پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · أبواب احتجاجات أمير المؤمنين صلوات الله عليه وما صدر عنه من جوامع العلوم

باب 19 مناظرات الرضا علي بن موسى صلوات الله عليه، واحتجاجه

ج ۱۰، ص ۲۹۸–۳۲۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۰

1 - التوحيد، عيون أخبار الرضا (ع): حدثنا أبو محمد جعفر بن علي بن أحمد الفقيه القمي ثم الايلاقي رضي الله عنه؟ قال أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن علي بن صدقة القمي، قال: حدثني أبو عمر ومحمد بن عمر بن عبد العزيز الأنصاري الكجي، قال: حدثني من سمع الحسن بن محمد النوفلي ثم الهاشمي يقول: لما قدم علي بن موسى الرضا (عليه السلام) على المأمون أمر الفضل بن سهل أن يجمع له أصحاب المقالات مثل الجاثليق، ورأس الجالوت، ورؤساء الصابئين، والهربذ الأكبر، وأصحاب ذرهشت، ونسطاس الرومي والمتكلمين ليسمع كلامه وكلامهم. فجمعهم الفضل بن سهل ثم أعلم المأمون باجتماعهم، فقال المأمون: أدخلهم علي ففعل فرحب بهم المأمون. ثم قال لهم: إني إنما جمعتكم لخير

وأحببت أن تناظروا ابن عمي هذا المدني القادم علي فإذا كان بكرة فاغدوا علي ولا يتخلف منكم أحد؟ فقالوا: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين نحن مبكرون إن أشاء الله.

قال الحسن بن محمد النوفلي: فبينا نحن في حديث لنا عند أبي الحسن الرضا (عليه السلام) إذ دخل علينا ياسر، وكان يتولى أمر أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فقال له: يا سيدي إن أمير المؤمنين يقرؤك السلام ويقول: فداك أخوك، إنه اجتمع إلي أصحاب المقالات و أهل الأديان والمتكلمون من جميع الملل فرأيك في البكور علينا إن أحببت كلامهم، و إن كرهت ذلك فلا نتجشم وإن أحببت أن نصير إليك خف ذلك علينا.

فقال أبو الحسن (عليه السلام): أبلغه السلام وقل له قد علمت ما أردت وأنا صائر إليك بكرة إن شاء الله.

قال الحسن بن محمد النوفلي: فلما مضى ياسر التفت إلينا ثم قال لي: يا نوفلي أنت عراقي ورقة العراقي غير غليظة، فما عندك في جمع ابن عمك علينا أهل الشرك وأصحاب المقالات؟ فقلت: جعلت فداك يريد الامتحان ويحب أن يعرف ما عندك، ولقد بنى على أساس غير وثيق البنيان، وبئس والله ما بنى، فقال لي: وما بناؤه في هذا الباب؟

قلت: إن أصحاب الكلام والبدع خلاف العلماء، وذلك أن العالم لا ينكر غير المنكر، وأصحاب المقالات والمتكلمون وأهل الشرك أصحاب إنكار ومباهتة، إن احتججت عليهم بأن الله واحد قالوا: صحح وحدانيته، وإن قلت: إن محمدا رسول الله، قالوا: أثبت رسالته، ثم يباهتون الرجل وهو يبطل عليهم بحجته ويغالطونه حتى يترك قوله، فاحذرهم جعلت فداك، قال فتبسم (عليه السلام) ثم قال: يا نوفلي أفتخاف أن يقطعوني علي حجتي؟ قلت: لا والله ما خفت عليك قط، وإني لأرجو أن يظفرك الله بهم إن شاء الله. فقال لي: يا نوفلي أتحب أن تعلم متى يندم المأمون؟ قلت: نعم،

قال: إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم، وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم، وعلى أهل الزبور بزبورهم، وعلى الصابئين بعبرانيتهم، وعلى الهرابذة بفارسيتهم، وعلى أهل الروم بروميتهم، وعلى أصحاب المقالات بلغاتهم، فإذا قطعت كل صنف و دحضت حجته وترك مقالته ورجع إلى قولي علم المأمون أن الموضع الذي هو بسبيله ليس بمستحق له، فعند ذلك تكون الندامة منه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فلما أصبحنا أتانا الفضل بن سهل فقال له: جعلت فداك ابن عمك ينتظرك وقد اجتمع القوم فما رأيك في إتيانه؟ فقال له الرضا (عليه السلام): تقدمني فإني صائر إلى ناحيتكم إن شاء الله، ثم توضأ (عليه السلام) وضوءه للصلاة، وشرب شربة سويق وسقانا منه، ثم خرج وخرجنا معه حتى دخلنا على المأمون، فإذا المجلس غاص بأهله، ومحمد بن جعفر في جماعة الطالبيين والهاشميين والقواد حضور، فلما دخل الرضا (عليه السلام) قام المأمون وقام محمد بن جعفر وجميع بني هاشم، فما زالوا وقوفا والرضا (عليه السلام) جالس مع المأمون حتى أمرهم بالجلوس فجلسوا، فلم يزل المأمون مقبلا عليه يحدثه ساعة.

ثم التفت إلى الجاثليق فقال: يا جاثليق هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر، وهو من ولد فاطمة بنت نبينا، وابن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما فأحب أن تكلمه وتحاجه وتنصفه، فقال الجاثليق: يا أمير المؤمنين كيف أحاج رجلا يحتج علي بكتاب أنا منكره، ونبي لا أؤمن به؟ فقال له الرضا (عليه السلام): يا نصراني فإن احتججت عليك بإنجيلك أتقر به؟ قال الجاثليق: وهل أقدر على دفع ما نطق به الإنجيل. نعم والله أقربه على رغم أنفي، فقال له الرضا (عليه السلام): سل عما بدا لك وافهم الجواب.

قال الجاثليق: ما تقول في نبوة عيسى وكتابه؟ هل تنكر منهما شيئا؟ قال

الرضا (عليه السلام): أنا مقر بنبوة عيسى وكتابه وما بشر به أمته وأقرت به الحواريون وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله) وبكتابه ولم يبشر به أمته، قال الجاثليق: أليس إنما تقطع الاحكام بشاهدي عدل؟ قال: بلى، قال: فأقم شاهدين من غير أهل ملتك على نبوة محمد ممن لا تنكره النصرانية، وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملتنا.

قال الرضا (عليه السلام) الآن جئت بالنصفة يا نصراني، ألا تقبل مني العدل المقدم عند المسيح عيسى بن مريم؟ قال الجاثليق: من هذا العدل؟ سمه لي، قال: ما تقول في يوحنا الديلمي؟ قال: بخ بخ، ذكرت أحب الناس إلى المسيح، قال (عليه السلام): فأقسمت عليك هل نطق الإنجيل أن يوحنا قال: إن المسيح أخبرني بدين محمد العربي، وبشرني به أنه يكون من بعده فبشرت به الحورايين فآمنوا به؟ قال الجاثليق: قد ذكر ذلك يوحنا عن المسيح وبشر بنبوة رجل وبأهل بيته ووصيه ولم يلخص متى يكون ذلك، ولم يسم لنا القوم فنعرفهم، قال الرضا (عليه السلام): فإن جئناك، بمن يقرء الإنجيل فتلا عليك ذكر محمد وأهل بيته وأمته أتؤمن به؟ قال: شديدا، قال الرضا (عليه السلام):

لنسطاس الرومي كيف حفظك للسفر الثالث من الإنجيل؟ قال: ما أحفظني له! ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال: ألست تقرء الإنجيل؟ قال: بلى لعمري، قال: فخذ علي السفر الثالث، فإن كان فيه ذكر محمد وأهل بيته وأمته فاشهدوا لي، وإن لم يكن فيه ذكره فلا تشهدوا لي، ثم قرأ (عليه السلام) السفر الثالث حتى إذا بلغ دكر النبي (صلى الله عليه وآله) وقف، ثم قال:

يا نصراني إني أسألك بحق المسيح وأمه أتعلم أني عالم بالإنجيل؟ قال: نعم، ثم تلا علينا ذكر محمد وأهل بيته وأمته، ثم قال: ما تقول يا نصراني؟ هذا قول عيسى بن مريم، فإن كذبت ما ينطق به الإنجيل فقد كذبت موسى وعيسى (عليهما السلام) ومتى أنكرت هذا الذكر وجب عليك القتل، لأنك تكون قد كفرت بربك وبنبيك وبكتابك، قال الجاثليق:

لا أنكر ما قد بان لي في الإنجيل، وإني لمقر به، قال الرضا (عليه السلام): اشهدوا على إقراره.

