بحارالانوار · كتاب الصلاة
باب الأذان والإقامة وفضلهما وتفسيرهما وأحكامهما
ج ۸۱، ص ۱۵۶–۱۷۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۳ از ۳
ومعنى قوله صلى الله عليه وآله أطول الناس أعناقا أي لاستشرافهم، وتطاولهم إلى رحمة ربهم على خلاف من وصف الله سوء حاله، فقال: " ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ".
وعنه صلى الله عليه وآله أنه رغب الناس وحثهم على الاذان، وذكر لهم فضائله، فقال بعضهم: يا رسول الله لقد رغبتنا في الاذان حتى إنا لنخاف أن يتضارب عليه أمتك بالسيوف، فقال: إما إنه لن يعدو ضعفاءكم.
بيان: " لن يعدو ضعفاءكم " أي لا يتجاوز عنهم إلى غيرهم، ولا يرتكبه الأغنياء والاشراف.
56 - الدعائم: عن علي عليه السلام أنه قال: ما آسى على شئ غير أني وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وآله الاذان للحسن والحسين عليهما السلام.
بيان: الأسى الحزن، وفيه ترغيب عظيم في الاذان حيث تمنى عليه السلام أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعين شبليه للاذان في حياته أو بعد وفاته أو الأعم.
57 - الدعائم: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الأذان والإقامة مثنى مثنى، وتفرد الشهادة في آخر الإقامة، تقول: " لا إله إلا الله " مرة واحدة.
وعن علي عليه السلام قال: يستقبل المؤذن القبلة في الأذان والإقامة، فإذا قال:
حي على الصلاة حي على الفلاح حول وجهه يمينا وشمالا.
بيان: لعل الالتفات محمول على التقية لمخالفته لساير الاخبار التي ظواهرها الاستقبال في جميع الفصول، قال في المنتهى: المستحب ثبات المؤذن على الاستقبال في أثناء الأذان والإقامة، ويكره له الالتفات يمينا وشمالا، وقال أبو حنيفة: يستحب له أن يدور بالاذان في المئذنة، وقال الشافعي: يستحب له أن يلتفت عن يمينه عند قوله: " حي على الصلاة " وعن يساره عند قوله: " حي على الفلاح ".
58 - الدعائم: عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: يرتل الاذان ويحدر الإقامة، ولابد من فصل بين الأذان والإقامة بصلاة أو بغير ذلك، وأقل ما يجزي في ذلك في صلاة المغرب التي لا صلاة فبلها أن يجلس بعد الاذان جلسة يمس فيها الأرض بيده.
بيان: المراد بالترتيل الترسل والتأني، قال في النهاية: ترتيل القراءة التأني فيها والتمهل، وتبيين الحروف والحركات، وقال في حديث الاذان إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر، أي أسرع، حدر في قراءته وأذانه يحدر حدرا انتهى، وقد قطع الأصحاب باستحباب التأني في الاذان، والحدر في الإقامة، وقال أكثر المتأخرين المراد بالحدر في الإقامة قصر الوقوف لا تركها أصلا فإنه يستحب الوقف على فصولهما.
59 - الدعائم: عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: لا بأس بالتطريب في الاذان إذا أتم وبين وأفصح بالألف والهاء.
بيان: ظاهر التطريب هنا التغني كما في القاموس وتجويزه في الاذان
مما لم يقل به أحد من أصحابنا، ولعله محمول على التقية، وأما الافصاح بالألف والهاء، فقال في المنتهى: يكره أن يكون المؤذن لحانا، ويستحب أن يظهر الهاء في لفظتي الله والصلاة، والحاء من الفلاح، لما روي عن الرسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: لا يؤذن لكم من يدغم الهاء، قلت: وكيف يقول؟ قال: يقول: أشهد أن لا إله إلا اللا أشهد أن محمد رسول اللا.
وقال ابن إدريس: ينبغي أن يفصح فيهما بالحروف، وبالهاء في الشهادتين، والمراد بالهاء هاء إله، لا هاء أشهد، ولا هاء الله، لان الهاء في أشهد مبنية مفصح بها لا لبس فيها وهاء الله موقوفة مبنية لا لبس فيها، وإنما المراد ها إله، فان بعض الناس ربما أدغم الهاء في لا إله إلا الله انتهى.
