پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب الطهارة

16. باب التعزية والمأتم وآدابهما وأحكامهما

ج ۷۹، ص ۷۰–۹۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۷۹

وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: ملعون من وضع رداءه في مصيبة غيره.

تبيين: ظاهره استحباب وضع الرداء لصاحب المصيبة والظاهر الرجوع في ذلك إلى العرف، ويحتمل أن يكون بناؤه على شدة التأثر والتألم أو الارتباط والخلطة لا القرابة، والأول أظهر، ويظهر منه أن المراد بالرداء الثوب المتعارف الذي يلبسه الناس فوق الثياب غالبا ليكون وضعه سببا للامتياز، ومن هذا التعليل فهموا غير ذلك من أنواع الامتياز خصوصا في الأزمنة التي لا يصلح وضع الرداء للامتياز، وظاهر الخبر المرسل تحريم وضع الرداء لغير صاحب المصيبة كما ذهب إليه ابن حمزة، وإثبات التحريم بمثله مشكل، والأحوط الترك وقد مر الكلام فيه في باب التشييع.

وأما استحباب بعث الطعام ثلاثة أيام إلى صاحب المصيبة، فلا خلاف بين الأصحاب في ذلك، وفيه إيماء إلى استحباب اتخاذ المأتم ثلاثة بل على استحباب تعاهدهم وتعزيتهم ثلاثة أيضا فان الاطعام عنه يدل على اجتماع الناس للمصيبة.

قال في الذكرى: بعد ذكر بعض أحكام التعزية: ولاحد لزمانها عملا بالعموم نعم، لو أدت التعزية إلى تجديد حزن قد نسي كان تركها أولى، ويمكن القول

بثلاثة أيام لنقل الصدوق [عن أبي جعفر عليه السلام يصنع للميت مأتم ثلاثة أيام من يوم مات، ونقل الصدوق] عن الصادق عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله أمر فاطمة عليها السلام أن تأتي أسماء بنت عميس ونساءها وأن تصنع لهم طعاما ثلاثة أيام، فجرت بذلك السنة، وقال الصادق عليه السلام: ليس لأحد أن يحد أكثر من ثلاثة أيام إلا المرأة على زوجها حتى تنقضي عدتها، قال: وأوصى أبو جعفر عليه السلام بثمان مائة درهم لمأتمه، وكان يرى ذلك من السنة لان رسول الله صلى الله عليه وآله أمر باتخاذ طعام لآل جعفر وفي كل هذه إيماء إلى ذلك والشيخ أبو الصلاح قال: من السنة تعزية أهله ثلاثة أيام وحمل الطعام إليهم.

والشيخ في المبسوط نقل الاجماع على كراهية الجلوس للتعزية يوما أو يومين أو ثلاثة، ورده ابن إدريس بأنه اجتماع وتزاور. ونصره المحقق بأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة والأئمة الجلوس لذلك، فاتخاذه مخالف لسنة السلف، ولا يبلغ التحريم.

قلت: الأخبار المذكورة مشعرة به، وشهادة الاثبات مقدمة إلا أن يقال:

لا يلزم من عمل المأتم الجلوس للتعزية، بل هو مقصور على الاهتمام بأمور أهل الميت لاشتغالهم بحزنهم، لكن اللغة والعرف يشهدان بخلافه، قال الجوهري:

المأتم النساء يجتمعن، قال: وعند العامة المصيبة، وقال غيره: المأتم المناحة، وهما مشعران بالاجتماع انتهى.

2 - العلل: عن جعفر بن محمد بن مسرور، عن الحسين بن محمد بن عامر، عن عمه عبد الله بن عامر، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم قال: قلت للصادق عليه السلام:

ما بالنا نجد بأولادنا ما لا يجدون بنا؟ قال: لأنهم منكم، ولستم منهم.

بيان: يمكن أن يكون لخلقهم من أجزاء بدن الاباء مدخل في ذلك، وأن

يكون المراد إنكم ربيتموهم بمشقة شديدة، وآنستم بهم في صغرهم، فلذا تحزنون على موتهم أكثر منهم على موتكم: أو لأنكم حصلتموهم للانتفاع بهم، فلذا تحزنون على حرمانكم، والأول أظهر.

3 - قرب الإسناد: عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها أعظم المصائب.

مسكن الفؤاد: عن ابن عباس مثله.

بيان لعل العلة في ذلك أن تذكر عظام المصائب يهون صغارها كما هو المجرب.

4 - قرب الإسناد: عن الحسن بن طريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تبارك وتعالى ينزل المعونة على قدر المؤنة، وينزل الصبر على قدر شدة البلاء.

5 - مجالس الصدوق: عن علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن الحسين بن الهيثم، عن عباد بن يعقوب الأسدي، عن عنبسة العابد قال: لما مات إسماعيل بن جعفر بن محمد، و فرغنا من جنازته، جلس الصادق جعفر بن محمد عليه السلام وجلسنا حوله، وهو مطرق ثم رفع رأسه وقال: أيها الناس إن هذه الدنيا دار فراق، ودار التواء، لا دار استواء، على أن لفراق المألوف حرقة لا تدفع، ولوعة لا ترد، وإنما يتفاضل الناس بحسن العزاء وصحة الفكرة، فمن لم يثكل أخاه ثكله أخوه، ومن لم يقدم

ولدا كان هو المقدم دون الولد.

