله عليهم ليعرفوا بأسمائهم حتى يتبرؤوا منهم ولا يتولوهم قال الله تعالى:
" وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيمة لا ينصرون " ومثل ذلك كثير في كتاب الله تعالى من الامر بطاعة الأصفياء ونعتهم، والتبري ممن خالفهم، وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وآله مما وجب عليه، ولم يمض من الدنيا حتى بين للأمة حال الأولياء من اولي الامر، ونص عليهم وأخذ البيعة على الأمة بالسمع لهم والطاعة، وأبان لهم أيضا أسماء من نهاهم عن ولايتهم، فما أقل من أطاع في ذلك وما أكثر من عصى فيه، ومال إلى الدنيا وزخرفها، فالويل لهم.
وأما ما أنزل الله تعالى في كتابه مما تأويله حكاية في نفس تنزيله، وشرح معناه، فمن ذلك قصة أهل الكهف، وذلك أن قريشا بعثوا ثلاثة نفر نضر بن حارث ابن كلدة، وعقبة بن أبي معيط، وعاص بن وائل إلى رث والي نجران ليتعلموا من اليهود والنصارى مسائل يلقونها على رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال لهم علماء اليهود والنصارى: سلوه عن مسائل فان أجابكم عنها فهو النبي المنتظر الذي أخبرت
به التوراة ثم تسألوه عن مسألة أخرى فان ادعى علمها فهو كاذب، لأنه لا يعلم علمها غير الله، فقالوا: وما هذه الثلاث مسائل؟ قالوا: سلوه عن فتية كانوا في الزمن الأول غابوا ثم ناموا كم مقدار ما ناموا إلى أن انتبهوا؟ وكم كان عددهم؟
ولما انتبهوا ما الذي صنعوا وصنعه قومهم؟ وكم لهم من حيث انتبهوا إلى يومنا هذا؟ وما كانت قصتهم؟ وسلوه عن موسى بن عمران كيف كان حاله مع العالم حين اتبعه وفارقه، وسلوه عن طائف طاف الشرق والغرب من مطلع الشمس إلى مغربها من كان؟ وكيف كان حاله؟ ثم كتبوا لهم شرح حال الثلاث مسائل على ما عندهم في التوراة.
قالوا لهم: فما المسألة الأخرى؟ قال: سلوه عن قيام الساعة.
فقدم الثلاثة نفر بالمسائل إلى قريش وهم قاطعون أن لا علم لديه منها، فمشت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في الحجر وعنده عمه أبو طالب، فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك محمدا خالف قومه، وسفه أحلامهم، وعاب آلهتهم، وسبها وأفسد الشباب من رجالهم، وفرق جماعتهم، وزعم أن أخبار السماء تأتيه، وقد جئنا بمسائل فان أخبرنا بها علمنا أنه صادق، وإن لم يخبرنا بها علمنا أنه كاذب فقال لهم أبو طالب: دونكم فسلوه عما بدا لكم تجدوه مليا.
فقالوا: يا محمد أخبرنا عن فئة كانوا في الزمان الأول ثم غابوا ثم ناموا وانتبهوا كم عددهم؟ وكم ناموا؟ وما كان خبرهم مع قومهم؟ وأخبرنا عن موسى ابن عمران والعالم الذي اتبعه كيف كانت قصته معه؟ وأخبرنا عن طائف طاف الشرق والغرب من مطلع الشمس إلى مغربها؟ وكيف كان خبره؟
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: إني لا أخبركم بشئ إلا من عند ربي وإنما أنتظر الوحي، يجئ ثم أخبركم بهذا غدا، ولم يستثن إنشاء الله، فاحتبس الوحي عنه أربعين يوما حتى شك جماعة من أصحابه، واغتم رسول الله صلى الله عليه وآله، وفرحت قريش بذلك، وأكثر المشركون القول، فلما كان بعد أربعين صباحا نزل عليه بسورة الكهف وفيها قصص ثلاث مسائل، والمسألة الأخرى، فتلاها عليهم.
فلما سمعوا بهرهم ما سمعوه وقالوا: قد بينت فأحسنت إلا أن المسألة المفردة ما فهمنا الجواب عنها، فأنزل الله تعالى " يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا يأتيك إلا بغتة يسئلونك كأنك حفي عنها " إلى قوله سبحانه: " ولكن أكثر الناس لا يعلمون ".