وقال الشيخ البهائي رحمه الله: كأنه فهم من الافصاح بالهاء إظهار حركتها لا إظهارها نفسها.
أقول: لا وجه لكلامه - رحمه الله - أصلا إذ كونها مبنية لا يستلزم عدم اللحن فيها، وكثير من المؤذنين يقولون " أشد " وكثير منهم لا يظهرون الهمزات في أول الكلمات، ولا الهاءات في أواخرها، فالأولى حمله على تبيين كل ألف وهمزة وهاء فيهما.
وقال الشهيد في الذكرى: الظاهر أنه ألف الله الأخيرة غير المكتوبة، وهاؤه في آخر الشهادتين، وكذا الألف والهاء في الصلاة.
60 - الدعائم: عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: من أذن وأقام صلى خلفه صفان من الملائكة، وإن أقام ولم يؤذن صلى خلفه صف من الملائكة، ولابد في الفجر والمغرب من أذان وإقامة في الحضر والسفر لأنه لا تقصير فيهما.
وعن علي عليه السلام أنه قال: لا بأس أن يصلي الرجل بنفسه بلا أذان ولا إقامة.
وعنه عليه السلام أنه قال: لا بأس بالاذان قبل طلوع الفجر، ولا يؤذن للصلاة
حتى يدخل وقتها.
بيان: لا يؤذن للصلاة أي لسائرها أو المراد أنه ليس الاذان قبل الوقت أذانا للصلاة بل لابد من أذان آخر بعد الوقت للصلاة.
61 - الدعائم: عن علي عليه السلام أنه لم ير بالكلام في الأذان والإقامة بأسا.
وعن جعفر بن محمد عليهما السلام مثل ذلك إلا أنه قال: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، حرم عليه الكلام وعلى سائر أهل المسجد، إلا أن يكونوا اجتمعوا من شتى وليس لهم إمام.
بيان: من شتى، أي من مواضع مختلفة وفي بعض النسخ بدون " من " أي متفرقين والاستثناء لأنه ليس لهم إمام معين فلابد لهم من تعيين إمام فيتكلمون لذلك ضرورة كما روى الشيخ في الصحيح على الظاهر قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتكلم في الإقامة، قال: نعم، فإذا قال المؤذن قد قامت الصلاة فقد حرم الكلام على أهل المسجد إلا أن يكونوا اجتمعوا من شتى وليس لهم إمام فلا بأس أن يقول بعضهم لبعض: تقدم يا فلان، وظاهر تحريم الكلام بعد الإقامة لغير الضرورة، كما ذهب إليه الشيخان والمرتضى، والمفيد والمرتضى حرما الكلام في الإقامة أيضا، وحمل في المشهور على شدة الكراهة .
62 - الدعائم: عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: لا بأس أن يؤذن الرجل على غير طهر، ويكون على طهر أفضل، ولا يقيم إلا على طهر.
وعنه عليه السلام قال: لا يؤذن الرجل وهو جالس إلا مريض أو راكب، ولا يقيم إلا قائما على الأرض إلا من علة لا يستطيع معها القيام.
وعن علي عليه السلام أنه قال: لا بأس أن يؤذن المؤذن ويقيم غيره.
بيان: قال في المنتهى: يجوز أن يتولى الاذان واحد والإقامة آخر، وقد روي
أن أبا عبد الله عليه السلام كان يقيم بعد أذان غيره، ويؤذن ويقيم غيره.
63 - الدعائم: عن علي عليه السلام أنه قال: ليس على النساء أذان ولا إقامة.
وعن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه سئل عن المرأة تؤذن وتقيم؟ قال: نعم، ويجزيها أذان المصر إذا سمعته، وإن لم تسمعه اكتفت بأن تشهد الشهادتين.
وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه يقال: لا بأس بأن يؤذن العبد والغلام الذي لم يحتلم.
بيان: قال في المنتهى: لا يعتبر في المؤذن البلوغ ذهب إليه علماؤنا أجمع، و يعتد بأذان العبد، وهو قول كل من يحفظ عنه العلم.
64 - الدعائم: عن علي عليه السلام أنه قال: من السحت أجر المؤذن يعني إذا استأجره القوم لهم، وقال: لا بأس أن يجري عليه من بيت المال.