ثم قال: يا جاثليق سل عما بدا لك، قال الجاثليق: أخبرني عن حواري عيسى ابن مريم كم كان عدتهم؟ وعن علماء الإنجيل كم كانوا؟ قال الرضا (عليه السلام): على الخبير سقطت، أما الحواريون فكانوا اثني عشر رجلا، وكان أفضلهم وأعلمهم الوقا، وأما علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال: يوحنا الأكبر بأج ويوحنا بقرقيسا و يوحنا الديلمي بزجار، وعنده كان ذكر النبي (صلى الله عليه وآله)، وذكر أهل بيته وأمته، وهو الذي بشر أمة عيسى وبني إسرائيل به.

ثم قال له: يا نصرني والله إنا لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمد (صلى الله عليه وآله) وما ننقم على عيساكم شيئا إلا ضعفه وقلة صيامه وصلاته، قال الجاثليق: أفسدت والله علمك، وضعفت أمرك، وما كنت ظننت إلا أنك أعلم أهل الاسلام، قال الرضا (عليه السلام): وكيف ذلك؟ قال الجاثليق: من قولك: إن عيسى كان ضعيفا قليل الصيام، قليل الصلاة، وما أفطر عيسى يوما قط، ولا نام بليل قط، وما زال صائم الدهر، قائم الليل، قال الرضا (عليه السلام): فلمن كان يصوم ويصلي؟ قال: فخرس الجاثليق وانقطع.

قال الرضا (عليه السلام): يا نصراني أسألك عن مسألة، قال: فإن كان عندي علمها أجبتك، قال الرضا (عليه السلام): ما أنكرت أن عيسى كان يحيي الموتى بإذن الله عز وجل؟ قال الجاثليق أنكرت ذلك من قبل أن من أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص فهو رب مستحق لان يعبد، قال الرضا (عليه السلام): فإن اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى: مشى على الماء، وأحيا الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص فلم تتخذه أمته ربا، ولم يعبده أحد من دون الله عز وجل، ولقد صنع حزقيل النبي مثل ما صنع عيسى بن مريم فأحيا خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستين سنة.

ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال له: يا رأس الجالوت أتجد هؤلاء في شباب بني إسرائيل في التوراة؟ اختارهم بخت نصر من سبى بني إسرائيل حين غزا بيت المقدس ثم انصرف بهم إلى بابل فأرسله الله تعالى عز وجل إليهم فأحياهم الله، هذا في التوراة لا يدفعه إلا كافر منكم، قال رأس الجالوت: قد سمعنا به وعرفناه، قال صدقت، ثم قال: يا يهودي خذ علي هذا السفر من التوراة، فتلا (عليه السلام) علينا من التوراة آيات فأقبل اليهودي يتزجح لقراءته ويتعجب.

ثم أقبل على النصراني فقال: يا نصراني أفهؤلاء كانوا قبل عيسى أم عيسى كان قبلهم؟

قال: بل كانوا قبله، قال الرضا (عليه السلام): لقد اجتمعت قريش إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألوه أن يحيي لهم موتاهم، فوجه معهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له: اذهب إلى الجبانة فناد بأسماء هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك: يا فلان، ويا فلان، ويا فلان، يقول لكم محمد رسول الله: قوموا بإذن الله عز وجل، فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، فأقبلت قريش تسألهم عن أمورهم، ثم أخبروهم أن محمدا (صلى الله عليه وآله) قد بعث نبيا وقالوا: وددنا إنا أدركناه فنؤمن به، ولقد أبرأ الأكمه والأبرص والمجانين، وكلمه البهائم والطير والجن والشياطين، ولم نتخذه ربا من دون الله عز وجل، ولم ننكر لاحد من هؤلاء فضلهم، فمتى اتخذتم عيسى ربا جاز لكم أن تتخذوا اليسع والحزقيل، لأنهما قد صنعا مثل ما صنع عيسى من إحياء الموتى وغيره، وإن قوما من بني إسرائيل هربوا من بلادهم من الطاعون وهم ألوف حذر الموت فأماتهم الله في ساعة واحدة، فعمد أهل تلك القرية فحظروا عليهم حظيرة فلم يزالوا فيها حتى نخرت عظامهم وصاروا رميما، فمر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل فتعجب منهم ومن كثرة العظام البالية، فأوحى الله عز وجل إليه: أتحب أن أحييهم لك فتنذرهم؟ قال: نعم يا رب، فأوحى الله عز وجل إليه: أن نادهم، فقال: أيتها العظام البالية قومي بإذن الله عز وجل، فقاموا أحياء أجمعون، ينفضون التراب عن رؤوسهم، ثم إبراهيم خليل

الرحمن حين أخذ الطير فقطعهن قطعا، ثم وضع على كل جبل منهن جزء، ثم ناداهن فأقبلن سعيا إليه، ثم موسى بن عمران وأصحابه السبعون الذين اختارهم صاروا معه إلى الجبل فقالوا له: إنك قد رأيت الله سبحانه، فأرناه كما رأيته، فقال لهم: إني لم أره، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم، وبقي موسى وحيدا فقال: يا رب إني اخترت سبعين رجلا من بني إسرائيل فجئت بهم وأرجع وحدي فكيف يصدقني قومي بما أخبرهم به؟ فلو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ فأحياهم الله عز وجل من بعد موتهم، وكل شئ ذكرته لك من هذا لا تقدر على دفعه، لان التوراة والإنجيل والزبور والفرقان قد نطقت به، فإن كان كل من أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص والمجانين يتخذ ربا من دون الله فاتخذ هؤلاء كلهم أربابا، ما تقول يا يهودي؟ قال الجاثليق: القول قولك، ولا إله إلا الله ثم التفت (عليه السلام) إلى رأس الجالوت فقال: يا يهودي أقبل علي أسألك بالعشر الآيات التي أنزلت على موسى بن عمران، هل تجد في التوراة مكتوبا نبأ محمد وأمته:

(إذا جاءت الأمة الأخيرة أتباع راكب البعير يسبحون الرب جدا جدا تسبيحا جديدا في الكنائس الجدد فليفزع بنو إسرائيل إليهم وإلى ملكهم لتطمئن قلوبهم، فإن بأيديهم سيوفا ينتقمون بها من الأمم الكافرة في أقطار الأرض) أهكذا هو في التوراة مكتوب؟ قال رأس الجالوت: نعم إنا لنجده كذلك. ثم قال للجاثليق: يا نصراني كيف علمك بكتاب شعيا؟ قال: أعرفه حرفا حرفا، قال لهما: أتعرفان هذا من كلامه: (يا قوم إني رأيت صورة راكب الحمار لابسا جلابيب النور، ورأيت راكب البعير ضوؤه مثل ضوء القمر)؟ فقالا: قد قال ذلك شعيا.

قال الرضا (عليه السلام): يا نصراني هل تعريف في الإنجيل قول عيسى: (إني ذاهب إلى ربكم وربي والبارقليطا جاء، هو الذي يشهد لي بالحق كما شهدت له، وهو

الذي يفسر لكم كل شئ، وهو الذي يبدي فضائح الأمم، وهو الذي يكسر عمود الكفر)؟ فقال الجاثليق: ما ذكرت شيئا في الإنجيل إلا ونحن مقرون به، قال: أتجد هذا في الإنجيل ثابتا يا جاثليق؟ قال: نعم.

