پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · أبواب احتجاجات أمير المؤمنين صلوات الله عليه وما صدر عنه من جوامع العلوم

باب 19 مناظرات الرضا علي بن موسى صلوات الله عليه، واحتجاجه

ج ۱۰، ص ۳۲۴–۳۴۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۰

نفي قول من قال بقدم القرآن، فإن المحكم والمتشابه يطلقان على آياته، وهذا الخبر أيضا يدل على أن إرادته تعالى من صفات الفعل وهي عين الابداع وهي محدثة، وقد مر الاخبار في ذلك وشرحها في كتاب التوحيد، ويدل على أن أول مبدعاته تعالى الحروف.

قوله (عليه السلام): (ولم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى) أي إنما خلق الحروف المفردة التي ليس لها موضوع غير أنفسها، ولم يجعل لها وضعا ولا معنى ينتهي إليه و يوجد ويعرف بذلك الحرف، ويحتمل أن يكون المراد بالمعنى الصفة، أي أول ما خلقها كان غير موصوف بمعنى وصفة ينتهي إليها ويوجد، لأنها كانت مبدعة بمحض الابداع ولم يكن هناك شئ غير الابداع والحروف حتى يكون معنى للحروف أو صفة لها، والمراد بالنور الوجود إذ به يظهر الأشياء كما تظهر الموجودات للحس بالنور، فالابداع هو الايجاد، وبالايجاد تصير الأشياء موجودة، فالابداع هو التأثير، والحروف هي الأثر موجودة بالتأثير، وبعبارة أخرى: الحروف محل التأثير يعبر عنه بالمفعول والفعل، والأثر هو الوجود.

قوله (عليه السلام): (وأما الخمسة المختلفة فبحجج) كذا في النسخ، أي إنما حدثت تلك الحروف بحجج، جمع الحجة، أي أسباب وعلل من انحراف لهجات الخلق و اختلاف منطقهم لا ينبغي ذكرها، والأظهر أنه (عليه السلام) كان ذكر تلك الحروف فاشتبه على الرواة وصحفوها، فالخمسة: الكاف الفارسية في قولهم: (بگو) بمعنى تكلم، والجيم الفارسية المنقوطة بثلاث نقاط كما في قولهم: (چه ميگوئي) والزاي الفارسية المنقوطة بثلاث نقاط كما يقولون: (ژاله) والباء المنقوطة بثلاث نقاط كما في (پياله و پياده) والتاء الهندية. ثم ركب الحروف وأوجد بها الأشياء وجعلها فعلا منه، كما قال: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) فكن صنع وإيجاد للأشياء، وما يوجد به هو المصنوع ، فأول صادر عنه تعالى هو الايجاد وهو معنى لا وزن له ولا حركة، وليس بمسموع ولا ملون ولا محسوس، والخلق الثاني يعني الحرف غير موزون ولا ملون، لكنها مسموعة موصوفة ولا يمكن إبصارها، والخلق الثالث وهو

ما وجد بهذه الحروف من السماوات والأرضين وغيرهما فهي محسوسة ملموسة مذوقة مبصرة، فالله مقدم بوجوده على الابداع الذي هو خلقه الأول، لأنه ليس شئ قبله حتى يسبقه أيضا إبداع، ولا كان شئ دائما معه، والابداع متقدم على الحروف لوجودها به، ومعنى كون الحروف غير دالة على معنى غير نفسها هو أن الحروف المفردة إنما وضعت للتركيب، وليس لها معني تدل عليه إلا بعد التركيب، وظاهر كلامه (عليه السلام) أن كل معنى يدل عليه الكلمات ويوضع بإزائها الألفاظ إنما هي محدثة، وأما الأسماء الدالة على الرب تعالى فإنما وضعت لمعان محدثة ذهنية، وهي تدل عليه تعالى، ولم توضع أولا لكنه حقيقته المقدسة، ولا لكنه صفاته الحقيقية، لأنها إنما وضعت لمعرفة الخلق ودعائهم، ولا يمكنهم الوصول إلى كنه الذات والصفات، ولذا قال: (لم يك إلا لمعنى لم يكن قبل ذلك شيئا) وإن أمكن أن يكون المراد بها غير أسمائه تعالى.

قوله (عليه السلام): (والصفات والأسماء كلها تدل على الكمال والوجود) أي صفات الله وأسماؤه كلها دالة على وجوده وكماله، لاعلى ما يشتمل على النقص كالإحاطة وقوله: (كما تدل) بيان للمنفي، أي كأن يدل على الحدود التي هي التربيع والتثليث والتسديس، ويحتمل أن يكون المعنى: لان الإحاطة تدل على أن المحاط مشتمل على الحدود.

قوله (عليه السلام): (بمعرفتهم أنفسهم) أي على نحو ما يعرفون أنفسهم، أو بسبب معرفة أنفسهم. قوله (عليه السلام): (بالضرورة التي ذكرنا) أي لأنه ضروري أنه لا يحد بالحدود ولا يوصف بها، أو المعنى أنه تعالى لا يعرف بالتحديد لأنه لا يحل فيه الحدود، وقد ذكرنا أنه ضروري أنه لاحد لغير محدود، فلو عرف بالحدود يلزم كونه محدودا بها، ولعل غرضه تنزيهه تعالى عن صفات تلك المعرفات بأن الحروف وإن دلت عليه لكن ليس فيه صفاتها، والمعاني الذهنية وإن دلتنا عليه لكن ليس فيه حدودها ولوازمها.

ثم استدل (عليه السلام) بأنه لابد أن ينتقل الناس من تلك الأسماء والصفات التي

يدركونها إلى ذاته تعالى بوجه وإلا يلزم أن يكون الخلق عابدين للأسماء والصفات لا لله تعالى، لان صفاته وأسماءه المدركة غيره تعالى، فهذه الصفات المدركة وإن كانت مخالفة بالحقيقة له تعالى لكنها آلة لملاحظته ووسيلة للانتقال إليه وتوجه العبادة نحوه. والمعلمة: محل العلم والادراك من القوى والمشاعر، ويمكن أن يقرأ على صيغة اسم الفاعل.

قوله: (لمعناه) الضمير راجع إلى الخلق، أي لقصد الخلق إليه، أو إلى الله فيكون بدلا من الضمير، والأظهر: (لا تدرك معناه). قوله: (إن الله جل وتقدس موجود في الآخرة) مأخوذ من الوجدان، أي يعرفونه ويجدونه بالبصر، واستدل (عليه السلام) على ذلك بأنه لو كان إدراكه بالبصر نقصا له كما هو الواقع لم يدرك في الآخرة أيضا به، ولو كان كمالا له لكان مبصرا في الدنيا أيضا. قوله: (عن الحقائق الموجودة) أي المدركة.

قوله: (على ما هناك) أي ما عند الله تعالى من صفاته إلا بما ههنا أي لا يمكن الاستبداد في معرفته تعالى بالعقل، بل لابد من الرجوع في ذلك إلى ما أوحى إلى أنبيائه (عليهم السلام)، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: (هناك) الآخرة، وبقوله: (ههنا) الدنيا، أي إنما يقاس أحوال الآخرة بالدنيا، فكيف يجوز رؤيته تعالى في الآخرة مع استحالته في الدنيا، والأول أظهر كما يدل عليه ما بعده.

قوله (عليه السلام): (بل خلق ساكن) أي نسبة وإضافة بين العلة والمعلول، فكأنه ساكن فيهما، أو عرض قائم بمحل لا يمكنه مفارقته.