بيان: قطع الأصحاب بجواز ارتزاق المؤذن من بيت المال إذا اقتضته المصلحة لأنه من مصالح المسلمين، واختلفوا في أخذ الأجرة عليه، فذهب الشيخ في الخلاف وجماعة إلى عدم الجواز، وذهب المرتضى إلى الكراهة، وهو ظاهر المعتبر و الذكرى، ولعله أقوى، وهل الإقامة كالاذان؟ فيه وجهان، وحكم العلامة في النهاية بعدم جواز الاستيجار عليها، وإن قلنا بجواز الاستيجار على الاذان فارقا بينهما بأن الإقامة لا كلفة فيها، بخلاف الاذان، فان فيه كلفة بمراعاة الوقت وهو ضعيف.
65 - الدعائم: عن علي عليه السلام أنه قال: من سمع النداء وهو في المسجد ثم خرج فهو منافق، إلا رجل يريد الرجوع إليه، أو يكون على غير طهارة فيخرج ليتطهر.
وعنه عليه السلام أنه قال: ليؤذن لكم أفصحكم وليؤمكم أفقهكم.
بيان: المنع عن الخروج بعد سماع الاذان الظاهر أنه لادراك الجماعة، و ظاهر الوجوب وحمل على تأكد الاستحباب، وقد حكم الأصحاب باستحباب كون المؤذن فصيحا وقال الشهيد الثاني رحمه الله: الأولى أن يراد بالفصاحة هنا معناها اللغوي بمعنى خلوص كلماته وحروفه عن اللكنة واللثغة ونحوهما، بحيث تتبين حروفه بيانا كاملا لا المعنى الاصطلاحي لان الملكة التي يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح، لا دخل لها في ألفاظ الاذان المتلقاة من غير زيادة و لا نقصان.
66 - الدعائم: عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: لا أذان في نافلة، ولا بأس بأن يؤذن الأعمى إذا سدد، وقد كان ابن أم مكتوم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وآله و هو أعمى .
ايضاح: قال في المنتهى: لا يؤذن لغير الصلاة الخمس، وهو قول علماء الاسلام وقال: ويجوز أن يكون المؤذن أعمى بلا خلاف، ويستحب أن يكون مبصرا ليأمن الغلط، فإذا أذن الأعمى استحب أن يكون معه من يسدده ويعرفه دخول الوقت.
67 - الدعائم: عن علي عليه السلام أنه رأى مأذنة طويلة فأمر بهدمها، وقال: لا يؤذن على أكبر من سطح المسجد.
وعن علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من ولد له مولود فليؤذن في أذنه اليمنى ، وليقم في اليسرى، فان ذلك عصمة من الشيطان.
وعنه عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا تغولت لكم الغيلان فأذنوا بالصلاة.
بيان: قال الشهيد قدس سره في الذكرى: يستحب الأذان والإقامة في غير الصلاة في مواضع:
منها في الفلوات الموحشة: في الجعفريات عن النبي صلى الله عليه وآله إذا تغولت بكم
الغيلان فأذنوا بأذان الصلاة، ورواه العامة وفسره الهروي، بأن العرب تقول إن الغيلان في الفلوات ترائى للناس تتغول تغولا أي تتلون تلونا فتضلهم عن الطريق وتهلكهم وروي في الحديث " لا غول " وفيه إبطال لكلام العرب، فيمكن أن يكون الاذان لدفع الخيال الذي بحصل في الفلوات وإن لم تكن له حقيقة.
ومنها الاذان في أذن المولود اليمنى، والإقامة في اليسرى، نص عليه الصادق عليه السلام.
ومنها من ساء خلقه يؤذن في أذنه، وفي مضمر سليمان الجعفري سمعته يقول:
أذن في بيتك فإنه يطرد الشيطان، ويستحب من أجل الصبيان وهذا يمكن حمله على أذان الصلاة انتهى.
