پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب الصلاة

10. باب القبلة وأحكامها

ج ۸۱، ص ۲۸–۶۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۸۱

وقال سبحانه: سيقول السفهاء من الناس ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم * وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم * قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضيها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون * ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك

إذا لمن الظالمين.

وقال تعالى: ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شئ قدير * ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون * ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولاتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون.

وقال سبحانه: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر الآية.

الأعراف: وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد.

يونس: وأن أقم وجهك للدين حنيفا.

الروم: فأقم وجهك للدين حنيفا.

تفسير: " ولله المشرق والمغرب " أي مجموع ما في جهة الشرق والغرب من البلاد لله تعالى هو مالكها، ففي أي مكان فعلتم التولية لوجوهكم شطر القبلة - بدليل قوله " فول وجهك وحيثما كنتم فولوا " - فثم جهة الله التي أمر بها ورضيها، والمعنى إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس، فقد جعلنا لكم الأرض مسجدا فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها وافعلوا التولية فيها، فان التولية لا تختص بمسجد ولا بمكان كذا ذكره جماعة من المفسرين من الخاصة والعامة نظرا إلى ما قبله من قوله " ومن أظلم ممن منع مساجد الله ". وقيل فثم وجه الله أي ذاته أي فثم الله يرى ويعلم، وقيل

فثم رضى الله أي الوجه الذي يؤدي إلى رضوانه، وفي المجمع قيل معناه بأي مكان تولوا فثم الله يعلم ويرى فادعوه كيف توجهتم قال: وقيل: نزلت في التطوع على الراحلة حيث توجهت حال السفر، وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام وفي الجوامع لم يقيد بحال السفر، قال: وهو مروي عنهم عليهم السلام، ونحوه في التذكرة عن أبي عبد الله عليه السلام وفي المعتبر قد استفاض النقل أنها في النافلة.

وفي المجمع روي عن جابر أنه قال: بعث النبي سرية كنت فيها، وأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقال طائفة منا: قد عرفنا القبلة هي ههنا قبل الشمال، فصلوا وخطوا خطوطا، وقال بعضنا: القبلة ههنا قبل الجنوب فخطوا خطوطا فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما رجعنا من سفرنا سألنا النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك، فسكت، فأنزل الله هذه الآية.

وذكر في الجوامع قريبا منه عن عامر بن ربيعة، عن أبيه وسيأتي ما يدل على أنها نزلت في الخطاء في القبلة وفي قبلة المتحير، وقال الصدوق في الفقيه: " ونزلت هذه الآية في قبلة المتحير ذكر ذلك بعد نقل صحيحة معاوية فيحتمل أن يكون من الخبر ومن كلامه، ولو كان من كلامه أيضا فالظاهر أنه لا يقول إلا عن رواية، وروى الشيخ في التهذيب عن محمد بن الحصين قال: كتبت إلى عبد صالح: الرجل يصلي في يوم غيم في فلاة من الأرض، ولا يعرف القبلة فيصلي حتى إذا فرغ من صلاته بدت له الشمس فإذا هو قد صلى لغير القبلة، أيعتد بصلاته أم يعيدها؟ فكتب يعيدها ما لم يفته الوقت، أولم تعلم أن الله يقول وقوله الحق " فأينما تولوا فثم وجه الله ".

وقال الشيخ في النهاية، بعد نقل الآية: وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: هذا في النوافل خاصة في حال السفر انتهى.

وقد تحمل على النافلة والفريضة في الجملة جمعا بين الروايات، ومراعاة لعموم

اللفظ ما أمكن قال في كنز العرفان: اعلم أنه مهما أمكن تكثير الفائدة مع بقاء اللفظ على عمومه، كان أولى، فعلى هذا يمكن أن يحتج بالآية على أحكام:

الأول: صحة صلاة الظان والناسي، فيتبين خطأوه، وهو في الصلاة غير مستدبر ولا مشرق ولا مغرب.

الثاني: صحة صلاة الظان والناسي فيتبين خطأوه بعد فراغه، وكان التوجه بين المشرق والمغرب.

الثالث: الصورة بحالها وكان صلاته إلى المشرق والمغرب وتبين بعد خروج الوقت.

الرابع: المتحير الفاقد للامارات يصلي إلى أربع جهات تصح صلاته.

الخامس: صحة صلاة شدة الخوف حيث توجه المصلي.

السادس: صحة صلاة الماشي ضرورة عند ضيق الوقت متوجها إلى غير القبلة.

السابع: صحة صلاة مريض لا يمكنه التوجه بنفسه ولم يوجد غيره عنده يوجهه.

وأما الاحتجاج بها على صحة النافلة حضرا ففيه نظر لمخالفة فعل النبي صلى الله عليه وآله فإنه لم ينقل عنه فعل ذلك، ولا أمره ولا تقريره، فيكون إدخالا في الشرع ما ليس فيه، نعم يحتج بها على موضع الاجماع وهو حال السفر والحرب، ويكون ذلك مخصصا لعموم " حيث ما كنتم " بما عدا ذلك وهو المطلوب انتهى.

وأقول: الآية بعمومها وإطلاقها تدل على جواز الصلاة على غير القبلة مطلقا، وصحة ما وقع منها لغيرها مطلقا ونسخها غير معلوم فما خرج منها بدليل من إجماع

أو غيره فهو خارج به، وغير ذلك داخل فيها وأما آية القبلة الآتية فهي معارضه لهذه الآية في أكثر الاحكام وهذه مؤيدة بأصل البراءة فما لم ينضم إليه شئ آخر من إجماع أو نص فالعمل بهذه الآية فيه أقوى.

ففي المسائل الخلافية التي لم يرد فيها نص أو ورد من الجانبين، ولم يكن جانب البطلان أقوى يمكن الاستدلال بتلك الآية فيها ففي الرابع تدل على جواز الصلاة إلى أي جهة شاء ولا يجب القضاء مع تبين الخطاء وإن كان مستدبرا، وقيد ضيق الوقت في السادس غير محتاج إليه، وأما صحة النافلة حضرا إذا كان ماشيا أو راكبا فهي داخلة في الآية، ومؤيدة بالنصوص والتقييد بموضع الاجماع يقلل جدوى الآية بل ينفيها مع أنه - ره - قد استدل بها على موضع الخلاف أيضا، هذا بالنظر إلى الآية، مع قطع النظر عن الاخبار، وستطلع على ما تدل عليه الاخبار من اختصاص هذه الآية بالنافلة وآيات التولية بالفريضة، ونزول هذه الآية في قبلة المتحير أو الخاطي في الاجتهاد.

وفي الكشاف وقيل: معناه فأينما تولوا للدعاء والذكر، ولم يرد الصلاة، وفي المعالم: قال مجاهد والحسن: لما نزلت " وقال ربكم ادعوني أستجب لكم "، قالوا

أين ندعوه؟ فأنزل الله الآية، وقال أبو العالية: لما صرفت القبلة قالت اليهود: ليس لهم قبلة معلومة، فتارة يصلون هكذا، وتارة هكذا فنزلت.