وقوله: (لا يدرك بالسكون) أي أمر اعتباري إضافي ينتزعه العقل ولا يشار إليه في الخارج، وإنما قلنا: إنه خلق لأن هذه النسبة والتأثير غيره تعالى، وهو محدث، وكل محدث معلول، فلا تتوهم أنه خلق يحتاج إلى تأثير آخر، وهكذا حتى يتسلسل، بل ليس في الحقيقة إلا الرب ومخلوقه الذي أوجده، والايجاد معنى صار سببا لوجود المعلول بتأثيره تعالى، فكل شئ خلقه الله لم يعد ولم يتجاوز أن يصدق عليه أن الله خلقه، فهذا هو معنى الابداع لاغير، وهذا المعنى يقع عليه حد، وكل ما يقع عليه حد فهو خلق الله.

قوله (عليه السلام): (وكان الذي خلق خلقين اثنين) لعله إشارة إلى الخلق الأول وهي الحروف، ففي خلق الحروف يخلق شيئان: حرف وتحديد وتقدير قائم به، وليس شئ من الحرف والعرض القائم به ذا لون ووزن وذوق (وجعل أحدهما يدرك بالآخر) أي الحرف يعرف بالحدود القائمة به، فيعرف بأنه شئ محدود، أو المعنى أنه لو لم يكن محدودا لم يكن مدركا بالحواس، وجعل الحرف وحده كليهما مدركين بنفسهما لا بآثارهما، فإن الأمور المحسوسة إنما تدرك بأنفسها لا بآثارها (ولم يخلق شيئا فردا) عن الحدود والتقديرات (قائما بنفسه دون غيره) أي من غير أن يخلق معه غيره كالحدود لأنه أراد أن يكون حروفا وأصواتا دالة على نفسه وإثبات وجوده، وما يكون دالا على المعاني هاديا للناس إلى المعرفة لا يكون إلا محسوسا، وكل محسوس يكون محدودا، والمعنى أنه أراد أن يكون محدودا ليدل بكونه على هذه الحالة على إمكانه وافتقاره إلى الصانع، فيكون بوجوده بنفسه دالا على الصانع لا باعتبار مدلوله.

قوله (عليه السلام): (ولا يكنه) أي لا يستره. وقال الجوهري: ارتبك الرجل في الامر أي نشب فيه ولم يكد يتخلص منه. قوله: (المتفاوت عقله) أي المتباعد عنه عقله، من التفاوت بمعنى التباعد أو بمعنى الاختلاف، أي لا يثبت عقله على أمر ثابت، بل يكون دائما في الشك والتردد.

أقول: هذا الخبر من متشابهات الاخبار التي لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم، ولا يلزمنا فيها سوى التسليم، وإنما ذكرنا فيها ما ذكرنا فيها ما ذكرنا على سبيل الاحتمال على قدر ما يصل إليه فهمي الناقص، مع أن في تلك الأخبار الطويلة المشتملة على المعاني المعضلة كثيرا ما يقع التحريف والاسقاط من الرواة. والله يعلم وحججه صلوات الله عليهم حقائق كلامهم.

2 - التوحيد، عيون أخبار الرضا (ع): بالاسناد المتقدم عن الحسن بن محمد النوفلي قال: قدم سليمان المروزي متكلم خراسان على المأمون فأكرمه ووصله، ثم قال له: إن ابن عمي علي بن موسى قدم علي من الحجاز وهو يحب الكلام وأصحابه، فلا عليك أن تصير إلينا يوم التروية لمناظرته؟ فقال سليمان: يا أمير المؤمنين إني أكره أن أسأل مثله في مجلسك في جماعة من بني هاشم فينتقص عند القوم إذا كلمني ولا يجوز الاستقصاء عليه، قال المأمون: إنما وجهت إليك لمعرفتي بقوتك، وليس مرادي إلا أن تقطعه عن حجة واحدة فقط، فقال سليمان: حسبك يا أمير المؤمنين، اجمع بيني وبينه وخلني والذم، فوجه المأمون إلى الرضا (عليه السلام) فقال: إنه قد قدم علينا رجل من أهل مرو وهو واحد خراسان من أصحاب الكلام، فإن خف عليك أن تتجشم المصير إلينا فعلت، فنهض (عليه السلام) للوضوء وقال لنا: تقدموني، وعمران الصابئ معنا فصرنا إلى الباب فأخذ ياسر وخالد بيدي فأدخلاني على المأمون، فلما سلمت قال: أين أخي أبو الحسن أبقاه الله؟ قلت: خلفته يلبس ثيابه، وأمرنا أن نتقدم، ثم قلت: يا أمير المؤمنين إن عمران مولاك معي وهو بالباب، فقال: من عمران؟ قلت: الصابئ الذي أسلم على يديك، قال: فليدخل فدخل فرحب به المأمون، ثم قال له: يا عمران لم تمت حتى صرت من بني هاشم، قال: الحمد لله الذي شرفني بكم يا أمير المؤمنين، فقال له المأمون:

يا عمران هذا سليمان المروزي متكلم خراسان، قال عمران: يا أمير المؤمنين إنه يزعم أنه واحد خراسان في النظر وينكر البداء! قال: فلم لا تناظره؟ قال عمران: ذاك إليه، فدخل الرضا (عليه السلام) فقال: في أي شئ كنتم؟ قال عمران: يا ابن رسول الله هذا سليمان المروزي، فقال سليمان: أترضى بأبي الحسن وبقوله فيه؟ قال عمران: قد رضيت بقول أبي الحسن في البداء على أن يأتيني فيه بحجة أحتج بها على نظرائي من أهل النظر، قال المأمون: يا أبا الحسن ما تقول فيما تشاجرا فيه؟ قال: وما أنكرت من البداء يا سليمان ؟ والله عز وجل يقول: (أولم ير الانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا)

ويقول عز وجل: (وهو الذي يبدء الخلق ثم يعيده) ويقول: (بديع السماوات والأرض) ويقول عز وجل (يزيد في الخلق ما يشاء) ويقول: (وبدأ خلق الانسان من طين) ويقول عز وجل: (وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم) ويقول عز وجل: (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب).

قال سليمان: هل رويت فيه عن آبائك شيئا؟ قال: نعم رويت عن أبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال:: إن لله عز وجل علمين: علما مخزونا مكنونا لا يعلمه إلا هو، من ذلك يكون البداء، وعلما علمه ملائكته ورسله، فالعلماء من أهل بيت نبيك يعلمونه، قال سليمان: أحب أن تنزعه لي من كتاب الله عز وجل، قال: قول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله): (فتول عنهم فما أنت بملوم) أراد هلاكهم ثم بدا لله تعالى فقال:

(وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) قال سليمان: زدني جعلت فداك، قال الرضا (عليه السلام) لقد أخبرني أبي، عن آبائه (عليهم السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إن الله عز وجل أوحى إلى نبي من أنبيائه: أن أخبر فلان الملك أني متوفيه إلى كذا وكذا، فأتاه ذلك النبي فأخبره فدعا الله الملك وهو على سريره حتى سقط من السرير وقال: يا رب أجلني حتى يشب طفلي وأقضي أمري، فأوحى الله عز وجل إلى ذلك النبي: أن ائت فلان الملك فأعلمه أني قد أنسيت أجله، وزدت في عمره خمس عشرة سنة، فقال ذلك النبي:

يا رب إنك لتعلم أني لم أكذب قط، فأوحى الله عز وجل إليه: إنما أنت عبد مأمور، فأبلغه ذلك والله لا يسأل عما يفعل.