وقال في النهاية: فيه " لا غول ولا صفر " الغول أحد الغيلان، وهي جنس من الجن والشياطين كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تترائى للناس فتتغول تغولا أي تتلون تلونا في صور شتى وتغولهم أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه النبي صلى الله عليه وآله وأبطله، وقيل قوله: " لا غول " ليس نفيا لعين الغول ووجوده، وإنما فيه إبطال زعم العرب في تلونه بالصور المختلفة واغتياله، فيكون المعنى بقوله: لا غول، أنها لا تستطيع أن تضل أحدا، ويشهد له الحديث الآخر " لا غول ولكن السعالى سحرة الجن " أي ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل، ومنه الحديث إذا تغولت بكم الغيلان فبادروا بالاذان، أي ادفعوا شرها بذكر الله تعالى، وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها وقال: السعالى وهي جمع سعلاء وهم سحرة الجن.
68 - فقه الرضا: قال عليه السلام: إن شككت في أذانك وقد أقمت الصلاة فامض، وإن شككت في الإقامة بعد ما كبرت فامض، فان استيقنت أنك تركت الأذان والإقامة، ثم ذكرت فلا بأس بترك الاذان، وتصلي على النبي وعلى آله، ثم قل: " قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة ".
وقال العالم: من أجنب ثم لم يغتسل حتى يصلي الصلاة كلهن فذكر بعدما
صلى، قال: فعليه الإعادة يؤذن ويقيم ثم يفصل بين كل صلاتين بإقامة.
تبيين: هذا الفصل يشتمل على أحكام:
الأول: أنه لا عبرة بالشك في أصل الاذان بعد إتمام الإقامة، أو بعد قوله:
" قد قامت الصلاة " ولا خلاف في منطوقه، وكذا فيما يفهم منه من اعتبار الشك إذا كان قبل الشروع في الإقامة، فأما بعد الشروع فيها قبل الاتمام أو قبل قوله: " قد قامت الصلاة " فيدل بمفهومه على الاتيان بالاذان، وفيه إشكال، لأنه شك بعد التجاوز عن المحل، وقد قطع الأصحاب بعدم اعتباره.
وروي في الصحيح عن زرارة، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل شك في الاذان وقد دخل في الإقامة؟ قال: يمضي، قلت: رجل شك في الأذان والإقامة وقد كبر قال: يمضي، وساق الحديث إلى أن قال: يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ.
ويمكن حمل قوله: " أقمت الصلاة " على الشروع في الإقامة، وإن كان بعيدا للجمع، وإن حملنا الشك فيهما على ما يشمل الشك في بعض فصولهما فظاهر بعض الأخبار أنه إن شك قبل الفراغ يعيد على ما شك فيه وما بعده، لأنهم عدوا الاذان فعلا واحدا، والإقامة فعلا واحدا كالقراءة، وإن كانت ذات أجزاء.
ويفهم من الخبر بعد التكلف المذكور أيضا العود مع الشك بعد الفراغ قبل الشروع في الإقامة في الاذان، وفي الصلاة في الإقامة، فيكون مخالفته لبعض الاخبار، بل لقول بعض الأصحاب أكثر، لكن ما مر من خبر زرارة لا يأبى عنه وكلام بعض الأصحاب أيضا لا ينافيه إذ قبل الشروع في الإقامة وقت الاذان باق كالقراءة قبل الركوع وليس فعلا مستقلا كالوضوء حتى لا يعتبر بالشك بعد الفراغ منه، بل بمنزلة أجزاء الصلاة كما يفهم من صحيحة زرارة، وظاهر الصدوق أيضا ذلك، فالقول به قوي.
الثاني: أنه إذا سهى عن الأذان والإقامة، وذكر بعد الدخول في الصلاة يصلي على النبي صلى الله عليه وآله ويقول مرتين " قد قامت الصلاة " وقال في الذكرى روى زكريا ابن آدم عن الرضا عليه السلام: إن ذكر ترك الإقامة في الركعة الثانية وهو في القراءة سكت وقال: " قد قامت الصلاة " مرتين، ثم مضى في قراءته وهو يشكل بأنه كلام ليس من الصلاة ولا من الأذكار.
وروى محمد بن مسلم، عن الصادق عليه السلام في ناسي الأذان والإقامة وذكر قبل أن يقرأ، فليصل على النبي صلى الله عليه وآله وليقم، وإن كان قد قرأ فليتم صلاته.
وروى حسين بن أبي العلا عنه عليه السلام فان ذكر أنه لم يقم قبل أن يقرأ فليسلم على النبي صلى الله عليه وآله ثم يقيم ويصلي.
