بحارالانوار · كتاب الصلاة
2. باب علل الصلاة ونوافلها وسننها
ج ۷۹، ص ۲۳۶–۲۶۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله العزيز الجبار عرج بنبيه إلى سمائه سبعا أما أولاهن فبارك عليه صلوات الله عليه، والثانية علمه فيها فرضه، والثالثة أنزل الله العزيز الجبار عليه محملا من نور فيه أربعون نوعا من أنواع
النور كانت محدقة حول العرش عرشه تبارك وتعالى تغشى أبصار الناظرين أما واحد منها فأصفر، فمن أجل ذلك اصفرت الصفرة، وواحد منها أحمر فمن أجل ذلك احمرت الحمرة، وواحد منها أبيض فمن أجل ذلك ابيض البياض، والباقي على عدد سائر ما خلق الله من الأنوار والألوان، في ذلك المحمل حلق وسلاسل من فضة فجلس فيه ثم عرج به إلى السماء الدنيا فنفرت الملائكة إلى أطراف السماء ثم خرت سجدا فقالت: سبوح قدوس ربنا ورب الملائكة والروح، ما أشبه هذا النور بنور ربنا.
فقال جبرئيل عليه السلام: الله أكبر الله أكبر. فسكت الملائكة، وفتحت أبواب السماء، واجتمعت الملائكة ثم جاءت فسلمت على النبي صلى الله عليه وآله أفواجا، ثم قالت:
يا محمد كيف أخوك؟ قال: بخير، قالت: فان أدركته فأقرئه منا السلام، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أتعرفونه؟ فقالوا: كيف لم نعرفه وقد أخذ الله عز وجل ميثاقك و ميثاقه منا، وإنا لنصلي عليك وعليه.
ثم زاده أربعين نوعا من أنواع النور لا يشبه شئ منه ذلك النور الأول وزاده في محمله حلقا وسلاسل، ثم عرج به إلى السماء الثانية، فلما قرب من باب السماء تنافرت الملائكة إلى أطراف السماء وخرت سجدا وقالت: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، ما أشبه هذا النور بنور ربنا، فقال جبرئيل عليه السلام أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله فاجتمعت الملائكة، وفتحت أبواب السماء، وقالت: يا جبرئيل: من هذا معك؟ فقال: هذا محمد صلى الله عليه وآله، قالوا: و قد بعث؟ قال: نعم.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فخرجوا إلى شبه المعانيق فسلموا وقالوا أقرئ أخاك السلام، فقلت: هل تعرفونه؟ قالوا: نعم، وكيف لا نعرفه؟ وقد أخذ الله ميثاقك وميثاقه وميثاق شيعته إلى يوم القيامة علينا، وإنا لنتصفح وجوه شيعته في كل يوم خمسا يعنون في وقت كل صلاة.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثم زادني ربي عز وجل أربعين نوعا من أنواع النور
لا تشبه الأنوار الأولى، وزادني حلقا وسلاسل، ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فنفرت الملائكة إلى أطراف السماء، وخرت سجدا وقالت: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، ما هذا النور الذي يشبه نور ربنا، فقال جبرئيل عليه السلام: أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله.
فاجتمعت الملائكة، وفتحت أبواب السماء، وقالت مرحبا بالأول، و مرحبا بالآخر، ومرحبا بالحاشر، ومرحبا بالناشر، محمد خاتم النبيين، وعلى خير الوصيين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: سلموا على وسألوني عن علي أخي، فقلت هو في الأرض خليفتي أو تعرفونه؟ فقالوا: نعم، وكيف لا نعرفه وقد نحج البيت المعمور في كل سنة مرة، وعليه رق أبيض فيه اسم محمد وعلي والحسن والحسين والأئمة وشيعتهم إلى يوم القيامة، وإنا لنبارك على رؤسهم بأيدينا.
ثم زادني ربي عز وجل أربعين نوعا من أنواع النور لا تشبه شيئا من تلك الأنوار الأول، وزادني حلقا وسلاسل ثم عرج بي إلى السماء الرابعة، فلم تقل الملائكة شيئا وسمعت دويا كأنه في الصدور، واجتمعت الملائكة ففتحت أبواب السماء، وخرجت إلى معانيق.
فقال جبرئيل عليه السلام: حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، فقالت الملائكة صوتين مقرونين بمحمد تقوم الصلاة، وبعلى الفلاح فقال جبرئيل: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فقالت الملائكة هي لشيعته أقاموها إلى يوم القيامة.
ثم اجتمعت الملائكة فقالوا للنبي صلى الله عليه وآله: أين تركت أخاك وكيف هو؟ فقال لهم: أتعرفونه؟ فقالوا نعم، نعرفه وشيعته، وهو نور حول عرش الله وإن في البيت المعمور لرقا من نور، فيه كتاب من نور، فيه اسم محمد وعلي والحسن و الحسين، والأئمة وشيعتهم، لا يزيد فيهم رجل، ولا ينقص منهم رجل، إنه لميثاقنا الذي اخذ علينا، وإنه ليقرء علينا في كل يوم جمعة.
فسجدت لله شكرا فقال: يا محمد ارفع رأسك، فرفعت رأسي فإذا أطناب السماء قد خرقت، والحجب قد رفعت، ثم قال: لي طأطئ رأسك، وانظر ما ترى فطأطأت رأسي، فنظرت إلى بيتكم هذا وإلى حرمكم هذا، فإذا هو مثل حرم ذلك البيت يتقابل، لو ألقيت شيئا من يدي لم يقع إلا عليه، فقال لي: يا محمد هذا الحرم، و أنت الحرام، ولكل مثل مثال.
ثم قال ربي عز وجل: يا محمد مد يدك فيتلقاك ماء يسيل من ساق عرشي الأيمن، فنزل الماء فتلقيته باليمين، فمن أجل ذلك أول الوضوء باليمنى، ثم قال: يا محمد! خذ ذلك فاغسل به وجهك - وعلمه غسل الوجه فإنك تريد أن تنظر إلى عظمتي وأنت طاهر، ثم اغسل ذراعيك اليمين واليسار - و علمه ذلك - فإنك تريد أن تتلقا بيديك كلامي وامسح بفضل ما في يديك من الماء رأسك ورجليك إلى كعبيك - وعلمه المسح برأسه ورجليه - وقال إني أريد أن أمسح رأسك وأبارك عليك، فأما المسح على رجليك فاني أريد أن أوطئك موطئا لم يطأه أحد قبلك، ولا يطأه أحد غيرك، فهذا علة الوضوء والاذان.
ثم قال: يا محمد استقبل الحجر الأسود، وهو بحيالي، وكبرني بعدد حجبي فمن أجل ذلك صار التكبير سبعا، لان الحجب سبعة، وافتتح القراءة عند انقطاع الحجب، فمن أجل ذلك صار الافتتاح سنة، والحجب مطابقة ثلاثا بعدد النور
الذي نزل على محمد صلى الله عليه وآله ثلاث مرات. فلذلك كان الافتتاح ثلاث مرات، فمن أجل ذلك كان التكبير سبعا، والافتتاح ثلاثا.
