پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد التاسع عشر

باب ما ورد عن أمير المؤمنين صلوات

ج ۹۰، ص ۳۱–۶۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۴

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۹۰

ومثله قوله عز وجل: " آمن الرسول بما انزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " ثم استأنف الكلام فقال: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " ثم رجع وعطف تمام القول الأول فقال: " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " إلى آخر السورة، وهذا وأشباهه كثير في القرآن.

وأما ما جاء في أصل التنزيل حرف مكان حرف فهو قوله عز وجل: " لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم " معناه ولا الذين ظلموا منهم، وقوله تعالى: " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ " معناه ولا خطأ وكقوله " يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدى المرسلون * إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء " وإنما معناه: ولا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء.

وقوله تعالى: " ولا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم " وإنما معناه إلى أن تقطع قلوبهم ومثله كثير في كتاب الله عز وجل.

[وأما ما هو متفق اللفظ مختلف المعنى قوله]: " واسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها " وإنما عنى أهل القرية وأهل العير، وقوله تعالى:

" وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا " وإنما عنى أهل القرى وقوله:

" وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة " يعني أهلها.

وأما احتجاجه تعالى على الملحدين في دينه وكتابه ورسله فان الملحدين أقروا بالموت ولم يقروا بالخالق، فأقروا بأنهم لم يكونوا، ثم كانوا، قال الله تعالى: " ق * والقرآن المجيد * بل عجبوا أن جائهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شئ عجيب * أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد " وكقوله عز وجل:

" وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة " ومثله قوله تعالى: " ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من توليه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ".

فرد الله تعالى عليهم ما يدلهم على صفة ابتداء خلقهم وأول نشئهم " يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا " فأقام سبحانه على الملحدين الدليل عليهم من أنفسهم ثم قال مخبرا لهم: " وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج * ذلك بأن الله هو الحق

وأنه يحيى الموتى وأنه على كل شئ قدير * وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ".

وقال سبحانه: " والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها وكذلك النشور " فهذا مثال إقامة الله عز وجل لهم الحجة في إثبات البعث والنشور بعد الموت.

وقال أيضا في الرد عليهم: " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون * يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيى الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون ".

ومثله قوله عز وجل " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون * ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين * ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون * ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون * ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ".

واحتج سبحانه عليهم وأوضح الحجة وأبان الدليل، وأثبت البرهان عليهم من أنفسهم، ومن الآفاق ومن السماوات والأرض، بمشاهدة العيان، ودلائل البرهان، وأوضح البيان، في تنزيل القرآن، كل ذلك دليل على الصانع القديم المدبر الحكيم، الخالق العليم، الجبار العظيم، سبحان الله رب العالمين وأما الرد على عبدة الأصنام والأوثان فقوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم في الاحتجاج على أبيه " يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا " وقوله حين كسر الأصنام فقالوا له من كسرها " ومن فعل هذا بآلهتنا إنه لمن

الظالمين - إلى قوله - فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون " ولما جاء قالوا له " أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون * ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون " قال " أفتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون " فلما انقطعت حجتهم " قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين " إلى آخر القصص، فقال الله تعالى " يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ".

ومثل ذلك قول الله عز وجل لقريش على لسان نبيه صلى الله عليه وآله " إن الذين تعبدون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين * ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها أولئك كالانعام بلهم أضل سبيلا " وقوله سبحانه " قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا " ومثل ذلك كثير.

وأما الرد على الثنوية من الكتاب فقوله عز وجل: " ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون " فأخبر الله تعالى أن لو كان معه آلهة لا نفرد كل إله منهم بخلقه ولأبطل كل منهم فعل الآخر وحاول منازعته، فأبطل تعالى إثبات إلهين خلاقين بالممانعة وغيرها.

ولو كان ذلك لثبت الاختلاف، وطلب كل إله أن يعلو على صاحبه، فإذا شاء أحدهم أن يخلق إنسانا وشاء الآخر أن يخلق بهيمة اختلفا وتباينا في حال واحد

واضطرهما ذلك إلى التضاد والاختلاف والفساد، وكل ذلك معدوم، وإذا بطلت هذه الحال كذلك ثبت الوحدانية بكون التدبير واحدا، والخلق متفق غير متفاوت والنظام مستقيم.

وأبان سبحانه لأهل هذه المقالة ومن قاربهم أن الخلق لا يصلحون إلا بصانع واحد، فقال " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " ثم نزه نفسه فقال " سبحان الله عما يصفون " والدليل على أن الصانع واحد، حكمة التدبير وبيان التقدير.

وأما الرد على الزنادقة فقوله تعالى: " ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون " فأعلمنا تعالى أن الذي ذهب إليه الزنادقة من قولهم: إن العالم يتولد بدوران الفلك، ووقوع النطفة في الأرحام، لان عندهم أن النطفة إذا وقعت تلقاها الاشكال التي تشاكلها فيتولد حينئذ بدوران القدرة والاشكال التي تتلقاها مرور الليل والنهار، والأغذية والأشربة والطبيعة، فتتربى وتنتقل وتكبر، فعكس تعالى قولهم بقوله " ومن نعمره ننكسه في الخلق " معناه أن من طال عمره وكبر سنه رجع إلى مثل ما كان عليه في حال صغره وطفوليته، فيستولي عليه عند ذلك النقصان في جميع آلاته، ويضعف في جميع حالاته، ولو كان الامر كما زعموا من أنه ليس للعباد خالق مختار، لوجب أن يكون تلك النسمة أو ذلك الانسان زائدا أبدا ما دامت الاشكال - التي ادعوا أن بها كان قوام ابتدائها - قائمة، والفلك ثابت، والغداء ممكن، ومرور الليل والنهار متصل.