قلت: أشار الصلاة على النبي أولا وبالسلام في هذه الرواية إلى قطع الصلاة فيمكن أن تكون السلام على النبي صلى الله عليه وآله قاطعا لها، ويكون المراد بالصلاة هناك السلام، وأن يردا الجمع بين الصلاة والسلام، فيجعل القطع بهذا من خصوصيات هذا الموضع، لأنه قد روي أن التسليم على النبي آخر الصلاة ليس بانصراف، ويمكن أن يراد القطع بما ينافي الصلاة إما استدبار أو كلام، ويكون التسليم على النبي مبيحا لذلك، وعلى القول بوجوب التسليم يمكن أن يقال يفعل هنا ليقطع به الصلاة انتهى.
وظاهر رواية المتن عدم الاستيناف كرواية زكريا فالصلاة مستحب آخر لابتداء ما يأتي به من الإقامة، أو لتدارك تلك الفاصلة كما أنه في رواية ابن مسلم يحتمل كونه لتدارك القطع أو لابتداء الإقامة، أو تكون الصلاة كناية عن القطع أو قاطعة في خصوص هذا الموضع.
وقال الشيخ البهائي - ره - مجيبا عن إشكال الشهيد قدس سره على خبر زكريا:
وأنت خبير بأن الحمل على أنه يقول ذلك مع نفسه من غير أن يتلفظ به ممكن، وقوله عليه السلام " اسكت موضع قراءتك وقل " ربما يؤذن بذلك، إذ لو تلفظ بالإقامة لم يكن ساكتا في موضع القراءة، وحمل السكوت على السكوت عن القراءة لا عن غيرها
خلاف الظاهر.
الثالث: يدل على أن الجنب إذا صلى ناسيا يعيد كل صلاة صلاها في الوقت وخارجه، ولا خلاف فيه.
الرابع: يدل على أن قاضي الصلوات اليومية يؤذن ويقيم في أول ورده، ثم يقيم لكل صلاة، ولا ريب في جواز الاكتفاء بذلك لورود الأخبار الصحيحة والمشهور بين الأصحاب أن الأفضل أن يؤذن لكل صلاة، وحكى الشهيد في الذكرى قولا بأن الأفضل ترك الاذان لغير الأولى، لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله شغل يوم الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى الظهر ثم أمره فأقام فصلى العصر، ثم أمره فأقام فصلى المغرب، ثم أمره فأقام فصلى العشاء.
ثم قال: ولا ينافي العصمة لوجهين أحدهما ما روي من أن الصلاة كانت تسقط أداء مع الخوف ثم تقضي، حتى نسخ ذلك بقوله تعالى: " وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة " الآية. الثاني جاز أن يكون ذلك لعدم تمكنه من استيفاء أفعال الصلاة، ولم يكن قصر الكيفية مشروعا، وهو عائد إلى الأول وعليه المعول انتهى.
وهذا القول حسن لا لهذه الرواية إذ الظاهر أنها عامية، بل لسائر الروايات الواردة بالاكتفاء بالإقامة في غير الأولى من غير معارض صريح، بل لو وجد القائل بعدم مشروعية الاذان لغير الأولى من الفوائت عند الجمع بينها، كان القول به متجها لعدم ثبوت التعبد به على هذا الوجه مع اقتضاء الاخبار رجحان تركه.
قال في الدروس: استحباب الاذان للقاضي لكل صلاة ينافي سقوطه عمن جمع في الأداء، ثم احتمل كون الساقط مع الجمع أذان الاعلام لا الاذان الذكرى ولا يخفى ما في الأول والآخر.
واعلم أن الأصحاب جوزوا الاكتفاء بالإقامة لكل فائتة في الصورة المذكورة لما روي عن موسى بن عيسى قال: كتبت إليه: رجل تجب عليه إعادة الصلاة أيعيدها
بأذان وإقامة؟ فكتب: يعيدها بإقامة، ولان الاذان إعلام بدخول الوقت، وفيه نظر لان ظاهر الرواية أنه إذا أذن وأقام ثم فعل ما يبطل صلاته لا يعيد الاذان، ويعيد الإقامة، وكون أصله للاعلام مع تخلفه في كثير من الموارد لا ينافي لزومه في أول القضاء مع أنه تابع للأداء، والأولى العمل بسائر الروايات كما عرفت.