ثم التفت إلى سليمان فقال: أحسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب، قال: أعوذ بالله من ذلك، وما قالت اليهود؟ قال: قالت اليهود: (يد الله مغلولة) يعنون أن الله تعالى قد فرغ من الامر فليس يحدث شيئا، فقال الله عز وجل: (غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا) ولقد سمعت قوما سألوا أبي موسى بن جعفر عن البداء فقال: وما ينكر الناس من البداء، وأن يقف الله قوما يرجئهم لامره؟ قال سليمان: ألا تخبرني عن

(إنا أنزلناه في ليلة القدر) في أي شئ أنزلت؟ قال: يا سليمان ليلة القدر يقدر الله عز وجل فيها ما يكون من السنة إلى السنة من حياة أو موت أو خير أو شر أو رزق، فما قدره في تلك الليلة فهو من المحتوم.

قال سليمان: الآن قد فهمت جعلت فداك فزدني، قال: يا سليمان إن من الأمور أمورا موقوفة عند الله تبارك وتعالى يقدم منها ما يشاء ويؤخر ما يشاء، يا سليمان إن عليا (عليه السلام) كان يقول: العلم علمان: فعلم علمه الله ملائكته ورسله فما علمه ملائكته ورسله فإنه يكون ولا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله، وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحدا من خلقه، يقدم منه ما يشاء، ويؤخر ما يشاء، ويمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء. قال سليمان للمأمون: يا أمير المؤمنين لا انكر بعد يومي هذا البداء ولا اكذب به إن شاء الله.

فقال المأمون: يا سليمان سل أبا الحسن عما بدا لك وعليك بحسن الاستماع والانصاف، قال سليمان: يا سيدي أسألك؟ قال الرضا (عليه السلام): سل عما بدا لك، قال:

ما تقول فيمن جعل الإرادة اسما وصفة مثل حي وسميع وبصير وقدير؟ قال الرضا (عليه السلام):

إنما قلتم: حدثت الأشياء واختلفت لأنه شاء وأراد، ولم تقولوا: حدثت واختلفت لأنه سميع بصير، فهذا دليل على أنها ليست مثل سميع ولا بصير ولا قدير، قال سليمان:

فإنه لم يزل مريدا؟ قال: يا سليمان فإرادته غيره؟ قال: نعم، قال فقد أثبت معه شيئا غيره لم يزل! قال سليمان: ما أثبت، قال الرضا (عليه السلام): أهي محدثة؟ قال سليمان:

لا ما هي محدثة، فصاح به المأمون وقال: يا سليمان مثله يعايا أو يكابر؟! عليك بالانصاف، أما ترى من حولك من أهل النظر؟

ثم قال: كلمه يا أبا الحسن فإنه متكلم خراسان، فأعاد عليه المسألة فقال:

هي محدثة يا سليمان، فإن الشئ إذا لم يكن أزليا كان محدثا، وإذا لم يكن محدثا كان أزليا، قال سليمان: إرادته منه كما أن سمعه منه وبصره منه وعلمه منه؟ قال

الرضا (عليه السلام): فإرادته نفسه؟ قال: لا، قال فليس المريد مثل السميع والبصير، قال سليمان: إنما أراد نفسه كما سمع نفسه وأبصر نفسه وعلم نفسه، قال الرضا (عليه السلام):

ما معنى أراد نفسه؟ أراد أن يكون شيئا، أو أراد أن يكون حيا أو سميعا أو بصيرا أو قديرا؟ قال: نعم، قال الرضا (عليه السلام): أفبإرادته كان ذلك؟ قال سليمان: نعم، قال الرضا (عليه السلام): فليس لقولك: أراد أن يكون حيا سميعا بصيرا معنى إذا لم يكن ذلك بإرادته، قال سليمان: بلى قد كان ذلك بإرادته، فضحك المأمون ومن حوله، وضحك الرضا (عليه السلام) ثم قال لهم: ارفقوا بمتكلم خراسان، فقال: يا سليمان فقد حال عندكم عن حاله وتغير عنها، وهذا مالا يوصف الله عز وجل به، فانقطع.

ثم قال الرضا (عليه السلام): يا سليمان أسألك مسألة، قال: سل جعلت فدلك، قال:

أخبرني عنك وعن أصحابك تكلمون الناس بما تفقهون وتعرفون أو بما لا تفقهون و لا تعرفون؟ قال: بما نفقه ونعلم، قال الرضا (عليه السلام): فالذي يعلم الناس أن المريد غير الإرادة وأن المريد قبل الإرادة، وأن الفاعل قبل المفعول، وهذا يبطل قولكم: إن الإرادة والمريد شئ واحد، قال: جعلت فداك ليس ذاك منه على ما يعرف الناس ولا على ما يفقهون، قال:

فأراكم ادعيتم علم ذلك بلا معرفة، وقلتم: الإرادة كالسمع والبصر وإذا كان ذلك عند كم على مالا يعرف ولا يعقل، فلم يحر جوابا.

ثم قال الرضا (عليه السلام): يا سليمان هل يعلم الله جميع ما في الجنة والنار؟

قال سليمان: نعم، قال: فيكون ما علم الله عز وجل أنه يكون من ذلك؟ قال: نعم، قال: فإذا كان حتى لا يبقى منه شئ إلا كان أيزيدهم أو يطويه عنهم؟ قال سليمان:

بل يزيدهم، قال: فأراه في قولك قد زادهم ما لم يكن في علمه أنه يكون، قال جعلت فداك فالمزيد لا غاية له، قال: فليس يحيط علمه عندكم بما يكون فيهما إذا لم يعرف غاية ذلك، وإذا لم يحط علمه بما يكون فيهما لم يعلم ما يكون فيهما أن يكون، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قال سليمان: إنما قلت: لا يعلمه لأنه لا غاية لهذا، لان الله عز وجل وصفهما بالخلود، وكرهنا أن نجعل لهما انقطاعا، قال الرضا (عليه السلام):

ليس علمه بذلك بموجب لانقطاعه عنهم، لأنه قد يعلم ذلك ثم يزيدهم ثم لا يقطعه عنهم، وكذلك قال عز وجل في كتابه (كلما نضجت جلودهم بدلنا هم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب) وقال لأهل الجنة: (عطاء غير مجذوذ) وقال عز وجل:

(وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة) فهو جل وعز يعلم ذلك ولا يقطع عنهم الزيادة، أرأيت ما أكل أهل الجنة وما شربوا أليس يخلف مكانه؟ قال: بلى، قال: أفيكون يقطع ذلك عنهم وقد أخلف مكانه؟ قال سليمان: لا، قال فكذلك كلما يكون فيها إذا أخلف مكانه فليس بمقطوع عنهم، قال سليمان: بل يقطعه عنهم ولا يزيدهم، قال الرضا (عليه السلام): إذا يبيد ما فيهما، وهذا يا سليمان إبطال الخلود وخلاف الكتاب، لان الله عز وجل يقول: (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد) ويقول عز وجل: (عطاء غير مجذوذ) ويقول عز وجل: (وما هم منها بمخرجين) ويقول عز وجل: (خالدين فيها أبدا) ويقول عز وجل: (وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة) فلم يحر. جوابا.