ولما صح في العقول معنى قوله تعالى " ومن نعمره ننكسه في الخلق " وقوله سبحانه " ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا " علم أن هذا من تدبير الخالق المختار وحكمته ووحدانيته وابتداعه للخلق فتثبت وحدانيته

جلت عظمته، وهذا احتجاج لا يمكن الزنادقة دفعه بحال، ولا يجدون حجة في إنكاره.

ومثله قوله تعالى " أو لم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين * وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم " فرد سبحانه عليهم احتجاجهم بقوله: " قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم " إلى آخر السورة.

وأما الرد على الدهرية الذين يزعمون أن الدهر لم يزل أبدا على حال واحدة، وأنه ما من خالق، ولا مدبر، ولا صانع، ولا بعث، ولا نشور قال تعالى حكاية لقولهم " وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وما يهلكنا إلا الدهر ومالهم بذلك من علم " " وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا * قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة " ومثل هذا في القرآن كثير.

وذلك رد على من كان في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله يقول هذه المقالة ممن أظهر له الايمان وأبطن الكفر والشرك، وبقوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وكانوا سبب هلاك الأمة فرد الله تعالى بقوله " يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة - إلى قوله سبحانه - لكيلا يعلم بعد علم شيئا " ثم ضرب للبعث والنشور مثلا فقال تعالى " وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى " وما جرى ذلك في القرآن.

وقوله سبحانه في سورة ق ردا على من قال " أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد " " قد علمنا ما تنقص الأرض منهم " إلى قوله سبحانه " فأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج " وهذا وأشباهه رد على الدهرية والملحدة ممن أنكر البعث

والنشور.

وأما ما جاء في القرآن على لفظ الخبر ومعناه الحكاية فمن ذلك قوله عز وجل " ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا " وقد كانوا ظنوا أنهم لبثوا يوما أو بعض يوم، ثم قال الله تعالى: " قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض " الآية فخرجت ألفاظ هذه الحكاية على لفظ ليس معناه معنى الخبر وإنما هو حكاية لما قالوه، والدليل على ذلك أنه حكاية، قوله " سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم " إلى آخر الآية، وقوله عز وجل عند ذكر عدتهم " ما يعلمهم إلا قليل " مثل حكايته عنهم في ذكر المدة " ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا قل الله أعلم بما لبثوا " فهذا معطوف على قوله " سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم " فهذا الآية من المنقطع المعطوف، وهي على لفظ الخبر ومعناه حكاية.

ومثله قوله عز وجل " كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه " وإنما خرج هذا على لفظ الخبر وهو حكاية عن قوم من اليهود ادعوا ذلك، فرد الله تعالى عليهم " قل فأتوا بالتورية فاتلوها إن كنتم صادقين " أي انظروا في التوراة هل تجدون فيها تصديق ما ادعيتموه.

ومثله في سورة الزمر قوله تعالى " وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ".

فلفظ هذا خبر ومعناه حكاية ومثله كثير.

وأما الرد على النصارى فان رسول الله صلى الله عليه وآله احتج على نصارى نجران لما قدموا عليه ليناظروه، فقالوا: يا محمد ما تقول في المسيح؟ قال: هو عبد الله يأكل ويشرب، قال: فمن أبوه؟ فأوحى الله إليه يا محمد سلهم عن آدم هل هو إلا بشر مخلوق يأكل ويشرب، وأنزل الله عليه " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون " فسألهم عن آدم فقالوا نعم، قال: فأخبروني من أبوه

فلم يجيبوه بشئ " ولزمتهم الحجة فلم يقروا بل لزموا السكوت، فأنزل الله تعالى عليه " فمن حاجك فيه من بعد ما جائك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ".

فلما دعاهم إلى المباهلة قال علماؤهم: لو باهلنا بأصحابه باهلناه، ولم يكن عندنا صادق في قوله، فأما أن يباهلنا بأهل بيته خاصة فلا نباهله... وأعطوه الرضا وشرط عليهم الجزية والسلاح حقنا لدمائهم، وانصرفوا.

وأما السبب الذي به بقاء الخلق فقد بين الله عز وجل في كتابه أن بقاء الخلق من أربع وجوه: الطعام والشراب واللباس والكن والمناكح للتناسل مع الحاجة في ذلك كله إلى الأمر والنهي، فأما الأغذية فمن أصناف النبات والانعام المحلل أكلها قال الله تعالى في النبات " إنا صببنا الماء صبا * ثم شققنا الأرض شقا * فأنبتنا فيها حبا * وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدائق غلبا * وفاكهة وأبا * متاعا لكم ولأنعامكم " وقال تعالى " أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون " وقال سبحانه " والأرض وضعها للأنام * فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام * والحب ذو العصف والريحان " وهذا وشبهه مما يخرجه الله تعالى من الأرض سببا لبقاء الخلق.

وأما الانعام فقوله تعالى: " والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون " الآية وقوله سبحانه " وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ".

وأما اللباس والأكنان قوله تعالى " والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم

كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون " وقال تعالى " يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله " والخير هو البقاء والحياة.

وأما المناكح فقوله تعالى " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقيكم " وقال تعالى " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم " وقال سبحانه " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا " وقال عز وجل " وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله " الآية وقال تعالى " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " ومثل هذا كثير في كتاب الله تعالى في معنى النكاح وسبب التناسل.

والأمر والنهي وجه واحد: لا يكون معنى من معاني الامر إلا ويكون بعد ذلك نهيا، ولا يكون وجه من وجوه النهي إلا ومقرون به الامر قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم لما يحييكم " إلى آخر الآية فأخبر سبحانه أن العباد لا يحيون إلا بالأمر والنهي كقوله تعالى:

" ولكم في القصاص حياة يا اولي الألباب " ومثله قوله تعالى " اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير " فالخير هو سبب البقاء والحياة.