69 - السرائر: نقلا من كتاب النوادر لمحمد بن علي بن محبوب عن العباس بن معروف، عن عبد الله بن المغيرة، عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التثويب الذي يكون بين الأذان والإقامة، فقال: ما نعرفه.
بيان: الظاهر أن المراد بالتثويب قول: " الصلاة خير من النوم " كما هو المشهور بين الأصحاب منهم الشيخ في المبسوط وابن أبي عقيل والسيد رضي الله عنهم، وبه صرح جماعة من أهل اللغة منهم الجوهري.
وقال في النهاية فيه إذا ثوب بالصلاة فأتوها وعليكم السكينة، التثويب ههنا إقامة الصلاة، والأصل في التثويب أن يجئ الرجل مستصرخا فيلوح بثوبه ليري ويشهر فسمي الدعاء تثويبا لذلك، وكل داع مثوب، وقيل: إنما سمي تثويبا من ثاب يثوب إذا رجع فهو رجوع إلى الامر بالمبادرة إلى الصلاة، فان المؤذن إذا قال: " حي على الصلاة " فقد دعاهم إليها، فإذا قال بعدها " الصلاة خير من النوم " فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة إليها.
وفسره القاموس بمعان منها الدعاء إلى الصلاة، وتثنية الدعاء، وأن يقول في أذان الفجر " الصلاة خير من النوم " مرتين، وقال في المغرب التثويب القديم، هو قول المؤذن في أذان الصبح " الصلاة خير من النوم " والمحدث " الصلاة الصلاة " أو " قامت قامت ".
وقال الشيخ في النهاية: التثويب تكرير الشهادتين والتكبيرات، زائدا على القدر الموظف شرعا، وقال ابن إدريس: هو تكرير الشهادتين دفعتين لأنه مأخوذ من ثاب إذا رجع، وقال في المنتهى: التثويب في أذان الغداة وغيرها غير مشروع وهو قول:
" الصلاة خير من النوم " ذهب إليه أكثر علمائنا، وهو قول الشافعي وأطبق أكثر الجمهور على استحبابه في الغداة، لكن عن أبي حنيفة روايتان في كيفيته، فرواية كما قلناه، والأخرى أن التثويب عبارة عن قول المؤذن بين أذان الفجر وإقامته " حي على الصلاة " مرتين " حي على الفلاح " مرتين.
ثم قال في موضع آخر: يكره أن يقول بين الأذان والإقامة " حي على الصلاة حي على الفلاح " وبه قال الشافعي، وقال محمد بن الحسن: كان التثويب الأول " الصلاة خير من النوم " مرتين بين الأذان والإقامة، ثم أحدث الناس بالكوفة " حي على الصلاة حي على الفلاح " مرتين بينهما، وهو حسن. وقال بعض أصحاب أبي حنيفة يقول بعد الاذان " حي على الصلاة حي على الفلاح " بقدر ما يقرأ عشر آيات انتهى.
أقول: وهذا الخبر يحتمل وجهين: فعلى الأول المراد ببين الأذان والإقامة بين فصولهما، قوله: " ما نعرفه " أي ليس له أصل، إذ لو كان لكنا نعرفه.
70 - السرائر: نقلا من كتاب النوادر لمحمد بن علي بن محبوب، عن الحسين ابن سعيد، عن فضالة، عن العلا، عن محمد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان أبي ينادي في بيته " الصلاة خير من النوم " ولو رددت ذلك لم يكن به بأس.
بيان، حمله الأصحاب على التقية.
71 - العلل: عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وآله وحضرت الصلاة، أذن جبرئيل وأقام الصلاة فقال: يا محمد تقدم فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: تقدم يا جبرئيل، فقال له: إنا لا نتقدم على الآدميين منذ أمرنا بالسجود لآدم عليه السلام.
ومنه: عن أحمد بن الحسن القطان، عن الحسن بن علي السكري، عن محمد ابن زكريا الغلابي، عن عمر بن عمران، عن عبيد الله بن موسى العبسي، عن جبلة
المكي، عن طاوس اليماني، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما أسري بي إلى السماء الرابعة أذن جبرئيل وأقام ميكائيل، ثم قيل لي: ادن يا محمد!
