بحارالانوار · المجلد التاسع عشر
باب ما ورد عن أمير المؤمنين صلوات
ج ۹۰، ص ۱–۳۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۴
وأولي الأمر منكم " فدل سبحانه وأرشد إليهم فقال النبي صلى الله عليه وآله " إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: الثقلين كتاب الله وعترتي، فان ربي اللطيف الخبير أنبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في خطبة له: ألا إن العلم الذي هبط به آدم من السماء إلى الأرض، وجميع ما فضلت بن النبيون في عترة خاتم النبيين.
واعلم يا أخي وفقك الله بما يرضيه بفضله وجنبك ما يسخطه برحمته أن القرآن جليل خطره عظيم قدره ولما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله: أن القرآن مع أهل بيته، وهم التراجمة عنه المفسرون له وجب أخذ ذلك عنهم ومنهم، قال الله تعالى " فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " ففرض جلت عظمته على الناس العلم والعمل بما في القرآن فلا يسعهم مع ذلك جهله، ولا يعذرون في تركه وجميع ما أنزله في كتابه عند أهل بيت نبيه الذين ألزم العباد طاعتهم، وفرض سؤالهم، والاخذ عنهم، حيث يقول: " فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " فالذكر ههنا رسول الله صلى الله عليه وآله قال الله تعالى: " قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلوا عليهم آياته " الآية، وأهل الذكر هم أهل بيته، ولما اختلف الناس في ذلك أنزل الله تعالى " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا " فلم يفرض على عباده طاعة غير من اصطفاه وطهره دون من وقع منه الشك أو الظلم ويتوقع فالويل لمن خالف الله تعالى ورسوله وأسند أمره إلى غير المصطفين قال الله تعالى " ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا " فالسبيل ههنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه " يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جائني " والذكر ههنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه " وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا " فالقرآن ههنا إشارة إلى أمير المؤمنين صلوات الله ثم وصف
الأئمة عليهم السلام فقال تعالى: " التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله " ألا ترى أنه لا يصلح أن يأمر بالمعروف إلا من قد عرف المعروف كله حتى لا يخطأ فيه، ولا يزل لا ينسى، ولا يشك، ولا ينهى عن المنكر إلا من عرف المنكر كله وأهله، ولا يجوز لاحد أن يقتدي ويأتم إلا بمن هذه صفته، وهم الراسخون في العلم، الذين قرنهم الله بالقرآن، وقرن القرآن بهم، قال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني رضي الله عنه في كتابه في تفسير القرآن: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة قال: حدثنا أحمد بن يوسف بن يعقوب الجعفي عن إسماعيل بن مهران، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه عن إسماعيل بن جابر قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام يقول:
إن الله تبارك وتعالى بعث محمدا فختم به الأنبياء فلا نبي بعده، وأنزل عليه كتابا فختم به الكتب، فلا كتاب بعده، أحل فيه حلالا، وحرم حراما، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، فيه شرعكم، وخبر من قبلكم، وبعدكم.
وجعله النبي صلى الله عليه وآله علما باقيا في أوصيائه، فتركهم الناس، وهم الشهداء على أهل كل زمان، وعدلوا عنهم، ثم قتلوهم واتبعوا غيرهم، وأخلصوا لهم الطاعة، حتى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الامر، وطلب علومهم، قال الله سبحانه:
" فنسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم " وذلك أنهم ضربوا بعض القرآن ببعض، واحتجوا بالمنسوخ، وهم يظنون أنه الناسخ واحتجوا بالمتشابه وهم يرون أنه المحكم، واحتجوا بالخاص وهم يقدرون أنه العام، واحتجوا بأول الآية، وتركوا السبب في تأويلها، ولم ينظروا إلى ما يفتح الكلام وإلى ما يختمه، ولم يعرفوا موارده ومصادر، إذ لم يأخذوه
عن أهله، فضلوا وأضلوا، واعلموا رحمكم الله أنه من لم يعرف من كتاب الله عز وجل الناسخ من المنسوخ والخاص من العام والمحكم من المتشابه والرخص من العزائم والمكي والمدني، وأسباب التنزيل، والمبهم من القرآن في ألفاظه المنقطعة والمؤلفة، وما فيه من علم القضاء والقدر، والتقديم والتأخير، والمبين والعميق، والظاهر والباطن والابتداء والانتهاء، والسؤال والجواب، والقطع والوصل، والمستثنى منه والجاري فيه، والصفة لما قبل مما يدل على ما بعد، والمؤكد منه، والمفصل وعزائمه ورخصه، ومواضع فرائضه وأحكامه، ومعنى حلاله وحرامه الذي هلك فيه الملحدون، والموصول من الألفاظ والمحمول على ما قبله، وعلى ما بعده، فليس بعالم بالقرآن، ولا هو من أهله، ومتى ما ادعى معرفة هذه الاقسام مدع بغير دليل، فهو كاذب مرتاب، مفتر على الله الكذب ورسوله، ومأواه جهنم وبئس المصير.
ولقد سأل أمير المؤمنين صلوات الله عليه شيعته عن مثل هذا، فقال: إن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن على سبعة أقسام كل منها شاف كاف، وهي أمر، وزجر وترغيب، وترهيب، وجدل، ومثل، وقصص. وفي القرآن ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه، وخاص وعام، ومقدم ومؤخر، وعزائم ورخص، وحلال وحرام، وفرائض وأحكام، ومنقطع ومعطوف ومنقطع غير معطوف وحرف مكان حرف.
ومنه ما لفظه خاص، ومنه ما لفظه عام محتمل العموم، ومنه ما لفظه واحد ومعناه جمع، ومنه ما لفظه جمع ومعناه واحد، ومنه ما لفظه ماض ومعناه مستقبل، ومنه ما لفظه على الخبر ومعناه حكاية عن قوم آخر، ومنه ما هو باق محرف عن جهته، ومنه ما هو على خلاف تنزيله، ومنه ما تأويله في تنزيله، ومنه ما تأويله قبل تنزيله، ومنه ما تأويله بعد تنزيله.