وقال البيضاوي: وقيل هذه الآية توطئة لنسخ القبلة وتنزيه للمعبود أن يكون في حيز وجهة، وعلى هذه الأقوال ليست بمنسوخة، وقيل كان للمسلمين التوجه في صلاتهم حيث شاؤوا ثم نسخت بقوله " فول " وهذا غير ثابت، بل الاخبار تدل على خلافه، ثم إنها على بعض التفاسير تدل على إباحة الصلاة في أي مكان كان.

" إن الله واسع " علما وقدرة ورحمة وتوسعة على عباده " عليم " بمصالح الكل وما يصدر عن الكل في كل مكان وجهة.

" سيقول السفهاء " الخفاف الأحلام من الناس، قيل هم اليهود لكراهتهم التوجه إلى الكعبة، وأنهم لا يرون النسخ، وقيل المنافقون لحرصهم على الطعن والاستهزاء وقيل المشركون قالوا: رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها وليرجعن إلى دينهم، و قيل: يريد المنكرين لتغيير القبلة من هؤلاء جميعا " ما وليهم " حرفهم " عن قبلتهم التي كانوا عليها " يعني بيت المقدس والقبلة كالجلسة في الأصل الحال التي عليها الانسان من الاستقبال ثم صارت لما يستقبله في الصلاة ونحوها.

وفائدة الاخبار به قبل وقوعه أن مفاجأة المكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع، لما يتقدمه من توطين النفس، وأن يستعد للجواب فان الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم بل ربما كان علم الخصم بمعرفة ذلك منهم واستعدادهم للجواب رافعا لاهتمامه، على أنه سبحانه ضمن هذا الاخبار من حقارة الخصوم وسخافة عقولهم وكلامهم ما فيه تسلية عظيمة، وعلم الجواب المناسب، وقارنه بألطاف عظيمة، وفي كل ذلك تأييد وتعظيم له وللمسلمين وحفظ لهم عن الاضطراب وملاقاة المكروه.

" قل لله المشرق والمغرب " له الأرض والبلاد والعباد، فيفعل فيها ما يشاء و يحكم ما يريد، على مقتضى الحكم، ووفق المصلحة، وعلى العباد الانقياد والاتباع، فبعد أمر الله بذلك لا يتوجه الانكار وطلب العلة والمصلحة، فلا يبعد أن يكون المقول في الجواب هذا المقدار لا غير، كما هو المناسب لترك تطويل الكلام مع السفهاء، و

عدم الاشتغال ببيان خصوص مصلحة، فما بعد هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله تسلية له عن عدم إيمانهم وامتنانا عليه وعلى المؤمنين بهدايتهم لدين الاسلام، أو لما هو مقتضى الحكمة والمصلحة، ويجوز دخوله في الجواب توبيخا لهم، وتبكيتا على عدم هدايتهم لذلك مع ما تقدم، كذا قيل.

ويحتمل أن يكون المراد أن المشرق والمغرب وما فيهما مخلوقه تعالى و معلوله، ولا اختصاص له بشئ منها حتى يتعين التوجه إليه، فكلما علم المصلحة من التوجه إلى جهة لقوم يأمرهم بذلك " يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " وهو ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من توجيههم تارة إلى بيت المقدس والأخرى إلى الكعبة.

" وكذلك جعلناكم أمة وسطا " أي عدلا أو أشرف الأمم، فلذا هديناكم إلى أشرف قبلة وأفضلها " لتكونوا شهداء على الناس " يوم القيامة وقد مر تفسير الآية في كتاب الإمامة وأن الخطاب إلى الأئمة، وأن في قرائتهم عليهم السلام " أئمة وسطا ".

" وما جعلنا القبلة التي كنت عليها " قيل: الموصول ليس صفة للقبلة، بل ثاني مفعولي جعل، أي وما جعلنا القبلة بيت المقدس إلا لامتحان الناس، كأنه أراد أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، واستقبالك بيت المقدس كان عارضا لغرض.

وقيل: يريد وما جعلنا القبلة الآن التي كنت عليها بمكة أي الكعبة وما رددناك إليها إلا امتحانا، لان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصلي بمكة إلى الكعبة

ثم امر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تأليفا لليهود، ثم حول إلى الكعبة، وقيل: بل كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه، كما روي عن ابن عباس، وسيأتي من تفسير الإمام عليه السلام، فيمكن أن يراد ذلك أيضا باعتبار جعله الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فكأنها كانت قبلة له في الجملة.

وقيل: القبلة التي كنت مقبلا وحريصا عليها ومديما على حبها أن تجعل قبلة

وربما يضمن الجعل معنى التحويل، أو يحذف المفعول الثاني أي منسوخة أو يحذف مضاف، أي تحويل القبلة، ولا يخفى ضعف الجميع.

ويحتمل أن يكون المعنى: وما شرعنا وقررنا القبلة التي كنت عليها قبل ذلك أو يكون المفعول الثاني محذوفا أي مقررة أو مفروضة، والموصول على الوجهين صفة للقبلة.

" إلا لنعلم " إلا امتحانا للناس، لنعلم من يثبت على الدين مميزا ممن يرتد وينكص على عقبيه، فعلى الوجه الأول وبعض الوجوه الأخيرة، يمكن أن يراد لنعلم ذلك عند كونها قبلة، أو الآن عند الصرف إلى الكعبة ذلك أو الأعم، ولعله أولى.

وقيل في تأويل ما توهمه الآية من توقف علمه سبحانه على وجود المعلوم وجوده: الأول أن المراد به وبأمثاله العلم الذي يتعلق به الجزاء أي العلم به موجودا حاصلا.

والثاني أن المراد به التمييز، فوضع العلم موضع التميز لان العلم يقع به التميز، وهو الذي يقتضيه قوله " ممن ينقلب " كما أومأنا إليه كما قال تعالى " حتى ليميز الله الخبيث من الطيب " ويشهد له قراءة " ليعلم " على بناء المجهول.

والثالث أن المراد به علم الرسول والمؤمنين مع علمه، فعلمه وإن كان أزليا لكن لا ريب في جواز عدم حصول علم الجميع إلا بعد الجعل كما هو الواقع.

الرابع أن المراد علم الرسول صلى الله عليه وآله والمؤمنين وإنما أسند علمهم إلى ذاته لأنهم خواصه وأهل الزلفى لديه.

والخامس: أن المقصود بالذات علم غيره من الرسول صلى الله عليه وآله والمؤمنين والملائكة لكنه ضمهم إلى نفسه وعلمهم إلى علمه، إشارة إلى أنهم من خواصه، وهذا قريب مما تقدمه.

والسادس أنه على التمثيل، أي فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم.

" وإن كانت " " إن " هي المخففة التي يلزمها اللام الفارقة بينها وبين النافية والضمير لما دل عليه قوله: " وما جعلنا القبلة " من الردة والتحويلة والجعلة

وقيل للكعبة " لكبيرة " اي ثقيلة شاقة " إلا على الذين هدى الله " أي هداهم الله للثبات والبقاء على دينه، والصدق في اتباع الرسول صلى الله عليه وآله.

" وما كان الله ليضيع " اللام لام الجحود لتأكيد النفي، ينتصب الفعل بعدها بتقدير أن، والخطاب للمؤمنين تأييدا لهم وترغيبا في الثبات " إيمانكم " قيل أي ثباتكم على الايمان ورسوخكم فيه، وقيل إيمانكم بالقبلة المنسوخة، أو صلاتكم إليها كما سيأتي في الرواية، وعن ابن عباس لما حولت القبلة قال ناس كيف أعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى، وكيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك؟ فنزلت " إن الله بالناس لرؤف رحيم " فلا يضيع أجورهم.