ثم قال الرضا (عليه السلام): يا سليمان ألا تخبرني عن الإرادة فعل هي أم غير فعل؟

قال: بلى هي فعل، قال: فهي محدثة، لان الفعل كله محدث، قال ليست بفعل، قال: فمعه غيره لم يزل، قال سليمان: الإرادة هي الانشاء، قال: يا سليمان هذا الذي عبتموه على ضرار وأصحابه من قولهم: إن كل ما خلق الله عز وجل

في سماء أو أرض أو بحر أو بر من كلب أو خنزير أو قرد أو إنسان أو دابة إرادة الله، وإن إرادة الله تحيا وتموت وتذهب وتأكل وتشرب وتنكح وتلد وتظلم وتفعل الفواحش وتكفر وتشرك، فنبرؤ منها ونعاديها، وهذا حدها، قال سليمان: إنما كالسمع والبصر والعلم، قال الرضا (عليه السلام): قد رجعت إلى هذا ثانية، فأخبرني عن السمع والبصر والعلم أمصنوع؟ قال سليمان: لا، قال الرضا عليه السلام: فكيف نفيتموه؟ فمرة قلتم لم يرد، ومره قلتم أراد وليست بمفعول له؟

قال سليمان: إنما ذلك كقولنا: مرة علم، ومرة لم يعلم، قال الرضا (عليه السلام): ليس ذلك سواء، لان نفي المعلوم ليس بنفي العلم، ونفي المراد نفي الإرادة أن تكون، لان الشئ إذا لم يرد لم يكن إرادة، وقد يكون العلم ثابتا وإن لم يكن المعلوم، بمنزلة البصر فقد يكون الانسان بصيرا وإن لم يكن المبصر، ويكون العلم ثابتا وإن لم يكن المعلوم، قال سليمان: إنها مصنوعة، قال: فهي محدثة ليست كالسمع والبصر، لان السمع والبصر ليسا بمصنوعين وهذه مصنوعة، قال سليمان:

إنها صفة من صفاته لم تزل، قال: فينبغي أن يكون الانسان لم يزل، لان صفته لم تزل، قال سليمان: لا، لأنه لم يفعلها، قال الرضا (عليه السلام): يا خراساني ما أكثر غلطك!

أفليس بإرادته وقوله تكون الأشياء؟ قال سليمان: لا، قال: فإذا لم تكن بإرادته ولا مشيته ولا أمره ولا بالمباشرة فكيف يكون ذلك؟ تعالى الله عن ذلك، فلم يحر جوابا.

ثم قال الرضا (عليه السلام): ألا تخبرني عن قول الله عز وجل: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها) يعني بذلك أنه يحدث إرادة؟ قال له: نعم، قال: فإذا أحدث إرادة كان قولك: إن الإرادة هي هو أو شئ منه باطلا، لأنه لا يكون أن يحدث نفسه ولا يتغير عن حاله، تعال يا لله عن ذلك، قال سليمان: إنه لم يكن عنى بذلك أنه يحدث إرادة، قال: فما عنى به؟ قال: عنى به فعل الشئ، قال الرضا (عليه السلام):

ويلك كم تردد هذه المسألة وقد أخبرتك أن الإرادة محدثة، لان فعل الشئ محدث؟!

قال: فليس لها معنى! قال الرضا (عليه السلام): قد وصف نفسه عندكم حتى وصفها بالإرادة بما لا معنى له، فإذا لم يكن لها معنى قديم ولا حديث بطل قولكم: إن الله لم يزل مريدا، قال سليمان: إنما عنيت أنها فعل من الله لم يزل، قال: ألا تعلم أن ما لم يزل لا يكون مفعولا وقديما حديثا في حالة واحدة؟ فلم يحر جوابا.

قال الرضا (عليه السلام): لا بأس أتمم مسألتك، قال سليمان: قلت: إن الإرادة صفة من صفاته، قال الرضا (عليه السلام): كم تردد علي أنها صفة من صفاته، فصفته محدثة أولم تزل؟ قال سليمان: محدثة، قال الرضا (عليه السلام): الله أكبر فالإرادة محدثة، وإن كانت صفة من صفاته لم تزل فلم يرد شيئا، قال الرضا (عليه السلام): إن ما لم يزل لا يكون مفعولا، قال سليمان: ليس الأشياء إرادة، ولم يرد شيئا، قال الرضا (عليه السلام): وسوست يا سليمان، فقد فعل وخلق ما لم يزل خلقه وفعله، وهذه صفة من لا يدري ما فعل، تعالى الله عن ذلك.

قال سليمان: يا سيدي فقد أخبرتك أنها كالسمع والبصر والعلم، قال المأمون:

ويلك يا سليمان كم هذا الغلط والترداد؟ اقطع هذا وخذ في غيره إذ لست تقوي على غير هذا الرد، قال الرضا (عليه السلام): دعه يا أمير المؤمنين لا تقطع عليه مسألته فيجعلها حجة، تكلم يا سليمان، قال: قد أخبرتك أنها كالسمع والبصر والعلم، قال الرضا (عليه السلام): لا بأس، أخبرني عن معنى هذه، أمعنى واحد أو معاني مختلفة؟ قال سليمان: معنى واحد، قال الرضا (عليه السلام): فمعنى الإرادات كلها معنى واحد؟ قال سليمان: نعم، قال الرضا (عليه السلام): فإن كان معناها معنى واحدا كانت إرادة القيام إرادة القعود، وإرادة الحياة إرادة الموت، إذ كانت إرادته واحدة لم يتقدم بعضها بعضا، ولم يخالف بعضها بعضا، وكان شيئا واحدا، قال سليمان: إن معناها مختلف، قال : فأخبرني عن المريد أهولا الإرادة أو غيرها؟ قال سليمان: بل هو الإرادة، قال

الرضا (عليه السلام): فالمريد عندكم مختلف إذ كان هو الإرادة، قال: يا سيدي ليس الإرادة المريد، قال: فالإرادة محدثة وإلا فمعه غيره، افهم وزد في مسألتك، قال سليمان:

فإنها اسم من أسمائه، قال الرضا (عليه السلام): هل سمى نفسه بذلك؟ قال سليمان:

لا لم يسم نفسه بذلك، قال الرضا (عليه السلام): فليس لك أن تسميه بما لم يسم به نفسه، قال:

قد وصف نفسه يأنه مريد، قال الرضا (عليه السلام): ليس صفته نفسه أنه مريد إخبارا عن أنه أراده، ولا إخبارا عن أن الإرادة اسم من أسمائه، قال سليمان: لان إرادته علمه، قال الرضا (عليه السلام): يا جاهل فإذا علم الشئ فقد أراده؟ قال سليمان: أجل، قال: فإذا لم يرده لم يعلمه؟ قال سليمان: أجل، قال: من أين قلت ذاك؟ وما الدليل على أن إرادته علمه؟ وقد يعلم ما لا يريده أبدا، وذلك قوله عز وجل: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك) فهو يعلم كيف يذهب به، ولا يذهب به أبدا، قال سليمان: لأنه قد فرغ من الامر فليس يزيد فيه شيئا! قال الرضا (عليه السلام): هذا قول اليهود، فكيف قال:

(ادعوني أستجب لكم)؟ قال سليمان: إنما عنى بذلك أنه قادر عليه، قال: أفيعد مالا يفي به؟ فكيف قال: (يزيد في الخلق ما يشاء)؟ وقال عز وجل: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) وقد فرغ من الامر؟ فلم يحر جوابا.

قال الرضا (عليه السلام): يا سليمان هل يعلم أن إنسانا يكون ولا يريد أن يخلق إنسانا أبدا؟ أو أن إنسانا يموت ولا يريد أن يموت اليوم؟ قال سليمان: نعم، قال الرضا (عليه السلام): فيعلم أنه يكون ما يريد أن يكون، أو يعلم أنه يكون ما لا يريد أن يكون؟ قال: يعلم أنهما يكونان جميعا، قال الرضا (عليه السلام): إذا يعلم أن إنسانا حي ميت قائم قاعد أعمى بصير في حالة واحدة، وهذا هو المحال، قال : جعلت فداك فإنه يعلم أن يكون أحدهما دون الآخر، قال: لا بأس، فأيهما يكون؟ الذي أراد أن يكون؟ أو الذي لم يرد أن يكون؟ قال سليمان: الذي أراد أن يكون، فضحك الرضا (عليه السلام) والمأمون وأصحاب المقالات، قال الرضا (عليه السلام): غلطت وتركت قولك:

إنه يعلم أن إنسانا يموت اليوم وهو لا يريد أن يموت اليوم، وإنه يخلق خلقا وأنه لا يريد أن يخلقهم، وإذا لم يجز العلم عندكم بما لم يرد أن يكون فإنما يعلم أن يكون ما أراد أن يكون.