قال الرضا (عليه السلام): يا جاثليق ألا تخبرني عن الإنجيل الأول حين افتقدتموه عند من وجدتموه؟ ومن وضع لكم هذا الإنجيل؟ قال له: ما افتقدنا الإنجيل إلا يوما واحدا حتى وجدناه غضا طريا فأخرجه إلينا يوحنا ومتي، فقال له الرضا (عليه السلام):

ما أقل معرفتك بسر الإنجيل وعلمائه؟ فإن كان هذا كما تزعم فلم اختلفتم في الإنجيل؟ وإنما وقع الاختلاف في هذا الإنجيل الذي في أيديكم اليوم، فلو كان على العهد الأول لم تختلفوا فيه، ولكني مفيدك علم ذلك، اعلم أنه لما افتقد الإنجيل الأول اجتمعت النصارى إلى علمائهم فقالوا لهم: قتل عيسى بن مريم، وافتقدنا الإنجيل وأنتم العلماء فما عندكم؟ فقال لهم الوقا ومر قابوس: إن الإنجيل في صدورنا ونحن نخرجه إليكم سفرا سفرا في كل أحد فلا تحزنوا عليه، ولا تخلوا الكنائس، فإنا سنتلوه عليكم في كل أحد سفرا سفرا حتى نجمعه كله، فقعد الوقا ومر قابوس و يوحنا ومتي فوضعوا لكم هذا الإنجيل بعد ما افتقدتم الإنجيل الأول، وإنما كان هؤلاء الأربعة تلاميذ التلاميذ الأولين، أعلمت ذلك؟ قال الجاثليق: أما هذا فلم أعلمه، وقد علمته الآن، وقد بان لي من فضل علمك بالإنجيل، وسمعت أشياء مما علمته شهد قلبي أنها حق فاستزدت كثيرا من الفهم، فقال له الرضا (عليه السلام): فكيف شهادة هؤلاء عندك؟ قال: جائزة، هؤلاء علماء الإنجيل، وكل ما شهدوا به فهو حق، فقال الرضا (عليه السلام) للمأمون ومن حضره أهل بيته ومن غيرهم: اشهدوا عليه، قالوا قد شهدنا.

ثم قال للجاثليق: بحق الابن وأمه هل تعلم أن متى قال: (إن المسيح هو ابن داود بن إبراهيم بن إسحاق بن يعقوب بن يهودا بن حضرون) وقال مرقابوس في

نسبة عيسى بن مريم: (إنه كلمة الله أحلها في الجسد الآدمي فصارت إنسانا) وقال الوقا: (إن عيسى بن مريم وأمه كانا إنسانين من لحم ودم فدخل فيهما روح القدس) ثم إنك تقول من شهادة عيسى على نفسه: (حقا أقول لكم يا معشر الحواريين: إنه لا يصعد إلى السماء إلا من نزل منها إلا راكب البعير خاتم الأنبياء فإنه يصعد إلى السماء وينزل) فما تقول في هذا القول؟ قال الجاثليق: هذا قول عيسى لا ننكره، قال الرضا (عليه السلام): فما تقول في شهادة الوقا ومر قابوس ومتي على عيسى وما نسبوه إليه؟ قال الجاثليق: كذبوا على عيسى، قال الرضا (عليه السلام): يا قوم أليس قد زكاهم وشهد أنهم علماء الإنجيل وقولهم حق؟.

فقال الجاثليق: يا عالم المسلمين أحب أن تعفيني من أمر هؤلاء، قال الرضا (عليه السلام): فإنا قد فعلنا، سل يا نصراني عما بدا لك، قال الجاثليق ليسألك غيري، فلا وحق المسيح ما ظننت أن في علماء المسلمين مثلك.

فالتفت الرضا (عليه السلام) إلى رأس الجالوت فقال له: تسألني أو أسألك؟ فقال: بل أسألك، ولست أقبل منك حجة إلا من التوراة، أو من الإنجيل، أو من زبور داود، أو بما في صحف إبراهيم وموسى، قال الرضا (عليه السلام): لا تقبل مني حجة إلا بما تنطق به التوراة على لسان موسى بن عمران، والإنجيل على لسان عيسى بن مريم، والزبور على لسان داود، فقال رأس الجالوت: من أين تثبت نبوة محمد؟ قال الرضا (عليه السلام):

شهد بنبوته موسى بن عمران وعيسى بن مريم وداود خليفة الله عز وجل في الأرض، فقال له: ثبت قول موسى بن عمران، قال الرضا (عليه السلام): هل تعلم يا يهودي أن موسى ابن عمران أوصى بني إسرائيل فقال لهم: إنه سيأتيكم نبي من إخوانكم، فبه فصدقوا ومنه فاسمعوا، فهل تعلم أن لبني إسرائيل إخوة غير ولد إسماعيل، إن كنت تعرف قرابة إسرائيل من إسماعيل، والنسب الذي بينهما من قبل إبراهيم؟ فقال رأس الجالوت: هذا قول موسى لا ندفعه، فقال له الرضا (عليه السلام): هل جاءكم من إخوة بني

إسرائيل نبي غير محمد؟ قال: لا، قال الرضا (عليه السلام): أفليس قد صح هذا عندكم؟ قال:

نعم ولكني أحب أن تصححه لي من التوراة، فقال له الرضا (عليه السلام): هل تنكر أن التوراة تقول لكم: (قد جاء النور من جبل طور سيناء وأضاء لنا من جبل ساعير، و استعلن علينا من جبل فاران) قال رأس الجالوت: أعرف هذه الكلمات وما أعرف تفسيرها، قال الرضا (عليه السلام): أنا أخبرك به، أما قوله: جاء النور من قبل طور سيناء) فذلك وحي الله تبارك وتعالى الذي أنزله على موسى على جبل طور سيناء، وأما قوله: (وأضاء الناس من جبل ساعير) فهو الجبل الذي أوحى الله عز وجل إلى عيسى بن مريم وهو عليه، وأما قوله: (واستعلن علينا من جبل فاران) فذاك جبل من جبال مكة بينه وبينها يوم. وقال شعيا النبي فيما تقول أنت وأصحابك في التوراة: (رأيت راكبين أضاء لهما الأرض، أحدهما على حمار، والآخر على جمل) فمن راكب الحمار؟

ومن راكب الجمل؟ قال: رأس الجالوت لا أعرفهما فخبرني بهما، قال (عليه السلام): أما راكب الحمار فعيسى، وأما راكب الجمل فمحمد، أتنكر هذا من التوراة؟ قال:

لا، ما أنكره.

ثم قال الرضا (عليه السلام): هل تعرف حيقوق النبي؟ قال: نعم إني به لعارف، قال (عليه السلام): فإنه قال وكتابكم ينطق به: (جاء الله بالبيان من جبل فاران، وامتلأت السماوات من تسبيح أحمد وأمته، يحمل خيله في البحر كما يحمل في البر، يأتينا بكتاب جديد بعد خراب بيت المقدس) يعني بالكتاب القرآن، أتعرف هذا وتؤمن به؟ قال رأس الجالوت: قد قال ذلك حيقوق النبي ولا ننكر قوله، قال الرضا (عليه السلام):

فقد قال داود في زبوره وأنت تقرؤه: (اللهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة) فهل تعرف نبيا أقام السنة بعد الفترة غير محمد؟ قال رأس الجالوت هذا قول داود نعرفه ولا ننكره، ولكن عنى بذلك عيسى، وأيامه هي الفترة، قال له الرضا (عليه السلام): جهلت، إن عيسى لم يخالف السنة، وكان موافقا لسنة التوراة حتى رفعه الله إليه، وفي الإنجيل مكتوب: إن ابن البرة ذاهب والبارقليطا جاء من بعده، وهو يخفف الآصار، و يفسر لكم كل شئ، ويشهد لي كما شهدت له، أنا جئتكم بالأمثال، وهو يأتيكم

بالتأويل، أتؤمن بهذا في الإنجيل؟ قال: نعم، لا أنكره: فقال له الرضا (عليه السلام): يا رأس الجالوت أسألك عن نبيك موسى بن عمران، فقال: سل، قال (عليه السلام): ما الحجة على أن موسى ثبتت نبوته؟ قال اليهودي: إنه جاء بما لم يجئ به أحد من الأنبياء قبله، قال له: مثل ماذا؟ قال: مثل فلق البحر، وقلبه العصا حية تسعى، وضربه الحجر فانفجرت منه العيون، وإخراجه يده بيضاء للناظرين، وعلامات لا يقدر الخلق على مثلها.