" قد نرى تقلب وجهك في السماء " قيل أي تردد وجهك في جهة السماء تطلعا للوحي، روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى مدة مقامه بمكة إلى بيت المقدس ثلاث عشر سنة، وبعد مهاجرته إلى المدينة سبعة أشهر، على ما رواه علي بن إبراهيم وذكره جماعة، وقال الصدوق - رحمه الله - تسعة عشر شهرا كما سيأتي والمشهور بين العامة ست عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، فقالت اليهود تعييرا إن محمدا تابع لنا يصلي إلى قبلتنا، فاغتم لذلك رسول الله وأنه كان قد استشعر أنه سيحول إلى الكعبة، أو كان وعد ذلك كما قيل، أو كان يحبه ويترقبه، لأنها أقدم القبلتين، وقبلة أبيه إبراهيم، وأدعى للعرب إلى الاسلام، لأنها مفخرهم ومزارهم ومطافهم، فاشتد شوقه إلى ذلك مخالفة على اليهود، وتمييزا منهم، وخرج في جوف الليل ينظر إلى آفاق السماء منتظرا في ذلك من الله أمرا.

وروي أنه صلى الله عليه وآله قال لجبرئيل عليه السلام: وددت أن يحولني الله إلى الكعبة، فقال جبرئيل عليه السلام إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على ربك فاسئل فإنك عند الله بمكان، فعرج جبرئيل، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبرئيل بما يحب من أمر القبلة، فلما أصبح وحضر وقت الصلاة الظهر، وقد صلى منها ركعتين نزل جبرئيل فأخذ بعضديه وحوله إلى الكعبة وأنزل عليه " قد نرى " الآية فصلى الركعتين الأخيرتين إلى الكعبة.

وقيل " قد " هنا على أصله من التوقع والتحقيق، من غير اعتبار تقليل، ولا تكثير وقيل هنا للتكثير، وقيل: للتقليل لقلة وقوع المرئى من تقلب وجهه عليه السلام والرؤية منه تعالى علمه سبحانه بالمرئى وليس بآلة كما في حقنا.

" فلنولينك قبلة " فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها، من قولك وليته كذا إذا جعلته واليا له، أو فليجعلنك تلي سمتها " ترضيها " تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة، فلا يستلزم ذلك سخط بيت المقدس، ولا سخط التوجه إليه.

والشطر النحو والجهة، والمراد بالمسجد الحرام إما الكعبة كما هو المشهور.

تسمية للجزء الأشرف باسم الكل أو لان البيت بنفسه مسجد أيضا ومحترم كما يقال: البيت الحرام. أو الحرم تسمية للكل باسم أشرف الاجزاء، إشعارا بالتعظيم أو لمشاركته مع المسجد في وجوب الاحترام كما قيل في قوله سبحانه " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام " وكما روي عن ابن عباس في قوله تعالى: " فلا يقربوا المسجد الحرام " أن المراد به الحرم بحمل الآية على البعيد الخارج عن الحرم بناء على كون الحرم قبلة لهم كما سيأتي تحقيقه في شرح الاخبار وأما جعله بمعناه الشرعي بتخصيص الآية بأهل الحرم بناء على كونه قبلة لهم، فعلى تقدير تسليم مبناه تقليل فايدة الآية يضعفه بل ينفيه.

" وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " خص الرسول بالخطاب أولا تعظيما له، وإيجابا لرغبته، ثم عمم تصريحا بعموم الحكم جميع الأمة، وساير الأمكنة، وتأكيدا لأمر القبلة، وتحضيضا للأمة على المتابعة، وقيل لا ريب في اتحاد المراد بالشطر في الخطابين، وأن الظاهر العموم، وشمول القريب والبعيد، وأنه يصدق على المشاهد للعين المتوجه إليها أنه مول وجهه شطرها، فلا يكون معنى الشطر ما يخص البعيد بل يشمل القريب أيضا، وعن ابن عباس أنه أول نسخ وقع في القرآن.

" وإن الذين أوتوا الكتاب " قيل هم اليهود أو الأعم منهم والنصارى " ليعلمون أنه " تحويل القبلة " الحق من ربهم " قيل لعلمهم جملة أن كل شريعة لابد لها من قبلة، وتفصيلا لتضمن كتبهم أنه يصلي إلى القبلتين لكنهم لا يعترفون لشدة عنادهم

" وما الله بغافل عما تعملون " باليا وعيد لأهل الكتاب، وبالتاء وعد لهذه الأمة، أو وعد ووعيد مطلقا.

" بكل آية " أي بكل برهان وحجة " ما تبعوا قبلتك " لان المعاندين لا تنفعهم الدلالة " وما أنت بتابع قبلتهم " قطع لأطماعهم " وما بعضهم بتابع قبلة بعض " لتصلب كل حزب فيما هو فيه " ولئن اتبعت أهوائهم من بعد ما جائك من العلم " على الفرض المحال، أو المراد به غيره من أمته، من قبيل: " إياك أعني واسمعي يا جاره ".

" إنك إذا لمن الظالمين " أكد تهديده وبالغ فيه تعظيما للحق وتحريصا على اقتفائه وتحذيرا عن متابعة الهوى، واستعظاما لصدور الذنب عن الأنبياء.

" ولكل وجهة " أي ولكل أمة قبلة وملة وشرعة ومنهاج، أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة يتوجهون إليها " هو موليها " الله موليها إياهم أو هو موليها وجهه " فاستبقوا الخيرات " من أمر القبلة وغيره مما تنال به سعادة الدارين وفي الكافي عن الباقر عليه السلام الخيرات الولاية.

" أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا " قيل أي في أي موضع تكونوا من موافق ومخالف مجتمع الاجزاء أو مفترقها، يحشركم الله إلى المحشر للجزاء، أو أينما تكونوا من أعماق الأرض وقلل الجبال يقبض أرواحكم، أو أينما تكونوا من الجهات المتقابلة يأت بكم الله جميعا، ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة واحدة، وفي بعض أخبارنا

أن لو قام قائمنا لجمع الله جميع شيعتنا من جميع البلدان، وفي بعضها لقد نزلت هذه الآية في أصحاب القائم وأنهم مفتقدون عن فرشهم ليلا فيصبحون بمكة، وبعضهم يسير في السحاب نهارا نعرف اسمه واسم أبيه وحليته ونسبه.

" إن الله على كل شئ قدير " فيقدر على الإماتة والاحياء والجمع.

" ومن حيث خرجت " للسفر في البلاد " فول وجهك شطر المسجد الحرام " إذا صليت " وإنه للحق من ربك " أي وإن التوجه إلى الكعبة للحق الثابت المأمور به من ربك.

" ومن حيث خرجت " قيل كرر هذا الحكم لتكرر علله، فإنه تعالى ذكر للتحويل ثلاث علل: تعظيم الرسول بابتغاء مرضاته، وجري العادة الإلهية على أن يولي كل أهل ملة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها ويتميز بها، ودفع حجج المخالفين وقرن بكل علة معلولها كما يقرن المدلول بكل واحد من دلائله، تقريبا وتقريرا مع أن القبلة لها شأن، والنسخ من مظان الفتنة والشبهة، فبالحري أن يؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى.