ومثل قصة عبد الله بن أبي بن سلول وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما خرج في غزاة تبوك نزل في منصرفه منزلا قليل الماء، وكان عبد الله بن أبي بن سلول رجلا شريفا مطاعا في قومه، وكان يضرب قبته وسط العسكر فيجتمع إليه قومه من الخزرج، ومن كان على مثل رأيه من المنافقين.
فاجتمع الناس على بئر كانت في ذلك المنزل قليلة الماء، وكان في العسكر رجل من المهاجرين يقال لها: جهجهان بن وبر، فأدلى دلوه وأدلى معه رجل يقال له: سنان بن عبد الله من الأنصار فتعلق دلوه بدلو جهجهان، فتواثبا وأخذ جهجهان شيئا فضرب به رأس ابن سنان فشجه شجة موضحة، وصاح جهجهان إلى قريش والمهاجرين.
فسمع عبد الله بن أبي بن سلول نداء المهاجرين فقال: ما هذا؟ قالوا:
جهجهان ينتدب المهاجرين وقريشا على الخزرج والأوس، فقال: أو قد فعلوها؟
قالوا: نعم، قال: أما والله لقد كنت كارها لهذا المسير، ثم أقبل على قومه فقال لهم: قد قلت: لا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا ويخرجوا عنكم، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
ولما سمع زيد بن أرقم ذلك جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وكان ابن أرقم أصغرهم سنا فيمن كان في مجلس عبد الله ابن أبي بن سلول، فقال زيد، يا رسول الله قد علمت حال عبد الله بن أبي بن سلول فينا وشرفه ولا يمنعني ذلك أن أخبرك بما سمعت ثم اخبره بالخبر.
فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالمسير فقال أصحابه: والله ما هذا وقت مسير، وإن ذلك الامر حدث، ولما بلغ الأنصار ما قاله زيد بن أرقم لرسول الله صلى الله عليه وآله لحق به سعد بن عبادة وقال: يا رسول الله إن زيد بن أرقم كذب على عبد الله بن أبي بن سلول وإن كان عبد الله قال شيئا من هذا فلا تلمه فان كنا نظمنا له الجزع اليماني تاجا له لنتوجه فيكون ملكا علينا، فلما وافيت يا رسول الله رأى أنك غلبته على أمر قد كان استتب له.
ثم أقبل سعد على زيد فقال: يا زيد عمدت إلى شريفنا فكذبت عليه، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله المنزل الثاني مشى قوم عبد الله بن أبي بن سلول إليه فقالوا له: امض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يستغفر لك، فلوى عبد الله بن أبي بن سلول عنقه واستهزأ، فلم يزالوا به حتى صار معهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فحلف لرسول الله صلى الله عليه وآله أنه لم يقل من ذلك شيئا، وأن زيد بن أرقم كذب عليه.
فأنزل الله تعالى " إذا جائك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون * اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون " إلى قوله: " سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم " إلى آخر السورة وهذا أبواب التنزيل والتأويل.
وأما الرد على من أنكر خلق الجنة والنار فقال الله تعالى: " عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى " وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: دخلت الجنة فرأيت فيها قصرا من ياقوت أحمر، يرى داخله من خارجه، وخارجه من داخله من نوره فقلت: يا جبرئيل! لمن هذا القصر؟ فقال: لمن أطاب الكلام، وأدام الصيام وأطعم الطعام، وتهجد بالليل والناس نيام.
فقلت: يا رسول الله وفي أمتك من يطيق هذا؟ فقال لي: ادن مني فدنوت فقال: ما تدري ما إطابة الكلام؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فقال: هو سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أتدري ما إدامة الصيام؟ فقال: الله أعلم
ورسوله، فقال: من صام شهر رمضان ولم يفطر منه يوما، أتدري ما إطعام الطعام؟
فقلت: الله ورسوله أعلم، فقال: من طلب لعياله ما يكف به وجوههم، أتدري ما التهجد بالليل والناس نيام؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فقال: من لا ينام حتى يصلي العشاء الآخرة، ويريد بالناس ههنا اليهود والنصارى لأنهم ينامون بين الصلاتين.