قال له الرضا (عليه السلام): صدقت في أنه كانت حجته على نبوته أنه جاء بما لا يقدر الخلق على مثله، أفليس كل من ادعى أنه نبي ثم جاء بما لا يقدر لخلق على مثله وجب عليكم تصديقه؟ قال: لا، لان موسى لم يكن له نظير لمكانه من ربه، وقربه منه، ولا يجب علينا الاقرار بنبوة من ادعاها حتى يأتي من الاعلام بمثل ما جاء به، قال الرضا (عليه السلام): فكيف أقررتم بالأنبياء الذين كانوا قبل موسى ولم يفلقوا البحر، ولم يفجروا من الحجر اثنتي عشرة عينا، ولم يخرجوا بأيديهم مثل إخراج موسى يده بيضاء، ولم يقلبوا العصا حية تسعى؟ قال له اليهودي: قد خبرتك أنه متى ما جاؤوا على نبوتهم من الآيات بما لا يقدر الخلق على مثله ولو جاؤوا بما لم يجئ به موسى أو كان على غير ما جاء به موسى وجب تصديقهم، قال: قال الرضا (عليه السلام): يا رأس الجالوت فما يمنعك من الاقرار بعيسى بن مريم وقد كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله؟ قال رأس الجالوت: يقال:

إنه فعل ذلك، ولم نشهده، قال الرضا (عليه السلام): أرأيت ما جاء به موسى من الآيات شاهدته؟ أليس إنما جاءت الاخبار من ثقات أصحاب موسى أنه فعل ذلك؟ قال:

بلى، قال: فكذلك أيضا أتتكم الأخبار المتواترة بما فعل عيسى بن مريم ، فكيف صدقتم بموسى ولم تصدقوا بعيسى؟ فلم يحر جوابا، قال الرضا (عليه السلام): وكذلك أمر محمد (صلى الله عليه وآله) وما جاء به، وأمر كل نبي بعثه الله، ومن آياته أنه كان يتيما فقيرا راعيا أجيرا لم يتعلم كتابا ولم يختلف إلى معلم ثم جاء بالقرآن الذي فيه قصص الأنبياء و

أخبارهم حرفا حرفا، وأخبار من مضى ومن بقي إلى يوم القيامة، ثم كان يخبرهم بأسرارهم وما يعلمون في بيوتهم، وجاء بآيات كثيرة لا تحصى، قال رأس الجالوت: لم يصح عندنا خبر عيسى ولا خبر محمد؟ ولا يجوز لنا أن نقر لهما بما لم يصح، قال الرضا (عليه السلام): فالشاهد الذي شهد لعيسى ولمحمد صلى الله عليهما شاهد زور؟ فلم يحر جوابا.

ثم دعى بالهربذ الأكبر فقال له الرضا (عليه السلام): أخبرني عن ذرهشت الذي تزعم أنه نبي ما حجتك على نبوته؟ قال: إنه أتى بما لم يأتنا به أحد قبله ولم نشهده ولكن الاخبار من أسلافنا وردت علينا بأنه أحل لنا ما لم يحله غيره فاتبعناه، قال:

أفليس إنما أتتكم الاخبار فاتبعتموه؟ قال: بلى، قال: فكذلك سائر الأمم السالفة أتتهم الاخبار بما أتى به النبيون وأتى به موسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم، فما عذركم في ترك الاقرار لهم؟ إذ كنتم إنما أقررتم بزرهشت من قبل الأخبار المتواترة بأنه جاء بما لم يجئ به غيره، فانقطع الهربذ مكانه.

فقال الرضا (عليه السلام): يا قوم إن كان فيكم أحد يخالف الاسلام وأراد أن يسأل فليسأل غير محتشم، فقال إليه عمران الصابئ وكان واحدا من المتكلمين فقال: يا عالم الناس لولا أنك دعوت إلى مسألتك لم أقدم عليك بالمسائل، فلقد دخلت الكوفة و البصرة والشام والجزيرة ولقيت المتكلمين فلم أقع على أحد يثبت لي واحدا ليس غيره قائما بوحدانيته، أفتأذن لي أن أسألك؟ قال الرضا (عليه السلام): إن كان في الجماعة عمران الصابئ فأنت هو، قال: أنا هو، قال: سل يا عمران وعليك بالنصفة، وإياك والخطل والجور، قال: والله يا سيدي ما أريد إلا أن تثبت لي شيئا أتعلق به فلا أجوزه، قال: سل عما بدا لك، فازدحم الناس وانضم بعضهم إلى بعض، فقال عمران الصابئ: أخبرني عن الكائن الأول وعما خلق، قال: سألت فافهم، أما الواحد فلم

يزل واحدا كائنا لا شئ معه بلا حدود ولا أعراض، ولا يزال كذلك، ثم خلق خلقا مبتدعا مختلفا بأعراض وحدود مختلفة، لا في شئ أقامه، ولا في شئ حده، ولا على شئ حذاه ومثله له، فجعل الخلق من بعد ذلك صفوة وغير صفوة، واختلافا وايتلافا، وألوانا وذوقا وطعما، لا لحاجة كانت منه إلى ذلك، ولا لفضل منزلة لا يبلغها إلا به، ولا رأى لنفسه فيما خلق زيادة ولا نقصانا، تعقل هذا يا عمران؟ قال: نعم والله يا سيدي.

قال: واعلم يا عمران إنه لو كان خلق ما خلق لحاجة لم يخلق إلا من يستعين به على حاجته، ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق، لان الأعوان كلما كثروا كان صاحبهم أقوى، والحاجة يا عمران لا يسعها لأنه لم يحدث من الخلق شيئا إلا حدثت فيه حاجة أخرى، ولذلك أقول: لم يخلق الخلق لحاجة، ولكن نقل بالخلق الحوائج بعضهم إلى بعض، وفضل بعضهم على بعض بلا حاجة منه إلى من فضل، ولا نقمة منه على من أذل فلهذا خلق.

قال عمران: يا سيدي هل كان الكائن معلوما في نفسه عند نفسه؟ قال الرضا (عليه السلام): إنما يكون المعلمة بالشئ لنفي خلافه، وليكون الشئ نفسه بما نفي عنه موجودا، ولم يكن هناك شئ يخالفه فتدعوه الحاجة إلى نفي ذلك الشئ عن نفسه بتحديد ما علم منها، أفهمت يا عمران؟ قال: نعم والله يا سيدي، فأخبرني بأي شئ علم ما علم؟ أبضمير أم بغير ذلك؟ قال الرضا عليهما السلام: أرأيت إذا علم بضمير هل تجد بدا من أن تجعل لذلك الضمير حدا تنتهي إليه المعرفة؟ قال عمران: لا بد من ذلك، قال الرضا (عليه السلام): فما ذلك الضمير؟ فانقطع عمران ولم يحر جوابا. قال الرضا (عليه السلام): لا بأس إن سألتك عن الضمير نفسه تعرفه بضمير آخر، فقلت: نعم أفسدت

عليك قولك ودعواك، يا عمران أليس ينبغي أن تعلم أن الواحد ليس يوصف بضمير وليس يقال له أكثر من فعل وعمل وصنع؟ وليس يتوهم مته مذاهب وتجربة كمذاهب المخلوقين وتجربتهم؟ فاعقل ذلك وابن عليه ما علمت صوابا. قال عمران: يا سيدي ألا تخبرني عن حدود خلقه كيف هي؟ وما معانيها؟ وعلى كم نوع تكون؟ قال: قد سألت فافهم، إن حدود خلقه على ستة أنواع: ملموس و موزون ومنظور إليه ومالا ذوق له وهو الروح، ومنها منظور إليه وليس له وزن ولا لمس ولا حس ولا لون ولا ذوق والتقدير والاعراض والصور والطول والعرض، و منها العمل والحركات التي تصنع الأشياء وتعملها وتغيرها من حال إلى حال و تزيدها وتنقصها، فأما الاعمال والحركات فإنها تنطلق لأنه لا وقت لها أكثر من قدر ما يحتاج إليه، فإذا فرغ من الشئ انطلق بالحركة وبقي الأثر، ويجري مجرى الكلام الذي يذهب ويبقى أثره.