فلما فرغ من التكبير والافتتاح قال الله عز وجل: الان وصلت إلي فسم باسمي، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، فمن أجل ذلك جعل بسم الله الرحمن الرحيم في أول السور، ثم قال له: احمدني فقال الحمد لله رب العالمين، وقال النبي صلى الله عليه وآله في نفسه شكرا فقال الله: يا محمد أقطعت حمدي فسم باسمي فمن أجل ذلك جعل في الحمد الرحمن الرحيم مرتين، فلما بلغ ولا الضالين، قال النبي صلى الله عليه وآله الحمد لله رب العالمين شكرا، فقال الله العزيز الجبار قطعت ذكري فسم باسمي فمن أجل ذلك جعل بسم الله الرحمن الرحيم بعد الحمد في استقبال السورة الأخرى فقال له: اقرأ قل هو الله أحد كما أنزلت فإنها نسبتي ونعتي، ثم طأطئ يديك، و اجعلهما على ركبتيك، فانظر إلى عرشي.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فنظرت إلى عظمة ذهبت لها نفسي وغشي علي، فألهمت أن قلت: سبحان ربي العظيم وبحمده. لعظم ما رأيت، فلما قلت ذلك تجلى الغشي عني حتى قلتها سبعا الهم ذلك، فرجعت إلى نفسي كما كانت فمن أجل ذلك صار في الركوع سبحان ربي العظيم وبحمده، فقال: ارفع رأسك فرفعت رأسي فنظرت إلى شئ ذهب منه عقلي، فاستقبلت الأرض بوجهي، ويدي، فألهمت أن قلت: " سبحان ربي الأعلى وبحمده " لعلو ما رأيت فقلتها سبعا فرجعت إلى نفسي كلما قلت واحدة فيها تجلى عني الغشي فقعدت فصار السجود فيه " سبحان ربي الأعلى وبحمده " وصارت القعدة بين السجدتين استراحة من الغشي و علوما رأيت فألهمني ربي عز وجل، وطالبتني نفسي أن أرفع رأسي، فرفعت فنظرت إلى ذلك العلو فغشي علي فخررت لوجهي واستقبلت الأرض بوجهي ويدي وقلت سبحان ربي الأعلى وبحمده، فقلتها سبعا ثم رفعت رأسي، فقعدت قبل القيام لاثني
النظر في العلو، فمن أجل ذلك صارت سجدتين وركعة، ومن أجل ذلك صار القعود قبل القيام قعدة خفيفة.
ثم قمت فقال يا محمد! اقرأ الحمد، فقرأتها مثل ما قرأتها أولا ثم قال لي: اقرأ إنا أنزلناه فإنها نسبتك ونسبة أهل بيتك إلى يوم القيامة، ثم ركعت فقلت في الركوع والسجود مثل ما قلت أولا وذهبت أن أقوم، فقال: يا محمد اذكر ما أنعمت عليك وسم باسمي، فألهمني الله أن قلت: " بسم الله وبالله، ولا إله إلا الله، والأسماء الحسنى كلها لله. فقال لي يا محمد صل عليك وعلى أهل بيتك فقلت: " صلى الله علي وعلى أهل بيتي وقد فعل ".
ثم التفت فإذا أنا بصفوف من الملائكة والنبيين والمرسلين فقال لي: يا محمد سلم فقلت: " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " فقال: يا محمد إني أنا السلام، والتحية والرحمة والبركات، أنت وذريتك. ثم أمرني ربي العزيز الجبار أن لا ألتفت يسارا وأول سوره سمعتها بعد قل هو الله أحد " إنا أنزلناه في ليلة القدر " فمن أجل ذلك كان السلام مرة واحدة تجاه القبلة ومن أجل ذلك صار التسبيح في السجود والركوع شكرا.
وقوله سمع الله لمن حمده، لان النبي صلى الله عليه وآله قال: سمعت ضجة الملائكة فقلت: " سمع الله لمن حمده بالتسبيح والتهليل " فمن أجل ذلك جعلت الركعتان الأولتان كلما أحدث فيها حدث كان على صاحبها إعادتها، وهي الفرض الأول وهي أول ما فرضت عند الزوال، يعني صلاة الظهر.
توضيح: قوله: " إن أبي بن كعب " لا خلاف بين علمائنا في أن شرعية الاذان كان بالوحي لا بالنوم، قال: في المعتبر والمنتهى: الاذان عند أهل البيت عليهم السلام وحي على لسان جبرئيل عليه السلام، علمه رسول الله صلى الله عليه وآله وعليا عليه السلام وأطبق الجمهور على خلافه، ورووا أنه برؤيا عبد الله بن زيد وعمر، ورواية رؤيا أبي غير مشتهر الآن بينهم، وتدل على أن بالنوم لا تثبت الاحكام، ويمكن أن يخص بابتداء
شرعيتها.
ورأيت في بعض أجوبة العلامة - رحمه الله - عما سئل عنه: تجويز العلم بما سمع في المنام عن النبي والأئمة عليهم السلام إذا لم يكن مخالفا للاجماع، لما روي من أن الشيطان لا يتمثل بصورتهم، وفيه إشكال.
قوله عليه السلام: " أنزل الله " وفي بعض النسخ " والثالثة أنزل " والظاهر أنها زيدت من المصلحين فأفسدوا الكلام، بل هذا تفصيل لما أجمل سابقا، وعود إلى أول الكلام كما سيظهر مما سيأتي، والأنوار تحتمل الصورية والمعنوية أو الأعم منهما.
وأما نفرة الملائكة، فلغلبة النور على أنوارهم، وعجزهم عن إدراك الكمالات التي أعطاها الله نبينا صلى الله عليه وآله كما قال صلى الله عليه وآله: لي مع الله وقت لا يسعني ملك مقرب، ولا نبي مرسل الخبر، ويؤيد المعنوية قول الملائكة: ما أشبه هذا النور بنور ربنا؟ وعلى تقدير أن يكون المراد الصورية، فالمعنى ما أشبه هذا النور بنور خلقه الله في العرش، وعلى التقديرين: لما كان كلامهم وفعلهم موهما لنوع من التشبيه، قال جبرئيل: الله أكبر تنزيها له عن تلك المشابهة أي أكبر من أن يشبه أحد أو يعرفه، وقد مر تفسير الأنوار في كتاب التوحيد، والتكرير للتأكيد أو الأول لنفي المشابهة، والثاني لنفي الادراك.
وقال الجزري: سبوح قدوس يرويان بالضم، والفتح أقيس، والضم أكثر استعمالا وهو من أبية المبالغة والمراد بهما التنزيه، وقال: فيه: فانطلقنا معانيق أي مسرعين، وفي القاموس المعناق الفرس الجيد العنق، والجمع معانيق، والعنق بالتحريك ضرب من سير الدابة، والتشبيه في الاسراع.
وتثنية التكبير يمكن أن يكون اختصارا من الراوي، أو يكون الزيادة بوحي آخر كما ورد في تعليم جبرئيل أمير المؤمنين عليه السلام، أو يكون من النبي صلى الله عليه وآله كزيادة الركعات بالتفويض، أو يكون التكبيران الأولان خارجين عن الاذان، كما يومي إليه حديث العلل، وبه يجمع بين الاخبار، والأظهر أن الغرض في هذا الخبر بيان الإقامة، وأطلق عليها الاذان مجازا.
ويمكن أن يكون سؤالهم عن البعثة لزيادة الاطمينان كما في سؤال إبراهيم إذ تصفح وجوه شيعة أخيه في وقت كل صلاة موقوف على العلم بالبعثة، ويمكن أن يكون قولهم " وإنا لنتصفح " إخبارا عما أمروا به أن يفعلوا بعد ذلك، ويؤيده عدم وجوب الصلاة قبل ذلك، كما هو الظاهر وإن أمكن أن يكون هذا في معراج تحقق بعد وجوب الصلاة لكنه بعيد عن سياق الخبر.
ويحتمل أيضا أن يكونوا عرفوه صلى الله عليه وآله وعرفوا وصيه وشيعة وصيه بأنهم يكونون كذلك ولذا كانوا يتصفحون وجوه شيعته في أوقات الصلوات، ليعرفوا هل وجبت عليهم صلاة أم لا؟ فلا ينافي عدم علمهم بالبعثة، وفيه أيضا بعد.
