بحارالانوار · أبواب ما يحصل من الأنواع للصلوات اليومية بحسب ما يعرض لها
باب أدعية عيد الفطر وزوايد آداب صلاته وخطبها 1 الاقبال 1 : روى
ج ۸۸، ص ۳۱–۴۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
ثم جلس وقام وقال: الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، و نؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهدي الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وذكر باقي الخطبة (القصيرة) في يوم الجمعة.
توضيح " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض " أخبر بأنه تعالى حقيق بالحمد و نبه على أنه المستحق له على هذه النعم الجسام حمد أو لم يحمد، ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون، وجمع السماوات دون الأرض وهي مثلهن لان طبقاتها مختلفة بالذات متفاوتة الآثار والحركات، وقدمها لشرفها وعلو مكانها، وتقدم وجودها، كما قيل.
" وجعل الظلمات والنور " أي أنشأهما، والفرق بين خلق وجعل الذي له مفعول واحد، أن خلق فيه معنى التقدير، وجعل فيه معنى التضمين، ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمة بالجعل تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية، وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والاجرام الحاملة لها، أو لان المراد بالظلمة الضلال وبالنور الهدى، والهدى واحد والضلال كثير، وتقديمها لتقديم الاعدام على الملكات.
وقيل من زعم أن الظلمة عرض يضاد النور احتج بهذه الآية ولم يعلم أن عدم الملكة كالعمى ليس صرف العدم حتى لا يتعلق به الجعل.
" ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " عطف على قوله: " الحمد لله " على معنى أن الله حقيق بالحمد على ما خلقه نعمة على العباد ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته، ويكون " بربهم " تنبيها على أنه خلق هذه الأشياء أسبابا لتكونهم و
وتعيشهم فمن حقه أن يحمد عليها ولا يكفر، أو على قوله: " خلق " على معنى أنه خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شئ منه.
ومعنى " ثم " استبعاد عدولهم بعد هذا البيان، والباء على الأول متعلقة بكفروا وصلة يعدلون محذوفة أي يعدلون عنه ليقع الانكار على نفس الفعل، وعلى الثاني متعلقة بيعدلون والمعنى أن الكفار يعدلون بربهم الأوثان أي يسوونها به.
ثم استأنف عليه السلام الكلام تبريا عن المشركين وإظهارا لتوحيد رب العالمين بقوله: " لا نشرك بالله شيئا " فكأن سائلا يسأل فكيف تقولون أنتم؟ فأجاب بأنا لا ندعى لا في الخلق والتربية، ولا في استحقاق العبادة، ولا في الاستعانة " ولا نتخذ من دونه وليا " أي ناصرا ومحبا أو متوليا لأمورنا.
" والحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض " خلقا ونعمة " فله الحمد في الدنيا " لكمال قدرته وعلى تمام نعمته " وله الحمد في الآخرة " لان ما في الآخرة أيضا كذلك وتقديم الصلة للاختصاص فان النعم الدنيوية قد تكون بواسطة من يستحق الحمد لأجلها، ولا كذلك نعم الآخرة " وهو الحكيم " الذي أحكم أمور الدارين " الخبير " ببواطن الأشياء.
" يعلم ما يلج في الأرض " كالغيث ينفذ في موضع وينبع في موضع آخر، وكالكنوز والدفاين والأموات والحبات " وما يخرج منها " كالحيوان في النشأتين والنبات والفلذات ومياه العيون " وما ينزل من السماء " كالملائكة والكتب و المقادير والأرزاق والانداء والصواعق " وما يعرج فيها " كالملائكة وأعمال العباد والأبخرة والأدخنة " وهو الرحيم الغفور " للمفرطين في شكر نعمته مع كثرتها أي في الآخرة مع ما له من سوابق هذه النعم الفائتة للحصر.
ولما اقتبس تلك الآيات من الكتاب الحكيم، أكدها وأظهر الايمان والاذعان بها بقوله: " كذلك الله ربنا جل ثناؤه " عن أن يمكننا القيام به كما هو حقه ولا أمد له أزلا، ولا غاية له أبدا، ولا نهاية لنعمه وألطافه وكمالاته " ولا إله " أي معبود أو خالق " إلا هو وإليه المصير " في الآخرة.