ومنه آيات بعضها في سورة وتمامها في سورة أخرى، ومنه آيات نصفها منسوخ
ونصفها متروك على حاله، ومنه آيات مختلفة اللفظ متفقة المعنى، ومنه آيات متفقة اللفظ مختلفة المعنى، ومنه آيات فيها رخصة وإطلاق بعد العزيمة، لان الله عز وجل يحب أن يؤخذ برخصه كما يؤخذ بعزائمه.
ومنه رخصة صاحبها فيها بالخيار، إن شاء أخذ، وإن شاء تركها، ومنه رخصة ظاهرها خلاف باطنها يعمل بظاهرها عند التقية ولا يعمل بباطنها مع التقية ومنه مخاطبة لقوم والمعنى لآخرين، ومنه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله ومعناه واقع على أمته ومنه لا يعرف تحريمه إلا بتحليله ومنه ما تأليفه وتنزيله على غير معنى ما انزل فيه.
ومنه رد من الله تعالى واحتجاج على جميع الملحدين والزنادقة والدهرية والثنوية والقدرية والمجبرة وعبدة الأوثان وعبدة النيران، ومنه احتجاج على النصارى في المسيح عليه السلام، ومنه الرد على اليهود، ومنه الرد على من زعم أن الايمان لا يزيد ولا ينقص، وأن الكفر كذلك، ومنه رد على من زعم أن ليس بعد الموت وقبل القيامة ثواب وعقاب.
ومنه رد على من أنكر فضل النبي صلى الله عليه وآله على جميع الخلق، ومنه رد على من أنكر الاسراء به ليلة المعراج، ومنه رد على من أثبت الرؤية، ومنه صفات الحق وأبواب معاني الايمان ووجوبه ووجوهه، ومنه رد على من أنكر الايمان والكفر والشرك والظلم والضلال، ومنه رد على من وصف الله تعالى وحده، ومنه رد على من أنكر الرجعة ولم يعرف تأويلها، ومنه رد على من زعم أن الله عز وجل لا يعلم الشئ حتى يكون، ومنه رد على من لم يعلم الفرق بين المشية والإرادة والقدرة في مواضع، ومنه معرفة ما خاطب الله عز وجل به الأئمة والمؤمنين.
ومنه أخبار خروج القائم منا عجل الله فرجه، ومنه ما بين الله تعالى فيه شرائع الاسلام، وفرائض الاحكام، والسبب في معني بقاء الخلق ومعايشهم ووجوه ذلك ومنه أخبار الأنبياء وشرائعهم وهلاك أممهم، ومنه ما بين الله تعالى في مغازي النبي صلى الله عليه وآله وحروبه، وفضائل أوصيائي، وما يتعلق بذلك
ويتصل به.
فكانت الشيعة إذا تفرغت من تكاليفها تسأله عن قسم قسم فيخبرها، فمما سألوه عن الناسخ والمنسوخ، فقال صلوات الله عليه: إن الله تبارك وتعالى بعث رسوله صلى الله عليه وآله بالرأفة والرحمة، فكان من رأفته ورحمته أنه لم ينقل قومه في أول نبوته عن عادتهم، حتى استحكم الاسلام في قلوبهم، وحلت الشريعة في صدورهم، فكانت من شريعتهم في الجاهلية أن المرأة إذا زنت حبست في بيت وأقيم بأودها حتى يأتي الموت، وإذا زنى الرجل نفوه عن مجالسهم وشتموه وآذوه وعيروه ولم يكونوا يعرفون غير هذا.
قال الله تعالى في أول الاسلام: " واللاتي يأتين الفاحشة من نساءكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا * واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما فان الله كان توابا رحيما ".
فلما كثر المسلمون وقوي الاسلام، واستوحشوا أمور الجاهلية، أنزل الله تعالى: " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " إلى آخر الآية فنسخت هذه الآية آية الحبس والأذى.
ومن ذلك أن العدة كانت في الجاهلية على المرأة سنة كاملة وكان إذا مات الرجل ألقت المرأة خلف ظهرها شيئا - بعرة وما جرى مجريها - ثم قالت: البعل أهون علي من هذه، فلا أكتحل ولا أمتشط ولا أتطيب ولا أتزوج سنة، فكانوا لا يخرجونها من بيتها بل يجرون عليها من تركة زوجها سنة، فأنزل الله تعالى في أول الاسلام " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج " فلما قوي الاسلام، أنزل الله تعالى " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا
جناح عليهن " إلى آخر الآية.
قال عليه السلام: ومن ذلك أن الله تبارك وتعالى لما بعث محمدا صلى الله عليه وآله أمره في بدو أمره أن يدعو بالدعوة فقط، وأنزل عليه " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا * وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا * ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذيهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا " فبعثه الله تعالى بالدعوة فقط، وأمره أن لا يؤذيهم.
فلما أرادوه بما هموا به من تبييته أمره الله تعالى بالهجرة وفرض عليه القتال فقال سبحانه: " اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير " فلما امر الناس بالحرب، جزعوا وخافوا فأنزل الله تعالى " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب - إلى قوله سبحانه - أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة " فنسخت آية القتال آية الكف، فلما كان يوم بدر وعرف الله تعالى حرج المسلمين، أنزل على نبيه " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله " فلما قوي الاسلام، وكثر المسلمون أنزل الله تعالى و " لا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم " فنسخت هذه الآية التي أذن لهم فيها أن يجنحوا، ثم أنزل سبحانه في آخر السورة " واقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم " إلى آخر الآية.
