پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب الطهارة

16. باب التعزية والمأتم وآدابهما وأحكامهما

ج ۷۹، ص ۹۹–۱۱۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۷۹

وعن علي عليه السلام قال: لما مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني فغسلته وكفنه رسول الله صلى الله عليه وآله وحنطه، وقال لي: أحمله يا علي فحملته حتى جئت به إلى البقيع فصلى عليه، ثم أتى القبر فقال لي: انزل يا علي فنزلت ودلاه علي رسول الله صلى الله عليه وآله فلما رآه منصبا بكى عليه السلام، فبكى المسلمون لبكائه، حتى ارتفعت أصوات الرجال على أصوات النساء، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وآله أشد النهي

وقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك لمصابون وإنا عليك لمحزونون، ثم سوى قبره ووضع يده عند رأسه وغمزها، حتى بلغت الكوع، وقال: بسم الله ختمتك من الشيطان أن يدخلك الحديث.

وعنه عليه السلام قال: بكى رسول الله صلى الله عليه وآله عند موت بعض ولده، فقيل له: يا رسول الله تبكي وأنت تنهانا عن البكاء؟ فقال: لم أنهكم عن البكاء، وإنما نهيتكم عن النوح والعويل، وإنما هي رقة ورحمة يجعلها الله في قلب من شاء من خلقه ويرحم الله من يشاء، وإنما يرحم من عباده الرحماء.

وعنه عليه السلام قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وآله في البكاء عند المصيبة، وقال:

النفس مصابة، والعين دامعة، والعهد قريب، فقولوا: ما أرضى الله ولا تقولوا الهجر.

وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه أوصى عندما احتضر فقال: لا يلطمن علي خد، ولا يشقن علي جيب، فما من امرأة تشق جيبها إلا صدع لها في جهنم صدع كلما زادت زيدت.

وعن علي عليه السلام قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله البيعة على النساء أن لا ينحن ولا يخمش ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء.

وعنه عليه السلام قال: ثلاث من أعمال الجاهلية لا يزال فيها الناس حتى تقوم الساعة: الاستسقاء بالنجوم، والطعن في الأنساب والنياحة على الموتى وعن علي عليه السلام أنه كتب إلى رفاعة بن شداد قاضيه على الأهواز: وإياك والنوح على الميت ببلد يكون لك به سلطان.

وعنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: صوتان ملعونان يبغضهما الله: إعوال عند مصيبة

وصوت عند نعمة، يعنى النوح والغناء.

وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: نيح على الحسين بن علي سنة في كل يوم وليلة، وثلاث سنين من اليوم الذي أصيب فيه، وكان المسور بن مخرمة وجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يأتون مستترين متقنعين فيستمعون ويبكون.

وقد عثرنا على بعض الأئمة نيح عليهم وبعضهم لم ينح عليهم، فمن نيح عليه منهم فلعظيم رزئه، ولان الله عز وجل لم يسو بأحد منهم أحدا من خلقه وهم أهل البكاء والنياحة عليهم، على خلاف سائر الناس الذين لا ينبغي ذلك لهم ومن لم ينح عليه منهم فلأمرين إما بوصية منه كما ذكرنا عن جعفر بن محمد عليه السلام تواضعا لربه واستكانة إليه، وإما أن يكون الامام بعده قد آثر الصبر على عظيم الرزية، وتجرع غصص الحزن رجاء عظيم ثواب الله عليه، فلزم الصبر وألزمه من سواه، لما يكون من الغبطة والسعادة في عقباه، لما وعد الله الصابرين على المصائب.

وعن علي عليه السلام أنه قال: لما جاء نعي جعفر قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأهله:

اصنعوا طعاما واحملوه إلى أهل جعفر ما كانوا في شغلهم ذلك، وكلوا معهم فقد أتاهم ما يشغلهم عن أن يصنعوا لأنفسهم.

49 - مشكاة الأنوار: نقلا من كتاب المحاسن عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل " ولا يعصينك في معروف " قال: المعروف أن لا يشققن حبيبا ولا يلطمن وجها، ولا يدعون ويلا، ولا يقمن عند قبر، ولا يسودن ثوبا، ولا ينشرن شعرا.