وفي هذا أوضح دليل على أنه لابد للأمة من إمام يقوم بأمرهم، فيأمرهم وينهاهم، ويقيم فيهم الحدود ويجاهد العدو ويقسم الغنايم، ويفرض الفرائض، ويعرفهم أبواب ما فيه صلاحهم، ويحذرهم ما فيه مضارهم، إذ كان الأمر والنهي أحد أسباب بقاء الخلق، وإلا سقطت الرغبة والرهبة، ولم يرتدع، ولفسد التدبير وكان ذلك سببا لهلاك العباد في أمر البقاء والحياة في الطعام الشراب والمساكن والملابس والمناكح من النساء والحلال والحرام والأمر والنهي إذ كان سبحانه لم يخلقهم بحيث يستغنون عن جميع ذلك، ووجدنا أول المخلوقين وهو آدم عليه السلام لم يتم له البقاء والحياة إلا بالأمر والنهي قال الله عز وجل " يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة " فدلاهما على ما فيه نفعهما وبقاؤهما ونهاهما عن سبب مضرتهما، ثم جرى الأمر والنهي في ذريتهما إلى يوم القيامة ولهذا اضطر الخلق إلى أنه لابد لهم من إمام منصوص عليه من الله عز وجل يأتي بالمعجزات، ثم يأمر الناس وينهاهم.

وإن الله سبحانه خلق الخلق على ضربين: ناطق عاقل فاعل مختار، وضرب مستبهم فكلف الناطق العاقل المختار، وقال سبحانه: " خلق الانسان * علمه البيان ".

وقال سبحانه " اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الانسان ما لم يعلم " ثم كلف، ووضع التكليف عن المستبهم لعدم العقل والتمييز.

وأما وضع الأسماء، فإنه تبارك وتعالى اختار لنفسه الأسماء الحسنى فسمى نفسه " الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ".

وغير ذلك، وكل اسم يسمى به فلعلة ما، ولما تسمى بالملك أراد تصحيح معنى الاسم لمقتضى الحكمة، فخلق الخلق وأمرهم ونهاهم ليتحقق حقيقة الاسم ومعنى

الملك، والملك له وجوه أربعة: القدرة والهيبة والسطوة والأمر والنهي فأما القدرة فقوله تعالى: " إنما أمرنا لشي إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " فهذه القدرة التامة التي لا يحتاج صاحبها إلى مباشرة الأشياء، بل يخترعها كما يشاء سبحانه ولا يحتاج إلى التروي في خلق الشئ بل إذا أراده صار على ما يريده من تمام الحكمة، واستقام التدبير له بكلمة واحدة، وقدرة قاهرة بان بها من خلقه.

ثم جعل الأمر والنهي تمام دعائم الملك ونهايته وذلك أن الأمر والنهي يقتضيان الثواب والعقاب والهيبة، والرجاء والخوف، وبهما بقاء الخلق، وبهما يصح لهم المدح والذم، ويعرف المطيع من العاصي، ولو لم يكن الأمر والنهي لم يكن للملك بهاء ولا نظام، ولبطل الثواب والعقاب، وكذلك جميع التأويل فيما اختاره سبحانه لنفسه من الأسماء.

وقد اعترض على ذلك بأن قيل: قد رأينا أصنافا من الحيوان لا يحصى عددها يبقى ويعيش بغير أمر ولا نهي، ولا ثواب لها ولا عقاب عليها، وإذا جاز أن يستقيم بقاء الحيوان المستبهم، ولا آمر له ولا ناهي، بطل قولكم: إنه لابد للناطقين من آمر وناه، وإلا لم يبقوا.

والرد عليهم هو أن الله تعالى لما خلق الحيوان على ضربين: مستبهم وناطق أطلق للنوع المستبهم أمرين، جعل قوامه وبقاءه بهما، وهو إدراك الغذاء ونيله وعرفانهم بالنافع والضار بالشم والتنسيم، وإنما أنبت عليهم من الوبر والصوف والشعر والريش ليكنهم من البرد والحر، ومنعهم أمرين النطق والفهم، وسخرهم للحيوان الناطق العاقل وغير العاقل أن يتصرفوا فيهم، وعليهم، كما يختارون، ويأمرون فيهم وينهون.

ولم يجعل في الناطقين معرفة الضار من الغذا، والنافع بالشم والتنسيم حتى أن أفهم الناس وأعقلهم لو جمعت الناس له ضروب الحشايش من النافع والضار والغذا والسم لم يميز ذلك بعقله وفكره، بل من جهة موقف فقد احتاج العاقل

الفطن البصير إلى مؤدب موقف يوقفه على منافعه، ويعلمه ما يضره، ولما كانت بنية الناس وما خلقهم الله بهذه الصفة لابد أن يكون عندهم علم كثير من الأغذية التي تقوم بها أبدانهم، لأنها سبب حياتهم، وكان البهائم في ذلك أهدى منهم، ثبت ما أوردناه من الأمر والنهي اللذين يتبعهما الثواب والعقاب.

قال المعترض: وقد وجدنا بعض البهائم يأكل ما يكون هلاكه فيه من السمام القاتلة، فلو كان هذا كما ذكرتم من أنها تعرف الضار من النافع بالشم والتنسم لما أصابهم ذلك.

قيل: هذا الذي ذكرتم لا يكون على العموم، وإنما يكون في الواحد بعد الواحد لعلة ما لأنه ربما اضطره الجوع الشديد إلى أكل ما يكون فيه هلاكه، أو لاختلاط جميع أنواع الحشايش بعضها ببعض كما أنا قد نجد الرجل العاقل قد يقف على ما يضره من الأطعمة، ثم يأكله إما لجوع غالب أو لعلة يحدث أو سكر يزيل عقله، أو آفة من الآفات، فيأكل ما يعلم أنه يسقمه ويضره، وربما كان تلف نفسه فيه، وإذا كان هذا موجودا في الانسان الفطن العاقل، فأحرى أن يجوز مثله في البهائم.