قال سليمان: فإنما قولي: إن الإرادة ليست هو ولا غيره، قال الرضا (عليه السلام):

يا جاهل إذا قلت: ليست هو فقد جعلتها غيره، فإذا قلت: ليست هي غيره فقد جعلتها هو، قال سليمان: فهو يعلم كيف يصنع الشئ؟ قال: نعم، قال سليمان: فإن ذلك إثبات للشئ، قال الرضا (عليه السلام): أحلت، لان الرجل قد يحسن البناء وإن لم يبن، ويحسن الخياطة وإن لم يخط، ويحسن صنعة الشئ وإن لم يصنعه أبدا، ثم قال له:

يا سليمان هل يعلم أنه واحد لا شئ معه؟ قال: نعم، قال: أفيكون ذلك إثباتا للشئ، قال سليمان: ليس يعلم أنه واحد لا شئ معه، قال الرضا (عليه السلام): أفتعلم أنت ذاك؟ قال:

نعم، قال: فأنت يا سليمان أعلم منه إذا، قال سليمان: المسألة محال، قال: محال عندك أنه واحد لا شئ معه، وأنه سميع بصير حكيم قادر؟ قال: نعم، فال: فكيف أخبر عز وجل أنه واحد حي سميع بصير حكيم قادر عليم خبير وهو لا يعلم ذلك؟

وهذا رد ما قال وتكذيبه تعالى الله عن ذلك، ثم قال له الرضا (عليه السلام): فكيف يريد صنع ما لا يدري صنعه ولا ما هو؟ وإذا كان الصانع لا يدري كيف يصنع الشئ قبل أن يصنعه فإنما هو متحير، تعالى الله عن ذلك.

قال سليمان: فإن الإرادة: القدرة، قال الرضا (عليه السلام): وهو عز وجل يقدر على ما لا يريده أبدا ولا بد من ذلك، لأنه قال تبارك وتعالى: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أو حينا إليك) فلو كانت الإرادة هي القدرة كان قد أراد أن يذهب به

لقدرته، فانقطع سليمان: قال المأمون عند ذلك: يا سليمان هذا أعلم هاشمي، ثم تفرق القوم. الإحتجاج: مرسلا مثله إلا أنه أسقط بعض الخبر اختصارا. بيان اعلم أنه لما كان للبداء معان أثبتها (عليه السلام) بمعانيها:

الأول: أن يكون المراد به إحداث أمر لم يكن، وإيجاد شئ بعد عدمه، وهذا الذي نسب إلى اليهود نفيه، حيث قالوا: خلق جميع الأشياء في الأزل وفرغ من الامر، ولذا قالوا: يد الله مغلولة، وإلى نفيه أشار بقوله: (أولم ير الانسان) وقوله تعالى:

(وهو الذي يبدؤ الخلق) وقوله: (بديع السماوات والأرض) وقوله: (وبدأ خلق الانسان) وقوله: (وآخرون مرجون).

الثاني: نسخ الاحكام وإليه أشار بقوله: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين). والثالث: تقدير الأشياء وإثباتها في الألواح السماوية ومحوها وتغييرها بحسب المصالح، وإليه أشار بقوله: (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره) وغيرها مما ذكره، و المعروف من البداء هو المعنى الأخير كما مر بيانه في بابه، ويمكن تطبيق بعض الآيات السابقة عليه أيضا بأن يراد بالخلق التقدير لا الايجاد.

قوله: (وأن يقف الله قوما يرجئهم لامره) يحتمل أن يكون تفسيرا للبداء لأنه أيضا نوح من البداء، حيث لا يظهر أولا في التقدير كونها معذبين أو مرحومين، ثم يظهر للخلق بعد ذلك، ويحتمل أن يكون أمرا آخر كانوا ينكرونه، ذكره (عليه السلام) استطرادا لشباهته بالبداء، وذكر الآية الدالة عليه سابقا يؤيد الأول. (قوله: اسما وصفة مثل حي) أي جعلوها من الصفات الذاتية القديمة، لا من صفات الفعل الحادثة.

.

قوله: (مثله يعايا) أي تتكلم معه على سبيل المباهتة والمغالطة، قال الجوهري:

المعاياة أن تأتي بشئ لا يهتدى له.

قوله: (فأعاد عليه المسألة) أي أعاد المروزي سؤال الحدوث والقدم عنه (عليه السلام) ويحتمل أن يكون المراد أنه (عليه السلام) أعاد السؤال السابق فأجاب المروزي بمثل جوابه سابقا فرد الإمام (عليه السلام) عليه وقال: هي محدثه، ويحتمل أن يكون (فقال) بيانا للإعادة.

قوله: (أفبإرادته كان ذلك قال سليمان: نعم) كذا في أكثر نسخ الكتب الثلاثة، وفي بعض نسخ التوحيد: (قال سليمان: لا) وهو الأظهر، وعلى ما في أكثر النسخ يكون حاصل جوابه (عليه السلام) أن ما ذكرت من كون حياته وسمعه وبصره محدثا مسبوقا بالإرادة معلوم الانتفاء كما أوضحه أخيرا وبينه بأنه يوجب التغير في ذاته تعالى وكونه محلا للحوادث.

قوله (عليه السلام): (فأراكم ادعيتم علم ذلك) لعل المعنى أنك لما ادعيت أن ذلك على خلاف ما يعقله الناس فلم يحصل لك من ذلك سوى احتمال أن يكون كذلك ولم تقم دليلا على ذلك، ومحض الاحتمال لا يكفي في مقام الاستدلال، أو المعنى أنه إذا كان هذا الامر على خلاف ما يعقله الناس ويفهمونه فلا يمكن التصديق به إذ التصديق فرع تصور الأطراف.

قوله: (الإرادة هي الانشاء) لعله كان مراده أنها عين المنشأ. ثم اعلم أن ما نسبه المتكلمون إلى ضرار هو كون إرادته تعالى عين ذاته لا عين المخلوقات، ولعله كان قائلا بأحدهما ثم رجع إلى الآخر.

قوله: (كقولنا مرة علم ومرة لم يعلم) لعله أراد أن العلم أيضا يمكن نفيه قبل حصول المعلوم، فأجاب (عليه السلام) ببطلان ذلك، ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى ما في بعض الآيات من قوله: (ليعلم من يتبع الرسول) وأمثاله، فأجاب (عليه السلام) بأنها مأولة بالعلم بعد الحصول وإلا فأصل العلم لا يتوقف على الحصول، ويحتمل أن يكون مراده أنه لا يمكن نفي الإرادة كما لا يمكن نفي العلم.

قوله: (لان صفته لم تزل) الظاهر (صنعته) بدل (صفته) أي لا يتوقف صنعه و إيجاده إلا على إرادته تعالى إيجاده، فإذا كانت الإرادة قديمة كان المراد أيضا قديما ولو كان (صفته) فالمراد أيضا ما ذكرنا بنوع من التكلف، أي صفة إيجاده بإرجاع الضمير إلى الانسان، أو إلى الله تعالى، فأجاب الخراساني: بأن قدم الإرادة لا يستلزم قدم المراد، إذ الايجاد فعل فلعله مع وجود الإرادة لم يفعله، فأجاب (عليه السلام):

بأن إرادته تعالى لا يتخلف عن الايجاد لقوله تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) ثم أجاب أخيرا بأن إيجاده تعالى ليس بمباشرة ومزاولة بل ليس إلا بمحض إرادته، فإذا لم تكن الإرادة كافية في الايجاد فعلى أي شئ يتوقف.