ويحتمل أن يكون التصفح كناية عن رواية أسمائهم في رق بيت المعمور، كما سيأتي، أو عن رؤية أشباحهم وأمثلتهم حول العرش، كما يومي إليه قولهم وهم نور حول العرش، وقريب منه ما ذكره بعض الأفاضل أن علمهم به وبأخيه وشيعته وأحوالهم في عالم فوق عالم الحس، وهو العالم الذي اخذ عليهم فيه الميثاق، والعلم فيه لا يتغير، وهذا لا ينافي جهلهم ببعثه في عالم الحس الذي يتغير العلم فيه.
أقول: هذا موقوف على مقدمات مباينة لطريقة العقل.
قوله " مرحبا بالأول " أي خلقا ورتبة " ومرحبا بالآخر " أي ظهورا وبعثة " ومرحبا بالحاشر " أي بمن يتصل زمان أمته بالحشر " ومرحبا بالناشر " أي بمن ينشر قبل الخلق وإليه الجمع والحساب، وقد مر شرح الكل في مواضعها " والرق " بالفتح ويكسر جلد رقيق يكتب فيه والصحيفة البيضاء، ودوى الريح والطائر والنحل صوتها.
" صوتين مقرونين " أي نسمع صوتين، وفي الكافي صوتان مقرونان معروفان وكونهما مقرونين، لان الصلاة مستلزمة للفلاح وسبب له، ويحتمل أن تكون الفقرتان اللتان بعدهما مفسرتين لهما، والغرض بيان اشتراط قبول الصلاة وصحتها بولايتهما.
ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما ورد في بعض الأخبار من تفسير الصلاة و العبادات بهم، أي الصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله والفلاح أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وهما متحدان من نور واحد مقرونان قولا وفعلا، وبما فسر في هذا الخبر يظهر سر تلك الأخبار ومعناها والضمير في قوله " لشيعته " راجع إلى الرسول أو إلى علي صلوات الله عليهما، والأخير أظهر، وترك " حي على خير العمل " الظاهر أنه من الإمام عليه السلام أو من الرواة تقية، ويحتمل أن يكون قرر بعد ذلك كما مر و يؤيده عدم ذكر بقية فصول الاذان.
وأطناب السماء لعله كناية عن الاطباق والجوانب قال الجزري: فيه ما بين طنبي المدينة أحوج مني إليها، أي ما بين طرفيها، والطنب أحد أطناب الخيمة فاستعاره للطرف والناحية انتهى وفي الكافي أطباق السماء وهو أظهر.
ثم إنه يحتمل أن يكون خرق الاطباق والحجب من تحته أو من فوقه أو منهما معا وأيضا يحتمل أن يكون هذا في السماء الرابعة أو بعد عروجه إلى السابعة والأخير أوفق بما بعده، فعلى الأول إنما خرقت الحجب من تحته لينظر إلى الكعبة، وإلى البيت المعمور، فلما نظر إليهما وجدهما متحاذيين متطابقين متماثلين، ولذا قال: " ولكل مثل مثال " أي كل شئ في الأرض له مثال في السماء، فعلى الثاني يحتمل أن تكون الصلاة تحت العرش محاذيا للبيت المعمور أوفي البيت المعمور بعد النزول، وعلى التقديرين استقبال الحجر مجاز، أي استقبل ما يحاذيه أو ما يشاكله ويشبهه.
قوله " وأنت الحرام " أي المحترم المكرم، ولعله إشارة إلى أن حرمة البيت إنما هي لحرمتك كما ورد في غيره، ويدل على استحباب أخذ ماء الوضوء
أولا باليمنى، وفي الكافي " صار الوضوء باليمنى " فيمكن أو يفهم منه استحباب الإدارة.
قوله تعالى: " بعدد حجبي " الظاهر أن المراد بالحجب هنا غير السماوات، كما يظهر من سائر الأخبار، وأن ثلاثة منها ملتصقة، ثم تفصل بينها بحار النور ثم اثنان منها ملتصقان، فلذا استحب التوالي بين ثلاث من التكبيرات، ثم الفصل بالدعاء ثم بين اثنتين ثم الفصل بالدعاء، ثم يأتي باثنتين متصلتين، فكل شروع في التكبير ابتداء افتتاح، وفي الكافي هكذا والحجب متطابقة بينهن بحار النور وذلك النور الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله فمن أجل ذلك صار الافتتاح ثلاث مرات لافتتاح الحجب ثلاث مرات فصار التكبير سبعا والافتتاح ثلاثا ".
وحمل الوالد العلامة الافتتاح ثلاثا على تكبيرة الاحرام التي هي افتتاح القراءة، وتكبير افتتاح الركوع، وتكبير افتتاح السجود، ولعل ما ذكرناه أظهر.
وقوله " شكرا " يحتمل أن يكون كلام الإمام عليه السلام أي قال النبي صلى الله عليه وآله: على وجه الشكر " الحمد لله رب العالمين " والظاهر أنه من تتمة التحميد، ويؤيد الأول أنه ورد تحميد المأموم في هذا المقام بدون هذه التتمة، ويؤيد الثاني أنه صلى الله عليه وآله أضمر شكرا عند قوله " الحمد لله رب العالمين " أولا ويدل على استحباب التحميد في هذا المقام للامام والمنفرد أيضا ولعله خص بعد ذلك للمأموم.
قوله تعالى: " قطعت ذكري " لعله لما كانت سورة الفاتحة بالوحي، وانقطع الوحي بتمامها، وحمد الله من قبل نفسه، قال الله تعالى: لما قطعت القرآن بالحمد فاستأنف البسملة، فالمراد بالذكر القرآن، وقوله عليه السلام: " كما أنزلت " يدل على تغيير في سورة التوحيد، وفي الكافي هكذا: ثم أوحى الله عز وجل إليه اقرأ يا محمد نسبة ربك تبارك وتعالى " قل هو الله أحد، الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " ثم أمسك عنه الوحي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الله الواحد الأحد
الصمد، فأوحى الله إليه: لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، كذلك الله ربنا كذلك الله ربنا.
قوله تعالى: " فانظر إلى عرشي " أي بالقلب أو بمؤخر العين أو ارفع رأسك في تلك الحالة فانظر إليه.
وفي الكافي: فلما قال ذلك، أوحى الله إليه اركع لربك يا محمد، فركع فأوحى الله إليه وهو راكع قل " سبحان ربي العظيم وبحمده " ففعل ذلك ثلاثا ثم أوحى الله إليه ارفع رأسك يا محمد، ففعل رسول الله صلى الله عليه وآله فقام منتصبا فأوحى الله عز وجل إليه أن اسجد لربك يا محمد فخر رسول الله ساجدا فأوحى الله إليه قل " سبحان ربي الأعلى وبحمده " ففعل صلى الله عليه وآله ذلك ثلاثا ثم أوحى الله إليه استو جالسا يا محمد، ففعل فلما رفع رأسه عن سجوده واستوى جالسا، نظر إلى عظمة تجلت له فخر ساجدا من تلقاء نفسه، لا لأمر امر به فسبح أيضا ثلاثا، فأوحى الله إليه انتصب قائما ففعل، فلم ير ما كان رأى من العظمة، فمن أجل ذلك صارت الصلاة ركعة وسجدتين.
قوله " وعلو ما رأيت " أي استراحة من شدة ودهشة عرضت لي بسببه أو طلبا لهذا الامر العالي، وإعادة النظر إليه، فيكون منصوبا بنزع الخافض.
وقوله تعالى: " فإنها نسبتك " أي مبينة شرفك وكرامتك وكرامة أهل بيتك، أو مشتملة على نسبتك ونسبتهم إلى الناس، وجهة احتياج الناس إليك و إليهم، فان نزول الملائكة والروح بجميع الأمور التي يحتاج الناس إليها إذا كان إليك وإليهم، فبهذه الجهة هم محتاجون إليك وإليهم.