قال له عمران: يا سيدي ألا تخبرني عن الخالق إذا كان واحدا لا شئ غيره ولا شئ معه أليس قد تغير بخلقه الخلق؟ قال له الرضا (عليه السلام): لم يتغير عز وجل بخلق الخلق، ولكن الخلق يتغير بتغييره. قال عمران: فبأي شئ عرفناه؟ قال: بغيره.

قال: فأي شئ غيره؟ قال الرضا (عليه السلام): مشيته واسمه وصفته وما أشبه ذلك، وكل ذلك محدث مخلوق مدبر، قال عمران: يا سيدي فأي شئ هو؟ قال: هو نور بمعنى أنه هاد لخلقه من أهل السماء وأهل الأرض، وليس لك علي أكثر من توحيدي إياه.

قال عمران: يا سيدي أليس قد كان ساكتا قبل الخلق لا ينطق ثم نطق؟ قال الرضا (عليه السلام): لا يكون السكوت إلا عن نطق قبله. والمثل في ذلك أنه لا يقال للسراج:

هو ساكت لا ينطق، ولا يقال: إن السراج ليضئ فيما يريد أن يفعل بنا؟ لان الضوء من السراج ليس بفعل منه ولا كون، وإنما هو ليس شئ غيره فلما استضاء لنا قلنا:

قد أضاء لنا حتى استضأنا به، فهذا تستبصر أمرك.

قال عمران: يا سيدي فإن الذي كان عندي أن الكائن قد تغير في فعله عن حاله بخلقه الخلق، قال الرضا (عليه السلام): أحلت يا عمران في قولك: إن الكائن يتغير في وجه من الوجوه حتى يصيب الذات منه ما يغيره، يا عمران هل تجد النار يغيرها تغير نفسها؟ أو هل تجد الحرارة تحرق نفسها؟ أو هل رأيت بصيرا قط رأى بصره؟ قال عمران: لم أر هذا، ألا تخبرني يا سيدي أهو في الخلق أم الخلق فيه؟ قال الرضا (عليه السلام): جل يا عمران عن ذلك، ليس هو في الخلق ولا الخلق فيه، تعالى عن ذلك، وسأعلمك ما تعرفه به ولا قوة إلا بالله، أخبرني عن المرآة أنت فيها أم هي فيك؟ فإن كان ليس واحد منكما في صاحبه فبأي شئ استدللت بها على نفسك؟ قال عمران بضوء بيني وبينها، قال الرضا (عليه السلام): هل ترى من ذلك الضوء في المرآة أكثر مما تراه في عينك؟ قال:

نعم، قال الرضا (عليه السلام) فأرناه، فلم يحر جوابا، قال (عليه السلام): فلا أرى النور إلا وقد دلك ودل المرآة على أنفسكما من غير أن يكون في واحد منكما، ولهذا أمثال كثيرة غير هذا لا يجد الجاهل فيها مقالا، ولله المثل الأعلى.

ثم التفت إلى المأمون فقال: الصلاة قد حضرت، فقال عمران: يا سيدي لا تقلع علي مسألتي فقد رق قلبي، قال الرضا (عليه السلام): نصلي ونعود، فنهض ونهض المأمون فصلى الرضا (عليه السلام) داخلا، وصلى الناس خارجا خلف محمد بن جعفر، ثم خرجا فعاد الرضا (عليه السلام) إلى مجلسه ودعا بعمران فقال: سل يا عمران، قال: يا سيدي ألا تخبرني عن الله عز وجل هل يوحد بحقيقة أو يوحد بوصف؟ قال الرضا (عليه السلام): إن الله المبدئ الواحد الكائن الأول لم يزل واحدا لا شئ معه، فردا لا ثاني معه، لا معلوما ولا الواحد الكائن الأول لم يزل واحدا لا شئ معه، فردا لا ثاني معه، لا معلوما ولا مجهولا، ولا محكما ولا متشابها، ولا مذكورا ولا منسيا، ولا شيئا يقع عليه اسم شئ من الأشياء غيره، ولامن وقت كان، ولا إلى وقت يكون، ولا بشئ قام، ولا إلى شئ

يقوم، ولا إلى شئ استند، ولا في شئ استكن، وذلك كله قبل الخلق إذ لا شئ غيره، وما أوقعت عليه من الكل فهي صفات محدثة وترجمة يفهم بها من فهم، واعلم أن الابداع والمشية والإرادة معناها واحد وأسماؤها ثلاثة وكان أول إبداعه وإرادته ومشيته الحروف التي جعلها أصلا لكل شئ، ودليلا على كل مدرك، وفاصلا لكل مشكل، وبتلك الحروف تفريق كل شئ من اسم حق وباطل، أو فعل أو مفعول، أو معنى أو غير معنى، وعليها اجتمعت الأمور كلها، ولم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى غير أنفسها يتناهى ولا وجود لها لأنها مبدعة بالا بداع، والنور في هذا الموضع أول فعل الله الذي هو نور السماوات والأرض، والحروف هي المفعول بذلك الفعل، وهي الحروف التي عليها الكلام والعبارات كلها من الله عز وجل، علمها خلقه وهي ثلاثة وثلاثون حرفا، فمنها ثمانية وعشرون حرفا تدل على لغات العربية، ومن الثمانية والعشرين اثنان وعشرون حرفا تدل على لغات السريانية والعبرانية، ومنها خمسة أحرف متحرفه في سائر اللغات من العجم لأقاليم اللغات كلها، وهي خمسة أحرف تحرفت من الثمانية والعشرين الحرف من اللغات فصارت الحروف ثلاثة وثلاثين حرفا، فأما الخمسة المختلفة فحجج لا يجوز ذكرها أكثر مما ذكرناه، ثم جعل الحروف بعد إحصائها وإحكام عدتها فعلا منه كقوله عز وجل: (كن فيكون) وكن منه صنع، وما يكون به المصنوع، فالخلق الأول من الله عز وجل الابداع لا وزن له ولا حركة ولا سمع ولا لون ولاحس، والخلق الثاني الحروف لا وزن لها ولا لون وهي مسموعة موصوفة غير منظور إليها، والخلق الثالث ما كان من الأنواع كلها محسوسا ملموسا ذا ذوق منظور إليه، والله تبارك وتعالى سابق للابداع لأنه ليس قبله عز وجل شئ، ولا كان معه شئ، ولابداع سابق للحروف والحروف لا تدل على غير نفسها.

قال المأمون: وكيف لا تدل على غير نفسها؟ قال الرضا (عليه السلام): لان الله تبارك

وتعالى لا يجمع منها شيئا لغير معنى أبدأ، فإذا الف منها أحرفا أربعة أو خمسة أو ستة أو أكثر من ذلك أو أقل لم يؤلفها لغير معنى، ولم يك إلا لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شيئا.

قال عمران: فكيف لنا بمعرفة ذلك؟ قال الرضا (عليه السلام): أما المعرفة فوجه ذلك وبيانه أنك تذكر الحروف إذا لم ترد بها غير نفسها ذكرتها فردا فقلت:

ا ب ت ث ج ح خ حتى تأتي على آخرها، فلم تجد لها معنى غير أنفسها، فإذا ألفتها وجمعت منها أحرفا وجعلتها اسما وصفة لمعنى ما طلبت ووجه ما عنيت كانت دليلة على معانيها، داعية إلى الموصوف بها، أفهمته؟ قال: نعم، قال الرضا (عليه السلام): واعلم أنه لا تكون صفة لغير موصوف، ولا اسم لغير معنى، ولاحد لغير محدود، والصفات والأسماء كلها تدل على الكمال والوجود، ولا تدل علي الإحاطة، كما تدل على الحدود التي هي التربيع والتثليث والتسديس، لان الله عز وجل تدرك معرفته بالصفات والأسماء، ولا تدرك بالتحديد بالطول والعرض والقلة و الكثرة واللون والوزن وما أشبه ذلك، وليس يحل بالله جل وتقدس شئ من ذلك حتى يعرفه خلقه بمعرفتهم أنفسهم بالضرورة التي ذكرنا، ولكن يدل على الله عز وجل بصفاته، ويدرك بأسمائه، ويستدل عليه بخلقه حتى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤية عين ولا استماع اذن ولا لمس كف ولا إحاطة بقلب، فلو كانت صفاته جل ثناؤه لا تدل عليه وأسماؤه لا تدعو إليه والمعلمة من الخلق لا تدركه لمعناه كانت العبادة من الخلق لا سمائه وصفاته دون معناه، فلولا أن ذلك كذلك لكان المعبود الموحد غير الله، لان صفاته وأسماءه غيره، أفهمت؟ قال: نعم يا سيدي زدني.