" أن تقع " أي من أن تقع أو كراهة أن تقع بأن خلقها على صورة متداعية إلى الاستمساك " إلا باذنه " أي بمشيته وذلك في القيامة " لرؤف رحيم " حيث هيأ لهم أسباب الاستدلال وفتح عليهم أبواب المنافع، ودفع عنهم أنواع المضار.
ثم إنه عليه السلام لما عدد أصول نعمه الجسام، وحمده على ما خص عباده به من الانعام، شرع في السؤال فابتدأ بأهم المطالب وهو الرحمة والمغفرة والعصمة عن الخطايا، وأن لا يخلينا في حال من أحوالنا في الدنيا والآخرة من رحمته.
وفي الفقيه " واعممنا بمغفرتك إنك أنت العلي الكبير " أي اغفر لنا جميعا أو جميع خطايانا أو الأعم " وامددنا " على بناء الافعال أو بضم الدال على المجرد أي قونا وأيدنا، قال الجوهري: أمددت الجيش بمدد، قال أبو زيد مددنا القوم أي صرنا مددا لهم، وأمددناهم بغيرنا وأمددناهم بفاكهة، والمادة الزيادة المتصلة.
ثم استأنف عليه السلام الحمد على وجه آخر ليصير سببا لمزيد معرفتهم به سبحانه وبنعمه فتؤثر فيهم مواعظه، فقال: " والحمد لله لا مقنوطا من رحمته " لا مقنوطا حال عن الجلالة ومن رحمته قائم مقام الفاعل لقوله مقنوطا كممرور به أي أحمده حال كونه لسعة رحمته ووفور نعمته بحيث لا ينبغي أن يقنط من رحمته أحد، وكذا ساير الفقرات.
والروح الرحمة قال تعالى نقلا عن يعقوب " ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون " وقوله: " ولا مستنكفا " في بعض النسخ بفتح الكاف على سياق ساير الفقرات، وفي أكثرها بكسر الكاف فالمعنى أنه سبحانه مع غاية علوه ورفعته واستغنائه لم يستنكف عن أن يعبده العباد، ويدعوه لصغير حوائجهم وكبيرها، وسمى دعاءه عبادة وتركه استكبارا.
وفي نهج البلاغة هكذا " الحمد لله غير مقنوط من رحمته، ولا مخلو من نعمته ولا مأيوس من مغفرته ولا مستنكف عن عبادته الذي لا تبرح منه رحمة ولا تفقد له نعمة " وفي الفقيه هكذا " والحمد لله الذي لا مقنوط من رحمته، ولا مخلو من نعمته ولا مؤيس من روحه ولا مستنكف عن عبادته " فيمكن أن يقرأ مقنوط ونظائره بالرفع فتكون مع الظرف بتقدير الجملة أي لا يقنط من رحمته، أو يكون صدر الصلة ضميرا محذوفا ويمكن أن يقرأ الجميع بالنصب ويكون المفعول في المقنوط والمخلو بمعنى الفاعل كما قيل في " حجابا مستورا " أي لا قانط من رحمته ولا خالي من نعمته، فالمستنكف يكون على بناء الفاعل مع أن قنط أتى متعديا، قال الفيروزآبادي القنط المنع.
" الذي بكلمته " أي بقوله كن أو بقدرته وإرادته مجازا، أو باسمه الأعظم كما مر وسيأتي " وقرت الأرضون السبع " كونها سبعا إما باعتبار الأقاليم أو
أن لها طبقات بينها فرج تسكن فيها الجن وغيرهم، أو المراد بالأرض غير السماء فباعتبار كرة النار وطبقتي كرة الهواء وكرة الماء وثلاث طبقات الأرض المركبة
والطينية والخالصة تصير سبعا وله وجوه أخرى أو أن محدب الأرض مع محدب السماوات الست إلى السادسة كل منها أرض لسماء فوقها ومستقر لجماعة من المخلوقات من الانس وساير الحيوانات والملائكة، كما ورد في بعض الأخبار وقد مر تحقيقه مفصلا في كتاب السماء والعالم.