" لئلا يكون للناس عليكم حجة " علة لقوله " فولوا والمعنى أن التولية

عن بيت المقدس إلى الكعبة، تدفع احتجاج اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلة الكعبة، وأن محمدا يجحد ديننا ويتبعنا في قبلتنا، واحتجاج المشركين بأنه يدعي ملة إبراهيم، ويخالف قبلته.

" إلا الذين ظلموا منهم " قيل أي إلا الحجة الداحضة من المعاندين بأن قالوا ما تحول إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه، وحبا لبلده، فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم، وقال علي بن إبراهيم: إلا هيهنا بمعنى لا وليست استثناء يعني " ولا الذين ظلموا منهم " وقيل الاستثناء للمبالغة في نفي الحجة رأسا كقول الشاعر:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتاب للعلم بأن الظالم لا حجة له " فلا تخشوهم " أي فلا تخافوهم، فان مطاعنهم لا تضركم " واخشوني " فلا تخالفوني ما أمرتكم به.

" ولاتم نعمتي عليكم " علة للمحذوف أي وأمرتكم لاتمامي النعمة عليكم (وإرادتي اهتداءكم، أو معطوف على علة مقدرة مثل واخشوني لأحفظكم عنهم و

لأتم نعمتي عليكم) أو على " لئلا يكون ".

" ليس البر أن تولوا وجوهكم " البر كل فعل مرضي، قيل الخطاب لأهل الكتاب، فإنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة، حين حولت، وادعى كل طائفة أن البر هو التوجه إلى قبلته، فرد الله عليهم، وقال: ليس البر ما أنتم عليه فإنه منسوخ، ولكن البر ما نبينه واتبعه المؤمنون، وقيل عام لهم وللمسلمين أي ليس البر (مقصورا بأمر القبلة أوليس البر) العظيم الذين يحسن أن تذهلوا بشأنه عن غيره أمرها.

وفي تفسير الإمام عليه السلام قال علي بن الحسين عليه السلام: ان رسول الله صلى الله عليه وآله لما فضل عليا عليه السلام وأخبر عن جلالته عند ربه عز وجل، وأبان عن فضيلة شيعته وأنصار دعوته، ووبخ اليهود والنصارى على كفرهم وكتمانهم، لذكر محمد وعلي وآلهما في كتبهم بفضائلهم ومحاسنهم، فخرت اليهود والنصارى عليهم فقالت اليهود قد صلينا إلى قبلتنا هذه الصلاة الكثيرة، وفينا من يحيي الليل صلاة إليها وهي قبلة موسى التي أمرنا بها، وقالت النصارى قد صلينا إلى قبلتنا هذه الصلاة الكثيرة، وفينا من يحيي الليل صلاة إليها، وهي قبلة عيسى التي أمرنا بها، وقال كل واحد من الفريقين أترى ربنا يبطل أعمالنا هذه الكثيرة وصلواتنا إلى قبلتنا لئلا نتبع محمدا على هواه في نفسه وأخيه؟.

فأنزل الله: قل يا محمد " ليس البر " الطاعة التي تنالون بها الجنان، وتستحقون بها الغفران والرضوان " أن تولوا وجوهكم " بصلاتكم " قبل المشرق " أيها النصارى " و " قبل " المغرب " أيها اليهود وأنتم لأمر الله مخالفون، وعلي ولي الله مغتاظون.

" ولكن البر من آمن بالله " بأنه الواحد الأحد الفرد الصمد، يعظم من يشاء، ويكرم من يشاء، ويهين من يشاء، ويذله، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه وآمن " باليوم الآخر " يوم القيامة التي أفضل من بوئ فيها محمد سيد المرسلين، وبعده أخوه ووصيه سيد الوصيين، والتي لا يحضرها من شيعة محمد أحد إلا أضاءت فيها أنواره فسار فيها إلى جنات النعيم، هو وإخوانه وأزواجه وذرياته، والمحسنون إليه، و الدافعون في الدنيا عنه إلى آخر ما مر بطوله.

" وأقيموا وجوهكم " قال الطبرسي - رحمه الله - قيل: فيه وجوه أحدها أن معناه توجهوا إلى قبلة كل مسجد في الصلاة على استقامة، وثانيها أن معناه أقيموا وجوهكم إلى الجهة التي أمركم الله بالتوجه إليها في صلاتكم وهي الكعبة والمراد بالمسجد أوقات السجود وهي أوقات الصلاة، وثالثها أن المراد إذا أدركتم الصلاة في مسجد فصلوا ولا تقولوا حتى أرجع إلى مسجدي، والمراد بالمسجد موضع السجود ورابعها أن معناه اقصدوا المسجد في وقت كل صلاة أمرا بالجماعة لها ندبا عند الأكثرين وحتما عند الأقلين، وخامسها أن معناه أخلصوا وجوهكم لله في الطاعات ولا تشركوا به وثنا ولا غيره.

وفي التهذيب عن الصادق عليه السلام هذه في القبلة وعنه عليه السلام مساجد محدثة فامروا أن يقيموا وجوههم شطر المسجد الحرام كما سيأتي برواية العياشي.

" وأن أقم وجهك للدين " قال الطبرسي أي استقم في الدين باقبالك على ما أمرت به من القيام بأعباء الرسالة وتحمل أمر الشريعة بوجهك، وقيل: معناه أقم وجهك في الصلاة بالتوجه نحو الكعبة " حنيفا " أي مستقيما في الدين.

1 - تفسير علي بن إبراهيم: " ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله " قال العالم عليه السلام فإنها نزلت في صلاة النافلة، فصلها حيث توجهت إذا كنت في سفر، و أما الفرائض فقوله: " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " يعني الفرائض لا يصليها إلا إلى القبلة.

بيان: اعلم أن أكثر الأصحاب نقلوا الاجماع على وجوب الاستقبال في فرائض الصلوات يومية كانت أو غيرها إلا صلاة الخوف، وعند الضرورة، ومع قطع النظر عن الاجماع إثبات ذلك في غير اليومية بالآيات والاخبار لا يخلو من عسر، و الفرائض الواردة في الخبر يحتمل التخصيص باليومية، لكن المقابلة بالنافلة يؤيد العموم.

وأما النوافل فالمشهور بين الأصحاب اشتراط الاستقبال فيها إذا لم يكن راكبا ولا ماشيا، وكان مستقرا على الأرض، وظاهر المحقق والشيخ في الخلاف وبعض المتأخرين جواز فعل النافلة إلى غير القبلة مطلقا، وقالوا باستحباب الاستقبال فيها واستدلوا بالآية الأولى كما عرفت، وقد قال في المعتبر: قد استفاض النقل أنها في النافلة، وفي المنتهى والتذكرة: وقد قال الصادق عليه السلام إنها في النافلة، والتقييد بالسفر في هذا الخبر يعارضه، والمسألة لا تخلو من إشكال، والاحتياط في العبادات أقرب إلى النجاة.