ومن ذلك أن الله تعالى فرض القتال على الأمة فجعل على الرجل الواحد
أن يقاتل عشرة من المشركين، فقال: " إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين " إلى آخر الآية، ثم نسخها سبحانه فقال: " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين " إلى آخر الآية فنسخ بهذه الآية ما قبلها، فصار من فر من المؤمنين في الحرب إن كانت عدة المشركين أكثر من رجلين لرجل لم يكن فارا من الزحف، وإن كان العدة رجلين لرجل فارا من الزحف.
وقال عليه السلام: ومن ذلك نوع آخر، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما هاجر إلى المدينة آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار وجعل المواريث على الاخوة في الدين لا في ميراث الأرحام، وذلك قوله تعالى: " إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض - إلى قوله سبحانه - والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا " فأخرج الأقارب من الميراث، وأثبته لأهل الهجرة، وأهل الدين خاصة، ثم عطف بالقول فقال تعالى: " والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير " فكان من مات من المسلمين يصير ميراثه وتركته لأخيه في الدين دون القرابة والرحم الوشيجة، فلما قوي الاسلام أنزل الله " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا " فهذا المعنى نسخ آية الميراث.
ومنه وجه آخر وهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما بعث كانت الصلاة إلى قبلة بيت المقدس سنة بني إسرائيل، وقد أخبرنا الله بما قصه في ذكر موسى عليه السلام أن يجعل بيته قبلة وهو قوله: " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة " وكان رسول الله صلى الله عليه وآله في أول مبعثه يصلي
إلى بيت المقدس جميع أيام مقامه بمكة، وبعد هجرته إلى المدينة بأشهر فعيرته اليهود وقالوا: أنت تابع لقبلتنا، فأحزن رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك منه فأنزل الله تعالى عليه وهو يقلب وجهه في السماء وينتظر الامر " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضيها فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة " يعني اليهود في هذا الموضع.
ثم أخبرنا الله عز وجل ما العلة التي من أجلها لم يحول قبلته من أول مبعثه، فقال تبارك وتعالى: " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم " فسمى سبحانه الصلاة ههنا إيمانا، وهذا دليل واضح على أن كلام الباري سبحانه لا يشبه كلام الخلق كما لا يشبه أفعاله أفعالهم، ولهذه العلة وأشباهها لا يبلغ أحد كنه معنى حقيقة تفسير كتاب الله تعالى وتأويله إلا نبيه صلى الله عليه وآله وأوصياؤه.
ومن ذلك (*) ما كان مثبتا في التوراة من الفرائض في القصاص، وهو قوله:
" وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين " إلى آخر الآية فكان الذكر والأنثى والحر والعبد شرعا سواء فنسخ الله تعالى ما في التوراة بقوله:
" يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى " فنسخت هذه الآية " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ".
ومن ذلك (*) أيضا آصار غليظة كانت على بني إسرائيل في الفرائض، فوضع الله تعالى تلك الآصار عنهم، وعن هذه الأمة، فقال سبحانه " ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم ".
ومنه أنه تعالى لما فرض الصيام فرض أن لا ينكح الرجل أهله في شهر - رمضان بالليل ولا بالنهار على معنى صوم بني إسرائيل في التوراة، فكان ذلك محرما على هذه الأمة، وكان الرجل إذا نام في أول الليل قبل أن يفطر فقد حرم عليه الاكل بعد النوم أفطر أو لم يفطر.
وكان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يعرف بمطعم بن جبير شيخا، فكان في الوقت الذي حضر فيه الخندق حفر في جملة المسلمين، وكان ذلك في شهر - رمضان، فلما فرغ من الحفر وراح إلى أهله، صلى المغرب وأبطأت عليه زوجته بالطعام، فغلب عليه النوم فلما أحضرت إليه الطعام أنبهته فقال لها: استعمليه أنت فاني قد نمت وحرم علي، وطوى إليه وأصبح صائما، فغدا إلى الخندق وجعل يحفر مع الناس فغشي عليه فسأله رسول الله صلى الله عليه وآله عن حاله فأخبره وكان من المسلمين شبان ينكحون نساءهم بالليل سرا لقلة صبرهم، فسأل النبي الله سبحانه في ذلك فأنزل الله عليه " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل " فنسخت هذه الآية ما تقدمها.
ونسخ قوله تعالى: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " قوله عز وجل: " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم " أي للرحمة خلقهم.
ونسخ قوله تعالى: " وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا " قوله سبحانه " يوصيكم
الله في أولادكم للذكر مثل خط الأنثيين " إلى آخر الآية.
ونسخ (*) قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون " نسخها قوله تعالى: " فاتقوا الله ما استطعتم ".
ونسخ قوله تعالى " ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا " آية التحريم وهو قوله جل ثناؤه: " قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق " والاثم ههنا هو الخمر.
ونسخ قوله تعالى: " وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ".
قوله: " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون * لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون * لا يحزنهم الفزع الأكبر ".
ونسخ قوله سبحانه: " وقولوا للناس حسنا " يعني اليهود حين هادنهم رسول الله صلى الله عليه وآله فلما رجع من غزاة تبوك أنزل الله تعالى " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " فنسخت هذه الآية تلك الهدنة.
وسئل صلوات الله عليه عن أول ما أنزل الله عز وجل من القرآن، فقال عليه السلام:
أول ما أنزل الله عز وجل من القرآن بمكة سورة " اقرأ باسم ربك الذي خلق " وأول ما أنزل بالمدينة سورة البقرة، ثم سألوه صلوات الله عليه عن تفسير المحكم من كتاب الله عز وجل فقال:
أما المحكم الذي لم ينسخه شئ من القرآن فهو قول الله عز وجل: " هو الذي
أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ".