وفي الفقيه واستقرت الأرض المهاد، وقال الفيروزآبادي: المهاد ككتاب الفراش " وألم نجعل الأرض مهادا " أي بساطا ممكنا للسلوك فيه، والرواسي الثوابت الرواسخ، واللواقح أي الحوامل شبه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل كما شبه ما لا يكون كذلك بالعقيم، أو ملقحات للشجر والسحاب ونظيره الطوايح بمعنى المطيحات في قوله: " ومختبط مما تطيح الطوائح ".
" وقامت على حدودها " الضمير راجع إلى البحار أي قامت البحار على حدودها التي عينها الله لها لم تتجاوز عنها، ويمكن إرجاعه إلى الأرض بقرينة المقام، و يحتمل إرجاعه إلى السحاب أيضا إيذانا بأنها تنبعت منها " ذل له المتعززون " أي الذين صاروا بين الخلق أعزاء أو الذين تكلفوا من العزة وليسوا متصفين بها، فإنها مخصوصة به سبحانه.
" وتضاءل " أي تصاغر، والضئيل النحيف الجسم الحقير " ودان " أي ذل و أطاع، وجنه وأجنه بمعنى ستره، والأسراب جمع السرب بالتحريك وهو جحر الوحشي والحفير تحت الأرض " وما تغيض الأرحام " أي تنقص من المدة، أو عدد الولد أو أعضائه أو دم الحيض والنفاس والاستحاضة " وما تزداد " على جميع الوجوه وغاض وازداد جاءا لازمين ومتعديين.
" وكل شئ عنده بمقدار " أي بقدر لا يتجاوزه ولا ينقص عنه أو بتقدير و قضاء " وما تسقط من ورقة إ يعلمها " مبالغة في إحاطة علمه تعالى بالجزئيات " ولا حبة في ظلمات الأرض ولا يابس " كلها معطوفا على " ورقة " وقوله: " إلا في كتاب مبين " بدل من الاستثناء الأول بدل الكل على أن الكتاب المبين علم الله أو بدل الاشتمال أريد به اللوح أو القرآن، وقرئت بالرفع بالعطف على محل ورقة أو للابتداء والخبر: إلا في كتاب مبين.
وفي الفقيه وما تسقط ورقة من شجرة ولا حبة في ظلمة إلا يعلمها لا إله إلا هو ولا رطب إلخ.
" وأي مجرى يجرون " في الآخرة والدنيا ومجراهم الجسماني والعقلاني " وإلى أي منقلب ينقلبون " في الآخرة أو الأعم " ونستهدى الله بالهدى " أي طلبنا الهداية أيضا بهدايته تعالى أو حال كوننا متلبسين بالهداية فنطلب مزيدها " المدبرين عنه " وفي الفقيه " الحائدين عنه " أي المائلين عن دينه.
" حتى أتاه اليقين " أي الموت فإنه متيقن كافة كل حي مخلوق إشارة إلى قوله تعالى: " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ".
" الذي لا تبرح منه نعمة " أي لا تزول " ولا تفقد " على بناء المجهول أي لا تعدم وفي بعض النسخ لا تنفد على المعلوم من النفاد وهو الفناء والانتهاء، وكذا في الفقيه " لا تبرح عنه رحمة ولا تفقد له نعمة " وعدم البراح والفقدان والنفاد مطرد على تقدير قابلية المحل لاقتضاء ذاته سبحانه الرحمة والانعام، وعدم الشرط لا ينافي الاقتضاء.
" الذي رغب في الآخرة " في الفقيه في التقوى " وتعزز بالبقاء " أي صار عزيزا غالبا بوجوب الوجود وامتناع طريان العدم عليه " وتفرد بالعز " أي الغلبة على من سواه، والبهاء أي الحسن والصفات الكمالية الذاتية وفي الفقيه مكان تلك الفقرة " وذلل خلقه بالموت الفناء ".