قوله تعالى: " إني أنا السلام والتحية " لعل التحية معطوفة على السلام تفسيرا وتأكيدا، وقوله " والرحمة " مبتدأ أي أنت المراد بالرحمة وذريتك بالبركات، أو المراد أن كلا منهم رحمة وبركة ويحتمل أن يكون قوله " والتحية " مبتدأ وعلى التقادير حاصل المعنى: سلام الله وتحيته، أو رحمته وشفاعته محمد وأهل بيته صلوات الله عليهم ودعاؤهم وهدايتهم وإعانتهم عليكم أي لكم.
قوله تعالى: " تجاه القبلة " أي من غير التفات إلى اليسار أو إلى اليمين أيضا كثيرا بأن يحتمل ما فعله صلى الله عليه وآله على الالتفات القليل، ويؤيده قوله عليه السلام " أن لا ألتفت يسارا " وما قيل من أنه رأى الملائكة والنبيين تجاه القبلة فسلم عليهم، لأنهم المقربون ليسوا من أصحاب اليمين، ولا من أصحاب الشمال، فلا يخفى ما فيه، لأن الظاهر أنهم كانوا مؤتمين به صلى الله عليه وآله.
قوله تعالى: " صار التسبيح في السجود " في الكافي " كان التكبير في السجود شكرا " فلعل المعنى أنه صلى الله عليه وآله لما كان هوته إلى السجود لمشاهدة عظمة تجلت له كبر قبل سجوده شكرا لتلك النعمة، كما قال تعالى " ولتكبروا الله على ما هديكم ولعلكم تشكرون " أي على ما هدى، وما هنا أظهر كما لا يخفى.
قوله عليه السلام " عند الزوال " لعل المعنى أن هذه الصلاة التي فرضت وعلمها الله نبيه في السماء إنما فرضت أو وقعت أولا في الأرض عند الزوال فلا يلزم أن يكون إيقاعها في السماء عند الزوال، مع أنه يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وآله في ذلك الوقت محاذيا لموضع يكون في الأرض وقت الزوال لكنه بعيد، إذا لظاهر من الخبر أنها وقعت في موضع كان محاذيا لمكة، ولما كان الظاهر من الاخبار تعدد المعراج فيمكن حمل هذا الخبر على معراج وقع في اليوم، وبهذا الوجه يمكن التوفيق بين أكثر الاخبار المختلفة الواردة في كيفية المعراج.
ثم إنه يظهر من هذا الخبر أن الصلاة لما كانت معراج المؤمن فكما أن النبي صلى الله عليه وآله نفض عن ذيله الأطهر علائق الدنيا الدنية، وتوجه إلى عرش القرب والوصال، ومكالمة الكبير المتعال، وكلما خرق حجابا من الحجب الجسمانية كبر الرب تعالى وكشف بسببه حجابا من الحجب العقلانية، حتى وصل إلى عرض العظمة والجلال ودخل مجلس الانس والوصال، فبعد رفع الحجب المعنوية بينه وبين مولاه كلمه وناجاه، فاستحق لان يتجلى له نور من أنوار الجبروت، فركع وخضع لذلك النور، فاستحق أن يتجلى عليه نور أعلى منه، فرفع رأسه وشاهده وخر
ساجدا لعظمته.
ثم بعد طي تلك المقامات، والوصول إلى درجة الشهود، والاتصال بالرب الودود، رفع له الأستار من البين، وقربه إلى مقام قاب قوسين، فأكرمه بأن يقرن اسمه باسمه في الشهادتين، ثم حباه بالصلاة عليه وعلى أهل بيته المصطفين، فلما لم يكن بعد الوصول إلا السلام، أكرمه بهذا الانعام، أو أمره بأن يسلم على مقربي جنابه الذين فازوا قبله بمثل هذا المقام، تشريفا له بانعامه، وتأليفا بين مقربي جنابه، أو أنه لما أذنه بالرجوع عن مقام " لي مع الله " الذي لا يرحمه فيه سواه، ولم يخطر بباله غير مولاه، التفت إليه فسلم عليهم، كما يومي إليه هذا الخبر.
فكذا ينبغي للمؤمن إذا أراد أن يتوجه إلى جنابه تعالى بعد تشبثه بالعلائق الدنية، وتوغله في العلائق الدنيوية، أن يدفع عنه الأنجاس الظاهرة والباطنة ويتحلى بما يستر عورته الجسمانية والروحانية، ويتعطر بروايح الأخلاق الحسنة ويتطهر من دنس الذنوب والأخلاق الذميمة، ويخرج من بيته الأصنام والكلاب والصور والخمور الصورية ، وعن قلبه صور الأغيار، وكلب النفس الامارة، وسكر الملك والمال والعزة، وأصنام حب الذهب والفضة والأموال والأولاد والنساء وسائر الشهوات الدنيوية.
ثم يتذكر بالاذان والإقامة، ما نسيه بسبب الاشتغال بالشبهات والاعمال من عظمة الله وجلاله ولطفه وقهره وفضل الصلاة وسائر العبادات مرة بعد أخرى، ويتذكر أمور الآخرة وأهوالها وسعاداتها وشقاواتها عند الاستنجاء والوضوء والغسل وأدعيتها إذا علم أسرارها، ثم يتوجه إلى المساجد التي هي بيوت الله في الأرض ويخطر بباله عظمة صاحب البيت وجلاله، إذا وصل إلى أبوابها، فلا يكون عنده أقل عظمة من أبواب الملوك الظاهرة التي إذا وصل إليها دهش وتحير وارتعد وخضع واستكان.
فإذا دخل المسجد، وقرب المحراب الذي هو محل مجاذبة النفس والشيطان
استعاذ بالكريم الرحمن، من شرورهما وغرورهما، وتوجه بصورته إلى بيت الله، وبقلبه إلى الله وأعرض عن كل شئ سواه، ثم يستفتح صلاته بتكبير الله و تعظيمه، ليضمحل في نظره من عداه، ويخرق بكل تكبير حجابا من الحجب الظلمانية الراجعة إلى نقصه، والنورانية الراجعة إلى كمال معبوده، فيقبل بعد تلك المعرفة والانقياد والتسليم بشراشره إلى العليم الحكيم، واستعان في أموره باسم المعبود الرحمن الرحيم، ويحمده على نعمائه ويقر بأنه رب العالمين و أخرجه من كتم العدم إلى أن أوصله إلى مقام العابدين.
ثم بأنه الرحمن الرحيم، وبأنه مالك يوم الدين، يجزى المطيعين و العاصين، وإذا عرفه بهذا الوجه استحق لان يرجع من مقام الغيبة إلى الخطاب، مستعينا بالكريم الوهاب، ويطلب منه الصراط المستقيم، وصراط المقربين، والأنبياء والأئمة المكرمين، مقرا بأنهم على الحق واليقين، وأن أعداءهم ممن غضب الله عليهم ولعنهم ومن الضالين، ويتبرء منهم ومن طريقتهم تبرء الموقنين.
ثم يصفه سبحانه بتلاوة التوحيد بالوحدانية، والتنزيه عما لا يلبق بذاته وصفاته، فإذا عبد ربه بتلك الشرايط، وعرفه بتلك الصفات، يتجلى له نور من أنوار الجلال، فيخضع لذلك بالركوع والخضوع، ويقر بأني أعبدك وإن ضربت عنقي، ثم بعد هذا الخضوع والانقياد يستحق معرفة أقوى، ويناسبه خضوع أدنى، فيقر بأنك خلقتني من التراب، والمخلوق منه خليق بالتذلل عند رب الأرباب، ثم بأنك تعيدني بعد الموت إلى التراب، فيناسب تلك الحالة خضوع آخر.