وإنما هلك الناس في المتشابه لأنهم لم يقفوا على معناه، ولم يعرفوا حقيقته فوضعوا له تأويلات من عند أنفسهم بآرائهم واستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء ونبذوا قول رسول الله صلى الله عليه وآله وراء ظهورهم، والمحكم مما ذكرته في الاقسام مما تأويله في تنزيله من تحليل ما أحل الله سبحانه في كتابه، وتحريم ما حرم الله من المآكل والمشارب والمناكح.
ومنه ما فرض الله عز وجل من الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد ومما دلهم به مما لا غنا بهم عنه في جميع تصرفاتهم مثل قول تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين " الآية وهذا من المحكم الذي تأويله في تنزيله لا يحتاج في تأويله إلى أكثر من التنزيل ومنه قوله عز وجل: " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به " فتأويله في تنزيله.
ومنه قوله تعالى: " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم " إلى آخر الآية فهذا كله محكم لم ينسخه شئ قد استغني بتنزيله من تأويله، وكل ما يجري هذا المجرى.
ثم سألوه عليه السلام عن المتشابه من القرآن فقال: وأما المتشابه من القرآن فهو الذي انحرف منه منتفق اللفظ مختلف المعنى، مثل قوله عز وجل: " يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء " فنسب الضلالة إلى نفسه في هذا الموضع، وهذا ضلالهم عن طريق الجنة بفعلهم، ونسبه إلى الكفار في موضع آخر ونسبه إلى الأصنام في آية أخرى.
فمعنى الضلالة على وجوه فمنه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، ومنه ما ليس بمحمود ولا مذموم، ومنه ضلال النسيان، فالضلال المحمود هو المنسوب إلى الله تعالى وقد بيناه، والمذموم هو قوله تعالى: " وأضلهم السامري " وقوله:
" وأضل فرعون قومه وما هدى " ومثل ذلك في القرآن كثير، وأما الضلال المنسوب إلى الأصنام فقوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: " واجنبني وبني أن نعبد الأصنام * رب إنهن أضللن كثيرا من الناس " الآية، والأصنام لم تضلن أحدا على الحقيقة وإنما ضل الناس بها وكفروا حين عبدوها من دون الله عز وجل.
وأما الضلال الذي هو النسيان، فهو قوله تعالى: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحديهما فتذكر إحديهما الأخرى ".
وقد ذكر الله تعالى الضلال في مواضع من كتابه فمنه ما نسبه إلى نبيه على ظاهر اللفظ كقوله سبحانه " ووجدك ضالا فهدى " معناه وجدناك في قوم لا يعرفون نبوتك فهديناهم بك.
وأما الضلال المنسوب إلى الله تعالى الذي هو ضد الهدى، والهدى هو البيان، وهو معنى قوله سبحانه " أو لهم يهد لهم " معناه أي ألم أبين لهم مثل قوله سبحانه " فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى " أي بينا لهم.
وجه آخر وهو قوله تعالى: " وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هديهم حتى يبين لهم ما يتقون " وأما معنى الهدى فقوله عز وجل: " إنما أنت منذر ولكل قوم هاد " ومعنى الهادي ههنا المبين لما جاء به المنذر من عند الله
وقد احتج قوم من المنافقين على الله تعالى أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها؟ وذلك أن الله تعالى لما أنزل على نبيه صلى الله عليه وآله " ولكل قوم هاد " فقال طائفة من المنافقين: ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا؟ فأجابهم الله تعالى بقوله: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين - إلى قوله: - أولئك هم الخاسرون ".
فهذا معنى الضلال المنسوب إليه تعالى، لأنه أقام لهم الإمام الهادي لما جاء به المنذر، فخالفوه وصرفوا عنه، بعد أن أقروا بفرض طاعته، ولما بين لهم ما يأخذون وما يذرون، فخالفوه، ضلوا، هذا مع علمهم بما قاله النبي صلى الله عليه وآله، وهو قوله: لا تصلوا علي صلاة مبتورة إذا صليتم علي بل صلوا على أهل بيتي ولا تقطعوهم مني، فان كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي، ولما خالفوا الله تعالى ضلوا وأضلوا، فحذر الله تعالى الأمة من اتباعهم.
وقال سبحانه: " ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل " والسبيل ههنا الوصي وقال سبحانه: " ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصيكم به " الآية فخالفوا ما وصاهم به الله تعالى واتبعوا أهواءهم فحرفوا دين الله جلت عظمته وشرايعه، وبدلوا فرائضه وأحكامه وجميع ما أمروا به، كما عدلوا عمن أمروا بطاعته، وأخذ عليهم العهد بموالاتهم واضطرهم ذلك إلى استعمال الرأي والقياس فزادهم ذلك حيرة والتباسا.
وأما قوله سبحانه: " وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء " فكان تركهم اتباع الدليل الذي أقام
الله لهم ضلالة لهم، فصار ذلك كأنه منسوب إليه تعالى، لما خالفوا أمره في اتباع الامام، ثم افترقوا واختلفوا، ولعن بعضهم بعضا، واستحل بعضهم دماء بعض، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فأنى يؤفكون.
ولما أردت قتل الخوارج بعد أن أرسلت إليهم ابن عباس لإقامة الحجة عليهم قلت: يا معشر الخوارج أنشدكم الله ألستم تعلمون أن في القرآن ناسخا ومنسوخا ومحكما ومتشابها، وخاصا وعاما؟ قالوا: اللهم نعم فقلت: اللهم اشهد عليهم ثم قلت: أنشدكم الله هل تعلمون ناسخ القرآن ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه وخاصه وعامه؟ قالوا: اللهم لا، قلت: أنشدكم الله هل تعلمون أني أعلم ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وخاصه وعامه؟ قالوا: اللهم نعم، فقلت:
من أضل منكم إذ قد أقررتم بذلك، ثم قلت: اللهم إنك تعلم أني حكمت فيهم بما أعلمه.