وقال صلى الله عليه وآله: لما اسرى بي إلى السماء دخلت الجنة فرأيت فيها قيعان ورأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وربما أمسكوا؟ فقلت لهم: ما بالكم قد أمسكتم؟ فقالوا: حتى تجيئنا النفقة، فقلت: وما نفقتكم؟
قالوا؟ قول المؤمن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإذا قال: بنينا، وإذا سكت أمسكنا.
وقال صلى الله عليه وآله: لما أسري بي إلى سبع سماواته، وأخذ جبرئيل بيدي وأدخلني الجنة، وأجلسني على درنوك من درانيك الجنة وناولني سفرجلة فانفلقت نصفين، وخرج حوراء منها، فقامت بين يدي، وقالت: السلام عليك يا محمد السلام عليك يا أحمد السلام عليك يا رسول الله، فقلت: وعليك السلام من أنت؟
فقال: أنا الراضية المرضية، خلقني الجبار من ثلاثة أنواع، أعلائي من الكافور ووسطي من العنبر، وأسفلي من المسك، عجنت بماء الحيوان، قال لي ربي:
كوني فكنت وهذا ومثله دليل على خلق الجنة، وبالعكس من ذلك الكلام في النار.
وأما من أنكر البداء فقد قال الله في كتابه: " فتول عنهم فما أنت بملوم ".
وذلك أن الله سبحانه أراد أن يهلك الأرض في ذلك الوقت ، ثم تداركهم برحمته فبدا له في هلاكهم وأنزل على رسوله " وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين ".
ومثله قوله تعالى: " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " ثم بداله " وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام " وكقوله: " إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا " ثم بداله تعالى، فقال: " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين " وهكذا يجري الامر في الناسخ والمنسوخ وهو يدل على تصحيح البداء وقوله: " يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب " فهل يمحو إلا ما كان، وهل يثبت إلا ما لم يكن، ومثل هذا كثير في كتاب الله عز وجل.
وأما الرد على من أنكر الثواب والعقاب في الدنيا، وبعد الموت قبل القيامة فيقول الله تعالى: " يوم يأتي لا تكلم نفس إلا باذنه فمنهم شقى وسعيد * فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض " الآية " وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك " يعني السماوات والأرض قبل القيامة، فإذا كانت القيامة بدلت السماوات والأرض.
ومثل قوله تعالى: " ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " وهو أمر بين أمرين، وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة.
ومثل قوله تعالى: " النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة " والغدو والعشي لا يكونان في القيامة التي هي دار الخلود، وإنما يكونان في الدنيا.
وقال الله تعالى في أهل الجنة " ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا " والبكرة والعشي إنما يكونان من الليل والنهار في جنة الحياة قبل يوم القيامة
قال الله تعالى: " لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ".
ومثله قوله سبحانه: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتيهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ".
وأما الرد على من أنكر المعراج فقوله تعالى: " وهو بالأفق الاعلى * ثم دنى فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى " إلى قوله:
" عندها جنة المأوى " فسدرة المنتهى في السماء السابعة ثم قال سبحانه:
" واسئل من أرسلنا قبلك من رسلنا اجعلنا لهم من دون الرحمن آلهة يعبدون " وإنما أمر رسوله أن يسأل الرسل في السماء، ومثله قوله تعالى " فان كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك " يعني الأنبياء عليهم السلام هذا كله ليلة المعراج.
وأما الرد على المجبرة وهم الذين زعموا أن الافعال إنما هي منسوبة إلى العباد، مجازا لا حقيقة، وإنما حقيقتها لله لا للعباد، وتأولوا في ذلك آيات من كتاب الله تعالى لم يعرفوا معناها كما في قوله تعالى: " ولو شاء الله ما أشركوا " فرد عليهم أهل الحق فقالوا لهم: إن في قولكم ذلك بطلان الثواب والعقاب، إذا نسبتم أفعالكم إلى الله، تعالى عما يصفون، وكيف يعاقب مخلوقا على غير فعل منه.
قال الله تعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " لا يجوز أن يكون إلا على الحقيقة لفعلها، وقوله تعالى: " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " وقوله سبحانه: " كل نفس
بما كسبت رهينة " وقوله: " لتسئلن عما كنتم تعملون " وقوله تعالى:
" فكلا أخذنا بذنبه " إلى قوله: " وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ".
ومثل هذا كثير في كتاب الله تعالى وفيه بطلان ما ادعوه ونسبوه إلى الله تعالى أن يأمر خلقه بما لا يقدرون أو ينهاهم عما ليس فيهم صنع ولا اكتساب.