فتقدمت فصليت بأهل السماء الرابعة.
بيان: في الخبرين وأمثالهما دلالة على جواز اتحاد المؤذن والمقيم، وتعددهما وجواز كونهما غير الامام.
72 - قرب الإسناد: عن محمد بن عيسى والحسن بن طريف وعلي بن إسماعيل كلهم، عن حماد بن عيسى قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال أبي: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله لصلاة الصبح وبلال يقيم، وإذا عبد الله بن القسب يصلي ركعتي الفجر، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: يا ابن القسب أتصلي الصبح أربعا؟ قال ذلك له مرتين أو ثلاثة.
ومنه: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن رجل ترك ركعتي الفجر حتى دخل المسجد، والامام قد قام في صلاته كيف يصنع؟ قال: يدخل في صلاة القوم ويدع الركعتين، فإذا ارتفع النهار قضاهما.
بيان: الخبران يدلان على المنع من التنفل بعد الشروع في الإقامة، وبعد إتمامها، وتقييد القضاء بارتفاع النهار إما للتقية أو لئلا يظن الامام أنه يعيد ما صلى معه لعدم الاعتداد بصلاته أو بناء على كراهة النافلة في الأوقات المكروهة و الأول أظهر.
73 - كتاب العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم قال: علة الاذان أن تكبر الله وتعظمه، وتقر بتوحيد الله وبالنبوة والرسالة، وتدعو إلى الصلاة وتحث على الزكاة، ومعنى الاذان الاعلام لقول الله تعالى: " وأذان من الله ورسوله
إلى الناس " أي إعلام، وقال أمير المؤمنين عليه السلام كنت أنا الاذان في الناس بالحج وقوله: " وأذن في الناس بالحج " أي أعلمهم وادعهم، فمعنى " الله " أنه يخرج الشئ من حد العدم إلى حد الوجود ويخترع الأشياء لا من شئ، وكل مخلوق دونه يخترع الأشياء من شئ إلا الله، فهذا معنى " الله " وذلك فرق بينه وبين المحدث ومعنى " أكبر " أي أكبر من أن يوصف في الأول، وأكبر من كل شئ لما خلق الشئ.
ومعنى قوله: " أشهد أن لا إله إلا الله " إقرار بالتوحيد، ونفي الأنداد وخلعها، وكل ما يعبد من دون الله، ومعنى " أشهد أن محمدا رسول الله " إقرار بالرسالة والنبوة، وتعظيم لرسول الله صلى الله عليه وآله، وذلك قول الله عز وجل: " ورفعنا لك ذكرك " أي تذكر معي إذا ذكرت.
ومعنى " حي على الصلاة " أي حث على الصلاة، ومعنى " حي على الفلاح " أي حث على الزكاة، وقوله: " حي على خير العمل " أي حث على الولاية وعلة أنها خير العمل أن الاعمال كلها بها تقبل، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله محمد رسول الله فألقى معاوية من آخر الاذان " محمد رسول الله " فقال أما يرضى محمد أن يذكر في أول الاذان حتى يذكر في آخره.
ومعنى الإقامة هي الإجابة والوجوب، ومعنى كلماتها فهي التي ذكرناها في الاذان، ومعنى " قد قامت الصلاة " أي قد وجبت الصلاة وحانت وأقيمت، وأما العلة فيها فقال الصادق عليه السلام إذا أذنت وصليت صلى خلفك صف من الملائكة، وإذا أذنت وأقمت صلى خلفك صفان من الملائكة، ولا يجوز ترك الاذان إلا في صلاة الظهر والعصر والعتمة، يجوز في هذه الثلاث الصلوات إقامة بلا أذان، والاذان أفضل ولا تجعل ذلك عادة، ولا يجوز ترك الأذان والإقامة في صلاة المغرب وصلاة الفجر
والعلة في ذلك أن هاتين الصلاتين تحضرهما ملائكة الليل وملائكة النهار.
بيان: لعل الحث على الزكاة في الاذان لكون قبول الصلاة مشروطا بها وكون الشهادة بالرسالة في آخر الاذان غريب لم أره في غير هذا الكتاب.