ثم قال صلوات الله عليه: وأوصاني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا علي إن وجدت فئة تقاتل بهم فاطلب حقك، وإلا فألزم بيتك، فاني قد أخذت لك العهد يوم غدير خم بأنك خليفتي ووصيي، وأولى الناس بالناس من بعدي ، فمثلك كمثل بيت الله الحرام، يأتونك الناس ولا تأتيهم.
يا أبا الحسن حقيق على الله أن يدخل أهل الضلال الجنة، وإنما أعني بهذا المؤمنين الذين قاموا في زمن الفتنة على الايتمام بالامام الخفي المكان، المستور عن الأعيان فهم بإمامته مقرون، وبعروته مستمسكون، ولخروجه منتظرون موقنون غير شاكين صابرون مسلمون وإنما ضلوا عن مكان إمامهم وعن معرفة شخصه.
يدل على ذلك أن الله تعالى إذا حجب عن عباده عين الشمس التي جعلها دليلا على أوقات الصلاة، فموسع عليهم تأخير الوقت، ليتبين لهم الوقت بظهورها ويستيقنوا أنه قد زالت، فكذلك المنتظر لخروج الإمام عليه السلام المتمسك بإمامته موسع عليه، جميع فرائض الله الواجبة عليه مقبولة منه بحدودها غير خارج عن
معنى ما فرض عليه، فهو صابر محتسب لا تضره غيبة إمامه.
ثم سألوه صلوات الله عليه عن لفظ الوحي في كتاب الله تعالى فقال: منه وحي النبوة، ومنه وحي الالهام، ومنه وحي الإشارة، ومنه وحي أمر، ومنه وحي كذب، ومنه وحي تقدير، [ومنه وحي خبر] ومنه وحي الرسالة.
فأما تفسير وحي النبوة والرسالة فهو قوله تعالى: " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل ويعقوب ".
إلى آخر الآية.
وأما وحي الالهام فقوله عز وجل " وأوحى ربك إلى النحل ان اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون " ومثله " وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ".
وأما وحي الإشارة فقوله عز وجل: " فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا " أي أشار إليهم لقوله تعالى: " ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ".
وأما وحي التقدير فقوله تعالى: " وأوحي في كل سماء أمرها وقدر فيها أقواتها.
وأما وحي الامر فقوله سبحانه: " وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ".
وأما وحي الكذب فقوله عز وجل: " شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض " إلى آخر الآية.
وأما وحي الخبر فقوله سبحانه " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا
إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ".
وسألوه صلوات الله عليه من متشابه الخلق فقال: هو على ثلاثة أوجه ورابع فمنه خلق الاختراع فقوله سبحانه، " خلق السماوات والأرض في ستة أيام ".
وأما خلق الاستحالة فقوله تعالى: " يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث " وقوله تعالى: " هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء " وأما خلق التقدير فقوله لعيسى عليه السلام " وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير إلى آخر الآية. وأما خلق التغيير فقوله تعالى: " ولآمرنهم فليغيرن " خلق الله ".
وسألوه عليه السلام من المتشابه في تفسير الفتنة فقال: " ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " وقوله لموسى عليه السلام: " وفتناك فتونا " ومنه فتنة الكفر وهو قوله تعالى: " لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله ".
[وقوله تعالى: " والفتنة أكبر من القتل " يعني ههنا الكفر] وقوله سبحانه في الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة تبوك أن يتخلفوا عنه من المنافقين فقال الله تعالى فيهم ": " ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا " يعني ائذن لي ولا تكفرني فقال عز وجل: " ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ".
ومنه فتنة العذاب وهو قوله تعالى: " يوم هم على النار يفتنون " أي يعذبون " ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون " أي ذوقوا عذابكم، ومنه قوله تعالى " إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا " أي عذبوا المؤمنين ومنه فتنة المحبة للمال والولد كقوله تعالى " إنما أموالكم وأولادكم فتنة ".
أي إنما حبكم لها فتنة لكم.
ومنه فتنة المرض وهو قوله سبحانه " أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون " أي يمرضون ويعتلون وسألوه صلوات الله عليه عن المتشابه في القضاء، فقال: هو عشرة أوجه مختلفة المعنى فمنه قضاء فراغ، وقضاء عهد ، ومنه قضاء إعلام، ومنه قضاء فعل، ومنه قضاء إيجاب، ومنه قضاء كتاب، ومنه قضاء إتمام، ومنه قضاء حكم وفصل، ومنه قضاء خلق، ومنه قضاء نزول الموت.
أما تفسير قضاء الفراغ من الشئ فهو قوله تعالى " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم.
معنى " فلما قضي " أي فلما فرغ وكقوله " فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله ".
أما قضاء العهد فقوله تعالى: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " أي عهد، ومثله في سورة القصص " وما كنت بجانب الطور إذا قضينا إلى موسى الامر " أي عهدنا إليه.
أما قضاء الاعلام فهو قوله تعالى: " وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر هؤلاء
مقطوع مصبحين " وقوله سبحانه " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين " أي أعلمناهم في التوراة ما هم عاملون.
أما قضاء فقوله تعالى في سورة طه " فاقض ما أنت قاض " أي افعل ما أنت فاعل، ومنه في سورة الأنفال: " ليقضي الله أمرا كان مفعولا " أي يفعل ما كان في علمه السابق، ومثل هذا في القرآن كثير.
أما قضاء الايجاب للعذاب كقوله تعالى في سورة إبراهيم عليه السلام " وقال الشيطان لما قضي الامر " أي لما وجب العذاب، ومثله في سورة يوسف عليه السلام " قضي الامر الذي فيه تستفتيان " معناه أي وجب الامر الذي عنه تسائلان.