قوله. (حتى وصفها بالإرادة بما لا معنى له) أي كيف يعقل أن يقال: إن الإرادة لا معنى لها، والحال أن الله تعالى وصف نفسه بها وذكرها في كتابه، وهل يجوز أن يذكر الله شيئا لا معنى له؟.

قوله (عليه السلام): (فلم يرد شيئا) إذ الإرادة الأزلية إما أن يتعلق بقديم، فالقديم لا يكون مسبوقا بالإرادة كما مر في الاخبار، أو بحادث فيلزم تخلف المراد عن الإرادة وهو غير جائز كما مر في هذا الخبر، أو هو بالتشديد من الرد، أي لم يرد الخراساني جوابا، فكلمة (إن) وصلية. قوله: (ليس الأشياء إرادة ولم يرد شيئا) أي ليست الأشياء عين الإرادة كما قال ضرار، ولم يتعلق إرادته أيضا بشئ، ويحتمل أن يكون كلمة (إلا) استثناء كما في بعض النسخ، أي ليس إلا شيئا واحدا أراده وهو أصل الخلق من غير تفصيل أو الإرادة، فقال (عليه السلام): لقد وسوست على بناء المجهول، أي وسوس إليك الشيطان حتى تكلمت بذلك، أو خبط الشيطان عقلك حيث تتكلم بهذه الخرافات، ثم بين ضعف قوله بأنه على قولك: إنه أراد الإرادة القديمة ولم يرد غيرها أن يكون الإرادة متعلقة بأمر قديم لم يزل مع الله، وتأثير الشئ فيما يكون معه دائما لا يكون على وجه الإرادة والاختيار، بل يكون على وجه الاضطرار كإحراق النار، وفي بعض نسخ التوحيد:

(ما لم يرد خلقه) وهو أظهر، أي يلزم على قولك أن يكون صدور الأشياء عنه تعالى بغير إرادة، وهذه صفة من لا يدري ما فعل. كالنار في إحراقه، تعالى الله عن ذلك.

قوله: (وإلا فمعه غيره) أي يلزم تعدد القدماء. (قوله: لان إرادته علمه) أي ما نسب إلى نفسه بلفظ الإرادة أراد به العلم، والظاهر أن اللام زيد من النساخ، والسائل رجع عن كلامه السابق لعجزه عن جواب ما يرد عليه إلى كلام آخر. قوله: (فإن ذلك إثبات للشئ) أي في الأزل، إنما قال ذلك ظنا منه أن العلم بالشئ يستلزم وجوده.

أقول: قد مر شرح بعض أجزاء الخبر في كتاب التوحيد. وقال الصدوق رحمة الله عليه في الكتابين بعد إيراد هذا الخبر: كان المأمون يجلب على الرضا (عليه السلام) من متكلمي الفرق وأهل الأهواء المضلة كل من سمع به حرصا على انقطاع الرضا (عليه السلام) من الحجة مع واحد منهم، وذلك حسدا منه له ولمنزلته من العلم، فكان لا يكلمه أحد إلا أقر له بالفضل والتزم الحجة له عليه، لان الله تعالى ذكره يأبى إلا أن يعلي كلمته ويتم نوره وينصر حجته، وهكذا وعد تبارك وتعالى في كتابه فقال: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا) يعني بالذين آمنوا الأئمة الهداة (عليهم السلام) وأتباعهم العارفين بهم والآخذين عنهم، ينصرهم بالحجة على مخالفيهم ما داموا في الدنيا، وكذلك يفعل بهم في الآخرة، وإن الله لا يخلف وعده.

3 - عيون أخبار الرضا (ع): الهمداني والمكتب والوراق، عن أبيه، عن علي، عن صفوان بن يحيى صاحب السابري قال: سألني أبو قرة صاحب الجاثليق أن أوصله إلى الرضا (عليه السلام) فاستأذنته في ذلك، فقال: أدخله علي، فلما دخل عليه قبل بساطه وقال: هكذا علينا في ديننا أن نفعل بأشراف أهل زماننا، ثم قال له: أصلحك الله ما تقول في فرقة ادعت دعوى فشهدت لهم فرقة أخرى معدلون؟ قال: الدعوى لهم، قال: فادعت فرقة أخرى دعوى فلم يجدوا شهودا من غيرهم؟ قال: لا شئ لهم قال فإنا نحن ادعينا أن عيسى روح الله

وكلمته، فوافقنا على ذلك المسلمون، وادعى المسلمون أن محمدا نبي فلم نتابعهم عليه، وما أجمعنا عليه خير مما افترقنا فيه، فقال له الرضا (عليه السلام): ما اسمك؟ قال يوحنا، قال: يا يوحنا إنا آمنا بعيسى روح الله وكلمته الذي كان يؤمن بمحمد ويبشر به ويقر على نفسه أنه عبد مربوب: فإن كان عيسى الذي هو عندك روح الله وكلمته ليس هو الذي آمن بمحمد وبشر به، ولا هو الذي أقر لله بالعبودية والربوبية فنحن منه برآء، فأين اجتمعنا، فقام فقال لصفوان بن يحيى: قم فما كان أغنانا عن هذا المجلس؟!

4 - عيون أخبار الرضا (ع): تميم بن عبد الله بن تميم القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الأنصاري، عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي قال: سأل المأمون أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: (وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا) فقال: إن الله تبارك و تعالى خلق العرش والماء والملائكة قبل خلق السماوات والأرض، فكانت الملائكة تستدل بأنفسها وبالعرش والماء على الله عز وجل، ثم جعل عرشه على الماء ليظهر بذلك قدرته للملائكة فتعلم أنه على كل شئ قدير، ثم رفع العرش بقدرته ونقله فجعله فوق السماوات السبع، ثم خلق السماوات والأرض في ستة أيام وهو مستول على عرشه، وكان قادرا على أن يخلقها في طرفة عين، ولكنه عز وجل خلقها في ستة أيام ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئا بعد شئ فتستدل بحدوث ما يحدث على الله تعالى ذكره مرة بعد مرة، ولم يخلق الله العرش لحاجة به إليه، لأنه غني عن العرش وعن جميع ما خلق، لا يوصف بالكون على العرش لأنه ليس بجسم، تعالى عن صفة خلقه علوا كبيرا. وأما قوله عز وجل: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) فإنه عز وجل خلق خلقه ليبلوهم بتكليف طاعته وعبادته لاعلى سبيل الامتحان والتجربة، لأنه لم يزل عليما بكل شئ. فقال المأمون: فرجت عني يا أبا الحسن فرج الله عنك، ثم قال له: يا ابن

رسول الله فما معنى قول الله جل ثناؤه: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين * وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) فقال الرضا (عليه السلام): حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد،، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسن بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: إن المسلمين قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله): لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من الناس على الاسلام لكثر عددنا وقوينا على عدونا، فقال رسول الله: ما كنت لألقى الله عز وجل ببدعة لم يحدث إلي فيها شيئا وما أنا من المتكلفين، فأنزل الله عز وجل عليه: يا محمد) ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا) على سبيل الالجاء والاضطرار في الدنيا كما يؤمنون عند المعاينة ورؤية البأس في الآخرة، ولو فعلت ذلك بهم لم يستحقوا مني ثوابا ولا مدحا، ولكني أريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرين ليستحقوا مني الزلفى والكرامة ودوام الخلود في جنة الخلد، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) وأما قوله عز وجل: (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) فليس ذلك على سبيل تحريم الايمان عليها، ولكن على معنى أنها ما كانت لتؤمن إلا بإذن الله، وإذنه أمره لها بالايمان ما كانت مكلفة متعبدة، وإلجاؤه إياها إلى الايمان عند زوال التكليف والتعبد عنها، فقال المأمون: فرجت عني يا أبا الحسن فرح الله عنك، فأخبرني عن قول الله عز وجل: (الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا) فقال: إن غطاء العين لا يمنع من الذكر، الذكر لا يرى بالعين، ولكن الله عز وجل شبه الكافرين بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالعميان لأنهم كانوا يستثقلون قول النبي (صلى الله عليه وآله) فيه ولا يستطيعون له سمعا، فقال المأمون: فرجت عني فرج الله عنك. الإحتجاج: الهروي مثله.