قال الرضا (عليه السلام): إياك وقول الجهال أهل العمى والضلال الذين يزعمون أن الله جل وتقدس موجود في الآخرة للحساب والثواب والعقاب، وليس بموجود في الدنيا للطاعة والرجاء، ولو كان في الوجود لله عز وجل نقص واهتضام لم يوجد في الآخرة أبدا، ولكن القوم تاهوا وعموا وصموا عن الحق من حيث لا يعلمون، وذلك

قوله عز وجل: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) يعني أعمى عن الحقائق الموجودة، وقد علم ذو والألباب أن الاستدلال على ما هناك لا يكون إلا بما ههنا، من أخذ علم ذلك برأيه وطلب وجوده وإدراكه عن نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك إلا بعدا، لان الله عز وجل جعل علم ذلك خاصة عند قوم يعقلون ويعلمون ويفهمون.

قال عمران: يا سيدي ألا تخبرني عن الابداع أخلق هو أم غير خلق؟ قال له الرضا (عليه السلام): بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون، وإنما صار خلقا لأنه شئ محدث، والله الذي أحدثه فصار خلقا له وإنما هو الله عز وجل وخلقه لا ثالث بينهما، ولا ثالث غيرهما، فما خلق الله عز وجل لم يعد أن يكون خلقه، وقد يكون الخلق ساكنا ومتحركا ومختلفا ومؤتلفا ومعلوما ومتشابها، وكل ما وقع عليه حد فهو خلق الله عز وجل، واعلم أن كل ما أوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس، وكل حاسة تدل على ما جعل الله عز وجل لها في إدراكها، والفهم من القلب بجميع ذلك كله.

واعلم أن الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقا مقدرا بتحديد وتقدير، وكان الذي خلق خلقين اثنين: التقدير والمقدر، وليس في واحد منهما لون ولا وزن ولا ذوق فجعل أحدهما يدرك بالآخر، وجعلهما مدركين بنفسهما، ولم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه وإثبات وجوده، فالله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه ولا يعضده ولا يكنه، والخلق يمسك بعضه بعضا بإذن الله ومشيته، وإنما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيروا وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم الله بصفة أنفسهم فازدادوا من الحق بعدا، ولو وصفوا الله عز وجل بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين ولما اختلفوا، فلما طلبوا من ذلك ما تحيروا فيه ارتبكوا فيه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

قال عمران: يا سيدي اشهد أنه كما وصفت، ولكن بقيت لي مسالة، قال:

سل عما أردت، قال: أسألك عن الحكيم في اي شئ هو؟ وهل يحيط به شئ؟ وهل يتحول من شئ إلى شئ، أو به حاجة إلى شئ؟ قال الرضا (عليه السلام): أخبرك يا عمران فاعقل ما سالت عنه فإنه من اغمض ما يرد على المخلوقين في مسائلهم، وليس يفهمه المتفاوت عقله العازب حلمه، ولا يعجز عن فهمه أولو العقل المنصفون، اما أول ذلك فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل ان يقول: يتحول إلى ما خلق لحاجته إلى ذلك، ولكنه عز وجل لم يخلق شيئا لحاجة، ولم يزل ثابتا لا في شئ ولا على شئ الا ان الخلق يمسك بعضه بعضا، ويدخل بعضه في بعض، ويخرج منه، والله جل وتقدس بقدرته يمسك ذلك كله، وليس يدخل في شئ ولا يخرج منه، ولا يؤوده حفظه، ولا يعجز عن امساكه، ولا يعرف أحد من الخلق كيف ذلك الا الله عز وجل، ومن اطلعه عليه من رسله، وأهل سره والمستحفظين لامره، وخزانه القائمين بشريعته، وإنما امره كلمح بالبصر أو هو أقرب، إذا شاء شيئا فإنما يقول له: كن فيكون بمشيته وارادته، وليس شئ من خلقه أقرب إليه من شئ، ولا شئ أبعد منه من شئ أفهمت يا عمران؟ قال: نعم يا سيدي قد فهمت، واشهد ان الله على ما وصفته و وحدته، وأن محمدا عبده المبعوث بالهدى ودين الحق. ثم خر ساجدا نحو القبلة واسلم.

قال الحسن بن محمد النوفلي فلما نظر المتكلمون إلى كلام عمران الصابئ وكان جدلا لم يقطعه عن حجته أحد قط لم يدن من الرضا (عليه السلام) أحد منهم، ولم يسألوه عن شئ ، وأمسينا، فنهض المأمون والرضا (عليه السلام) فدخلا وانصرف الناس، وكنت مع جماعة من أصحابنا إذ بعث إلى محمد بن جعفر فاتيته فقال لي: يا نوفلي اما رأيت ما جاء به صديقك، لا والله ما ظننت ان علي بن موسى (عليهما السلام) خاض في شئ من هذا قط و لا عرفناه به، انه كان يتكلم بالمدينة أو يجتمع إليه أو يجتمع إليه أصحاب الكلام؟ قلت قد كان الحاج يأتونه فيسألونه عن أشياء من حلالهم وحرامهم فيجيبهم، وربما كلم من يأتيه يحاجه.

فقال محمد بن جعفر: يا أبا محمد انى أخاف عليه ان يحسده هذا الرجل فيسمه أو يفعل به بلية فأشر عليه بالامساك عن هذه الأشياء، قلت إذا لا يقبل مني، وما أراد الرجل الا امتحانه ليعلم هل عنده شئ من علوم آبائه (عليهم السلام)، فقال لي: قل له: ان عمك قد كره هذا الباب وأحب ان تمسك عن هذه الأشياء لخصال شتى. فلما انقلبت إلى منزل الرضا (عليه السلام) أخبرته بما كان من عمه محمد بن جعفر فتبسم ثم قال: فلا باس، قربوا إليه دابة، فصرت إلى عمران فاتيته به فرحب به ودعا بكسوة فخلعها عليه و ودعا بعشرة آلاف درهم فوصله بها، فقلت: جعلت فداك حكيت فعل جدك أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: هكذا يجب. ثم دعا (عليه السلام) بالعشاء فأجلسني عن يمينه، واجلس عمران عن يساره حتى إذا فرغنا قال لعمران: انصرف مصاحبا، وبكر علينا نطعمك طعام المدينة. فكان عمران بعد ذلك يجتمع إليه المتكلمون من أصحاب المقالات فيبطل أمرهم حتى اجتنبوه، ووصله المأمون بعشرة آلاف درهم، وأعطاه الفضل مالا وحمله، وولاه الرضا (عليه السلام) صدقات بلخ فأصاب الرغائب. الإحتجاج: مرسلا مثله الا انه اسقط بعض المطالب الغامضة. بيان: قال الفيروزآبادي: الهرابذة قومة بيت النار للهند، أو عظماء الهند، أو علماؤهم، أو خدم نار المجوس، الواحد كزبرج. وقال: نسطاس بالكسر علم، وبالرومية: العالم بالطب.