أما قضاء الكتاب والحتم فقوله تعالى في قصة مريم " وكان أمرا مقضيا ".
أي معلوما.
وأما قضاء الاتمام فقوله تعالى في سورة القصص " فلما قضى موسى الأجل " أي فلما أتم شرطه الذي شارطه عليه، وكقول موسى عليه السلام " أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي " معناه إذا أتممت.
وأما قضاء الحكم فقوله تعالى: " قضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين " أي حكم بينهم، وقوله تعالى: " والله يقضي بينهم بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشئ إن الله هو السميع العليم " وقوله سبحانه " والله يقضي بالحق وهو خير الفاصلين " وقوله تعالى في سورة يونس " وقضى بينهم
بالقسط ".
وأما قضاء الخلق فقوله سبحانه " فقضيهن سبع سماوات في يومين " أي خلقهن.
وأما قضاء إنزال الموت فكقول أهل النار في سورة الزخرف " وقالوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون " أي لينزل علينا الموت، ومثله " لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها " أي لا ينزل عليهم الموت فيستريحوا، ومثله في قصة سليمان بن داود " فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته " يعني تعالى لما أنزلنا عليه الموت.
وسألوه صلوات الله عليه عن أقسام النور في القرآن قال: النور القرآن والنور اسم من أسماء الله تعالى، والنور النورية، والنور القمر، والنور ضوء المؤمن وهو الموالاة التي بلبس بها نورا يوم القيامة، والنور في مواضع من التوراة والإنجيل والقرآن حجة الله عز وجل على عباده، وهو المعصوم، ولما كلم الله تعالى ابن عمران عليه السلام أخبر بني إسرائيل فلم يصدقوه، فقال لهم: ما الذي يصحح ذلك عندكم؟
قالوا: سماعه، قال: فاختاروا سبعين رجلا من خياركم.
فلما خرجوا معه، أوقفهم وتقدم فجعل يناجي ربه، ويعظمه، فلما كلمه قال لهم: أسمعتم؟ قالوا: بلى ولكنا لا ندري أهو كلام الله أم لا؟ فليظهر لنا حتى
نراه فنشهد لك عند بني إسرائيل، فلما، قالوا ذلك صعقوا فماتوا.
فلما أفاق موسى مما تغشاه، ورآهم، جزع وظن أنهم إنما أهلكوا بذنوب بني إسرائيل فقال: يا رب أصحابي وإخواني أنست بهم، وأنسوا بي، وعرفتهم وعرفوني " أفتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين " فقال تعالى " عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شئ - إلى قوله سبحانه -: النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التورية والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهيهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون " فالنور في هذا الموضع هو القرآن، ومثله في سورة التغابن قوله تعالى: " فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلناه يعني سبحانه القرآن وجميع الأوصياء المعصومين، حملة كتاب الله عز وجل، وخزنته وتراجمته، الذين نعتهم الله في كتابه فقال: " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ".
وهم المنعوتون الذين أنار الله بهم البلاد، وهدى بهم العباد، قال الله تعالى في سورة النور " الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري " إلى آخر الآية، فالمشكاة رسول الله صلى الله عليه وآله، والمصباح الوصي، والأوصياء عليهم السلام والزجاجة فاطمة، والشجرة المباركة رسول الله صلى الله عليه وآله والكوكب الدري، القائم المنتظر الذي يملأ الأرض عدلا.
ثم قال تعالى " يكاد زيتها يضيئ ولو لم تمسسه نار " أي ينطق به ناطق، ثم قال تعالى " نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله
بكل شئ عليم " ثم قال عز وجل: " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة " وهم الأوصياء، قال الله تبارك وتعالى في سورة الأنعام في ذكر التوراة، وأنها نور:
" قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس " وقال الله تعالى في سورة يونس " هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا " ومثله في سورة نوح عليه السلام قوله تعالى " وجعل القمر فيهن نورا " وقال سبحانه " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور " يعنى الليل والنهار وقال سبحانه في سورة البقرة " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور " يعني من ظلمة الكفر إلى نور الايمان، فسمى الايمان ههنا نورا ومثله في سورة إبراهيم عليه السلام " لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ".
وقال عز وجل في سورة براءة " يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم " يعني نور الاسلام بكفرهم وجحودهم، وقال سبحانه في سورة النساء " وأنزلنا إليكم نورا مبينا " يهدي الله لنوره من يشاء " وقال سبحانه في سورة الحديد في ذكر المؤمنين " يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجرى من تحتها الأنهار " وفيها: " انظرونا نقتبس من نوركم " أي نمشي في ضوئكم، ومثل هذا في القرآن كثير.
وسألوه صلوات الله عليه عن أقسام الأمة في كتاب الله تعالى فقال: " قوله تعالى:
" كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين " منها الأمة أي الوقت الموقت كقوله سبحانه في سورة يوسف " وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة " أي بعد وقت، وقوله سبحانه " ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة " أي إلى وقت معلوم، والأمة هي الجماعة قال الله تعالى " وجد عليه عليه أمة من الناس يسقون " والأمة الواحد من المؤمنين قال الله تعالى " إن إبراهيم كان أمة " والأمة جمع دواب وجمع طيور قال الله تعالى: " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم " أي جماعات يأكلون ويشربون ويتناسلون وأمثال ذلك.
وسألوه صلوات الله عليه عن الخاص والعام في كتاب الله تعالى فقال: إن من كتاب الله تعالى آيات لفظها الخصوص والعموم، ومنه آيات لفظها لفظ الخاص ومعناه عام، ومن ذلك لفظ عام يريد به الله تعالى العموم وكذلك الخاص أيضا.