ومنه: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أنعم الله عليه بنعمة فجاء عند تلك النعمة بمزمار فقد كفرها، ومن أصيب بمصيبة فجاء عند تلك المصيبة بنائحة فقد أحبطها.

50 - شهاب الاخبار: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: النياحة عمل الجاهلية.

وقال صلى الله عليه وآله: الصبر عند الصدمة الأولى.

وقال صلى الله عليه وآله: من كنوز البر كتمان المصائب والأمراض والصدقة.

بيان: قوله " عند الصدمة " قال في النهاية أي عند فورة المصيبة وشدتها، و الصدم ضرب الشئ الصلب بمثله، والصدمة المرة منه انتهى، وقال الأزهري: البر هو الجنة، ومنه قوله تعالى: " لن تنالوا البر " وقد جاء من وجه آخر من كنوز الجنة.

51 - مشكاة الأنوار: عن الرضا عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: أمرني أبي يعني أبا عبد الله عليه السلام أن آتي المفضل بن عمر فأعزيه بإسماعيل، وقال: اقرأ المفضل السلام وقل له أصبنا بإسماعيل، فصبرنا فاصبر كما صبرنا، إذا أردنا أمرا وأراد الله أمرا سلمنا لأمر الله.

ومنه: عن جابر، عن الباقر عليه السلام قال: لما توفي الطاهر ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فبكت خديجة، فقال صلى الله عليه وآله: أما ترضين أن تجديه قائما لك على باب الجنة، فإذا رآك أخذ بيدك فأدخلك أطهرها مكانا وأطيبها قالت: فان ذلك كذلك؟

قال: صلى الله عليه وآله: الله أعز وأكرم من أن يسلب عبدا ثمرة فؤاده فيصبر ويتحسر ويحمد الله ثم يعذبه 52 - قرب الإسناد: باسناده عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته

عن النوح فكرهه.

53 - مجالس الصدوق: باسناده عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

من يعرف البلاء يصبر عليه، ومن لا يعرفه ينكره.

وقال صلى الله عليه وآله: من يصبر على الرزية يغثه الله.

ومنه: عن حمزة بن محمد العلوي، عن عبد العزيز بن محمد الأبهري عن محمد بن زكريا الجوهري، عن شعيب بن واقد، عن الحسين بن زيد، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الرنة عند المصيبة، ونهى عن النياحة والاستماع إليها، ونهى عن تصفيق الوجه.

تبيين: الرنة الصوت، رن يرن رنينا صاح، والمراد بتصفيق الوجه:

ضرب اليد عليه عند المصيبة، أو ضرب الماء على الوجه عند الوضوء كما مر والأول أظهر.

قال العلامة قدس الله روحه في المنتهى: البكاء على الميت جائز غير مكروه إجماعا، قبل خروج الروح وبعده، إلا الشافعي فإنه كره بعد الخروج.

وروى ابن بابويه عن الصادق عليه السلام قال: إن النبي صلى الله عليه وآله لما جاءته وفاة جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة كان إذا دخل بيته كثر بكاؤه عليهما جدا و يقول: كانا يحدثاني ويؤنساني، فذهبا جميعا.

ولما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله من وقعة أحد إلى المدينة سمع من كل دار قتل من أهلها قتيل نوحا وبكاء ولم يسمع من دار حمزة عمه، فقال صلى الله عليه وآله: لكن حمزة لا بواكي له، فآلى أهل المدينة أن لا ينوحوا على ميت ولا يبكوه حتى يبدؤا بحمزة فينوحوا عليه ويبكوه فهم إلى اليوم على ذلك.

وقال الصادق عليه السلام: من خاف على نفسه من وجد بمصيبة فليفض من دموعه فإنه يسكن عنه.

ثم قال - ره -: الندب لا بأس به، وهو عبارة عن تعديد محاسن الميت وما لقوه بفقده بلفظة النداء بوا مثل قولهم " وا رجلاه، وا كريماه، وانقطاع ظهراه، وا مصيبتاه " غير أنه مكروه لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وآله ولا أحد من أهل البيت عليهم السلام.