" وسبيل الماضين " وفي الفقيه " العالمين، ومعقود بنواصي الباقين لا يعجزه إباق الهاربين وعند حلوله يأسر أهل الهوى، يهدم " الخ والعقد بالنواصي كناية عن الحتم واللزوم مع الاشعار بالتذلل وعدم الامتناع كما أن الاخذ بالناصية كناية عنه قال تعالى: " ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ".
" لا يعجزه لحوق الهارب " أي لا يصعب ويمتنع عليه لحوقه وعلى ما في الفقيه لا يعجزه الإباق من اللحوق والادراك " ولا يفوته ناء " أي بعيد " ولا آئب " أي راجع، ويمكن أن يكون المراد بالنائي العاصي، وبالائب التائب المطيع، أو البعيد عن وطنه والراجع إليه، أو المراد بالائب الغائب المختفي من آبت الشمس إذا غابت، والأوب أيضا سرعة تقليب اليدين والرجلين في السير، والتأويب أن يسير النهار أجمع وينزل الليل وأبت إلى بني فلان أتيتهم ليلا، وبعض هذه المعاني أيضا لا يخلو من مناسبة، لكن بتكلف.
والبهجة الحسن والسرور، وقشعت الريح السحاب أي كشفته فانقشع وتقشع.
وفي الفقيه " ويزيل كل نعمة ويقطع كل بهجة والدنيا دار كتب الله لها الفناء ولأهلها منها الجلاء فأكثرهم ينوي بقاءها ويعظم بناءها وهي حلوة " وفي النهج " والدنيا دار مني لها الفناء ولأهلها منها الجلاء " ومني أي قدر، والجلاء الخروج من البلد، والنافد الفاني والبائد الهالك والحلاوة والخضرة والنضارة إشارة إلى الجهات التي تميل إليها القاصرون الغافلون عن العواقب، وفي بعض النسخ غضرة مكان خضرة من الغضارة وهي طيب العيش.
وراقني الشئ أعجبني، والنصرة وهي الحسن والرونق " قد زينت للطالب " وفي الفقيه والنهج " قد عجلت " أي قدمت له لحقارتها على العادة في تقديم اليسير للطالب، فإن كان قصير الهمة رضي به وقعد عن طلب المخزون، وإلا لم يلتفت إليه وطلب ما هو خير له وأبقى، كما قال سبحانه " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها
نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار " وقال تعالى " فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق.
" ولاطت بقلب الراغب " قال الجوهري: لاط الشئ بقلبي يلوط ويليط وإني لأجد له في قلبي لوطا وليطا، يعني الحب اللازق بالقلب انتهى وفي الفقيه والنهج " والتبست بقلب الناظر " والالتباس الاختلاط والاشتباه والتباس الدنيا بالقلب خلطه المحاسن بالمساوي لافتتانه بحسن منظرها والغفلة عن عاقبتها، أو اشتباهها بحيث يتوهمها باقية لذيذة ولا يعلم فناءها ومرارتها.
واستطاب الشئ وجده طيبا، وأطابه وطيبه جعله طيبا، والنسخ هنا مختلفة وأجودها " يستطيبها " وفي بعض النسخ يطبيها بتقديم الباء الموحدة على الياء من قولهم طباه يطبوه ويطبيه إذا دعاه، والظاهر أنه أيضا تصحيف وفي الفقيه بعد ذلك " ويضنى ذو الثروة الضعيف " أي تصير رؤية حال صاحب الثروة وكثرة المال سببا لحزن الضعيف الفاقد له ومرض قلبه، من قولهم ضني كرضي أي مرض مرضا مخامرا كلما ظن برؤه نكس، وأضناه المرض، والمضاناة المعاناة ويحتمل أن يكون كناية عن تحقير ذي الثروة له وعلى التقديرين لا يخلو من تكلف ولعله لذلك أسقطها الشيخ.
" ويجتويها الوجل الخائف " في بعض نسخ الكتاب والفقيه بالجيم من قولهم اجتواه أي كرهه، وفي بعضها بالحاء المهملة من قولهم احتواه واحتوى عليه أي جمعه وأحرزه أي يجمعها ويحوزها الخائف الوجل من عذاب الله لشدة الداعي إليها فكيف الغافل الامن المغتر، والأول أظهر.