فأما ما ظاهره العموم ومعناه الخصوص فقوله عز وجل " يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ".
فهذا اللفظ يحتمل العموم ومعناه الخصوص، لأنه تعالى إنما فضلهم على عالم أزمانهم بأشياء خصهم بها، مثل المن والسلوى، والعيون التي فجرها لهم من الحجر، وأشباه ذلك، ومثله قوله تعالى " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين " أراد الله تعالى أنه فضلهم على عالمي زمانهم وكقوله تعالى " وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم " يعني سبحانه بلقيس وهي مع هذا لم يؤت أشياء كثيرة مما فضل الله تعالى به الرجال على النساء
ومثل قوله تعالى " تدمر كل شئ بأمر ربها " يعني الريح وقد تركت أشياء كثيرة لم تدمرها.
ومثل قوله عز وجل " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " أراد سبحانه بعض الناس، وذلك أن قريشا كانت في الجاهلية تفيض من المشعر الحرام، ولا يخرجون إلى عرفات كسائر العرب، فأمرهم الله سبحانه أن يفيضوا من حيث أفاض رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه، وهم في هذا الموضع الناس على الخصوص وارجعوا عن سنتهم.
وقوله " لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل " يعني بالناس ههنا اليهود فقط، وقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون وهذه الآية نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر وقوله عز وجل " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا " نزلت في أبي لبابة وإنما هو رجل واحد، وقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة " نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وهو رجل واحد فلفظ الآية عام ومعناها خاص وإن كانت جارية في الناس.
وقوله سبحانه: " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " نزلت هذه الآية في نعيم بن مسعود الأشجعي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما رجع من غزاة أحد وقد قتل عمه حمزة، وقتل من المسلمين من قتل، وجرح من جرح، وانهزم من انهزم ولم ينله القتل والجرح، أوحى الله تعالى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أن اخرج في وقتك هنا لطلب قريش، ولا تخرج معك من أصحابك إلا كل من كانت به جراحة، فأعلمهم.
بذلك، فخرجوا معه على ما كان بهم من الجراح حتى نزلوا منزلا يقال له:
حمراء الأسد، وكانت قريش قد جدت السير فرقا فلما بلغهم خروج رسول الله صلى الله عليه وآله في طلبهم، خافوا فاستقبلهم رجل من أشجع يقال له نعيم بن مسعود يريد المدينة، فقال له أبو سفيان صخر بن حرب يا نعيم هل لك أن أضمن لك عشر قلائص وتجعل طريقك على حمراء الأسد فتخبر محمدا أنه قد جاء مدد كثير من حلفائنا من العرب: كنانة وعشيرتهم والأحابيش، وتهول عليهم ما استطعت، فلعلهم يرجعون عنا.
فأجابه إلى ذلك وقصد حمراء الأسد فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، وأن قريشا يصبحون بجمعهم الذي لا قوام لكم به، فاقبلوا نصيحتي وارجعوا، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: حسبنا الله ونعم الوكيل، اعلم أنا لا نبالي بهم، فأنزل الله سبحانه على رسوله " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم * الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " وإنما كان القائل لهم نعيم بن مسعود فسماه الله تعالى باسم جميع الناس، وهكذا كل ما جاء تنزيله بلفظ العموم ومعناه الخصوص.
ومثله قوله تعالى " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ".
وأما ما لفظه خصوص ومعناه عموم فقوله عز وجل " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل انه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " فنزل لفظ الآية خصوصا في بني إسرائيل وهو جار على جميع الخلق عاما لكل العباد، من بني إسرائيل وغيرهم من الأمم، ومثل هذا كثير في كتاب الله.
وقوله سبحانه: " الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين " نزلت هذه الآية في نساء كن بمكة معروفات بالزنا منهن سارة وحنتمة ورباب حرم الله تعالى نكاحهن، فالآية جارية في كل من كان من النساء مثلهن، ومثله قوله سبحانه: " وجاء ربك والملك صفا صفا " ومعناه جميع الملائكة.
وأما ما لفظه ماض ومعناه مستقبل، فمنه ذكره عز وجل أخبار القيامة والبعث والنشور والحساب، فلفظ الخبر ما قد كان، ومعناه أنه سيكون، قوله:
" ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله - إلى قوله - وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا " فلفظه ماض ومعناه مستقبل ومثله قوله سبحانه: " ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا " وأمثال هذا كثير في كتاب الله تعالى.
وأما ما نزل بلفظ العموم ولا يراد به غيره، فقوله: " يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم " وقوله: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " وقوله سبحانه: " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة " وقوله: " الحمد لله رب العالمين " وقوله: " كان الناس أمة واحدة " أي على مذهب واحد، وذلك كان من قبل نوح عليه السلام ولما بعثه الله اختلفوا ثم بعث النبيين مبشرين ومنذرين.
وأما ما حرف من كتاب الله فقوله: " كنتم خير أئمة أخرجت الناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر " فحرفت إلى خير أمة: ومنهم الزناة واللاطة والسراق وقطاع الطريق والظلمة وشراب الخمر والمضيعون لفرائض
الله تعالى، والعادلون عن حدوده، أفترى الله تعالى مدح من هذه صفته؟.
ومنه قوله عز وجل في سورة النحل: " أن تكون أئمة هي أربى من أئمة " فجعلوها أمة وقوله في سورة يوسف: " ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون " أي يمطرون فحرفوه وقالوا: يعصرون، وظنوا بذلك الخمر، قال الله تعالى: " وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا " وقوله تعالى: " فلما خر تبينت الانس أن لو كانت الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين " فحرفوها بأن قالوا: " فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ".