والنياحة بالباطل محرمة إجماعا أما بالحق فجائزة إجماعا، ويحرم ضرب الخدود ونتف الشعر وشق الثوب إلا. في موت الأب والأخ، فقد سوغ فيهما شق الثوب للرجل، وكذا يكره الدعاء بالويل والثبور.

وروى ابن بابويه عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال لفاطمة حين قتل جعفر بن أبي طالب عليه السلام: لا تدعين بذل ولا بثكل ولا حرب، وما قلت فيه فقد صدقت، وروى قال: لما قبض علي بن محمد العسكري عليهما السلام رئي الحسن بن علي عليهما السلام وقد خرج من الدار وقد شق قميصه من خلف وقدام.

وقال الشهيد نور الله ضريحه في الذكرى: يحرم اللطم والخدش وجز الشعر إجماعا قاله في المبسوط لما فيه من السخط لقضاء الله، ولرواية خالد بن سدير

عن الصادق عليه السلام لا شئ في لطم الخدود سوى الاستغفار والتوبة، وفي صحاح العامة أنا برئ ممن حلق وصلق، أي حلق الشعر ورفع صوته، واستثنى الأصحاب إلا ابن إدريس شق الثوب على موت الأب والأخ لفعل العسكري على الهادي عليهما السلام وفعل الفاطميات على الحسين عليه السلام، وروى فعل الفاطميات أحمد بن محمد بن داود عن خالد بن سدير عن الصادق عليه السلام وسأله عن شق الرجل ثوبه على أبيه و أمه وأخيه أو على قريب له فقال: لا بأس بشق الجيوب قد شق موسى بن عمران على أخيه هارون.

ولا يشق الوالد على ولده، ولا زوج على امرأته، وتشق المرأة على زوجها وفي نهاية الفاضل: يجوز شق النساء الثوب مطلقا وفي الخبر إيماء إليه، وروى الحسن الصفار عن الصادق عليه السلام: لا ينبغي الصياح على الميت ولا شق الثياب، وظاهره الكراهة، وفي المبسوط روى جواز تخريق الثوب على الأب والأخ، ولا يجوز على غيرهما، ويجوز النوح بالكلام الحسن وتعداد فضائله باعتماد الصدق، فان فاطمة عليهما السلام فعلته في قولها:

" يا أبتاه! من ربه ما أدناه * يا أبتاه! إلى جبرئيل أنعاه يا أبتاه! أجاب ربا دعاه " وروي أنها صلى الله عليها أخذت قبضة من تراب قبره صلى الله عليه وآله فوضعتها على عينيها وأنشدت:

ماذا على المشتم تربة أحمد * أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت على مصائب لو أنها * صبت على الأيام صرن لياليا ولما مر من رواية حمزة:

وروى ابن بابويه أن الباقر عليه السلام أوصى أن يندب له في المواسم عشر

سنين وسئل الصادق عليه السلام عن أجر النائحة فقال لا بأس قد نيح على رسول الله صلى الله عليه وآله وفي خبر آخر عنه لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا وفي خبر أبي بصير عنه عليه السلام لا بأس بأجر النائحة، وروى حنان عنه عليه السلام لا تشارط وتقبل ما أعطيت وروى أبو حمزة عن الباقر عليه السلام مات ابن المغيرة فسألت أم سلمة النبي صلى الله عليه وآله أن يأذن لها في المضي إلى مناحته فأذن لها، وكان ابن عمها فقالت:

أنعى الوليد بن الوليد * أبا الوليد فتى العشيرة حامي الحقيقة ماجدا * يسموا إلى طلب الوتيرة قد كان غيثا للسنين * وجعفرا غدقا وميرة وفي تمام الحديث: فما عاب عليها النبي صلى الله عليه وآله ذلك، ولا قال شيئا.

ثم قال قدس سره: يجوز الوقف على النوائح لأنه فعل مباح، فجاز صرف المال إليه، ولخبر يونس بن يعقوب عن الصادق عليه السلام قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: قف من مالي كذا وكذا لنوادب تندبني عشر سنين بمنى أيام منى، و المراد بذلك تنبيه الناس على فضائله وإظهارها ليقتدى بها، ويعلم ما كان عليه أهل هذا البيت ليقتفى آثارهم لزوال التقية بعد الموت.