" فارتحلوا منها رحمكم الله بأحسن ما بحضرتكم من الزاد " و الارتحال السفر والانتقال، والباء للمصاحبة، والحضرة الحضور وقرب الرجل
وفناؤه أي أحسن ما هو موجود عندكم وحاضر لديكم من الزاد، وهو التقوى، قال الله تعالى " وتزودوا فان خير الزاد التقوى " والزاد طعام يتخذ للسفر، و يحتمل أن يكون المراد هنا ما ينتفع به في الدنيا من أسبابها، وبالأحسن ما يمكن أن يكون وسيلة لتحصيل الآخرة، ولعله أنسب بما بعده.
وفي الفقيه " بأحسن ما بحضرتكم ولا تطلبوا منها أكثر من القليل ولا تسألوا منها فوق الكفاف وارضوا منها باليسير ولا تمدن أعينكم منها إلى ما متع المترفون به واستهينوا بها ولا توطنوها، وأضروا بأنفسكم فيها، وإياكم والتنعم والتلهي والفاكهات وفي بعض النسخ والفكاهات فان في ذلك غفلة واغترارا ألا إن الدنيا ".
وفي النهج؟ " ولا تسألوا فيها فوق الكفاف ولا تطلبوا منها أكثر من البلاغ " والكفاف بالفتح ما كف عن الناس وأغنى، والبلاغ ما يتبلغ به ويتوسل إلى المطلوب.
" ولا تمدوا أعينكم " أي لا تنظروا نظر رغبة أو لا تطمحوا بأنفسكم طموح راغب " إلى ما متع به المترفون " أي أنعم على الذين أترفتهم وأطغتهم النعم من الأموال والأولاد، وغير ذلك من زهرات الدنيا، فإنها في معرض الزوال والفناء مع ما يتبعها من الحساب والجزاء، قال الفيروزآبادي المترف كمكرم المتروك يصنع ما يشاء لا يمنع، والمتنعم لا يمنع من تنأمه " واستهينوا بها " أي عدوها هينا حقيرا ولا تستعظموها " ولا توطنوها " أي لا تعدوها وطنا بل منزلا ومعبرا تنتقلون منها إلى دار القرار والمراد به النهي عما هو لازم التوطن من سكون القلب إليها، والسعي في عمارتها، وترك الاستعداد للخروج عنها.
" وأضروا فيها بأنفسكم " بتحمل مشقة الطاعات وترك المشتهيات واللذات والاكتفاء بالقليل من الحلال في المأكل والملبس وغيرهما، والتنعم التلذذ بالنعم، ولعل المراد هنا شدة الاعتناء بها وكثرة السعي في تحصيلها، أو يحمل على ما إذا
حصلت من حرام أو شبهة، ويحتمل الأعم على الكراهة، لكن ينافيه كثير من الاخبار وقد مر الكلام فيه في كتاب مكارم الأخلاق.
والتلهي الاشتغال بما يلهي ويغفل عن الآخرة وتحصيلها " والفاكهات " أي السعي في تحصيل أنواع الفواكه والاعتناء بها أو المفاكهة، والممازحة والفكاهات أظهر، قال الجوهري الفكاهة بالضم المزاح، وبالفتح مصدر فكه الرجل بالكسر فهو فكه، إذا كان طيب النفس مزاحا، والفكه أيضا الأشر البطر " ألا وإن الدنيا قد تنكرت " أي تغيرت عن حال تسرك إلى حال تكرهها، والنكرة ضد المعرفة والتنكر إما إظهار عدم المعرفة أو تغيره إلى حال لا تعرفه فشبه عليه السلام الدنيا بشخص أقبل عليك ووعدك بمواعيد من الإعانة والموافقة والاحسان ثم تغير كأنه لا يعرفك، وأدبر عنك وأعلمك بأنه يفارقك ولا تنتفع منه بشئ وإدبارها كناية عن سرعة تصرمها وتطرق النقص والفناء إلى متاعها، من صحة و شباب، وجاه ومال، وذلك علة لاقبال الآخرة التي تتلوها.