ووجه آخر وهو أن الله سبحانه إذا أراد قضاء أجله خلى بينه وبين الحال التي بمثلها يتم عليه ذلك، ومثل هذا يعرض دون العادة العامة، ولأنا قد نرى الفراخ من الدجاج وما يجري مجراها من أجناس الطير يخرج من البيضة فتلقى له السموم من الحبوب القاتلة مثل حب البنج والسناء، فيحتذر عنه وإذا القي عليه غذاؤها بادرت إليه فأكلته ولم يتوقف عنه، فبطل الاعتراض.

ولما ثبت لنا أن قوام الأمة بالأمر والنهي الوارد عن الله عز وجل صح لنا أنه لابد للناس من رسول من عند الله، فيه صفات يتميز بها من جميع الخلق منها العصمة من سائر الذنوب وإظهار المعجزات وبيان الدلالات لنفي الشبهات طاهر مطهر متصل بملكوت الله سبحانه غير منفصل، لأنه لا يؤدي عن الله عز وجل إلى خلقه إلا من كانت هذه صفته، فصح موضع المأمومين الذين لا عصمة لهم

إلا إمام عادل معصوم، يقيم حدود الله تعالى وأوامره فيهم، ويجاهد بهم، ويقسم غنائمهم، ولا يستقيم أن يقيم الحدود من في جنبه حد الله تعالى لان الخبيث لا يطهر بالخبيث، وإنما يطهر الخبيث بالطاهر، الذي يدل على ما يقرب من الله تعالى وإنما يحيون به الحياة الدنيا في حال معايشهم، مما يكون عاقبته إلى حياة الأبد في الدار الآخرة، ولا بد ممن هذه صفته في عصر بعد عصر، وأوان بعد أوان وأمة بعد أمة، جاريا ذلك في الخلق ما داموا، ودام فرض التكليف عليهم لا يستقيم لهم الامر، ولا يدوم لهم الحياة إلا بذلك.

ولو كان الامام بصفة المأمومين، لاحتاج إلى ما احتاجوا إليه، فيكون حينئذ إماما، وليس في عدل الله تعالى وحكمه أن يحتج على خلقه بمن هذه صفته، وإنما إمام الامام، الوحي الآمر له والناهي، فكل هذه الصفات المتفرقة في الأنبياء فان الله سبحانه جمعها في نبينا ووجب لذلك بعد مضيه صلى الله عليه وآله أن يكون في وصيه ثم الأوصياء.

اللهم إلا أن يدعي مدع أن الإمامة مستغنية عمن هذه صفته، فيكونون بهذه الدعوى مبطلين، بما تقدم من الأدلة وثبت أنه لابد من إمام عارف بجميع ما جاء محمد النبي صلى الله عليه وآله من كتاب الله تعالى بإقامة المقدم ذكرها يجيب عنها وعن جميع المشكلات، وينفي عن الأمة مواقع الشبهات، لا يزل في حكمه عارف بدقيق الأشياء وجليلها، يكون فيه ثمان خصال يتميز بها عن المأمومين: أربع منها في نعت نفسه ونسبه، أربع صفات ذاته وحالاته.

فأما التي في نعت نفسه فإنه ينبغي أن يكون معروف البيت، معروف النسب منصوصا عليه من النبي صلى الله عليه وآله بأمر من الله سبحانه، بمثله يبطل دعوى من يدعي منزلته بغير نص من الله سبحانه ورسوله، حتى إذا قدم الطالب من البلد القريب والبعيد أشارت إليه الأمة بالكمال والبيان وأما اللواتي في صفات ذاته فإنه يجب أن يكون أزهد الناس، وأعلم الناس، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وما يتبع ذلك، لعلل تقتضيه.

لأنه إذا لم يكن زاهدا في الدنيا وزخرفها، دخل في المحظورات من المعاصي

فاضطره ذلك أن يكتم على نفسه، فمخون الله تعالى في عباده يحتاج إلى من يطهره بإقامة الحد عليه، فهو حينئذ إمام مأموم، وأما إذا لم يكن عالما بجميع ما فرضه الله تعالى في كتابه وغيره، قلب الفرائض فأحل ما حرم الله، فضل وأضل، وإذا لم يكن أشجع الناس سقط فرض إمامته لأنه في الحرب فئة للمسلمين فلو فر لدخل فيمن قال الله تعالى: " ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله " وإذا لم يكن أكرم الناس نفسا دعاه البخل والشح إلى أن يمد يده فيأخذ فيئ المسلمين، لأنه خازنهم وأمينهم على جميع أموالهم من الغنائم والخراج والجزية والفئ.

فلهذه العلل يتميز من سائر الأمة، ولم يكن الله ليأمر بطاعة من لا يعرف أوامره ونواهيه، ولا أن يولي عليهم الجاهل الذي لاعلم له، ولا ليجعل الناقص حجة على الفاضل ولو كان ذلك لجاز لأهل العلل والأسقام أن يأخذوا الأدوية ممن ليس بعارف منافع الأجساد، ومضارها، فتتلف أنفسهم، ولو أن رجلا أراد أن يشتري ما يصلح به من متاع وغيره، لكان من حزم الرأي أن يستعين بالتاجر البصير بالتجارة ، فيكون ذلك أحوط عليه.

وإذا كان جميع ذلك لا يصلح في هذه الأشياء الدنياوية فأحرى أن يقصد الإمام العادل في الأسباب كلها التي يتوصل بها إلى أمور الآخرة، فتميز بين الإمام العادل والجاهل.

وروى عمر بن الخطاب أنه اختصم إليه رجلان فحكم لأحدهما على الآخر فقال المحكوم له: بالله لقد حكمت بالحق، فعلاه عمر بدرته وقال له: ثكلتك أمك والله ما يدري عمر أصاب أم أخطأ، وإنما رأي رأيته. هذا مع ما تقدمه من قول أبي بكر: وليتكم ولست بخيركم، وإن لي شيطانا يعتريني، فإذا ملت فقوموني فإذا غضبت فاجتنبوني لا أمثل في أشعاركم وأبشاركم، فاحتج التابعون لهما لأنفسهم بأن قالوا: لنا أسوة بالسلف الماضي، لما عجزوا من تأدية حقائق الاحكام، فلهذه

العلة وقعت الاختلاف، وزال الايتلاف، لمخالفتهم الله تعالى.