فإذا عبد الله بتلك الآداب، إلى آخر الصلاة، وخاض في خلال ذلك بحار جبروته، واكتسب أنوار فيضه ومعرفته، وصل إلى مقام القرب والشهود، فيقر بوحدانية معبوده، ويثني على مقربي جنابه، ثم يسلم عليهم بعد الحضور والشهود وفي هذا المقام لطائف ودقايق لا يسع المقام ذكرها، وأوردنا شذرا منها في بعض
مؤلفاتنا، وإنما أومأنا ههنا إلى بعضها لمناسبة شرح الرواية، والله ولي التوفيق والهداية.
2 - العلل ومجالس الصدوق والتوحيد: عن محمد بن محمد بن عصام، عن الكليني، عن علي بن محمد علان، عن محمد بن سليمان، عن إسماعيل بن إبراهيم عن جعفر بن محمد التميمي، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد ابن علي عليه السلام قال: سألت أبي سيد العابدين عليه السلام فقلت له: يا أبه أخبرني عن جدنا رسول الله صلى الله عليه وآله لما عرج به إلى السماء وأمره ربه عز وجل بخمسين صلاة كيف لم يسأله التخفيف عن أمته حتى قال له موسى بن عمران عليه السلام ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فان أمتك لا تطيق ذلك؟ فقال: يا بني إن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يقترح على ربه عز وجل، ولا يراجعه في شئ يأمره به، فلما سأله موسى عليه السلام ذلك، وصار شفيعا لامته إليه، لم يجز له رد شفاعة أخيه موسى عليه السلام فرجع إلى ربه عز وجل فسأله التخفيف إلى أن ردها إلى خمس صلوات.
قال: فقلت: فلم لم يرجع إلى ربه عز وجل ولم يسئله التخفيف بعد خمس صلوات؟
فقال: يا بني أراد عليه السلام أن يحصل لامته التخفيف، مع أجر خمسين صلاة لقول الله عز وجل " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " ألا ترى أنه عليه السلام لما هبط إلى الأرض، نزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد! إن ربك يقرئك السلام، ويقول: إنها خمس بخمسين، ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد.
بيان: المراد بأجر خمسين ثوابها الاستحقاقي لا التفضلي، كما مر تحقيقه قوله: ما يبدل القول لدي لعل المعنى أنه كان قصدي بالخمسين أن أعطيهم ثوابها
أو أنه تعالى لما قرر لهم خمسين صلاة فلو بدلها ولم يعطهم ثوابها كان ظلما في جنب عظمته وقدرته وسعته وافتقار خلقه إليه وعجزهم، وقيل: هو تأكيد لما قبله من الكلام أي ما وعدت من ثواب خمسين، لا يبدل فاني لا اخلف الوعد ولا أظلم العباد به، والتعبير بصيغة المبالغة على سائر الوجوه للاشعار بأن مثل هذا ظلم عظيم، أو الظلم القليل من القادر الحكيم الغني بالذات ظلم عظيم، أو أنه لو كان الظلم من صفاته لكان صفة كمال، فكان يتصف بكاملها، أو أن كل صفة من العظيم لابد أن يكون عظيما، وقد مر الخبر بتمامه مشروحا مع تحقيقات أخرى تركناها ههنا حذرا من التكرار في باب المعراج.
3 - مجالس الصدوق: عن الحسن بن محمد بن سعيد، عن فرات بن إبراهيم عن محمد بن أحمد الهمداني، عن الحسن بن علي الشامي، عن أبيه، عن أبي جرير عن عطاء الخراساني رفعه عن عبد الصمد بن غنم قال: لما اسرى بالنبي صلى الله عليه وآله وانتهى حيث انتهى، فرضت عليه الصلاة خمسون صلاة قال: فأقبل فمر على موسى عليه السلام فقال: يا محمد كم فرض على أمتك؟ قال: خمسون صلاة قال ارجع إلى ربك فاسئله أن يخفف عن أمتك، قال: فرجع ثم مر على موسى فقال: كم فرض على أمتك؟ قال: كذا وكذا قال: فان أمتك أضعف الأمم، ارجع إلى ربك فاسئله أن يخفف عن أمتك، فاني كنت في بني إسرائيل فلم يكونوا يطيقون إلا دون هذا، فلم يزل يرجع إلى ربه عز وجل حتى جعلها خمس صلوات: قال:
ثم مر على موسى عليه السلام فقال: كم فرض على أمتك قال: خمس صلوات قال:
ارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عن أمتك، قال: قد استحييت من ربي مما أرجع إليه.
4 - ومنه ومن العلل: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه، عن
أحمد بن محمد البرقي، عن علي بن الحسين الرقي، عن عبد الله بن جبلة عن معاوية ابن عمار، عن الحسن بن عبد الله، عن أبيه، عن جده الحسن بن علي عليه السلام قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله أعلمهم عن مسائل، فكان فيما سأله أخبرني عن الله لأي شئ وقت هذه الخمس الصلوات في خمس مواقيت على أمتك في ساعات الليل والنهار؟ قال النبي صلى الله عليه وآله إن الشمس إذا طلعت عند الزوال لها حلقة تدخل فيها فإذا دخلت فيها زالت الشمس، فيسبح كل شئ دون العرش لوجه ربي، وهي الساعة التي يصلي علي فيها ربي، ففرض الله عز وجل على وعلى أمتي فيها الصلاة وقال " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " وهي الساعة التي يؤتى فيها بجهنم يوم القيامة، فما من مؤمن يوفق تلك الساعة أن يكون ساجدا أو راكعا أو قائما إلا حرم الله عز وجل جسده على النار.
وأما صلاة العصر فهي الساعة التي أكل فيها آدم من الشجرة، فأخرجه الله من الجنة، فأمر الله ذريته بهذه الصلاة إلى يوم القيامة، واختارها لامتي فهي من أحب الصلوات إلى الله عز وجل، وأوصاني أن أحفظها من بين الصلوات.
وأما صلاة المغرب فهي الساعة التي تاب الله فيها على آدم، وكان بين ما أكل من الشجرة، وبين ما تاب الله عليه ثلاث مائة سنة من أيام الدنيا، وفي أيام الآخرة يوم كألف سنة: من وقت صلاة العصر إلى العشاء، فصلى آدم ثلاث ركعات ركعة لخطيئته، وركعة لخطيئة حواء وركعة لتوبته، فافترض الله عز وجل هذه الثلاث الركعات على أمتي، وهي الساعة التي يستجاب فيها الدعاء، فوعدني ربي أن يستجيب لمن دعاه فيها، وهذه الصلاة التي أمرني بها ربي عز وجل فقال:
" سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ".
وأما صلاة العشاء الآخرة، فان للقبر ظلمة وليوم القيامة ظلمة أمرني الله وأمتي بهذه الصلاة في ذلك الوقت، لتنور لهم القبور، وليعطوا النور على الصراط
وما من قدم مشت إلى صلاة العتمة إلا حرم الله جسدها على النار، وهي الصلاة التي اختاره الله للمرسلين قبلي.
وأما صلاة الفجر، فان الشمس إذا طلعت تطلع على قرني الشيطان، فأمرني الله عز وجل أن أصلي صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، وقبل أن يسجد لها الكافر فتسجد أمتي لله، وسرعتها أحب إلى الله، وهي الصلاة التي تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، قال: صدقت يا محمد.