والشيخ في المبسوط وابن حمزة حرما النوح وادعى الشيخ الاجماع والظاهر أنهما أرادا النوح بالباطل، أو المشتمل على المحرم كما قيده في النهاية. وفي التهذيب جعل كسبها مكروها بعد روايته أحاديث النوح.

ثم أول الشهيد - ره - أحاديث المانع المروية من طرق المخالفين بالحمل

على ما كان مشتملا على الباطل، أو المحرم، لان نياحة الجاهلية كانت كذلك غالبا، ثم قال: المراثي المنظومة جائزة عندنا، وقد سمع الأئمة عليهم السلام المراثي ولم ينكروها.

ثم قال روح الله روحه: لا يعذب الميت بالبكاء عليه، سواء كان بكاء مباحا أو محرما، لقوله تعالى " ولا تزر وازرة وزر أخرى " وما في البخاري ومسلم في خبر عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله، و في رواية أخرى: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله، ويروى أن حفصة بكت على عمر فقال: مهلا يا بنية ألم تعلمي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، مؤول.

قيل: وأحسنه أن أهل الجاهلية كانوا ينوحون ويعدون جرائمه كالقتل وشن الغارات، وهم يظنونها خصالا محمودة، فهو يعذب بما يبكون عليه، ويشكل أن الحديث ظاهر في المنع عن البكاء بسبب استلزامه عذاب الميت، بحيث ينتفي التعذيب بسبب انتفاء البكاء قضية للعلية، والتعذيب بجرائمه غير منتف، بكي عليه أولا.

وقيل: لأنهم كانوا يوصون بالندب والنياحة، وذلك حمل منهم على المعصية وهو ذنب، فإذا عمل بوصيتهم زيدوا عذابا، ورد بأن ذنب الميت الحمل على الحرام والامر به، فلا يختلف عذابه بالامتثال وعدمه، ولو كان للامتثال أثر لبقي الاشكال بحاله.

وقيل: لأنهم إذا ندبوه يقال له: كنت كما يقولون؟ ورد بأن هذا توبيخ وتخويف له، وهو نوع من العذاب، فليس في هذا سوى بيان نوع التعذيب، فلم يعذب بما يفعلون؟

وعن عائشة: رحم الله ابن عمر، والله ما كذب، ولكنه أخطأ أو نسي، إنما مر رسول الله صلى الله عليه وآله بقبر يهودية وهم يبكون عليها، فقال: إنهم يبكون وإنها لتعذب بجرمه، وفي هذا نسبة الراوي إلى الخطاء وهو علة من العلل المخرجة للحديث

عن شرط الصحة.

ولك أن تقول إن الباء بمعنى مع، أي يعذب مع بكاء أهله عليه يعنى الميت يعذب بأعماله وهم يبكون عليه، فما ينفعه بكاؤهم، ويكون زجرا عن البكاء لعدم نفعه، ويطابق الحديث الآخر.

توضيح قوله: " لا تدعين بذل " وفي بعض النسخ " بويل " بأن تقول " وا ذلاه أو وا ويلاه أو وا ثكلاه " والثكل بالضم الموت والهلاك، وفقدان الحبيب، أو الولد ويحرك " ولا حرب " وفي بعض النسخ " ولا حزن " بأن تقول وا حرباه أو وا حزناه يقال حربه أي سلبه ما معه، أي هلم الذل والويل والثكل والحرب، فهذه أوان مجيئكن ووقت عروضكن.

قوله " وما قلت فيه فقد صدقت " أي ما قلت فيه من الكمالات فأنت صادقة لأنه كان متصفا بها، أو اصدقي فيما تقولين فيه ولا تقولي كذبا والأول أظهر، قوله " أنعى الوليد " النعي خبر الموت، وفي القاموس المولدة بين العرب كالوليدة، وليس في بعض النسخ ابن الوليد، وفي نسخ التهذيب موجود، والفتى الشاب الكريم، ويقال فلان حامى الحقيقة إذا حمى ما يحق عليه حمايته، والوتر والوتيرة الجناية التي يجنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي، والموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، ويقال: سمى إلى المعالي إذا تطاول إليها، والسنة القحط، والجعفر النهر الصغير، والكبير الواسع ضد، والماء الغدق بالتحريك الكثير، والميرة بالكسر الطعام يمتاره الانسان.