وخالفهم فرقة أخرى في قولهم فقالوا: إن الافعال نحن نخلقها عند فعلنا لها، وليس فيها صنع ولا اكتساب ولا مشية ولا إرادة، ويكون ما يشاء إبليس ولا يكون ما لا يشاء، فضادوا المجبرة في قولهم وادعوا أنهم خلاقون مع الله، واحتجوا بقوله: " تبارك الله أحسن الخالقين " فقالوا : قوله: " تبارك الله أحسن الخالقين " يثبت خلاقين غيره، فجهلوا هذه اللفظة، ولم يعرفوا معنى الخلق، وعلى كم وجه هو.
فسئل عليه السلام عن ذلك وقيل له: هل فوض الله تعالى إلى العباد ما يفعلون؟
فقال: الله أعز واجل من ذلك، قيل: فهل يجبرهم على ما يفعلون؟ قال: الله سبحانه أعدل من أن يجبرهم على فعل ثم يعذبهم عليه، قيل: أبين الهاتين المنزلتين منزلة ثالثة؟ فقال: نعم، كما بين السماء والأرض، فقيل: ما هي؟ قال: سر من أسرار الله.
وأما الرد على من أنكر الرجعة فقول الله عز وجل: " ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون " أي إلى الدنيا، وأما معنى حشر الآخرة فقوله عز وجل: " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا " وقوله سبحانه: " وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون " في الرجعة، فأما
في القيامة فإنهم يرجعون.
ومثل قوله تعالى: " وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جائكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه " وهذا لا يكون إلا في الرجعة، ومثله ما خاطب الله تعالى به الأئمة ووعدهم من النصر والانتقام من أعدائهم فقال سبحانه: " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا " وهذا إنما يكون إذا رجعوا إلى الدنيا، ومثله قوله تعالى: " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين " وقوله سبحانه: " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " أي رجعة الدنيا.
ومثله قوله: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم " ثم ماتوا، وقوله عز وجل: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا " فردهم الله تعالى بعد الموت إلى الدنيا وشربوا ونكحوا ومثله خبر العزيز.
وأما من أنكر فضل رسول الله صلى الله عليه وآله فالدليل على بطلان قوله: قول الله عز وجل: " وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " فأول من سبق من الرسل إلى " بلى " محمد رسول الله صلى الله عليه وآله لان روحه أقرب الأرواح إلى ملكوت الله تعالى، والدليل على ذلك قول جبرئيل عليه السلام لما أسري برسول الله صلى الله عليه وآله إلى السماء
السابعة قال: يا محمد تقدم فإنك قد وطئت موطئا لم يطأ قبلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فلولا أن روحه كانت من ذلك المكان لم يقدر أن يتجاوزه، وذلك أنه إذا أمر الله تعالى فأول ما يصل أمره إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لقربه إلى ملكوته، ثم سائر الأنبياء على طبقاتهم.
ويزيد ذلك بيانا قوله تعالى: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم " فأفضل الأنبياء الخمسة، وأفضل الخمسة محمد صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين، قال الله تعالى: " إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين ".
والدليل على أنه أفضل الأنبياء أن الله سبحانه أخذ ميثاقه على سائر الأنبياء فقال سبحانه: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جائكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين " فهذا بيان فضل رسول الله صلى الله عليه وآله على سائر المرسلين والنبيين، ونطق به الكتاب.
ولما أسري برسول الله صلى الله عليه وآله إلى السماء الرابعة، ودخل إلى البيت المعمور جمع الله عز وجل له من النبيين من آدم فهلم حتى صلى بهم، قال الله تعالى:
" واسئل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون " وفي هذا مقنع لمن تأمله.
وأما عصمة الأنبياء والمرسلين والأوصياء عليهم السلام فقد قيل في ذلك أقاويل تختلف قال بعض الناس: هو مانع من الله تعالى يمنعهم عن المعاصي فيما فرض الله عليهم من التبليغ عنه إلى خلقه، وهو فعل الله دونهم، وقال آخرون: العصمة من فعلهم لأنهم يحمدون عليها، وقال آخرون: يجوز على الأنبياء والمرسلين والأوصياء
ما يجوز على غيرهم من الذنوب كلها، والأول باطل، لقوله: " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " وقوله تعالى: " ولقد راودته عن نفسه فاستعصم أي امتنع، لان العصم هو المنع، وقد غلط من أجرى الرسل والأنبياء مجرى العباد، يقع منهم الافعال الذميمة من أربعة وجوه: من الحسد والحرص والشهوة والغضب، فجميع تصرفات الناس التي هي من قبل الأجساد لا يحدث إلا من أحد هذه الوجوه الأربعة.