قوله (عليه السلام): (ورقة العراقي غير غليظة) لعل المراد بالرقة سرعة الفهم، اي هو قليل الفهم أو كثيره، اي كثيره اي ليس في دقة فمه غلظة، بل هو في غاية الدقة، ويمكن ان يقرا (رقة) بتخفيف القاف كعدة وهي الأرض التي يصيبها المطر في القيظ فتنبت فتكون خضراء

فتكون في الكلام استعارة، اي ليس فيما ينبت في ساحة ضميره من المعاني غلظة، وفي بعض النسخ: رية العراقي، وهذا مثل مشهور بين العرب والعجم يعبر به عن الجبن، ولعله اظهر وان اتفقت أكثر نسخ الكتب الثلاثة على الأول. وقال الجوهري: المنزل غاص بالقوم اي ممتلئ بهم.

قوله (شديدا) اي أؤمن ايمانا شديدا، وفي بعض النسخ بالسين المهملة على فعيل، أو يكون (سد) امرا من ساد يسود، و (يدا) تمييزا، أو يكون أصله (اسديدا) اي أنعم علينا، وعلى المعجمة أيضا يحتمل أن يكون شد بالتشديد امرا، ويدا مفعولا، لكنه بعيد.

قوله (عليه السلام): (على الخبير سقطت) منهم من قرأ على الجبير بالجيم، أي وقعت من السطح على من يقدر جبر كسرك، والأشهر بالخاء المعجمة. قوله: (وما ننقم) بكسر القاف اي ما نعيب.

قوله (عليه السلام): (أتجد هؤلاء في شباب بني إسرائيل) اي هؤلاء الذين أحياهم حزقيل كانوا من تلك الشباب، ويحتمل أن يكون اسم الإشارة راجعا إلى حزقيل واليسع، وما ذكره (عليه السلام) أخيرا من قوله: (ان قوما من بني إسرائيل هربوا) هي قصة احياء حزقيل كما سيأتي في باب أحواله في اخبار كثيرة ان الذي أحياهم كان حزقيل، وإن كان ظاهر الخبر انه غيره.

قوله (عليه السلام): (يترجح لقراءته) اي يتحرك ويميل يمينا وشمالا من كثرة التعجب قال الفيروزآبادي: ترجحت به الأرجوحة: مالت. وترجح: تذبذب. وفي بعض النسخ بالجيمين أي يضطرب. والغض: الطري.

قوله (عليه السلام) (فيما تقول أنت وأصحابك في التوراة) اي في الاسفار الملحقة بالتوراة، والا فشعيا مؤخر عن موسى (عليه السلام)، ولذا قال: فيما تقول أنت وأصحابك اي تدعون انها حق وملحقة بالتوراة.

قوله: (عليه السلام (يحمل خيله في البحر) إشارة إلى اجراء النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه خيلهم على الماء كما مر في خبر معجزاته (صلى الله عليه وآله) وسيأتي.

قوله (عليه السلام): (ان عيسى لم يخالف السنة) لعل المعنى ان ظاهر قوله: (مقيم السنة) انه يأتي بسنة جديدة، وعيسى لم ينسخ شرعه التوراة، بل أحل لهم بعض الذي حرم عليهم.

قوله (عليه السلام): (لا في شئ اقامه) اي في مادة قديمة كما زعمته الفلاسفة. قوله:

(ومثله له) اي مثل أولا ذلك الشئ للشئ الكائن، ثم خلق الكائن على حذوه كما هو شان المخلوقين، ويحتمل أن يكون ضمير (له) راجعا إلى الصانع تعالى.

قوله (عليه السلام): (والحاجة يا عمران لا يسعها) اي لا يسع الخلق الحاجة ولا يدفعها، لان كل من خلق لو كان على وجه الاحتياج لكان يحتاج لحفظه وتربيته ورزقه و دفع الشرور عنه إلى اضعافه من الخلق وهكذا. قوله: (هل كان الكائن معلوما في نفسه عند نفسه) أقول: هذا الكلام وجوابه في غاية الاغلاق وقد خطر بالبال في حله وجوه لا يخلو كل منها من تفسير العياشي:

الأول: أن يكون المراد بالكائن الصانع تعالى، والمعنى ان الصانع تعالى هل كان معلوما في نفسه عند نفسه قبل وجوده؟ فأجاب (عليه السلام) بان المعلمة قبل الشئ إنما يكون لشئ يوجده غيره فيصوره في نفسه حتى يدفع عنه ما ينافي وجوده وكماله ثم يوجده على ما تصوره والواجب الوجود بذاته ذاته مقتض لوجوده، ولا مانع لوجوده حتى يحتاج إلى ذلك، فلذلك هو أزلي غير معلول.

الثاني: أن يكون المراد بالكائن الصانع أيضا، ويكون المعنى: هل هو معلوم عند نفسه بصورة حاصلة في ذاته؟ ولذا قال: في نفسه، فأجاب (عليه السلام) بان الصورة الحاصلة إنما تكون لشئ يشترك مع غيره في شئ من الذاتيات، ويخالفه في غيرها فيحتاج إلى الصورة الحاصلة لتعينه وتشخصه وامتيازه عما يشاركه، فأما البسيط المطلق الذي تشخصه من ذاته ولم يشارك غيره في شئ من الذاتيات فلا يحتاج لمعرفة نفسه إلى حصول صورة، بل هو حاضر بذاته عند ذاته، فقوله: (ولم يكن هناك شئ يخالف) أي شئ يخالف في بعض الذاتيان فتدعوه الحاجة إلى نفي ذلك الشئ عن نفسه بتحديد ما علم من ذاته بجنس وفصل وتشخص.

الثالث: أن يكون المراد بالكائن الحادث المعلول، والمراد معلوميته عند الصانع بصورة حاصلة منه فيه، وحاصل الجواب على هذا أن المخلوق إذا أراد صنع شئ يصوره أولا في نفسه لعجزه عن الآيتان بكل ما يريد، ولامكان وجود ما يخالفه ويعارضه فيما يريده، فيصوره في نفسه على وجه لا يعارضه شئ في حصول ما أراد منه وينفي الموانع عن نفسه بتحديد ما علم منه، وأما الصانع تعالى فهو لا يحتاج إلى ذلك لكمال قدرته، ولعدم تخيل الموانع عن الايجاد ثمة، بل إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون، فليس المراد نفي العلم رأسا، بل نفي العلم على الوجه الذي تخيله السائل بوجه يوافق فهمه، وضمير (منها) راجع إلى الشئ الكائن باعتبار النفس أو إلى النفس، أي علما ناشئا من النفس.

الرابع: أن يكون المراد الحادث معلوما لنفسه عند نفسه قبل وجوده، لا كونه معلوما لصانعه، فالجواب أن الشئ بعد وجوده وتشخصه يكون معلوما لنفسه على وجه يمتاز عن غيره، وأما الاعدام ففي مرتبة عدمها لا يكون بينها تمييز حتى يحتاج كل عدم إلى العلم بامتيازه عن غيره، والحاصل أن الامتياز العيني للشئ لا يكون إلا بعد وجوده، لافتقار وجوده إلى التميز عن غيره مما يخالفه في ذاته وتشخصه، و أما امتيازه في علمه تعالى فليس على نحو الوجود العيني، فلا يستلزم علم كل حادث هناك بنفسه، كما يكون لذوي العقول بعد وجودها.

قوله (عليه السلام): (بأي شئ علم ما علم؟ بضمير أم بغير ذلك؟) أي بصورة ذهنية حصلت في الذهن أم بغيرها؟ فأجاب (عليه السلام) بأن العلم لو لم يكن إلا بحصول صورة لشئ فالعلم بالمعلوم لابد أن يكون موقوفا على العلم بالصورة التي هي آلة ملاحظة المعلوم وتحديدها وتصويرها، قال عمران: لابد من ذلك؟ فقال (عليه السلام): لابد لك أن تعرف تلك الصورة وحقيقتها فبين لنا حقيقتها ، فلما عجز عن الجواب ألزم (عليه السلام) عليه الايراد بوجه آخر: وهو أنه على قولك إنه لا بد لكل معلوم أن يعرف بصورة فالصورة أيضا معلوم لابد أن تعرف بصورة أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية له، و إن قلت: إن الصورة تعرف بنفسها بالعلم الحضوري من غير احتياج إلى صورة أخرى

فلم لا يجوز أن يكون علمه تعالى بأصل الأشياء على وجه لا يحتاج إلى صورة وضمير؟.