والايذان الاعلام، والوداع بالفتح الاسم من التوديع، وهو تخليف المسافر الناس خافضين وهم يودعونه تفائلا بالدعة التي تصير إليها إذا رجع، والاطلاع الاشراف من مكان عال، والمقبل إلى الانحدار أحرى بالوصول، وقيل إسناد الاشراف إلى رب الآخرة، وعبر بها للتعظيم، كما يكنى عن الفاضل بمجلسه وحضرته ولا يخفى بعده.
وفي النهج " أما بعد فان الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع " وفي الفقيه " ألا إن الدنيا قد تنكرت وأدبرت واحلولت وفي بعض النسخ واحلوت وآذنت بوداع ألا وإن الآخرة قد رحلت فأقبلت وأشرفت وآذنت باطلاع " يقال حلا الشئ واحلولى إذا صار حلوا، وأحلوت باثبات الواو خلاف القياس، وكأنه تصحيف " قد رحلت " أي متوجهة إليك.
" ألا وإن المضمار اليوم وغدا السباق ألا وإن السبقة الجنة والغاية النار "
وفي الفقيه: والسباق غدا، وفي النهج: ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق، والسبقة الجنة والغاية النار.
أقول: قال السيد الرضى - ره - بعد إيراد هذه الفقرات ، وقليل من ساير الفقرات: لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الزهد في الدنيا ويضطر إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام، وكفى به قاطعا لعلائق الامام، وقادحا زناد الاتعاظ و الانزجار.
ومن أعجبه قوله: " ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق والسبقة الجنة و الغاية النار " فان فيه مع فخامة اللفظ، وعظم قدر المعنى، وصادق التمثيل، وواقع التشبيه، سرا عجيبا ومعنى لطيفا، وهو قوله عليه السلام " والسبقة الجنة والغاية النار " فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين، ولم يقل السبقة النار كما قال والسبقة الجنة لان الاستباق إنما يكون إلى أمر محبوب وغرض مطلوب، وهذه صفة الجنة، و ليس هذا المعنى موجودا في النار، نعوذ بالله منها.
فلم يجز أن يقول والسبقة النار بل قال والغاية النار لان الغاية قد ينتهي إليها من لا يسره الانتهاء إليها، ومن يسره ذلك؟ فصلح أن يعبر بها عن الامرين معا، فهي في هذا الموضع كالمصير والمال، قال الله تعالى " قل تمتعوا فان مصيركم إلى النار " ولا يجوز في هذا الموضع أن يقال فان سبقتكم إلى النار فتأمل ذلك فباطنه عجيب وغوره بعيد، وكذلك أكثر كلامه عليه السلام.
وفي بعض النسخ وقد جاء في رواية أخرى: والسبقة الجنة بضم السين و السبقة عندهم اسم لما يجعل للسابق إذا سبق من مال أو عرض، والمعنيان متقاربان، لان ذلك لا يكون جزاء على فعل الامر المذموم، وإنما يكون جزاء على فعل الامر المحمود انتهى كلامه رفع الله مقامه.
وأقول: المضمار مدة تضمير الفرس وموضعه أيضا وقد يطلق على ميدان
المسابقة، وعلى غاية الفرس في السباق أيضا، وتضمير الفرس هو أن تعلفه حتى يسمن ثم ترده إلى القوت وذلك في أربعين يوما والسباق المسابقة، وليس جمعا للسبقة بالضم أي الذي يستبق إليه كما توهم، فان جمعها أسباق، والسبقة بالتحريك الخطر أي المال الذي يوضع بين أهل السباق، وغاية كل شئ منتهاه، ولا يعتبر في مفهومها أن يكون مطلوبا حتى يتكلف لكون النار غاية بأنها غاية عرضية لمحبة الدنيا والانهماك في لذاتها ، كما يفهم من كلام بعض شراح النهج، بل النار غاية لان المصير إليها منتهى فعل السيئات، وفي أكثر نسخ النهج " السبقة " بفتح السين وسكون الباء وفي بعضها بالتحريك وهو أظهر.