قال الله سبحانه: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " ثم جعل للصادقين علامات يعرفون بها، فقال تعالى: " التائبون العابدون " إلى آخره ووصفهم أيضا فقال سبحانه: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون " إلى آخر الآية في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز، ولا يصح أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحافظ على حدود الله سبحانه إلا العارف بالأمر والنهي، دون الجاهل بهما.

فأما ما جاء في القرآن من ذكر معايش الخلق وأسبابها فقد أعلمنا سبحانه ذلك من خمسة أوجه: وجه الإشارة، ووجه العمارة، ووجه الإجارة ووجه التجارة ووجه الصدقات.

وأما وجه الإشارة فقوله تعالى: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين " الآية فجعل الله لهم خمس الغنائم، والخمس يخرج من أربعة وجوه من الغنائم التي يصيبها المسلمون من المشركين، ومن المعادن، ومن المكنوز، ومن الغوص، ثم جزء هذه الخمس على ستة أجزاء فيأخذ الامام عنها سهم الله تعالى وسهم الرسول وسهم ذي القربى عليهم السلام ثم يقسم الثلاثة سهام الباقية بين يتامى آل محمد ومساكينهم وأبناء سبيلهم.

ثم إن للقائم بأمور المسلمين بعد ذلك الأنفال التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله قال الله تعالى: " يسئلونك الأنفال قل الأنفال لله وللرسول " فحرفوها وقالوا:

" يسألونك عن الأنفال " وإنما سألوه الأنفال كلها ليأخذوها لأنفسهم، فأجابهم الله تعالى بما تقدم ذكره، والدليل على ذلك قوله تعالى " فاتقوا الله وأصلحوا

ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين " أي الزموا طاعة الله أن لا تطلبوا ما لا تستحقونه، فما كان لله تعالى ولرسوله فهو للامام.

وله نصيب آخر من الفئ والفئ يقسم قسمين، فمنه ما هو خاص للامام وهو قول الله عز وجل في سورة الحشر: " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " وهي البلاد التي لا يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب.

والضرب الآخر ما رجع إليهم مما غصبوا عليه في الأصل قال الله تعالى:

" إني جاعل في الأرض خليفة " فكانت الدنيا بأسرها لآدم عليه السلام إذ كان خليفة الله في أرضه، ثم هي للمصطفين الذين اصطفاهم وعصمهم فكانوا هم الخلفاء في الأرض فلما غصبهم الظلمة على الحق الذي جعله الله ورسوله لهم، وحصل ذلك في أيدي الكفار صار في أيديهم على سبيل الغصب حتى بعث الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وآله فرجع له ولأوصيائه، فما كانوا غصبوا عليه، أخذوه منهم بالسيف، فصار ذلك مما أفاء الله به، أي مما أرجعه الله إليهم.

والدليل على أن الفئ هو الراجع قوله تعالى: " للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فان فاؤا فان الله غفور رحيم " أي رجعوا من الايلاء إلى المناكحة، وقوله عز وجل: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت إحديهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " أي ترجع ويقال لوقت الصلاة: فإذا فاء الفئ أي رجع الفئ فصلوا.

وأما وجه العمارة فقوله " هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها " فأعلمنا سبحانه أنه قد أمرهم بالعمارة ليكون ذلك سببا لمعايشهم بما يخرج من الأرض من الحب والثمرات، وما شاكل ذلك مما جعله الله تعالى معايش للخلق.

وأما وجه التجارة فقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل " إلى آخر الآية فعرفهم سبحانه كيف يشترون المتاع في السفر والحضر، وكيف يتجرون إذ كان ذلك من أسباب المعايش.

وأما وجه الإجارة فقوله عز وجل: " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون " فأخبرنا سبحانه أن الإجارة أحد معايش الخلق، إذ خالف بحكمته بين هممهم وإرادتهم، وسائر حالاتهم، وجعل ذلك قواما لمعايش الخلق وهو الرجل يستأجر الرجل في صنعته وأعماله وأحكامه وتصرفاته وأملاكه ولو كان الرجل منا مضطرا إلى أن يكون بناء لنفسه أو نجارا أو صانعا في شئ من جميع أنواع الصنايع لنفسه ويتولى جميع ما يحتاج إليه من إصلاح الثياب مما يحتاج إليه الملك، فمن دونه، ما استقامت أحوال العالم بذلك، ولا اتسعوا له ولعجزوا عنه، ولكنه تبارك وتعالى أتقن تدبيره، وأبان آثار حكمته لمخالفته بين هممهم وكل يطلب ما ينصرف إليه همته مما يقوم به بعضهم لبعض، وليستعين بعضهم ببعض في أبواب المعايش التي بها صلاح أحوالهم:

وأما وجه الصدقات، فإنما هي لأقوام ليس لهم في الامارة نصيب، ولا في العمارة حظ ولا في التجارة مال، ولا في الإجارة معرفة وقدرة، ففرض الله تعالى في أموال الأغنياء ما تقوتهم ويقوم بأودهم، وبين سبحانه ذلك في كتابه، وكان سبب ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما فتح عليه من بلاد العرب ما فتح، وافت إليه الصدقات منهم فقسمها في أصحابه ممن فرض الله لهم، فسخط أهل الجدة من المهاجرين والأنصار، وأحبوا أن يقسمها فيهم، فلمزوه فيما بينهم وعابوه بذلك، فأنزل الله عز وجل " ومنهم من يلمزك في الصدقات فان أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها

إذا هم يسخطون * ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله من فضله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ".