ثم لما أفسد (عليه السلام) الأصل الذي هو مبني كلام السائل أقام البرهان على امتناع حلول الصور فيه، واتصافه بالضمير، لمنافاته لوحدته الحقيقية، واستلزامه التجزي والتبعض، وكونه متصفا بالصفات الزائدة، وكل ذلك ينافي وجوب الوجود، فليس فيه تعالى عند إيجاد المخلوقين سوى التأثير من غير عمل وروية وتفكر وتصوير وخطور وتجربة وذهاب الفكر إلى المذاهب، وسائر ما يكون في الناقصين العاجزين من الممكنات.

قوله (عليه السلام): (على ستة أنواع) لعل الأول ما يكون ملموسا وموزونا ومنظورا إليه، والثاني: ما لا يكون له تلك الأوصاف كالروح، وإنما عبر عنه بما لا ذوق له اكتفاء ببعض صفاته، وفي بعض النسخ: (ومالا لون له وهو الروح) وهو أظهر للمقابلة. والثالث: ما يكون منظورا إليه، ولا يكون ملموسا ولا محسوسا ولا موزونا ولا لون له كالهواء أو السماء، فالمراد بكونه منظورا إليه أنه يظهر للنظر بآثاره، أو قد يرى ولا لون له بذاته، أو يراد به الجن والملك وأشباههما، والظاهر أن قوله: (ولا لون) زيد من النساخ. والرابع: التقدير ويدخل فيه الصور والطول والعرض.

والخامس: الاعراض القارة المدركة بالحواس، كاللون والضوء، وهو الذي عبر عنه بالا عراض. والسادس: الاعراض الغير القارة كالأعمال والحركات التي تذهب هي وتبقى آثارها. ويمكن تصوير التقسيم بوجوه أخر تركناها لمن تفكر فيه.

قوله (عليه السلام): (مشيته واسمه وصفته) يحتمل أن يكون المعنى آثار المشية و الصفات، فإنها قد عرفنا الله بها وهي محدثات، أو المعنى أن كل ما نتعقل من صفاته تعالى وندركه بأذهاننا فهي مخلوقة مصنوعة، والله تعالى غيرها، وقد مر تحقيق ذلك في كتاب التوحيد.

.

قوله (عليه السلام): (وليس لك علي أكثر من توحيدي إياه) أي يمكنني أن أبين لك من ذات الصانع وصفاته إلا ما يرجع إلى توحيده تعالى وتنزيهه عن مشابهة من سواه، أولا يلزمني البيان لك في هذا الوقت إلا توحيده، لترجع عما أنت عليه من الشراك.

قوله (عليه السلام): (لا يكون السكوت إ عن نطق قبله) حاصله أن السكوت عدم ملكة، فلا يقال للسراج: إنه ساكت، حيث لا ينطق، إذ ليس من شأنه النطق، وكذلك الله سبحانه لا يوصف بالنطق بالمعنى الذي فهمت وهو مزاولته بلسان وشفة أو بغير ذلك مما يوجب التغير في ذاته، بل كلامه هو إيجاده للأصوات والحروف في الأجسام.

ثم لما كان هذا أيضا موهما لنوع تغير في ذاته تعالى بأن يتوهم أن إيجاده بمزاولة الجوارح والآلات والاعمال أزال ذلك التوهم بأن الألفاظ كثيرا ما تطلق في بعض الموارد مقارنا لبعض الأشياء. فيتوهم اشتراط تلك المقارنات في استعمالها وليس كذلك، والخلق والايجاد كذلك، فإنهما يطلقان في المخلوقين غالبا مقارنا لمزاولتهم الاعمال وتحريكهم الجوارح واستعانتهم بالآلات، فيتوهم الجهال أنهما لا يطلقان إلا بذلك، فبين ذلك بالتشبيه بالسراج أيضا، فإنه يقال: إنه يضئ، وليس معنى إضاءته أنه يفعل فعلا يزاول فيه الاعمال والجوارح والآلات، أو أنه يحدث له عند ذلك إرادة وخطور بال كما يكون في ضرب زيد وقتل عمرو، بل ليس إلا استتباع ضوئه لاستضاءتنا، فكذلك الصانع تعالى ليس إيجاده بما يوجب تغييرا في ذاته من حدوث أمر فيه، أو مزاولة عمل أو روية أو تفكر أو استعمال جارحة أو آلة كما يكون في المخلوقين غالبا، وليس الغرض التشبيه الكامل في ذلك حتى يلزم عدم كون إيجاده تعالى على وجه الإرادة والاختيار، بل فيما ذكرناه من الوجوه.

فقوله (عليه السلام): (ولا يقال: إن السراج ليضئ فيما يريد أن يفعل بنا) النفي فيه راجع إلى القيد، أي لا يطلق إضاءة السراج على فعل يريده أن يفعل بنا لان الضوء من السراج ليس بفعل منه، ولا كون وإحداث، وإنما هو السراج حسب، ليس معه إرادة ولافعل ولا مزاولة عمل، فلما استضأنا به وحصل الضوء فينا من قبله نسبنا إليه

الإضاءة وقلنا: قد أضاء، فلا يشترط في استعمال تلك الأفعال إلا الاستتباع والسببية من غير اشتراط شئ آخر، والأظهر بدل (فلما استضاء لنا) قوله: (فلما استضأنا به) كما لا يخفى.

قوله (عليه السلام): (هل تجد النار يغيرها تغير نفسها؟ حاصله أن الشئ لا يؤثر في نفسه بتغيير وإفناء وتأثير، بل إنما يتأثر من غيره، فالنار لا تتغير إلا بتأثير غيرها فيها، والحرارة لا تحرق نفسها، والبصر لا ينطبع من نفسه، بل من صورة غيره، فالله سبحانه لا يمكن أن يتأثر ويتغير بفعل نفسه، وتأثير غيره تعالى فيه محال، وأما الانسان إذا ضرب عضوا منه على عضو آخر فيتأثر فليس من ذلك، لان أحد العضوين مؤثر والآخر متأثر، أو يقال: الانسان أثر في نفسه بتوسط غيره وهو عضو منه، والله سبحانه لا يتأتى فيه ذلك لوحدته الحقيقية وبساطته المطلقة، فلا يعقل تغيره بفعل نفسه بوجه، ثم لما توهم عمران أن الخلق والتأثير لا يكون إلا بكون المؤثر في الأثر أو الأثر في المؤثر أجاب بذكر بعض الشرائط والعلل الناقصة على التنظير، فمثل بالمرآة حيث يشترط انطباع صورة البصر في المرآة وانطباع صورة المرآة في البصر بوجود ضوء قائم بالهواء المتوسط بينهما، فالضوء علة ناقصة لتأثر البصر والمرآة مع عدم حصوله في شئ منهما وعدم حصول شئ منهما فيه، فلم لا يجوز تأثير الصانع في العالم مع عدم حصول العالم فيه ولا حصوله في العالم؟.

قوله: (هل يوحد بحقيقة) بالحاء المهملة المشددة المفتوحة، أي هل يتأتى توحيده مع تعقل كنه حقيقته، أو إنما يوحد مع تعقله بوجه من وجوهه وبوصف من أوصافه؟ وفي بعض النسخ (يوجد) بالجيم من الوجدان، أي يعرف، وهو أظهر، فأجاب (عليه السلام) بأنه إنما يعرف بالوجوه التي هي محدثة في أذهاننا، وهي مغايرة لحقيقته تعالى، وما ذكره أولا لبيان أنه قديم أزلي والقديم يخالف المحدثات في الحقيقة، وكل شئ غيره فهو حادث.

قوله (عليه السلام): (لا معلوما) تفصيل للثاني، أي ليس معه غيره لا معلوم ولا مجهول والمراد بالمحكم ما يعرف حقيقته، وبالمتشابه ضده، ويحتمل أن يكون إشارة إلى

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.