وأما جواز النافلة في السفر على الراحلة، فقال في المعتبر إنه اتفاق علمائنا طويلا كان السفر أو قصيرا، وأما الجواز في الحضر فقد نص عليه الشيخ في المبسوط والخلاف، وتبعه جماعة من المتأخرين، ومنعه ابن أبي عقيل، والأظهر جواز التنفل للماشي والراكب سفرا وحضرا مع الضرورة والاختيار، للأخبار المستفيضة الدالة عليه، لكن الأفضل الصلاة مع الاستقرار، ولعل الأحوط أن يتنفل الماشي حضرا وإن كان الأظهر فيه أيضا الجواز، لعلة ورود الاخبار فيه، ويستحب الاستقبال بتكبيرة الاحرام، وقطع ابن إدريس بالوجوب ويدفعه إطلاق أكثر الاخبار، ويكفي في الركوع والسجود الايماء وليكن السجود أخفض، ولا يجب في الايماء للسجود وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه، ولو ركع الماشي وسجد مع الامكان كان أولى.

2 المعتبر: نقلا من كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان عن الحسين بن المختار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصلي وهو يمشي تطوعا قال: نعم، قال ابن أبي نصر: وسمعته أنا من الحسين بن المختار.

3 - فقه القرآن للراوندي: روي عنهما عليهما السلام أن قوله تعالى: " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " في الفرض، وقوله " فأينما تولوا فثم وجه الله " قالا هو في النافلة.

4 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، عن الحسن بن سعيد، عن إبراهيم بن أبي البلاد عن أبي غرة قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: البيت قبلة المسجد والمسجد قبلة مكة، ومكة قبلة الحرم، والحرم قبلة الدنيا.

ومنه: عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن علي الصيرفي عن علي بن حسان، عن عمه عبد الرحمن، عن المفضل بن عمر قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التحريف لأصحابنا ذات اليسار عن القبلة، وعن السبب فيه؟ فقال:

إن الحجر الأسود لما انزل به من الجنة، ووضع في موضعه، جعل أنصاب الحرم في

حيث لحقه النور، نور الحجر، فهو عن يمين الكعبة أربعة أميال، وعن يسارها ثمانية أميال كله إثنا عشر ميلا، فإذا انحرف الانسان ذات اليمين خرج عن حد القبلة لعلة (لقلة) خ أنصاب الحرم وإذا انحرف ذات اليسار لم يكن خارجا عن حد القبلة.

ومنه: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي، عن عبد الله بن محمد الحجال، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى جعل الكعبة قبلة لأهل المسجد، وجعل المسجد قبلة لأهل الحرم، وجعل الحرم قبلة لأهل الدنيا.

5 - فقه الرضا: قال: إذا أردت توجه القبلة فتياسر مثلي ما تيامن، فان الحرم عن يمين الكعبة أربعة أميال، وعن يساره ثمانية أميال.

6 - النهاية للشيخ: قال: من توجه إلى القبلة من أهل العراق والمشرق قاطبة، فعليه أن يتياسر قليلا، ليكون متوجها إلى الحرم، بذلك جاء الأثر عنهم عليهم السلام.

توفيق وتدقيق وتنقيح وتوضيح اعلم أن القبلة في اللغة الحالة التي عليها الانسان حال استقبال الشئ، ثم نقلت في العرف إلى ما يجب استقبال عينه أو جهته في الصلاة، واختلف الأصحاب فيما يجب استقباله، فذهب المرتضى وابن الجنيد وأبو الصلاح وابن إدريس والمحقق في المعتبر والنافع والعلامة وأكثر المتأخرين إلى أنه عين الكعبة لمن يتمكن من العلم بها، من غير مشقة كثيرة عادة، كالمصلي في بيوت مكة، وجهتها لغيره.

وذهب الشيخان وجماعة منهم سلار وابن البراج وابن حمزة والمحقق في الشرايع إلى أن الكعبة قبلة لمن كان في المسجد، والمسجد قبلة لمن كان في الحرم والحرم قبلة لمن كان خارجا عنه، ونسبه في الذكرى إلى أكثر الأصحاب وادعى الشيخ الاجماع عليه.

والظاهر أنه لا خلاف بين الفريقين في وجوب التوجه إلى الكعبة للمشاهد ومن هو بحكمه، وإن كان خارج المسجد، فقد صرح به من أصحاب القول الثاني الشيخ في المبسوط وابن حمزة وابن زهرة ونقل المحقق الاجماع عليه، لكن ظاهر كلام الشيخ في النهاية والخلاف يخالف ذلك، وأيضا الظاهر أن الفريق الثاني أيضا متفقون على أن فرض النائي الجهة لا التوجه إلى عين الحرم، و إن لم يصرحوا بذلك، للاتفاق على وجوب التعويل على الامارات عند تعذر المشاهدة ومعلوم أنها لا تفيد العلم بالمقابلة الحقيقية، لكن المتأخرين فهموا من كلام الفريق

الثاني عدم اعتبار الجهة فقالوا يلزم عليهم خروج بعض الصف المستطيل عن سمت القبلة.

ثم الظاهر من أكثر الاخبار أن الكعبة هي القبلة عينا أو جهة، وظاهر تلك الأخبار التي نقلناها أخيرا التفصيل الذي اختاره الفريق الثاني، فربما تحمل الاخبار الأولة على المسامحة من حيث إن الكعبة أشرف أجزاء الحرم، والمنظور إليه فيها، ويمكن أن تكون العلة في تلك المسامحة التقية أيضا لان الكعبة قبلة عند جمهور العامة.

وربما تحمل الأخبار الأخيرة على أن الغرض فيها بيان اتساع الجهة بحسب البعد، فكلما كان البعد أكثر كانت الجهة أوسع وقد تحمل على التقية أيضا لان العامة رووا مثله عن مكحول بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله وهو بعيد، لأنه خبر شاذ بينهم والمشهور عندهم هو الأول.

والحق أن المسألة لا تخلو من إشكال، إذ الاخبار متعارضة، وإن رجحت الاخبار الأولى بقوة أسانيدها وكثرتها فالاخبار الأخيرة معتضدة بالشهرة بين القدماء ومخالفة العامة. وكون التأويل فيها أبعد. والآية غير دالة على أحد المذهبين كما عرفت.

فالاحتياط يقتضي استقبال عين الكعبة إذا أمكن، وكذا عين المسجد إذا تيسر وكذا عين الحرم إذا أمكن ذلك، وأما النائي الذي لا يمكنه تحصيل عين الحرم، فالظاهر عدم النزاع في التوجه إلى الجهة، ولا فرق بين جهة الكعبة وجهة الحرم، فان الامارات مشتركة، وأما القول بنفي اعتبار الجهة أصلا فلا يخفى بطلانه.

ثم اعلم أن التياسر الذي دل عليه خبر المفضل المشهور بين الأصحاب استحبابه لأهل العراق قليلا، وظاهر الشيخ في النهاية والخلاف والمبسوط الوجوب، واستدل عليه في

الخلاف باجماع الفرقة، وبهذه الرواية، وأيدت برواية أخرى مرفوعة وهو مبني على أن قبلة البعيد هي الحرم كما صرح به المحقق.

واحتمل العلامة اطراده على القولين، والاجماع غير ثابت، والخبران ضعيفان والتعليل الوارد في هذا الخبر مما يصعب فهمه جدا، إذ لو فرض أن البعيد حصل عين الكعبة، وكان بالنسبة إليه القبلة عين الحرم، كان انحرافه إلى اليسار مما يجعله محاذيا لوسط الحرم، وأنى للبعيد تحصيل عين الكعبة، وعلى تقدير تسليمه فبأدنى انحراف يصير خارجا عن الحرم، بعيدا عنه بفراسخ كثيرة، إلا أن يقال: الجهة مما فيه اتساع كثير، وبالانحراف اليسير لا يخرج عنها، وكون الحرم من جهة اليسار أكثر صار سببا مناسبا لاستحباب الانحراف من تلك الجهة، وفيه أيضا ما ترى.