ثم بين سبحانه لمن هذه الصدقات فقال: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل " إلى آخر الآية فأعلمنا سبحانه أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يضع شيئا من الفرائض إلا.

في مواضعها بأمر الله تعالى عز وجل، ومقتضى الصلاح في الكثرة والقلة.

وأما الايمان والكفر والشرك وزيادته ونقصانه فالايمان بالله تعالى هو أعلى الاعمال درجة. وأشرفها منزلة، وأسماها حظا فقيل له عليه السلام: الايمان قول وعمل أم قول بلا عمل؟ فقال: الايمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان، وعمل بالأركان وهو عمل كله، ومنه التام، ومنه الكامل تمامه، ومنه الناقص البين نقصانه، ومنه الزائد البين زيادته.

إن الله تعالى ما فرض الايمان على جارحة من جوارح الانسان إلا وقد وكلت بغير ما وكلت به الأخرى، فمنه قلبه الذي يعقل به، ويفقه ويفهم ويحل ويعقد ويريد، وهو أمير البدن وإمام الجسد الذي لا تورد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه، وأمره ونهيه، ومنها لسانه الذي ينطق به، ومنها أذناه اللتان يسمع بهما ومنها عيناه اللتان يبصر بهما، ومنها يداه اللتان يبطش بهما، ومنها رجلاه اللتان يسعى بهما، ومنها فرجه الذي الباء من قبله، ومنها رأسه الذي فيه وجهه.

وليس جارحة من جوارحه إلا وهو مخصوصة بفريضة، فرض على القلب غير ما فرض على السمع، وفرض على السمع غير ما فرض على البصر، وفرض على البصر غير ما فرض على اليدين، وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين، وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه، وفرض على الوجه غير ما فرض على اللسان.

فأما ما فرض على القلب من الايمان، فالاقرار والمعرفة والعقد عليه والرضا بما فرضه عليه، والتسليم لامره، والذكر والتفكر والانقياد إلى كل ما جاء عن الله عز وجل في كتابه مع حصول المعجز.

فيجب عليه اعتقاده وأن يظهر مثل ما أبطن إلا للضرورة كقوله سبحانه:

" إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان " وقوله تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " وقال سبحانه " الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " وقوله تعالى " ألا بذكر الله تطمئن القلوب " وقوله سبحانه " ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا " وقوله تعالى " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " وقال عز وجل " فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " ومثل هذا كثير في كتاب الله تعالى وهو رأس الايمان، وأما ما فرضه الله على اللسان فقوله عز وجل في معنى التفسير لما عقد به القلب وأقر به أو جحده فقوله تعالى " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما انزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب " الآية وقوله سبحانه " قولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " وقوله سبحانه " ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما هو إله واحد " فأمر سبحانه بقول الحق ونهى عن قول الباطل.

وأما ما فرضه على الاذنين، فالاستماع لذكر الله والانصات إلى ما يتلى من كتابه، وترك الاصغاء إلى ما يسخطه، فقال سبحانه: " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون " وقال تعالى: " وقد نزل عليكم في الكتاب

أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزئ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره " الآية.

ثم استثنى برحمته لموضع النسيان فقال: " وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " وقال عز وجل: " فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هديهم الله وأولئك هم أولوا الألباب " وقال تعالى: " وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين " وفي كتاب الله تعالى ما معناه معنى ما فرض الله سبحانه على السمع والايمان.

وأما ما فرضه على العينين فمنه النظر إلى آيات الله تعالى، وغض البصر عن محارم الله، قال الله تعالى: " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟ وإلى السماء كيف رفعت؟ وإلى الجبال كيف نصبت؟ وإلى الأرض كيف سطحت؟ " وقال تعالى : " أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شئ " وقال سبحانه: " انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه " وقال: " فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ".

وهذه الآية جامعة لإبصار العيون، وإبصار القلوب، قال الله تعالى:

" فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " ومنه قوله تعالى: " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم ".

معناه لا ينظر أحدكم إلى فرج أخيه المؤمن أو يمكنه من النظر إلى فرجه، ثم

قال سبحانه: " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن " أي ممن يلحقهن النظر كما جاء في حفظ الفرج، والنظر سبب إيقاع الفعل من الزنا وغيره.

ثم نظم تعالى ما فرض على السمع والبصر والفرج في آية واحدة فقال: " وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون " يعني بالجلود ههنا الفروج، وقال تعالى: " ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر الفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا " فهذا ما فرض الله تعالى على العينين من تأمل الآيات، والغض عن تأمل المنكرات وهو من الايمان.

وأما ما فرض سبحانه على اليدين فالطهور وهو قوله: " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين " وفرض على اليدين الانفاق في سبيل الله تعالى فقال: " أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ".

وفرض تعالى على اليدين الجهاد لأنه من عملها وعلاجها، فقال: " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق " وذلك كله من الايمان.

وأما ما فرضه الله على الرجلين فالسعي بهما فيما يرضيه، واجتناب السعي فيما يسخطه، وذلك قوله سبحانه: " فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع " وقوله سبحانه: " ولا تمش في الأرض مرحا " وقوله: " واقصد في مشيك واغضض من صوتك " وفرض الله عليهما القيام في الصلاة، فقال: " وقوموا لله قانتين ".

ثم أخبر أن الرجلين من الجوارح التي تشهد يوم القيام حتى يستنطق بقوله:

" اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ".

وهذا مما فرضه الله تعالى على الرجلين في كتابه وهو من الايمان.

وأما ما افترضه على الرأس فهو أن يمسح من مقدمه بالماء في وقت الطهور للصلاة بقوله: " وامسحوا برؤوسكم " وهو من الايمان، وفرض على الوجه الغسل بالماء عند الطهور، وقال: " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " وفرض عليه السجود، وعلى اليدين والركبتين والرجلين الركوع وهو من الايمان.