ايضاح: يحتمل أن يكون المراد بالحلقة دايرة نصف النهار المارة بقطبي الأفق وبقطبي معدل النهار، وإنما يكون زوال الشمس بمجاوزتها عنها وصيرورتها إلى جانب المغرب منها، ولا ريب أنها مختلفة بالنسبة إلى البقاع والبلاد، وتختلف أوقات صلوات أهلها، فالمراد بقوله عليه السلام: " فيسبح كل شئ " تسبيح أهل كل بقعة عند بلوغها إلى نصف نهارها، ويكون ابتداء التسبيح عند بلوغ نصف نهار أول بلد من المعمورة.
وأما صلاة الله على النبي صلى الله عليه وآله في تلك الساعة فاما أن يعتبر فيها نصف نهار بلده أو يقال بتكررها من ابتداء نصف النهار من أول المعمورة إلى أن يخرج من جميع أنصاف النهار لها.
وأما الاتيان بجهنم في تلك الساعة فالمراد بلوغ نصف نهار المحشر تقديرا إذ ليس للشمس في القيامة حركة أو يقال: جميع ذلك اليوم لمحاذاة الشمس بسمت رأسهم بمنزلة الزوال، فالمعنى أنه لما كانت الشمس يوم القيامة مسامته لرؤوس أهلها لا تزول، فينبغي في الدنيا إذا صارت بتلك الهيئة أن يذكروا أهوالها وشدائدها التي من جملتها إحضار جهنم فيها.
والمراد بكل شئ دون العرش، عنده أو تحته أو العرش وما دونه، كما قيل في قول أمير المؤمنين عليه السلام: سلوني عما دون العرش، أو كل شئ عند عرش علمه تعالى أي جميع المكونات.
قيل: وإنما يسبح لله كل شئ دون العرش عند الزوال خاصة مع تسبيحه إياه في كل وقت على الدوام، لظهور النقص بالزوال والانحطاط والهبوط للشمس التي هي رئيس السماء وواهب الضياء بأمر الله سبحانه وطاعته، وهي مما يعبد من دون الله، وهي أعظم كوكب في السماء جسما ونورا، فيسبح الله عند ذلك عما يوجب النقص والأفول: قال الخليل عليه السلام لما أفلت " إني لا أحب الآفلين إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين ".
وإنما يصلي الله على نبيه صلى الله عليه وآله في تلك الساعة لتسبيحه صلى الله عليه وآله إياه في تلك الساعة زيادة على غيرها من الساعات وليشار بذلك إلى أنه ليس لارتفاع منزلته صلى الله عليه وآله انحطاط، ولا لصعوده إلى جنابه سبحانه هبوط، وعلة فرض الصلاة في تلك الساعة هي علة التسبيح.
ثم إن الخبر يدل على أن صلاة العصر هي الوسطى وسيأتي تحقيقها.
قوله صلى الله عليه وآله: " من وقت صلاة العصر " وفي الفقيه ما بين العصر، و المراد بالعشاء هو المغرب، والجملة بيان لقوله ثلاث مائة أو خبر بعد خبر لكان وقوله: " في أيام الآخرة " جملة معترضة لبيان أن الثلاث مائة من أيام الدنيا لا الآخرة، فان أيام الآخرة كل منها كألف سنة من أيام الدنيا، ولذا كان ما بين عصره إلى المغرب الذي هو قريب من ثلث اليوم ثلاث مائة سنة. التي تقرب من ثلث الألف، ويفهم منه أن وقت العصر يدخل بعد مضى سبعة أعشار من اليوم، وهو قريب من مضى مثل القامة من الظل.
قوله صلى الله عليه وآله: " إلى صلاة العتمة " أي إلى الجماعة بها أو إلى المسجد لايقاعها أو الأعم والعتمة وقت صلاة العشاء، ويدل على عدم كراهة تسمية العشاء بالعتمة ولا الصبح بالفجر خلافا للشيخ - ره - قال: في المنتهى قال الشيخ: " يكره تسمية
العشاء بالعتمة " وكأنه نظر إلى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يغلبنكم الاعراب على اسم صلاتكم، فإنها العشاء، وإنهم يعتمون بالإبل، ولكن هذا الحديث لم يرد من طرق الأصحاب، قال: وكذا يكره تسمية الصبح بالفجر انتهى.
وقال في النهاية: في الحديث لا يغلبنكم الاعراب على اسم صلاتكم العشاء فان اسمها في كتاب الله العشاء، وإنما يعتم بحلاب الإبل، قال الأزهري أرباب النعم في البادية يريحون الإبل ثم ينيخونها في مراحها حتى يعتموا أي يدخلوا في عتمة الليل، وهي ظلمته، وكانت الاعراب يسمون صلاة العشاء صلاة العتمة، تسمية بالوقت، فنهاهم عن الاقتداء بهم، واستحب لهم التمسك بالاسم الناطق به لسان الشريعة، وقيل أراد لا يغرنكم فعلهم هذا فتؤخروا صلاتكم، ولكن صلوا إذا حان وقتها انتهى.
أقول الحكم بالكراهة لهذا الخبر العامي مع ورود هذه اللفظة في الأخبار الكثيرة المعتبرة، واحتمال الخبر معنى آخر لا يخلو عن غرابة، وأغرب وأعجب منه الحكم الثاني مع ورود الفجر بهذا المعنى في التنزيل الحكيم في مواضع عديدة ولا ندري ما العلة فيه إلا أن يريد كراهة إطلاقه على الصلاة، وهو أيضا ضعيف لتفسير جماعة من المفسرين الفجر بها، وعدم ظهور رواية بالمنع، ولعلها وصلت إليه، وليست حجة علينا، وكون العلة فيه إشعاره بالفجور بعيد.
قوله صلى الله عليه وآله " جسدها " أي الجسد المحمول عليها، ويفهم منه حكم القدم بالطريق الأولى: أو كل الجسد الذي منه القدم وسيأتي تفسير الآيات قريبا.
5 - تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما أسري بي إلى السماء وانتهيت إلى سدرة المنتهى، سمعت الاذان فإذا ملك يؤذن لم ير في السماء قبل تلك الليلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، فقال الله عز وجل صدق عبدي أنا أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، فقال الله: صدق عبدي أنا الله
الذي لا إله غيري، فقال: أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله.
فقال الله: صدق عبدي إن محمدا عبدي ورسولي أنا بعثته وانتجبته، فقال حي على الصلاة حي على الصلاة، فقال الله صدق عبدي ودعا إلى فريضتي، فمن مشى إليها راغبا فيها محتسبا كانت له كفارة لما مضى من ذنوبه، فقال: حي على الفلاح حي على الفلاح فقال الله هي الصلاح والنجاح والفلاح، ثم أممت الملائكة في السماء كما أممت الأنبياء في بيت المقدس.
قال: ثم غشيتني صبابة فخررت ساجدا فناداني ربي إني قد فرضت على كل نبي كان قبلك خمسين صلاة، وفرضتها عليك و على أمتك، فقم بها أنت في أمتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله فانحدرت حتى مررت على إبراهيم فلم يسألني عن شئ حتى انتهيت إلى موسى، فقال: ما صنعت يا محمد صلى الله عليه وآله فقلت: قال ربي فرضت على كل نبي كان قبلك خمسين صلاة، وفرضتها عليك وعلى أمتك، فقال موسى: يا محمد إن أمتك آخر الأمم وأضعفها، وإن ربك لا يرده شئ، وإن أمتك لا يستطيع أن تقوم بها، فارجع إلى ربك فاسئله التخفيف لامتك.