وقوله تعالى في سورة هود عليه السلام: " أفمن كان على بينة من ربه " يعني رسول الله صلى الله عليه وآله " ويتلوه شاهد منه " وصيه " إماما ورحمة ومن قبله كتاب موسى أولئك يؤمنون به " فحرفوا وقالوا: " أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة " فقدموا حرفا على حرف، فذهب معنى الآية.
وقال سبحانه في سورة آل عمران: " ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون لآل محمد " فحذفوا آل محمد.
وقوله تعالى: " وكذلك جعلناكم أئمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " ومعنى وسطا بين الرسول وبين الناس فحرفوها وجعلوها " أمة " ومثله في سورة عم يتسائلون " ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابيا " فحرفوها وقالوا: ترابا، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان
يكثر من مخاطبتي بأبي تراب، ومثل هذا كثير، وأما الآية التي نصفها منسوخ ونصفها متروك بحاله لم ينسخ، وما جاء من الرخصة بعد العزيمة قوله تعالى: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولامة مؤمنه خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا، ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم " وذلك أن المسلمين كانوا ينكحون في أهل الكتاب من اليهود والنصارى وينكحونهم، حتى نزلت هذه الآية نهيا أن ينكح المسلم من المشرك أو ينكحونه.
ثم قال تعالى في سورة المائدة ما نسخ هذه الآية فقال: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " فأطلق عز وجل مناكحتهن بعد أن كان نهى، وترك قوله: " ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا " على حاله لم ينسخه.
فأما الرخصة التي هي الاطلاق بعد النهي فان الله فرض الوضوء على عباده بالماء الطاهر، وكذا الغسل من الجنابة، فقال: " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ".
فالفريضة من الله عز وجل الغسل بالماء عند وجوده لا يجوز غيره، والرخصة فيه إذا لم يجد الماء التيمم بالتراب من الصعيد الطيب.
ومثله قوله عز وجل: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين " فالفرض أن يصلي الرجل الصلاة الفريضة على الأرض بركوع وسجود تام ثم رخص للخائف فقال سبحانه: " فان خفتم فرجالا أو ركبانا ".
ومثله قوله عز وجل: " فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم " ومعنى الآية أن الصحيح يصلي قائما والمريض يصلي قاعدا ومن لم يقدر أن يصلي قاعدا صلى مضطجعا ويؤمى نائما، فهذه رخصة جاءت بعد العزيمة.
ومثله قوله تعالى: " شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن - إلى قوله تعالى - فمن شهد منكم الشهر فليصمه " ثم رخص للمريض والمسافر بقوله سبحانه:
" فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " فانتقلت فريضة العزيمة الدائمة للرجل الصحيح لموضع القدرة وزالت الضرورة تفضلا على العباد.
وأما الرخصة التي ظاهرها خلاف باطنها فان الله تعالى نهى المؤمن أن يتخذ الكافر وليا ثم من عليه باطلاق الرخصة له عند التقية في الظاهر أن يصوم بصيامه ويفطر بافطاره، ويصلى بصلاته، ويعمل بعمله، ويظهر له استعماله ذلك موسعا عليه فيه، وعليه أن يدين الله تعالى في الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه من المخالفين المستولين على الأمة قال الله تعالى: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقية ويحذركم الله نفسه " فهذه رخصة تفضل الله بها على المؤمنين رحمة لهم ليستعملوها عند التقية في الظاهر، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله يحب أن يؤخذ.
برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه.
وأما الرخصة التي صاحبها فيها بالخيار، فان الله تعالى رخص أن يعاقب العبد على ظلمه، فقال الله تعالى: " جزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفى وأصلح فأجره على الله " وهذا هو فيه بالخيار إن شاء عفى وإن شاء عاقب.
[وما الرخصة التي ظاهرها خلاف باطنها].
والمنقطع المعطوف في التنزيل هو أن الآية من كتاب الله عز وجل كانت تجئ بشئ ما، ثم تجئ منقطعة المعنى بعد ذلك، وتجئ بمعنى غيره، ثم تعطف بالخطاب على الأول مثل قوله تعالى: " وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " ثم انقطعت وصية لقمان لابنه فقال: " ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن - إلى قوله: - إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون " ثم عطف بالخطاب على وصية لقمان لابنه فقال: " يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ".
ومثل قوله عز وجل: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " ثم قال تعالى في موضع آخر عطفا على هذا المعنى: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " كلاما معطوفا على اولي الامر منكم.
وقوله تعالى: " أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم قال تعالى في الامر بالجهاد: " كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير
لكم " الآية.
ومثله قوله عز وجل في سورة المائدة: " وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق " ثم قطع الكلام بمعنى ليس يشبه هذا الخطاب فقال تعالى: " اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " ثم عطف على المعنى الأول والتحريم الأول فقال سبحانه: " فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فان الله غفور رحيم ".
وكقوله عز وجل: " قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين " ثم اعترض تعالى بكلام آخر فقال: " قل لمن ما في السماوات وما في الأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيمة لا ريب فيه " ثم عطف على الكلام الأول فقال عز وجل ": الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ".
وكقوله في سورة العنكبوت " وإبراهيم إذ قال لقومه يا قوم اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا - إلى قوله تعالى: - وما على الرسول إلا البلاغ المبين " ثم استأنف القول بكلام غيره فقال سبحانه: " أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير * قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شئ قدير * يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون * وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير * والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم " ثم عطف القول على الكلام الأول في وصف إبراهيم فقال تعالى " فما كان جواب قومه إلا أن
قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجيه الله من النار " ثم جاء تعالى بتمام قصة إبراهيم عليه السلام في آخر الآيات، ومثله قوله عز وجل: " ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا " ثم قطع الكلام فقال: " قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا " ثم عطف على القول الأول فقال - تمامه في معنى ذكر الأنبياء وذكر داود - " أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ".
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.