وقال فيما فرض على هذه الجوارح من الطهور والصلاة وسماه في كتابه إيمانا حين تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فقال المسلمون: يا رسول الله ذهبت صلاتنا إلى بيت المقدس وطهورنا ضياعا؟ فأنزل الله تعالى " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم " فسمى الصلاة والطهور إيمانا.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لقي الله كامل الايمان كان من أهل الجنة، ومن كان مضيعا لشئ مما فرضه الله تعالى في هذه الجوارح وتعدى ما أمره الله وارتكب ما نهاه عنه، لقي الله تعالى ناقص الايمان، قال الله عز وجل: " وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون " وقال: " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون " وقال سبحانه: " إنهم

فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى " وقال: " والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقويهم " وقال: " هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم " الآية.

فلو كان الايمان كله واحدا لا زيادة فيه ولا نقصان، لم يكن لاحد فضل على أحد، ولتساوى الناس، فبتمام الايمان وكماله دخل المؤمنون الجنة، ونالوا الدرجات فيها، وبذهابه ونقصانه دخل الآخرون النار.

وكذلك السبق إلى الايمان قال الله تعالى: " والسابقون السابقون أولئك المقربون " وقال سبحانه: " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ".

وثلث بالتابعين، وقال عز وجل: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس " وقال: " ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا " وقال: " انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا " وقال: " هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون " وقال سبحانه: " ويؤت كل ذي فضل فضله " وقال: " الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله " وقال تعالى: " لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى " وقال: " فضل الله المجاهدين على القاعدين

أجرا عظيما * درجات منه ومغفرة ورحمة " وقال: " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ".

فهذه درجات الايمان ومنازلها عند الله سبحانه، ولن يؤمن بالله إلا من آمن برسوله وحججه في أرضه قال الله تعالى: " من يطع الرسول فقد أطاع الله " وما كان الله عز وجل ليجعل لجوارح الانسان إماما في جسده ينفي عنها الشكوك ويثبت لها اليقين، وهو القلب، ويهمل ذلك في الحجج، وهو قوله تعالى:

" فلله الحجة البالغة فلو شاء لهديكم أجمعين " وقال: " لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل " وقال تعالى: " أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير " وقال سبحانه: " وجعلنا منهم أئمة يدعون بأمرنا لما صبروا " الآية.

ثم فرض على الأمة طاعة ولاة أمره، القوام لدينه، كما فرض عليهم طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " ثم بين محل ولاة أمره من أهل العلم بتأويل كتابه، فقال عز وجل: " ولو ردوه إلى الرسول وإلى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " وعجز كل أحد من الناس عن معرفة تأويل كتابه غيرهم ، لأنهم هم الراسخون في العلم المأمونون على تأويل التنزيل، قال الله تعالى: " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " إلى آخر الآية وقال سبحانه: " بل هو آيات بينات في صدور الذين

أوتوا العلم ".

وطلب العلم أفضل من العبادة قال الله عز وجل: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " " الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " وبالعلم استحقوا عند الله اسم الصدق، وسماهم به صادقين، وفرض طاعتهم على جميع العباد يقوله: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " فجعلهم أولياءه، وجعل ولايتهم ولايته، وحزبهم حزبه فقال: " ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون " وقال: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ".

واعلموا رحمكم الله أنما هلكت هذه الأمة وارتدت على أعقابها بعد نبيها صلى الله عليه وآله، بركوبها طريق من خلا من الأمم الماضية، والقرون السالفة الذين آثروا عبادة الأوثان على طاعة أولياء الله عز وجل، وتقديمهم من يجهل على من يعلم، فعنفها الله تعالى بقوله: " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب " وقال في الذين استولوا على تراث رسول الله صلى الله عليه وآله بغير حق من بعد وفاته: " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ".

فلو جاز للأمة الايتمام بمن لا يعلم، أو بمن يجهل، لم يقل إبراهيم عليه السلام لأبيه: " لم تعبد ما لا يبصر ولا يغني عنك شيئا " فالناس أتباع من اتبعوه من أئمة الحق وأئمة الباطل، قال الله عز وجل: " يوم ندعوا كل أناس بامامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا " فمن ائتم

بالصادقين حشر معهم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المرء مع من أحب، قال إبراهيم عليه السلام:

" فمن تبعني فإنه مني ".

وأصل الايمان العلم، وقد جعل الله تعالى له أهلا ندب إلى طاعتهم ومسئلتهم فقال: " فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " وقال جلت عظمته: " وأتوا البيوت من أبوابها " والبيوت في هذا الموضع اللاتي عظم الله بناءها بقوله: " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه " ثم بين معناها لكيلا يظن أهل الجاهلية أنها بيوت مبنية فقال تعالى: " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " فمن طلب العلم في هذه الجهة أدركه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا مدينة العلم وفي موضع أنا مدينة الحكمة وعلي بابها، فمن أراد الحكمة فليأتها من بابها وكل هذا منصوص في كتابه تعالى إلا أن له أهلا يعلمون تأويله.

فمن عدل عنهم إلى الذين ينتحلون ما ليس لهم، ويتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وهو تأويله بلا برهان ولا دليل ولا هدى، هلك وأهلك وخسرت صفقته، وضل سعيه " يوم تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب " وإنما هو حق وباطل، وإيمان وكفر، وعلم وجهل، وسعادة وشقوة، وجنة ونار، لن يجتمع الحق والباطل في قلب امرء قال الله تعالى: " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ".

وإنما هلك الناس حين ساووا بين أئمة الهدى، وبين أئمة الكفر، وقالوا:

إن الطاعة مفروضة لكل من قام مقام النبي برا كان أو فاجرا، فاتوا من قبل ذلك.

قال الله سبحانه: " أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف تحكمون " وقال الله تعالى: " هل يستوي الأعمى والبصير أم هل يستوي الظلمات والنور " وقال فيمن سموهم من أئمة الكفر بأسماء أئمة الهدى ممن غصب أهل الحق ما جعله الله لهم، وفيمن أعان أئمة الضلال على ظلمهم: " إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ".