فرجعت إلى ربي حتى انتهيت إلى سدرة المنتهى فخررت ساجدا ثم قلت:
فرضت على وعلى أمتي خمسين صلاة ولا أطيق ذلك ولا أمتي فخففت عني، فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى وأخبرته فقال ارجع لا تطيق، فرجعت إلى ربي فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فأخبرته. فقال: ارجع، وفي كل رجعة أرجع إليه أخر ساجدا حتى رجع إلى عشر صلوات فرجعت إلى موسى وأخبرته فقال: لا تطيق، فرجعت إلى ربي فوضع عني خمسا فرجعت إلى موسى وأخبرته فقال: لا تطيق، فقلت: قد استحييت من ربي، ولكن أصبر عليها.
فناداني مناد: كما صبرت عليها فهذه الخمس بخمسين: كل صلاة بعشر، و من هم من أمتك بحسنة يعملها فعملها كتب له عشرا، وإن لم يعمل كتبت له واحدة، ومن هم من أمتك بسيئة فعملها كتبت عليه واحدة، وإن لم يعلمها لم أكتب
عليه شيئا، فقال الصادق عليه السلام: جزى الله موسى عن هذه الأمة خيرا.
بيان: قال الجوهري الصبابة رقة الشوق وحرارته، قوله عليه السلام لا يرده شئ بالتخفيف أي لا يرد عليه نفع شئ من عبادة وغيرها، وفي بعض النسخ لا يزيده شئ أي لا يزيد في ملكه طاعة مطيع وقد مر تمام الخبر بطوله في باب المعراج.
6 - الخصال عن محمد بن جعفر بن بندار، عن سعيد بن أحمد، عن يحيى بن الفضل، عن يحيى بن موسى، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري عن أنس قال: فرضت على النبي صلى الله عليه وآله ليلة أسري به الصلاة خمسين، ثم نقصت فجعلت خمسا نودي يا محمد: إنه لا يبدل القول لدي إن لك بهذه الخمس خمسين.
7 - ومنه: عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن معاوية بن حكيم عن ابن أبي عمير، عن أبي الحسن الأزدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما خفف الله عز وجل عن النبي صلى الله عليه وآله حتى صارت خمس صلوات أوحى الله إليه: يا محمد إنها خمس بخمسين.
8 - العلل والخصال: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد الأشعري، عن إبراهيم بن إسحاق، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن أبي هاشم الخادم قال: قلت لأبي الحسن الماضي عليه السلام لم جعلت صلاة الفريضة والسنة خمسين ركعة، لا يزاد فيها ولا ينقص منها؟ قال: إن ساعات الليل اثنتي عشرة ساعة، وفيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ساعة، وساعات النهار اثنتي عشرة ساعة، فجعل لكل ساعة ركعتين وما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق
غسق، فجعل للغسق ركعة.
بيان: هذا اصطلاح شرعي للساعات، وهي مختلفة باختلاف الاصطلاحات فمنها مستوية ومنها معوجة إلى غير ذلك، والركعة التي جعلت للغسق لعلها ركعتا الوتيرة فإنهما تعدان بركعة، وفي الخصال ليس قوله فجعل للغسق ركعة وفيه مكان الشفق القرص، فالمراد سقوطه بالكلية بذهاب الحمرة المشرقية، وما في العلل في الموضعين أظهر وأصح، وفي الكافي أيضا كذلك.
وقال السيد الداماد - رحمه الله - كون كل من الليل والنهار اثنتي عشرة ساعة إما بحسب الساعات المعوجة أو بحسب الساعات المستوية في خط الاستواء أو وفي الآفاق المائلة أيضا عند تساوي الليل والنهار، وذلك إذا كان مدار اليومي للشمس معدل النهار، وأما إخراج ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس من الليل والنهار واعتبار زمانه على حياله ساعة برأسها فقد ورد به بعض الأخبار عنهم صلوات الله عليهم.
ومن ذلك ما رواه جماعة من مشيخة علمائنا رضوان الله عليهم عن مولانا الصادق عليه السلام أن مطران النصارى سأل أباه الباقر عليه السلام عن مسائل عديدة عويصة منها الساعة التي ليست هي من ساعات الليل ولا من ساعات النهار أية ساعة هي؟
فقال عليه السلام: هي الساعة التي بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فاستشكل ذلك من باعه في تتبع العلوم وتعرف المذاهب قاصر زاعما أن هذا أمر لم ينعقد عليه اصطلاح، ولم يذهب إليه ذاهب أصلا.
ولعل مزجاة من بضاعة المتمهر حسبك لإزاحة هذه المرية، أليس هذا
الاصطلاح منقولا في كتب أعاظم علماء الهيئة عن حكماء الهند، وأليس الأستاذ أبو ريحان البيروني في القانون المسعودي ذكر أن براهمة الهند ذهبوا إلى أن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وكذلك ما بين غروب الشمس وغروب الشفق غير داخل في شئ من الليل والنهار، بل أن ذلك بمنزلة الفصل المشترك بينهما وأورد ذلك الفاضل البرجندي في شرح زيج الجديد، وفي شرح التذكرة.
ثم إن ما في أكثر رواياتنا عن أئمتنا المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين وما عليه العمل عند أصحابنا رضي الله تعالى عنهم إجماعا هو أن زمان ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من النهار ومعدود من ساعاته وكذلك زمان غروب الشمس إلى ذهاب الحمرة من جانب المشرق، فان ذلك غروبها في أفق الغرب، فالنهار الشرعي في باب الصلاة والصوم وفي ساير الأبواب من طلوع الفجر المستطير إلى ذهاب الحمرة المشرقية، وهذا هو المعتبر والمعول عليه عند أساطين الإلهيين والرياضيين من حكماء يونان.
وثاوذ وسيوس بنى أساس الاصطلاح في كتاب المساكن عليه وحكم أن مبدء النهار عند ظهور الضياء واختفاء الكواكب الثابتة ومنتهاه حين اختفاء الضياء و اشتباك النجوم.
والعلامة الشيرازي قطب فلك التحصيل والتحقيق، شارح حكمة الاشراق وكليات القانون أظهر في كتبه نهاية الادراك والتحفة والاختيارات المظفرية أن أول الليل في اصطلاح الشرع وعند علماء الدين مجاوزة الشمس أفق المغرب حيث تذهب الحمرة المشرقية وتستبين الظلمة في جانب المشرق، وما ذكره إن هو إلا مذهب الإمامية.
وأما أصحاب الاحكام من المنجمين فالنهار عندهم محدود في طرفي المبدء والمنتهى بطلوع مركز الشمس من أفق المشرق، وغروبه في أفق المغرب و زمان ظهور جرم الشمس إلى طلوع مركزها محسوب عندهم من الليل، وزمان غروب المركز إلى اختفاء الجرم أيضا كذلك فليتعرف.
9 - العلل: عن علي بن أحمد بن محمد، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن علي بن العباس، عن عمر بن عبد العزيز، عن هشام ابن الحكم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن علة الصلاة فان فيها مشغلة للناس عن حوائجهم، ومتعبة لهم في أبدانهم، قال: فيها علل، وذلك أن الناس لو تركوا بغير تنبيه ولا تذكير للنبي صلى الله عليه وآله بأكثر من الخبر الأول، وبقاء الكتاب في أيديهم فقط، لكانوا على ما كان عليه الأولون. فإنهم قد كانوا اتخذوا دينا ووضعوا كتبا ودعوا أناسا إلى ما هم عليه، وقتلوهم على ذلك، فدرس أمرهم، وذهب حين ذهبوا، وأراد الله تبارك وتعالى أن لا ينسيهم أمر محمد صلى الله عليه وآله، ففرض عليهم الصلاة يذكرونه في كل يوم خمس مرات، ينادون باسمه، وتعبدوا بالصلاة، وذكروا الله لكيلا يغفلوا عنه، فينسوه فيندرس ذكره.
بيان: درس الرسم يدرس دروسا عفا، ودرسته الريح يتعدى ولا يتعدى، ذكره الجوهري، وقال التعبد التنسك.