وقد جرى في ذلك مراسلات بين المحقق صاحب الشرايع والمحقق الطوسي قدس الله روحهما، وكتب المحقق الأول رسالة في ذلك، وهي مذكورة في المهذب لابن فهد - ره - ومن أرادها فليرجع إليه، وهو رحمة الله وإن بالغ في المجادلة، وإتمام ما حاوله لكن لم ينفع في حل عمدة الاشكال.

والذي يخطر في ذلك بالبال أنه يمكن أن يكون الامر بالانحراف لان محاريب الكوفة وسائر بلاد العراق أكثرها كانت منحرفة عن خط نصف النهار كثيرا مع أن الانحراف في أكثرها يسير بحسب القواعد الرياضية كمسجد الكوفة، فان انحراف قبلته إلى اليمين أزيد مما تقتضيه القواعد بعشرين درجة تقريبا، وكذا مسجد السهلة، ومسجد يونس، ولما كان أكثر تلك المساجد مبنية، في زمن عمر، وسائر خلفاء الجور، لم يمكنهم القدح فيها تقية، فأمروا بالتياسر، وعللوا بتلك الوجوه الخطابية لاسكاتهم، وعدم التصريح بخطاء خلفاء الجور وأمرائهم.

وما ذكره أصحابنا من أن محراب مسجد الكوفة محراب المعصوم، لا يجوز الانحراف عنه، إنما يثبت إذا علم أن الإمام عليه السلام بناه، ومعلوم أنه عليه السلام لم يبنه، أو صلى فيه من غير انحراف عنه وهو أيضا غير ثابت، بل ظهر من بعض ما سنح لنا

من الآثار القديمة، عند تعمير المسجد في زماننا، ما يدل على خلافه، كما سيأتي ذكره.

مع أن الظاهر من بعض الأخبار أن هذا البناء غير البناء الذي كان في زمان أمير المؤمنين عليه السلام بل ظهر لي من بعض الأدلة والقرائن أن محراب مسجد النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة أيضا قد غير عما كان في زمانه صلى الله عليه وآله لأنه على ما شاهدنا في هذا الزمان موافق لخط نصف النهار، وهو مخالف للقواعد الرياضية من انحراف قبلة المدينة إلى اليسار قريبا من ثلاثين درجة، ومخالف لما رواه الخاصة والعامة من أنه صلى الله عليه وآله زويت له الأرض ورأي الكعبة، فجعله بإزاء الميزاب، فان من وقف بحذاء الميزاب يصير القطب الشمالي محاذيا لمنكبه الأيسر، ومخالف لبناء بيت الرسول الذي دفن فيه، مع أن الظاهر أن بناء البيت كان موافقا لبناء المسجد، و بناء البيت أوفق للقواعد من المحراب، وأيضا مخالف لمسجد قبا ومسجد الشجرة و غيرهما من المساجد التي بناها النبي صلى الله عليه وآله أو صلى فيها.

ولذا خص بعض الأفاضل ممن كان في عصرنا - ره - حديث المفضل وأمثاله على مسجد المدينة، وقال لما كانت الجهة وسيعة، وكان الأفضل بناء المحراب على وسط الجهات إلا أن تعارضه مصلحة كمسجد المدينة حيث بني محرابه على خط نصف النهار لسهولة استعلام الأوقات، مع أن وسط الجهات فيه منحرف نحو اليسار فلذا حكموا باستحباب التياسر فيه ليحاذي المصلي وسط الجهة المتسعة وسيأتي مزيد توضيح لتلك المقاصد مع الاخبار والقرائن الدالة عليها في كتاب المزار والله أعلم وحججه عليهم السلام بحقائق الاخبار والآثار.

والذي يسهل العسر ويهين الامر في ذلك أنه يظهر من الآية والأخبار الواردة

في القبلة أن فيها اتساعا كثيرا، وأنه يكفي فيها التوجه إلى ما يصدق عليه عرفا أنه جهة الكعبة، وناحيتها، لما عرفت من تفسير الآية، وأنه لا يستفاد منها إلا الشطر والجهة، ولقولهم عليهم السلام " ما بين المشرق والمغرب قبلة " وقولهم عليهم السلام: ضع الجدي على قفاك وصل، فان بناء الامر على هذه العلامة التي تختلف بحسب البلاد اختلافا فاحشا يرشد إلى توسعة عظيمة، وخلو الاخبار عما زاد على ذلك، وكذا كتب الأقدمين مع شدة الحاجة، وتوفر الدواعي على النقل والمعرفة، وعظم إشفاقهم على الشيعة، مما يؤيد ذلك.

والظاهر أنه لا تجب الاستعانة بعلم الهيئة، وتعلم مسائله، لأنه علم دقيق، ومسائلها مبنية على مقدمات كثيرة يحتاج تحصيلها إلى زمان طويل، وهمة عظيمة وفطرة سليمة، والتكليف بذلك لجمهور الناس مباين للشريعة السمحة السهلة، وإن أمكن أن يقال: أكثر مسائل الفقه تحقيقها وترجيحها موقوف على مقدمات كثيرة لا يطلع عليها ولا يحققها إلا أوحدي الناس، وسائر الناس يرجعون إليه بالتقليد فيمكن أن يكون أمر القبلة أيضا كذلك لان الظن الحاصل من ذلك أقوى من سائر الامارات المفيدة له، ولا ريب أنه أحوط وأولى.

لكن الحكم بوجوبه وتعيينه مشكل، إذ لو كان ذلك واجبا لكان له في طرق الأصحاب أو سائر فرق المسلمين خبر أو يجئ به أثر، فلما لم يكن ذلك في الاخبار ولا عمل المتقدمين الانسين بسير أهل البيت عليهم السلام علمنا انتفاءه، مع أن غاية ما يحصل عنه بعد بذل غاية الجهد ليس إلا الظن والتخمين، لا القطع واليقين، وكل ذلك لا ينافي كون الرجوع إليه أولى، لكونه أوفق من ساير الظنون وأقوى، والله الموفق للخير والهدى.

7 - العياشي: عن حريز قال أبو جعفر عليه السلام: استقبل القبلة بوجهك، ولا تقلب وجهك فتفسد صلاتك، فان الله يقول لنبيه صلى الله عليه وآله في الفريضة " فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ".

بيان: ظاهر الخبر بطلان الصلاة بالالتفات سواء كان إلى الخلف أو اليمين و اليسار، وسواء كان بالوجه فقط أو بكل البدن، والمشهور، أن الالتفات بالوجه إذا كان إلى الخلف وبكل البدن مطلقا مبطل، إذا كان عمدا، ويظهر من الشهيد في الذكرى و البيان أن الاطلاق المأخوذ في كل البدن أعم من أن يكون يسيرا لم يبلغ المشرق و المغرب، أو بلغ أحدهما، وأما بالوجه فقط إذا كان إلى أحد الجانبين فقط فليس بمبطل، وظاهر المنتهى اتفاق الأصحاب عليه، وفي المعتبر والتذكرة نسب مخالفته إلى بعض العامة، ونقل عن الشيخ فخر الدين القول بالبطلان.