5 - الإحتجاج: عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث صاحب شبرمة أن

ادخله إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فاستأذنته فأذن له، فدخل فسأله عن أشياء من الحلال والحرام والفرائض والاحكام حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد فقال له: أخبرني جعلني الله فداك عن كلام الله لموسى، فقال: الله أعلم بأي لسان كلمه، بالسريانية أم بالعبرانية فأخذ أبو قرة بلسانه فقال: إنما أسألك عن هذا اللسان، فقال أبو الحسن (عليه السلام): سبحان الله عما تقول، ومعاذ الله أن يشبه خلقه أو يتكلم بمثل ما هم متكلمون، ولكنه تبارك وتعالى ليس كمثله شئ، ولا كمثله قائل فاعل، قال: كيف ذلك؟ قال: كلام الخالق لمخلوق ليس ككلام المخلوق لمخلوق، ولا يلفظ بشق فم ولا لسان، ولكن يقول له: كن، فكان بمشيته ما خاطب به موسى من الأمر والنهي من غير تردد في نفس. فقال أبو قرة: فما تقول في الكتب؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وكل كتاب انزل كان كلام الله تعالى، أنزله للعالمين نورا وهدى وهي كلها محدثة وهي غير الله، حيث يقول: (أو يحدث لهم ذكرا) وقال: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون) والله أحدث الكتب كلها التي أنزلها، فقال أبو قرة: فهل يفنى؟ فقال أبو حسن (عليه السلام): أجمع المسلمون على أن ما سوى الله فان وما سوى الله فعل الله، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان فعل الله تعالى، ألم تسمع الناس يقولون: رب القرآن؟ وإن القرآن يقول يوم القيامة: يا رب هذا فلان - وهو أعرف به - قد أظمأت نهاره، وأسهرت ليله، فشفعني فيه؟ وكذلك التوراة والإنجيل والزبور كلها محدثة مربوبة، أحدثها من ليس كمثله شئ، هدى لقوم يعقلون، فمن زعم أنهن لم يزلن فقد أظهر أن الله ليس بأول قديم ولا واحد، وأن الكلام لم يزل معه وليس له بدؤ وليس بإله، قال أبو قرة: وإنا روينا أن الكتب كلها تجئ يوم القيامة والناس في صعيد واحد، صفوف قيام لرب العالمين، ينظرون حتى ترجع فيه، لأنها منه وهي جزء منه فإليه تصير، قال أبو الحسن (عليه السلام): فهكذا قالت النصارى

في المسيح: إنه روحه جزء منه ويرجع فيه، وكذلك قالت المجوس في النار والشمس:

إنهما جزء منه يرجع فيه، تعالى ربنا أن يكون متجزئا أو مختلفا، وإنما يختلف و يأتلف المتجزئ لان كل متجزء متوهم والقلة والكثرة مخلوقة دالة على خالق خلقها فقال أبو قرة: فإنا روينا أن الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين، فقسم لموسى الكلام، ولمحمد (صلى الله عليه وآله) الرؤية، فقال أبو الحسن (عليه السلام): فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين من الجن والإنس: إنه لا تدركه الابصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شئ؟ أليس محمد؟ قال: بلى، قال أبو الحسن (عليه السلام): فكيف يجئ رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنه جاء من عند الله، وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله ويقول: إنه لا تدركه الابصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شئ، ثم يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علما، وهو على صورة البشر؟ أما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون أتى عن الله بأمر ثم يأتي بخلافه من وجه آخر! فقال أبو قرة: فإنه يقول:

(ولقد رآه نزلة أخرى) فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث يقول: (ما كذب الفؤاد ما رأى) يقول: ما كذب فؤاد محمد (صلى الله عليه وآله) ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأت عيناه فقال: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) فآيات الله غير الله. وقال: (ولا يحيطون به علما) فإذا رأته الابصار فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة، فقال أبو قرة فتكذب بالرواية؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذبتها، وما أجمع المسلمون عليه أنه لا يحاط به علما، ولا تدركه الابصار، وليس كمثله شئ.

وسأله عن قول الله: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام) فقال أبو الحسن: قد أخبر الله تعالى أنه أسرى به، ثم أخبر لم أسرى به فقال: (لنريه من

آياتنا) فآيات الله غير الله، لقد أعذر وبين لم فعل به ذلك وما رآه، فقال: (فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون) فأخبر أنه غير الله.

فقال أبو قرة: فأين الله؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): الأين مكان، وهذه مسألة شاهد عن غائب، والله تعالى ليس بغائب، ولا يقدمه قادم، وهو بكل مكان موجود، مدبر صانع حافظ ممسك السماوات والأرض.

فقال أبو قرة: أليس هو فوق السماء دون ما سواها؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام):

هو الله في السماوات وفي الأرض، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وهو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، وهو معكم أينما كنتم، وهو الذي استوى إلى السماء وهي دخان، وهو الذي استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، وهو الذي استوى على العرش، قد كان ولا خلق، وهو كما كان إذ لا خلق، لم ينتقل مع المنتقلين.

فقال أبو قرة: فما بالكم إذا دعوتم رفعتم أيديكم إلى السماء؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن الله استعبد خلقه بضروب من العبادة، والله مفازع يفزعون إليه ويستعبد فاستعبد عباده بالقول والعلم والعمل والتوجيه ونحو ذلك، استعبدهم بتوجيه الصلاة إلى الكعبة، ووجه إليها الحج والعمرة، واستعبد خلقه عند الدعاء والطلب والتضرع ببسط الأيدي ورفعها إلى السماء لحال الاستكانة وعلامة العبودية و التذلل له.

فقال أبو قرة: فمن أقرب إلى الله؟ الملائكة أو أهل الأرض؟ قال أبو الحسن (عليه السلام): إن كنت تقول بالشبر والذراع فإن الأشياء كلها باب واحد هي فعله، لا يشتغل ببعضها عن بعض، يدبر أعلى الخلق من حيث يدبر أسفله، ويدبر أوله من حيث بدبر آخره، من غير عناء ولا كلفة ولا مؤونة ولا مشاورة ولا نصب، وإن كنت تقول:

من أقرب إليه في الوسيلة؟ فأطوعهم له، وأنتم تروون أن أقرب ما يكون العبد إلى الله

وهو ساجد، ورويتم أن أربعة أملاك التقوا أحدهم من أعلى الخلق، وأحدهم من أسفل الخلق، وأحدهم من شرق الخلق، وأحدهم من غرب الخلق، فسأل بعضهم بعضا فكلهم قال: من عند الله، أرسلني بكذا وكذا، ففي هذا دليل على أن ذلك في المنزلة دون التشبيه والتمثيل. فقال أبو قرة: أتقر أن الله تعالى محمول؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): كل محمول مفعول ومضاف إلى غيره محتاج، فالمحمول اسم نقص في اللفظ، والحامل فاعل، و هو في اللفظ ممدوح، وكذلك قول القائل: فوق وتحت وأعلى وأسفل، وقد قال الله تعالى: (والله الأسماء الحسنى فادعوه بها) ولم يقل في شئ من كتبه أنه محمول، بل هو الحامل في البر والبحر، والممسك للسماوات والأرض، والمحمول ما سوى الله، ولم نسمع أحدا آمن بالله وعظمه قط قال في دعائه: يا محمول.