74 - جامع الشرايع: للشيخ يحيى بن سعيد: قد كان أبو عبد الله عليه السلام يقيم ويؤذن غيره وروي أن الانسان إذا دخل المسجد وفيه من لا يقتدي به وخاف فوت الصلاة بالاشتغال بالاذان والإقامة يقول: " حي على خير العمل " دفعتين لأنه تركه.
قال: وروي أن رفع الصوت بالاذان في المنزل ينفي الأمراض وينمي الولد.
75 - كتاب زيد النرسي: عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
إذا أدركت الجماعة وقد انصرف القوم، ووجدت الامام مكانه وأهل المسجد قبل أن ينصرفوا أجزاك أذانهم وإقامتهم، فاستفتح الصلاة لنفسك، وإذا وافيتهم وقد انصرفوا عن صلاتهم وهم جلوس أجزأ إقامة بغير أذان، وإن وجدتهم وقد تفرقوا وخرج بعضهم عن المسجد فأذن وأقم لنفسك.
بيان: الانصراف الأول الفراغ من الصلاة، والثاني الخروج من المسجد، و لعل المراد بالشق الثاني ما إذا خرج الامام والقوم جلوس، أو فرغوا من التعقيب وجلسوا لغيره، ويمكن حمله على الشق الأول، ويكون الغرض بيان استحباب الإقامة حينئذ ولا ينافي الاجزاء والظاهر أن فيه سقطا، وعلى التقادير هو خلاف المشهور، إذ المشهور بين الأصحاب سقوط الأذان والإقامة عن الجماعة الثانية، إذا حضرت في مكان لإقامة الصلاة فوجدت جماعة أخرى قد أذنت وأقامت وصلت ما لم تتفرق الجماعة الأولى.
وقال بعض الأصحاب: يكفي في عدم التفرق بقاء واحد للتعقيب وظاهر الرواية المعتبرة تحققه بتفرق الأكثر، وقال الشيخ في المبسوط: إذا أذن في مسجد دفعة لصلاة بعينها، كان ذلك كافيا لمن يصلي تلك الصلاة في ذلك المسجد، ويجوز له
أن يؤذن فيما بينه وبين نفسه، وإن لم يفعل فلا شئ عليه، وكلامه يؤذن باستحباب الاذان سرا، وأن السقوط عام يشمل التفرق وغيره، والمحقق في المعتبر والنافع والشهيد الثاني - ره - قصرا الحكم على المسجد، واستقرب الشهيد عدم الفرق، ولعل الأول أقرب.
والظاهر عموم الحكم بالنسبة إلى المنفرد والجامع خلافا لابن حمزة حيث خصه بالجماعة، ويظهر من خبر عمار الساباطي جواز الأذان والإقامة، و إن لم تتفرق الصفوف، فيمكن أن يكون الترك رخصة كما يشعر به الاجزاء في هذا الخبر.
76 - كتاب النرسي: قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من السنة الترجيع في أذان الفجر وأذان العشاء الآخرة، أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بلالا أن يرجع في أذان الغداة وأذان العشاء إذا فرغ " أشهد أن محمدا رسول الله "، عاد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله حتى يعيد الشهادتين، ثم يمضي في أذانه، ثم لا يكون بين الأذان والإقامة إلا جلسة.
ومنه: عن أبي الحسن موسى عليه السلام أنه سمع الاذان قبل طلوع الفجر، فقال: شيطان، ثم سمعه عند طلوع الفجر، فقال: الاذان حقا.
ومنه: عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن الاذان قبل طلوع الفجر، فقال:
لا إنما الاذان عند طلوع الفجر، أول ما يطلع قلت: فإن كان يريد أن يؤذن الناس بالصلاة وينبههم، قال: فلا يؤذن، ولكن ليقل وينادي بالصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم يقولها مرارا، وإذا طلع الفجر أذن، فلم يكن بينه وبين أن يقيم إلا جلسة خفيفة بقدر الشهادتين، وأخف من ذلك.
ومنه: عن أبي الحسن عليه السلام قال: الصلاة خير من النوم بدعة بني أمية، وليس ذلك من أصل الاذان ولا بأس إذا أراد الرجل أن ينبه الناس للصلاة أن ينادي بذلك، ولا يجعله من أصل الاذان فانا لا نراه أذانا.
14.
"
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.