وحكى الشهيد في الذكرى عن بعض مشايخه المعاصرين أنه كان يرى أن الالتفات بالوجه يقطع الصلاة مطلقا، والالتفات بالوجه في كلامه أعم من أن يصل إلى محض الجانبين أم كان إلى ما بين القبلة والجانبين، وربما كان مستنده أمثال تلك الروايات، وحملها الشهيد في الذكرى على الالتفات بكل البدن لما رواه زرارة في الصحيح عن أبي جعفر عليه السلام قال: الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله، وقد يقال:

إن هذا مقيد بمنطوق قوله عليه السلام في رواية الحلبي " أعد الصلاة إذا كان فاحشا " فان الظاهر تحقق التفاحش بالالتفات بالوجه خاصة إلى أحد الجانبين.

وجميع ما ذكرنا في صورة العمد، وأما السهو ففي كلام الأصحاب فيه اختلاف وتدافع، فيظهر من بعض كلماتهم أنه في حكم العمد، ومن بعضها أنه لا يعيد مطلقا ومن بعضها أنه يعيد في الوقت دون خارجه، ومن بعضها التفصيل الآتي في الصلاة إلى غير القبلة بالظن فتبين خلافه كما أومأنا إليه سابقا.

وقال السيد في المدارك: إذا كان يسيرا لا يبلغ حد اليمين واليسار لم يضره ذلك، وإن بلغه وأتى بشئ من الافعال في تلك الحال أعاد في الوقت وإلا فلا إعادة والأظهر أن العامد إن انحرف بكل البدن عن القبلة بحيث خرج عن الجهة، وإن لم يصل إلى حد اليمين واليسار تبطل صلاته، وكذا إذا التفت بوجهه حتى وصل إلى

الخلف، أي رأى ما خلفه، وأما الالتفات إلى اليمين واليسار بالوجه فقط فعدم البطلان لا يخلو من قوة، والأحوط فيه الإعادة، وعدم البطلان بالتوجه بالوجه إلى ما بين المشرق والمغرب أقوى وأظهر، وإن كان الأحوط الترك، ومعه الإعادة، لا سيما إذا فعل شيئا من أفعال الصلاة كذلك، خصوصا إذا فعل مالا يمكن تداركه.

هذا كله مع العلم بالمسألة ومع الجهل يشكل الحكم بالبطلان في الجميع والأحوط الإعادة في جميع ما اخترنا إعادته جزما أو احتياطا، لا سيما مع تقصيره في الطلب.

وأما الناسي فإذا كان الانحراف فيما بين المشرق والمغرب فالظاهر عدم الإعادة سواء كان بكل البدن أم لا، لاطلاق صحيحة معاوية بن عمار وغيرها، وظاهر الآية الأولى، وإن كان نهاية الاحتياط فيه الإعادة، لا سيما إذا كان بكل البدن.

وفي المشرق والمغرب والمستدبر المسألة في غاية الاشكال، والإعادة مهمة لا سيما في الوقت إذا فعل معه شيئا من الافعال.

ولو ظن الخروج عن الصلاة فانحرف عامدا فالمشهور أنه في حكم العامد، و بعض الروايات تدل على عدم البطلان، والأحوط العمل بالمشهور، وفي المكره خلاف، والأشهر والأحوط إلحاقه بالعامد.

8 - العلل والتوحيد والمجالس: للصدوق، عن أحمد بن زياد والحسين ابن إبراهيم وأحمد بن هشام وعلي بن عبد الله الوراق، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الفضل بن يونس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال في جواب ابن أبي العوجاء حيث أنكر الحج والطواف: هذا بيت استعبد الله عز وجل به خلقه، ليختبر به طاعتهم في إتيانه، فحثهم على تعظيمه وزيارته، وجعله محل أنبيائه وقبلة للمصلين له، الخبر.

9 - فلاح السائل: قال السيد - ره - رأيت في الأحاديث المأثورة أن الله

تعالى أمر آدم أن يصلي إلى المغرب، ونوحا أن يصلي إلى المشرق، وإبراهيم عليه السلام يجمعهما وهي الكعبة، فلما بعث موسى عليه السلام أمره أن يحيى دين آدم، ولما بعث عيسى عليه السلام أمره أن يحيي دين نوح، ولما بعث محمد صلى الله عليه وآله أمره أن يحيى دين إبراهيم.

بيان: قوله: يجمعهما لان استقبال الكعبة قد يوافق المشرق، وقد يوافق المغرب أو أنه وسط بينهما غالبا فكأنه جمعهما.

10 - المحاسن: عن أبيه، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن بشير في حديث سليمان مولى طربال قال: ذكرت هذه الأهواء عند أبي عبد الله عليه السلام قال: لا والله ما هم على شئ مما جاء به رسول الله إلا استقبال الكعبة فقط.

11 - قرب الإسناد وكتاب المسائل: عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون في صلاته فيظن أن ثوبه قد انخرق أو أصابه شئ، هل يصلح له أن ينظر فيه أو يفتشه؟ قال: إن كان في مقدم الثوب أو جانبيه فلا بأس، و إن كان في مؤخره فلا يلتفت، فإنه لا يصلح له.

قال: وسألته عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته؟ قال: إذا كانت الفريضة فالتفت إلى خلفه فقد قطع صلاته، وإن كانت نافلة لم يقطع ذلك صلاته، و لكن لا يعود.

توضيح: الجواب الأول يؤيد المشهور من كون الالتفات إلى أحد الجانبين غير مبطل، وأما الاستدلال به على أن الالتفات إلى الخلف مبطل فهو مشكل، إذ " لا يصلح " لا يصلح لذلك، والجواب الثاني يدل على الحكمين جميعا في الفريضة، والفرق بينها

وبين النافلة لم أره في كلام الأصحاب، ولعله يؤيد القول بعدم وجوب الاستقبال في النافلة مطلقا كما مر.

12 - الاحتجاج: بالاسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام قال: لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة أمره الله تعالى أن يتوجه نحو البيت المقدس في صلاته، ويجعل الكعبة بينه وبينها إذا أمكن، وإذا لم يتمكن استقبل البيت المقدس كيف كان، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يفعل ذلك طول مقامه بها ثلاث عشرة سنة، فلما كان بالمدينة وكان متعبدا باستقبال بيت المقدس استقبله وانحرف عن الكعبة سبعة عشر شهرا (أو ستة عشر شهرا) وجعل قوم من مردة اليهود يقولون: والله ما درى محمد كيف صلى حتى صار يتوجه إلى قبلتنا، ويأخذ في صلاته بهدينا ونسكنا.

فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله لما اتصل به عنهم، وكره قبلتهم، وأحب الكعبة، فجاءه جبرئيل عليه السلام فقال له رسول الله: يا جبرئيل لوددت لو صرفني الله عن بيت المقدس إلى الكعبة فقد تأذيت بما يتصل بي من قبل اليهود ومن قبلتهم، فقال جبرئيل: فاسئل ربك أن يحولك إليها فإنه لا يردك عن طلبتك ولا يخيبك من.

بغيتك.