54 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن المفيد، عن محمد بن محمد بن طاهر عن ابن عقدة الحافظ، عن أحمد بن يوسف، عن الحسين بن محمد، عن أبيه، عن عاصم بن عمر، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كتب إلى الحسن بن علي عليه السلام قوم من أصحابه يعزونه عن ابنة له فكتب إليهم: أما بعد فقد بلغني كتابكم تعزوني بفلانة، فعند الله أحتسبها تسليما لقضائه، وصبرا على بلائه أوجعتنا المصائب، وفجعتنا النوائب بالأحبة المألوفة التي كانت بنا حفية، والاخوان

المحبين الذين كان يسر بهم الناظرون، وتقربهم العيون، أضحوا قد اخترمتهم الأيام ونزل بهم الحمام، فخلفوا الخلوف، وأودت بهم الحتوف، فهم صرعى في عساكر الموتى، متجاورون في غير محلة التجاور، ولا صلات بينهم ولا تزاور، لا يتلاقون عن قرب جوارهم، أجسامهم نائية من أهلها، خالية من أربابها، قد أخشعها إخوانها فلم أر مثل دارها دارا، ولا مثل قرارها قرارا، في بيوت موحشة، وحلول مضجعة قد صارت في تلك الديار الموحشة، وخرجت من الديار المؤنسة، ففارقتها من غير قلى، فاستودعتها للبلى، وكانت أمة مملوكة سلكت سبيلا مسلوكة صار إليها الأولون وسيصير إليها الآخرون، والسلام.

بيان: فعند الله " أحتسبها " أي أحتسب الاجر بصبري على مصيبتها، وفجعته المصيبة: أي أوجعته وكذلك التفجيع، والحفاوة المبالغة في السؤال عن الرجل والعناية في أمره واخترمهم الدهر: أي اقتطعهم واستأصلهم، والحمام بالكسر قدر الموت، وقال الفيروزآبادي الخلف بالتحريك والسكون كل من يجئ بعد من مضى إلا أنه بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشر، وفي حديث ابن مسعود ثم إنه تخلف من بعده خلوف هي جمع خلف.

وأودى به الموت ذهب، والحتوف بالضم جمع الحتف وهو الموت، وعن في قوله " عن قرب جوارهم " لعلها للتعليل، أي لا يقع منهم الملاقاة الناشية عن قرب الجوار، بل أرواحهم يتزاورون بحسب درجاتهم وكمالاتهم، قوله عليه السلام قد أخشعها كذا في أكثر النسخ ولا يناسب المقام، وفي بعضها بالجيم، والجشع الجزع لفراق الألف، ولا يبعد أن يكون تصحيف اجتنبها، والحلول بالضم جمع حال من قولهم حل بالمكان أي نزل فيه، ومضجعه بضم الجيم من أضجعه وضع جنبه إلى الأرض، وفي أكثر النسخ مخضعه، والقلى بالكسر البغض.

55 - ثواب الأعمال: عن حمزة بن محمد العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن

أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن السكوني، عن جعفر بن محمد الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: التعزية تورث الجنة.

وعنه صلى الله عليه وآله قال: من عزى حزينا كسي في الموقف حلة يحبربها.

المقنع: مرسلا مثله، وفيه من عزى مؤمنا.

الهداية: روى الخبرين معا مرسلا.

تبيين: روى في الكافي الخبر الأخير عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي، عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وقال في الذكرى: التعزية هي تفعلة من العزاء أي الصبر يقال: عزيته أي صبرته والمراد بها طلب التسلي عن المصاب، والتصبر عن الحزن والانكسار باسناد الامر إلى الله ونسبته إلى عدله وحكمته، وذكر ما وعد الله على الصبر مع الدعاء للميت والمصاب لتسليته عن مصيبته، وهي مستحبة إجماعا ولا كراهة فيها بعد الدفن عندنا انتهى.