فأخبرهم الله سبحانه بعظيم افترائهم على جملة أهل الايمان بقوله تعالى:

" إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله " وقوله تعالى: " ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله " وبقوله سبحانه: " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " وقوله تعالى: " أفمن كان على بينة من ربه كمن هو أعمى ".

فبين الله عز وجل بين الحق والباطل في كثير من آيات القرآن، ولم يجعل للعباد عذرا في مخالفة أمره بعد البينات والبرهان، ولم يتركهم في لبس من أمرهم ولقد ركب القوم من الظلم والكفر في اختلافهم بعد نبيهم وتفريقهم الأمة، وتشتيت أمر المسلمين واعتدائهم على أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله بعد أن تبين لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية بالمخالفة، فاتبعوا أهواءهم، وتركوا ما أمرهم الله به رسوله، قال تعالى: " وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعدما جائتهم البينة ".

ثم أبان فضل المؤمنين فقال سبحانه: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " ثم وصف ما أعده من كرامته تعالى لهم، وما أعده لمن أشرك به، وخالف أمره وعصى وليه، من النقمة والعذاب، ففرق بين صفات المهتدين وصفات المعتدين، فجعل ذلك مسطورا في كثير من آيات كتابه ولهذه العلة قال الله تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ".

فترى من هو الامام الذي يستحق هذه الصفة من الله عز وجل، المفروض على الأمة طاعته؟ من لم يشرك بالله تعالى طرفة عين، ولم يعصه في دقيقة ولا جليلة قط؟ أم من أنفد عمره وأكثر أيامه في عبادة الأوثان، ثم أظهر الايمان وأبطن النفاق؟ وهل من صفة الحكيم أن يطهر الخبيث بالخبيث، ويقيم الحدود على الأمة من في جنبه الحدود الكثيرة، وهو سبحانه يقول: " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ".

أولم يأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله بتبليغ ما عهده إليه في وصيه، وإظهار إمامته وولايته " يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ما قد سمع.

واعلم أن الشياطين اجتمعوا إلى إبليس فقالوا له: ألم تكن أخبرتنا أن محمدا إذا مضى نكثت أمته عهده ونقضت سنته، وأن الكتاب الذي جاء به يشهد بذلك وهو قوله: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " فكيف يتم هذا وقد نصب لامته علما، وأقام لهم إماما؟ فقال لهم إبليس: لا تجزعوا من هذا، فان أمته ينقضون عهده، ويغدرون بوصيه من بعده، ويظلمون أهل بيته، ويهملون ذلك لغلبة حب الدنيا على قلوبهم، وتمكن الحمية والضغائن في نفوسهم، واستكبارهم وعزهم، فأنزل الله

تعالى " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ".

وأما الكفر المذكور في كتاب الله تعالى فخمسة وجوه: منها كفر الجحود ومنها كفر فقط، والجحود ينقسم على وجهين، ومنها كفر الترك لما أمر الله تعالى به، ومنه كفر البراءة، ومنها كفر النعيم.

فأما كفر الجحود فأحد الوجهين منه جحود الوحدانية، وهو قول من يقول: لا رب ولا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور، وهؤلاء صنف من الزنادقة وصنف من الدهرية الذين يقولون: " وما يهلكنا إلا الدهر " وذلك رأي وضعوه لأنفسهم، استحسنوه بغير حجة، فقال الله تعالى: إن هم إلا يظنون " وقال: " إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " أي لا يؤمنون بتوحيد الله.

والوجه الآخر من الجحود هو الجحود مع المعرفة بحقيقته، قال تعالى:

" وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا " وقال سبحانه: " وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جائهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين " أي جحدوه بعد أن عرفوه.

وأما الوجه الثالث من الكفر، فهو كفر الترك لما أمرهم الله به، وهو من المعاصي قال الله سبحانه: " وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمائكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون - إلى قوله - أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض " فكانوا كفارا لتركهم ما أمر الله تعالى، به فنسبهم إلى الايمان باقرارهم بألسنتهم على الظاهر دون الباطن، فلم ينفعهم ذلك لقوله تعالى:

" فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا " إلى آخر الآية.

وأما الوجه الرابع من الكفر، فهو ما حكاه تعالى من قول إبراهيم عليه السلام:

" كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده " فقوله: " كفرنا بكم " أي تبرأنا منكم، وقال سبحانه في قصة إبليس وتبرئه من أوليائه من الانس يوم القيامة: " إني كفرت بما أشركتمون من قبل " أي تبرأت منكم، وقوله تعالى: " إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا - إلى قوله - ويوم القيمة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا " الآية.

وأما الوجه الخامس من الكفر وهو كفر النعم، قال الله تعالى عن قول سليمان عليه السلام: " هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر " الآية وقوله عز وجل:

" لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد " وقال تعالى:

" فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ".

فأما ما جاء من ذكر الشرك في كتاب الله تعالى فمن أربعة أوجه قوله تعالى:

" لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار " فهذا شرك القول والوصف.

وأما الوجه الثاني من الشرك فهو شرك الاعمال قال الله تعالى: " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " وقوله سبحانه: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " على أنهم لم يصوموا لهم ولم يصلوا، ولكنهم أمروهم ونهوهم فأطاعوهم، وقد حرموا عليهم حلالا وأحلوا لهم حراما، فعبدوهم من

حيث لا يعلمون، فهذا شرك الاعمال والطاعات.

وأما الوجه الثالث من الشرك شرك الزنا قال الله تعالى: " وشاركهم في الأموال والأولاد " فمن أطاع ناطقا فقد عبده، فإن كان الناطق ينطق عن الله تعالى فقد عبد الله، وإن كان ينطق عن غير الله تعالى فقد عبد غير الله.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.