فلما استتم دعاءه صعد جبرئيل عليه السلام ثم عاد من ساعته فقال اقرأ يا محمد " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " الآيات فقالت اليهود عند ذلك: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأجابهم الله بأحسن جواب فقال: " قل لله المشرق والمغرب " وهو يملكهما وتكليفه التحول إلى جانب كتحويله إلى جانب آخر " يهدي من يشاء " إلى صراط مستقيم " وهو مصلحتهم وتؤديهم طاعتهم إلى جنات النعيم.

قال أبو محمد عليه السلام: وجاء قوم من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا يا محمد هذه القبلة بيت المقدس قد صليت إليها أربع عشرة سنة ثم تركتها الآن، أفحقا كان ما كنت عليه فقد تركته إلى باطل، فإنما يخالف الحق الباطل، أو باطلا كان ذلك فقد كنت عليه طول هذه المدة، فما يؤمننا أن تكون الآن على باطل؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بل كان ذلك حقا وهذا حق يقول الله " قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " إذا عرف صلاحكم يا أيها العباد في استقبال المشرق أمركم به وإذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب أمركم به، وإن عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به، فلا تنكروا تدبير الله في عباده، وقصده إلى مصالحكم.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قد تركتم العمل يوم السبت ثم عملتم بعده سائر الأيام ثم تركتموه في السبت ثم عملتم بعده، أفتركتم الحق إلى الباطل، أو الباطل إلى حق أو الباطل إلى باطل، أو الحق إلى حق؟ قولوا كيف شئتم فهو قول محمد وجوابه لكم قالوا: بل ترك العمل في السبت حق والعمل بعده حق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته حق ثم قبلة الكعبة في وقته حق.

فقالوا: يا محمد أفبدا لربك فيما كان أمرك به بزعمك من الصلاة إلى بيت المقدس حين نقلك إلى الكعبة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما بداله عن ذلك، فإنه العالم بالعواقب والقادر على المصالح، لا يستدرك على نفسه غلطا، ولا يستحدث رأيا يخالف المتقدم، جل عن ذلك، ولا يقع أيضا عليه مانع يمنع من مراده، وليس يبدو إلا لمن كان هذا وصفه، وهو عز وجل متعال عن هذه الصفات علوا كبيرا.

ثم قال لهم رسول الله: أيها اليهود أخبروني عن الله أليس يمرض ثم يصح ويصح ثم يمرض، أبدا له في ذلك؟ أليس يحيي ويميت؟ أليس يأتي بالليل في أثر النهار، ثم بالنهار في أثر الليل؟ أبداله في كل واحدة من ذلك؟ قالوا: لا، قال:

فكذلك الله تعبد نبيه محمدا بالصلاة إلى الكعبة، بعد أن تعبده بالصلاة إلى بيت المقدس وما بداله في الأول.

ثم قال: أليس الله يأتي بالشتاء في أثر الصيف، والصيف في أثر الشتاء أبداله في كل واحد من ذلك؟ قالوا: لا، قال: فكذلك لم يبدله في القبلة.

قال: ثم قال أليس قد ألزمكم في الشتاء أن تحترزوا من البرد بالثياب الغليظة وألزمكم في الصيف أن تحترزوا من الحر أفبداله في الصيف حتى أمركم بخلاف ما كان أمركم به في الشتاء؟ قالوا: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله فكذلك الله تعبدكم في وقت

لصلاح يعلمه بشئ ثم تعبدكم في وقت آخر لصلاح آخر يعلمه بشئ آخر، فإذا أطعتم الله في الحالين استحققتم ثوابه وأنزل الله " ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله " أي إذا توجهتم بأمره فثم الوجه الذي تقصدون منه الله وتأملون ثوابه.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عباد الله أنتم كالمرضى، والله رب العالمين كالطبيب فصلاح المرضى فيما يعلمه الطبيب يدبره به لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه، ألا فسلموا لله أمره تكونوا من الفائزين.

فقيل له: يا ابن رسول الله فلم أمر بالقبلة الأولى؟ فقال: لما قال الله عز وجل " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها " وهي بيت المقدس " إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه " إلا لنعلم ذلك منه موجودا بعد أن علمناه سيوجد وذلك أن هوى أهل مكة كان في الكعبة، فأراد الله أن يبين متبع محمد من مخالفه باتباع القبلة التي كرهها، ومحمد صلى الله عليه وآله يأمر بها، ولما كان هوى أهل المدينة في بيت، المقدس أمرهم بمخالفتها والتوجه إلى الكعبة ليبين من يوافق محمدا فيما يكرهه، فهو مصدقه وموافقه.

ثم قال: " وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله " إنما كان التوجه إلى بيت المقدس في ذلك الوقت كبيرة إلا على من يهدي الله، فعرف أن الله يتعبد بخلاف ما يريده المرء، ليبتلي طاعته في مخالفة هواه.

بيان: قوله عليه السلام أو ستة عشر شهرا ليس هذا في بعض النسخ، وعلى تقديره الترديد إما من الراوي أو منه عليه السلام مشيرا إلى اختلاف العامة فيه.

13 - تفسير علي بن إبراهيم: " سيقول السفهاء من الناس ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " فان هذه الآية متقدمة على قوله: " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضيها " وإنه نزل أولا " قد نرى تقلب وجهك في السماء " ثم نزل " سيقول السفهاء " الآية، وذلك أن اليهود كانوا يعيرون رسول الله صلى الله عليه وآله

ويقولون له: أنت تابع لنا تصلي إلى قبلتنا، فاغتم رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك غما شديدا وخرج في جوف الليل ينظر في آفاق السماء وينتظر أمر الله تبارك وتعالى في ذلك.

فلما أصبح وحضرت صلاة الظهر، وكان في مسجد بني سالم قد صلى بهم الظهر ركعتين، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام فأخذ بعضديه فحوله إلى الكعبة، فأنزل الله عليه " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبله ترضيها فول وجهك شطر المسجد الحرام " فصلى ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة، فقالت اليهود والسفهاء ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها.

وتحولت القبلة إلى الكعبة بعد ما صلى النبي بمكة ثلاثة عشر سنة إلى بيت المقدس، وبعد مهاجرته إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس سبعة أشهر، ثم حول الله عز وجل القبلة إلى البيت الحرام، ثم قال الله عز وجل " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم " يعني ولا الذين ظلموا منهم، و " الا " في موضع " ولا " وليست هي استثناء.

ومنه: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى " وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي انزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون " فان رسول الله صلى الله عليه وآله لما قدم المدينة، وهو يصلي نحو بيت المقدس، أعجب ذلك اليهود، فلما صرفه الله عن بيت المقدس إلى بيت الله الحرام، وجدت اليهود من ذلك، وكان صرف القبلة صلاة الظهر، فقالوا صلى محمد الغداة واستقبل قبلتنا، فآمنوا بالذي انزل على محمد وجه النهار، واكفروا آخره يعنون القبلة، حين استقبل رسول الله المسجد الحرام لعلهم يرجعون إلى قبلتنا.

14 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن الصلت، عن أحمد

ابن محمد بن سعيد بن عقدة، عن أبي عبد الله بن علي، عن جده عبيد الله، عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: لما صرفت القبلة أتى رجل قوما في صلاتهم فقال: إن القبلة قد تحولت، فتحولوا وهم ركوع.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.