قال أبو قرة: أفتكذب بالرواية: إن الله إذا غضب إنما يعرف غضبه، إن الملائكة الذين يحملون العرش يجدون ثقله على كواهلهم فيخرون سجدا، فإذا ذهب الغضب خف فرجعوا إلى مواقفهم؟ فقال (عليه السلام): أخبرني عن الله تبارك وتعالى منذ لعن إبليس إلى يومك هذا وإلى يوم القيامة غضبان هو على إبليس وأوليائه أو راض عنهم؟

فقال: نعم هو غضبان عليه، قال فمتى رضي فخفف وهو في صفتك لم يزل غضبان عليه وعلى أتباعه؟! ثم قال: ويحك كيف تجترئ أن تصف ربك بالتغير من حال إلى حال، وأنه يجري عليه ما يجري على المخلوقين؟ سبحانه لم يزل مع الزائلين، ولم يتغير مع المتغيرين. قال صفوان: فتحير أبو قرة ولم يحر جوابا حتى قام وخرج. بيان: قوله: (وليس له بدؤ) أي ليس للكلام علة، لان القدم غير مصنوع (وليس بإله) أي والحال أن الكلام ليس بإله حتى لا يحتاج إلى الصانع، أو الصانع

يلزم أن لا يكون إلها لوجود الشريك معه في القدم. وفي بعض النسخ: (وليس بآلة) بالتاء أي يلزم أن لا يكون الكلام آلة للتفهيم، وليس في بعض النسخ قوله: (وليس له بدؤ) والأظهر حينئذ كون الضمير راجعا إلى الصانع كما مر في الوجه الثاني.

قوله: (لان كل متجزء متوهم) كأنه على سبيل القلب: أي كل ما يتوهم فيه العقل الاختلاف والايتلاف يكون متجزئا، أو المعنى: أن كل متجز يتوهم فيه العقل القلة والكثرة والزيادة والنقصان، وهذه صفات الامكان والمخلوقية. قوله:

(وما أجمع المسلمون) معطوف على القرآن.

أقول: قد مر شرح أجزاء الخبر في كتاب التوحيد.

6 - مناقب ابن شهرآشوب: روى ابن جرير بن رستم الطبري، عن أحمد الطوسي، عن أشياخه في حديث أنه انتدب للرضا (عليه السلام) قوم يناظرون في الإمامة عند المأمون فأذن لهم، فاختاروا يحيى بن الضحاك السمرقندي فقال: سل يا يحيى، فقال يحيى: بل سل أنت يا ابن رسول الله لتشرفني بذلك، فقال (عليه السلام): يا يحيى ما تقول في رجل ادعى الصدق لنفسه وكذب الصادقين؟ أيكون صادقا محقا في دينه أم كاذبا؟ فلم يحر جوابا ساعة، فقال المأمون: أجبه يا يحيى، فقال: قطعني يا أمير المؤمنين، فالتفت إلى الرضا (عليه السلام) فقال: ما هذه المسألة التي أقر يحيى بالانقطاع فيها؟ فقال (عليه السلام): إن زعم يحيى أنه صدق الصادقين فلا إمامة لمن شهد بالعجز على نفسه فقال على منبر الرسول:

(وليتكم ولست بخيركم) والأمير خير من الرعية، وإن زعم يحيى أنه صدق الصادقين فلا إمامة لمن أقر على نفسه على منبر الرسول الله (صلى الله عليه وآله): (إن لي شيطانا يعتريني) والامام لا يكون فيه شيطان، وإن زعم يحيى أنه صدق الصادقين فلا إمامة لمن أقر عليه صاحبه فقال:

(كانت إمامة أبي بكر فلتة وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه) فصاح المأمون عليهم فتفرقوا، ثم التفت إلى بني هاشم فقال لهم: ألم أقل لكم أن لا تفاتحوه ولا تجمعوا عليه فإن هؤلاء علمهم من علم رسول الله (صلى الله عليه وآله).

7 - وفي كتاب الصفواني أنه قال الرضا (عليه السلام) لابن قرة النصراني: ما تقول في المسيح؟ قال: يا سيدي إنه من الله، فقال: وما تريد بقولك: (من) و (من) على أربعة أوجه لا خامس لها، أتريد بقولك: (من) كالبعض من الكل فيكون مبعضا، أو كالخل من الخمر فيكون على سبيل الاستحالة، أو كالولد من الوالد فيكون على سبيل المناكحة، أو كالصنعة من الصانع فيكون على سبيل المخلوق من الخالق، أو عندك وجه آخر فتعرفناه؟ فانقطع.

8 - أبو إسحاق الموصلي: إن قوما من ما وراء النهر سألوا الرضا (عليه السلام) عن الحور العين مم خلقن؟ وعن أهل الجنة إذا دخلوها ما أول ما يأكلون؟ وعن معتمد رب العالمين أين كان وكيف كان إذ لا أرض ولا سماء ولا شئ؟ فقال (عليه السلام): أما الحور العين فإنهن خلقن من الزعفران والتراب لا يفنين، وأما أول ما يأكلون أهل الجنة فإنهم يأكلون أول ما يدخلونها من كبد الحوت التي عليها الأرض، وأما معتمد الرب عز وجل فإنه أين الأين، وكيف الكيف، وإن ربي بلا أين ولا كيف، وكان معتمده على قدرته سبحانه وتعالى.

9 - أقول: وروي السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب الفصول عن شيخه المفيد رحمه الله أنه قال: روى أنه لما سار المأمون إلى خراسان وكان معه الرضا علي بن موسى (عليهما السلام) فبينا هما يسيران إذ قال له المأمون: يا أبا الحسن إني فكرت في شئ فنتج لي الفكر الصواب فيه، فكرت في أمرنا وأمركم ونسبنا ونسبكم فوجدت الفضيلة فيه واحدة، ورأيت اختلاف شيعتنا في ذلك محمولا على الهوى والعصبية، فقال له أبو الحسن (عليه السلام): إن لهذا الكلام جوابا إن شئت ذكرته لك، وإن شئت أمسكت، فقال له المأمون: إني لم أقله إلا لاعلم ما عندك فيه، قال له الرضا (عليه السلام): أنشدك الله يا أمير المؤمنين لو أن الله بعث نبيه محمدا (صلى الله عليه وآله) فخرج علينا من وراء أكمة من هذه الآكام يخطب إليك ابنتك كنت مزوجه إياها؟ فقال: يا سبحان الله وهل يرغب أحد

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟! فقال له الرضا (عليه السلام): أفتراه كان يحل له أن يخطب إلي؟ قال فسكت المأمون هنيئة ثم قال: أنتم والله أمس برسول الله (صلى الله عليه وآله) رحما.

قال الشيخ: وإنما المعنى في هذا الكلام أن ولد عباس يحلون لرسول الله (صلى الله عليه وآله) كما تحل له البعداء في النسب منه، وأن ولد أمير المؤمنين (عليه السلام) من فاطمة (عليهما السلام) ومن أمامة بنت زينب ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحرمن عليه، لأنهن من ولده في الحقيقة، فالولد ألصق بالوالد وأقرب وأحرز للفضل من ولد العم بلا ارتياب بين أهل الدين، وكيف يصح مع ذلك أن يتساووا في الفضل بقرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فنبهه الرضا (عليه السلام) على هذا المعنى وأوضحه له.

10 - قال: وحدثني الشيخ أدام الله عزه أيضا قال: قال المأمون يوما للرضا (عليه السلام) أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين (عليه السلام) يدل عليها القرآن، قال: فقال له الرضا (عليه السلام):

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.