أقول: لعل ذكر النبي صلى الله عليه وآله على سبيل المثال، أو الغرض تذكر ربهم بصفاته الجميلة، ونبيهم وأئمتهم والحشر والجنة والنار، وساير ما يمكنهم الغفلة عنه بسبب الاشغال الدنيوية، واللذات الدنية، كما مرت الإشارة إليه.
10 - العلل والعيون: عن علي بن أحمد بن محمد، عن محمد بن يعقوب عن محمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن العباس، عن القاسم بن الربيع الصحاف، عن محمد بن سنان فيما كتب الرضا عليه السلام عن جواب مسائله:
قال: علة الصلاة أنها إقرار بالربوبية لله عز وجل، وخلع الأنداد، وقيام بين يدي الجبار جل جلاله بالذل والمسكنة والخضوع والاعتراف، والطلب للإقالة من سالف الذنوب، ووضع الوجه على الأرض كل يوم خمس مرات إعظاما لله عز وجل، وأن يكون ذاكرا غير ناس ولا بطر، ويكون
خاشعا متذللا راغبا طالبا للزيادة في الدين والدنيا، مع ما فيه من الانزجار و المداومة على ذكر الله عز وجل بالليل والنهار، لئلا ينسى العبد سيده ومدبره وخالقه فيبطر ويطغى، ويكون في ذكره لربه وقيامه بين يديه زاجرا له من المعاصي ومانعا أنواع الفساد.
توضيح: قوله عليه السلام: " إقرار بالربوبية " قال الوالد قدس سره: إما لاشتمالها على الاقرار بالربوبية والتوحيد والاخلاص، أو لان أصل عبادته تعالى دون غيره خلع للأنداد وإقرار بالربوبية، وكذا طلب الإقالة وطلب الزيادة يحتملانهما، والند بالكسر المثل والنظير والظاهر عطف الاعتراف ووضع الوجه على الذل وربما يتوهم عطفهما على الاقرار، والبطر: الأشر وشدة المرح والنشاط.
قوله " من الانزجار " أي عن المعاصي فان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وفي أكثر نسخ الفقيه من الايجاب أي مجرد إيجاب الله تعالى على العبد أو إيجاب العبد على نفسه عبادته تعالى كماله أو سبب كماله، وقيل أي إيجاب الذكر إذ لو لم يوجب لنسي ولم يؤت به، وفي بعض نسخه الانجاب بالنون أي يصير به نجيبا حسن الأخلاق، من قولهم أنجب أي صار نجيبا، وأنجب أي ولد نجيبا وما هنا أظهر.
11 - العلل: عن أحمد بن محمد العطار، عن أبيه، عن أبي محمد العلوي الدينوري باسناده رفع الحديث إلى الصادق عليه السلام قال: قلت له: لم صارت المغرب ثلاث ركعات وأربعا بعدها، ليس فيها تقصير في حضر ولا سفر؟ فقال: إن الله عز وجل أنزل على نبيه صلى الله عليه وآله لكل صلاة ركعتين في الحضر، فأضاف إليها رسول الله صلى الله عليه وآله لكل صلاة ركعتين في الحضر، وقصر فيها في السفر إلا المغرب، فلما
صلى المغرب بلغه مولد فاطمة عليها السلام فأضاف إليها ركعة شكرا لله عز وجل، فلما أن ولد الحسن عليه السلام أضاف إليها ركعتين شكرا لله عز وجل، فلما أن ولد الحسين عليه السلام أضاف إليها ركعتين شكرا لله عز وجل فقال: " للذكر مثل حظ الأنثيين " فتركها على حالها في الحضر والسفر.
بيان: " فتركها " أي مجموع الخمس ركعات لأنها زيدت لشكر نعم لا تذهب على حال من الأحوال، فينبغي أن لا يسقط شكرها أيضا في وقت من الأوقات.
12 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة الثمالي، عن سعيد بن المسيب قال: سألت علي بن الحسين عليه السلام فقلت له: متى فرضت الصلاة على المسلمين على ما هم اليوم عليه؟ قال: فقال بالمدينة، حين ظهرت الدعوة، وقوي الاسلام وكتب الله عز وجل على المسلمين الجهاد، زاد رسول الله صلى الله عليه وآله في الصلاة سبع ركعات، في الظهر ركعتين، وفي العصر ركعتين وفي المغرب ركعة، وفي العشاء الآخرة ركعتين، وأقر الفجر على ما فرضت بمكة لتعجيل عروج ملائكة الليل إلى السماء، ولتعجيل نزول ملائكة النهار إلى الأرض، فكان ملائكة الليل و ملائكة النهار يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الفجر، فلذلك قال الله عز وجل " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " يشهده المسلمون ويشهده ملائكة النهار وملائكة الليل.
العياشي: عن ابن المسيب مثله.
تبيين: التعليل بتعجيل عروج ملائكة الليل ظاهر إما من حيث إنه سبب لتعجيلهم أو مسبب عنه، وأما التعليل بتعجيل نزول ملائكة النهار فلا يخلو من خفاء، ويمكن توجيهه بوجوه: الأول أن يكون قصر الصلاة معللا بتعجيل العروج فقط، ويكون تعجيل النزول علة لما بعده أعني شهود ملائكة الليل والنهار معا، وأما أن مدخول الفاء لا يعمل فيما قبله فأمره هين لوقوعه في القرآن المجيد وكلام الفصحاء كثيرا كقوله تعالى " وربك فكبر وثيابك فطهر " والتأويل مشترك وهذا إنما يستقيم فيه هذا التوجيه.
الثاني أن يقال إذا كانت صلاة الفجر قصيرة يتعجلون في النزول ليدركوها بخلاف ما إذا كانت طويلة لامكان تأخيرهم النزول إلى الركعة الثالثة أو الرابعة وهذا إنما يتوجه لو لم يلزم شهودهم من أول الصلاة والظاهر من الخبر خلافه.
الثالث أن يقال إرادة الله تعالى متعلقة بعدم اجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار في الأرض كثيرا، لمصلحة من المصالح، فيكون تعجيل عروج ملائكة الليل أمرا مطلوبا في نفسه، ومعللا أيضا بتعجيل نزول ملائكة النهار.
الرابع أن يكون شهود ملائكة النهار لصلاة الفجر في الهواء ويكون المراد بنزولهم نزولهم إلى الأرض.
13 - العلل: عن علي بن حاتم، عن القاسم بن محمد، عن حمدان بن الحسين عن الحسين بن الوليد، عن عبد الله بن حماد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت لأي علة أوجب رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الزوال ثمان قبل الظهر وثمان قبل العصر، ولأي علة رغب في وضوء المغرب كل الرغبة، ولأي علة أوجب الأربع الركعات من بعد المغرب، ولأي علة كان يصلي صلاة الليل في آخر الليل، ولا يصلي في أول الليل؟.
قال: لتأكيد الفرائض لان الناس - لو لم يكن إلا أربع ركعات الظهر -
لكانوا مستخفين بها، حتى كاد يفوتهم الوقت، فلما كان شيئا غير الفريضة أسرعوا إلى ذلك لكثرته، وكذلك التي من قبل العصر ليسرعوا إلى ذلك لكثرته، و ذلك لأنهم يقولون إن سوفنا ونريد أن نصلي الزوال يفوتنا الوقت وكذلك الوضوء في المغرب يقولون حتى نتوضأ يفوتنا الوقت فيسرعوا إلى القيام وكذلك الأربعة ركعات التي من بعد المغرب وكذلك صلاة الليل في آخر الليل ليسرعوا إلى القيام إلى صلاة الفجر، فلتلك العلة وجب هذه هكذا.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.