وفي النهاية التعزية مستحبة قبل الدفن وبعده، بلا خلاف بين العلماء في ذلك إلا الثوري فإنه قال: لا تستحب التعزية بعد الدفن، وقال في التذكرة: قال الشيخ التعزية بعد الدفن أفضل وهو جيد، وقال المحقق في المعتبر التعزية مستحبة، وأقلها أن يراه صاحب التعزية وباستحبابها قال أهل العلم مطلقا خلافا للثوري فإنه كرهها بعد الدفن، ثم قال: فأما رواية إسحاق بن عمار فليس بمناف لما ذكرناه لاحتمال أنه يريد عند القبر بعد الدفن أو قبله، وقال الشيخ بعد الدفن أفضل وهو حق انتهى.

وأقول: رواية إسحاق هي ما رواه الكليني وغيره بسند موثق وبسند آخر فيه ضعف على المشهور عنه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليس التعزية إلا عند القبر ثم ينصرفون لا يحدث في الميت حدث، فيسمعون الصوت.

وروي بسند حسن عنه عليه السلام قال: التعزية لأهل المصيبة بعد ما يدفن وبسند مرسل عنه عليه السلام قال: التعزية الواجبة بعد الدفن، وبسند حسن لا يقصر عن الصحيح عن هشام بن الحكم قال: رأيت موسى عليه السلام يعزي قبل الدفن وبعده.

[فظهر من تلك الأخبار أن التعزية مستحبة قبل الدفن وبعده، وأن بعده] أفضل، ويستفاد من بعضها عدم استحباب استمرار المأتم والتعزية، و لعلة محمول على عدم تأكد استحبابها وقد مر الكلام فيه.

وقال في القاموس: الحلة بالضم إزار ورداء برد أو غيره ولا يكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة، وقال فيه: الحبر بالكسر الأثر أو أثر النعمة والحسن، وبالفتح السرور كالحبور والحبرة والحبر محركة، وأحبره سره والنعمة كالحبرة، وقال: تحبير الخط والشعر وغيرهما تحسينه، وفي النهاية:

الحبر بالكسر وقد يفتح الجمال والهيئة الحسنة يقال: حبرت الشئ تحبيرا إذا حسنته انتهى.

أقول: فيمكن أن يقرء على المجهول مشددا أي يحسن ويزين بها، و مخففا أي تسير بها.

وروي في الذكرى يحبى بها من الحبوة وهي العطاء، ثم قال: وروي يحبر بها أي يسر.

57 - ثواب الأعمال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان فيما ناجى به موسى عليه السلام ربه قال: يا رب ما لمن عزى الثكلى؟ قال: اظله في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي.

بيان: في القاموس ناجاه مناجاة ساره، وقال: الثكل بالضم الموت و الهلاك، وفقدان الحبيب أو الولد ويحرك، وقد ثكله كفرح فهو ثاكل وثكلان وهي ثاكل، وثكلانة قليل، وثكول وثكلى انتهى، والمراد هنا المرأة التي مات ولدها أو حميمها، أو الطائفة الثكلى أعم من الرجال والنساء، والأول أظهر، ولعل التخصيص لكون المرأة أشد جزعا وحزنا في المصائب من الرجل والاطلاق إما محمول على الحقيقة أو المجاز.

قال في النهاية: وفي الحديث سبعة يظلهم الله بظله وفي حديث آخر سبعة في ظل العرش أي في ظل رحمته، وقال الكرماني في شرح صحيح البخاري سبعة في ظلة أضافه إليه للتشريف أي ظل عرشه، أو ظل طوبى أو الجنة، وقال النووي في شرح صحيح مسلم، وقيل الظل عبارة عن الراحة والنعيم نحو هو في عيش ظليل والمراد ظل الكرامة لا ظل الشمس لأنها وساير العالم تحت العرش، وقيل أي كنه من المكاره ووهج الموقف، وظاهره أنه في ظله من الحر والوهج وأنفاس الخلق، وهو قول الأكثر.

" ويوم لا ظل إلا ظله " أي حين دنت منهم الشمس واشتد الحر وأخذهم العرق، وقيل: أي لا يكون من له ظل كما في الدنيا.

أقول: ويؤيد أن المراد به ظل العرش ما رواه في الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: من عزى الثكلى أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.