ولنرجع إلى بيان حاصل التشبيه وتطبيق المشبه على المشبه به، ولم يتعرض له أحد، ويخطر بالبال فيه وجوه:
الأول: أن يكون المراد بالمضمار زمان تضمير الفرس، فمدة عمر الدنيا مدة تضمير النفس وتقويتها بالعلم والعمل والاخلاص والعقايد الحسنة للاستباق في ميدان القيامة، وشبه القيامة بميدان السباق، والنار بالغاية التي توضع في منتهى الميدان، والجنة بالعوض الذي يأخذه السابق، فكل من كان أخف وأقل وزرا ونفسه أقوى بالعلم والعمل، يكون قطعه لعرصة القيامة أسرع وصوله إلى النار التي لابد من وصول كل أحد يومئذ إليها لقوله سبحانه: " وإن منكم إلا واردها " أسبق، كان عوضه من الجنة أكثر، وعلى هذا يكون تشبيها تاما منطبقا على ساير الآيات والأخبار الواردة في ذلك.
الثاني: أن يكون المراد بالمضمار مكان التضمير، فالدنيا محل تضمير النفس بالكلمات وساير أجزاء التشبيه كما مر في الوجه الأول، وعلى هذين الوجهين يمكن أن لا تجعل الغاية بمعنى غاية الميدان ولا يكون ذكرها داخلا في التشبيه، فالمعنى أنهم يتسابقون في القيامة، فيمن سبق يعطى الجنة، ومن لم يسبق يحرم الجنة
فيكون مصيره إلى النار، كما أن المسبوق في الدنيا يحرم العوض ويقع في نار الحسرة والندامة في عدم تضمير فرسه، والأول أبلغ وأكمل في التشبيه.
الثالث: أن يكون المراد بالمضمار ميدان المسابقة، وبالسباق عوض السباق على حذف المضاف أي يتسابقون في الدنيا إلى السعادات والكمالات، فالسابق خطره وعوضه الجنة يأخذها في الآخرة، والمسبوق غايته ومصيره النار لعدم استحقاق الجنة وعلى هذا يمكن أن يقرأ السباق بالضم والتشديد، أي السابقون يحضرون غدا لاخذ سبقهم لكنه مخالف للمضبوط في النسخ.
الرابع: أن يكون المراد بالسبقة ما يسبقون إليه كما يظهر من كلام السيد وإن لم نر في اللغة بهذا المعنى أي يستبقون في القيامة إلى الجنة فمن صير نفسه في مضمار الدنيا صالحا للوصول إليها ينتهي إليها، ومن لم يكن كذلك فغاية سيره النار لانتهاء قوته عندها وعدم قدرته على التجاوز عنها.
الخامس: أن يكون المراد باليوم كل زمان سابق من أزمنة عمر الدنيا، وبالغد الزمان الذي بعده، أي كل عمل تعمله اليوم من خير تصير به نفسك أقوى للعمل في الغد، فكل يوم مضمار للمسابقة في غده، وغاية سير السعداء في هذا المضمار الجنة، وغاية سير الأشقياء في هذا الميدان النار، إذ بعد قطع الحياة ينتهى المضمار فهو إما إلى الجنة أو إلى النار، كما قال عليه السلام: " ليس بين أحدكم وبين الجنة والنار إلا الموت " وهذا معنى لطيف ويمكن أن تتنبه به لما هو ألطف من ذلك.
" قبل هجوم منيته " الهجوم الدخول بغتة، والمنية الموت، والبؤس الخضوع وشدة الحاجة، وفي الفقيه: قبل يوم منيته يوم بؤسه وفقره " فاذكروا الله " بالثناء والطاعة " يذكركم " بالثواب والمغفرة الرحمة، أو يباهي بكم في الملاء الاعلى والابتهال التضرع، والإنابة التوبة أو الرجوع إلى الطاعة.
" أو نصف صاع " كذا في أكثر النسخ، ونسب إلى خطه رحمه الله وفي
بعض النسخ كما في الفقيه صاعا من بر، وعلى الأول محمول على التقية لأنه من بدع عثمان كما سيأتي، والبخس النقص والظلم.
" ثم جلس " في الفقيه ثم يجلس جلسة كجلسة العجلان أي يقعد متجافيا و لا يجلس متمكنا أو لا يمكث إلا قليلا.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.