والأنبياء والرسل والأوصياء عليهم السلام لا يقع منهم فعل من جهة الحسد لان الحاسد إنما يحسد من هو فوقه، وليس فوق الأنبياء والرسل والأوصياء أحد منزله أعلا من منازلهم فيحسدوه عليها، ولا يجوز أن يقع منهم فعل من جهة الحرص في الدنيا على شئ من أحوالها لان الحرص مقرون به الامل، وحال الامل منقطعة عنهم لأنهم يعرفون مواضعهم من كرامة الله عز وجل.
وأما الشهوة فجعلها الله تعالى فيهم لما أراده من بقائهم في الدنيا، وانقطاع الخلائق لهم، وفاقتهم إليهم، فلولا موضع الشهوة لما أكلوا، فبطل قوة أجسامهم عن تكليفاتهم، ويبطل حال النكاح فلا يكون لهم نسل ولا ولد، وما جرى مجرى ذلك، فالشهوة مركبة فيهم لذلك، وهم معصومون مما يعرض لغيرهم من قبيح الشهوات.
ويكون الاصطبار وترك الغضب فيهم، فهم لا يغضبون إلا في طاعة الله تعالى قال الله سبحانه: " قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة " فالفصل يقع بين الأنبياء والرسل والأوصياء من جهة الغضب، ولا يكون غضبهم إلا لله تعالى وفي الله سبحانه، فهذا معنى عصمة الله تعالى الأنبياء والرسل والأوصياء، فهم صلوات الله عليهم يجتمعون مع العباد في الشهوة والغضب على الأسماء ويباينونهم في المعنى.
وأما الرد على المشبهة فقول الله عز وجل: " وأن إلى ربك المنتهى " فإذا انتهى إلى الله فأمسكوا وتكلموا فيما دون ذلك من العرش فما دونه.
وارجعوا إلى الكلام في مخاطبة النبي صلى الله عليه وآله والمراد غيره فمن ذلك قول الله عز وجل: " ولا تدع مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ".
والمخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وآله والمراد بالخطاب الأمة، ومنه قوله تعالى: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن " " يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين " والمخاطبة له، والمراد بالخطاب أمته.
أما ما نزل في كتاب الله تعالى مما هو مخاطبة لقوم والمراد به قوم آخرون فقول الله عز وجل: " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا " والمعنى والخطاب مصروف إلى أمة محمد صلى الله عليه وآله وأصل التنزيل لبني إسرائيل.
وأما الاحتجاج على من أنكر الحدوث مع ما تقدم، فهو أنا لما رأينا هذا العالم المتحرك متناهية أزمانه وأعيانه وحركاته وأكوانه، وجميع ما فيه، ووجدنا ما غاب عنا من ذلك يلحقه النهاية، ووجد [نا] العقل يتعلق بما لا نهاية، ولولا
ذلك لم يجد العقل دليلا يفرق ما بينهما، ولم يكن لنا بد من إثبات ما لا نهاية له معلوما معقولا أبديا سرمديا ليس بمعلوم أنه مقصور القوى، ولا مقدور ولا متجزئ ولا منقسم، فوجب عند ذلك أن يكون ما لا يتناهى مثل ما يتناهى.
وإذ قد ثبت لنا ذلك، فقد ثبت في عقولنا أن مالا يتناهى هو القديم الأزلي وإذا ثبت شئ قديم وشئ محدث، فقد استغنى القديم الباري للأشياء عن المحدث الذي أنشأه وبرأه وأحدثه، وصح عندنا بالحجة العقلية أنه المحدث للأشياء وأنه لا خالق إلا هو، فتبارك الله المحدث لكل محدث، الصانع لكل مصنوع المبتدع للأشياء من غير شئ.
وإذا صح أني لا أقدر أن احدث مثلي استحال أن يحدثني مثلي، فتعالى المحدث للأشياء عما يقول الملحدون علوا كبيرا.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.