ثم تمثل عليه السلام بقول أبي خراش الهذلي يرثي أخاه:

ولا تحسبي أني تناسيت عهده * ولكن صبري يا امام جميل بيان: قال الفيروزآبادي: لواه فتله وثناه فالتوى وتلوى، وعن الامر تثاقل كالتوى، وفلانا على فلان آثره، وتلوى انعطف كالتوى، والبقل ذوي، وبه ذهب وبما في الاناء استأثر به وغلب على غيره وبه العقاب طارت به، وبهم الدهر أهلكهم وبكلامه خالف به عن جهته انتهى، والأكثر مناسب كما لا يخفى أي دار ذهاب و انعطاف إلى دار أخرى، ودار استيثار واستبداد وبوار وهلاك ويتلوى فيها للمصائب، لادار استواء أي اعتدال واستقامة، أو استيلاء على المطلوب واللوعة حرقة في القلب، والثكل بالضم الموت والهلاك، وفقدان الجيب أو الولد، وقد ثكله كفرح، وامام بالضم مرخم امامة اسم امرأة.

6 مجالس الصدوق والعيون: عن محمد بن القاسم الأسترآبادي، عن أحمد ابن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي بن الناصر، عن أبيه، عن محمد بن علي عن أبيه الرضا، عن موسى بن جعفر عليهما السلام قال: رأى الصادق عليه السلام رجلا قد اشتد جزعه على ولده، فقال: يا هذا جزعت للمصيبة الصغرى، وغفلت عن المصيبة الكبرى! لو كنت لما صار إليه ولدك مستعدا لما اشتد عليه جزعك، فمصابك بتركك الاستعداد له أعظم من مصابك بولدك.

7 - الخصال: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن أبي الحسين الفارسي، عن سليمان بن جعفر البصري، عن عبد الله بن الحسين بن زيد، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربعة

لا تزال في أمتي إلى يوم القيامة: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم والنياحة، وإن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب.

بيان: في القاموس السربال بالكسر القميص أو الدرع، أو كل ما لبس انتهى والقطران ما يتحلب من الا بهل، فيطبخ فيهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحدته وهو أسود منتن يشتعل فيه النار بسرعة، يطلى بها جلود أهل النار حتى يكون طلاء لهم كالقميص، ليجمع عليهم لدغ القطران ووحشة لونه ونتن ريحه، مع إسراع النار في جلودهم، وقرء يعقوب في الآية من قطرآن والقطر النحاس أو الصفر المذاب والآني المتناهي حره، ويمكن أن يقرء ههنا أيضا هكذا.

8 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: مروا أهاليكم بالقول الحسن عند موتاكم، فان فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله لما قبض أبوها ساعدتها بنات بني هاشم، فقالت:

دعوا التعداد وعليكم بالدعاء.

بيان: لعلها صلوات الله عليها إنما نهت عن تعداد الفضائل للتعليم إذ ذكر فضائله صلى الله عليه وآله كان صدقا، وكان من أعظم الطاعات، فكان غرضها عليها السلام أن لا يذكروا أمثال ذلك في موتاهم، لكونها مشتملة على الكذب غالبا، وانتفاع الميت بالاستغفار والدعاء أكثر على تقدير كونها صدقا، والمراد بالقول الحسن أن لا يقولوا فيما

يذكرونه للميت من مدايحه كذبا أو الدعاء والاستغفار وترك ذكر المدائح مطلقا إلا فيما يتعلق به غرض شرعي.

9 - العيون: عن علي بن عبد الله الوراق، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن سهل، عن عبد العظيم الحسني، عن أبي جعفر الثاني، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما أسري بي إلى السماء رأيت امرأة على صورة الكلب، والنار تدخل في دبرها وتخرج من فيها، والملائكة يضربون رأسها وبدنها بمقامع من نار فسئل صلى الله عليه وآله عنها فقال: إنها كانت قينة نواحة حاسدة.

بيان: القينة الأمة المغنية أو أعم ذكره الفيروزآبادي.

10 - مجالس ابن الطوسي: عن أبيه - ره - باسناده عن عائشة قالت: لما مات إبراهيم بكى النبي صلى الله عليه وآله حتى جرت دموعه على لحيته، فقيل له: يا رسول الله تنهى عن البكاء وأنت تبكي؟ فقال: ليس هذا بكاء، وإنما هي رحمة، ومن لا يرحم لا يرحم.

11 - معاني الأخبار: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن سلمة بن الخطاب عن القاسم بن يحيى، عن الحسن بن راشد، عن علي بن إسماعيل، عن عمرو بن أبي المقدام قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول في هذه الآية: " ولا يعصينك في معروف " قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لفاطمة عليها السلام: إذا أنامت فلا تخمشي على وجها، ولا ترخي علي شعرا، ولا تنادي بالويل، ولا تقيمي على نايحة، ثم قال: هذا المعروف الذي قال الله عز وجل في كتابه: " ولا يعصينك في معروف ".

بيان: قال الطبرسي قدس سره: " ولا يعصينك في معروف " هو جميع ما يأمرهن به، لأنه صلى الله عليه وآله لا يأمر إلا بالمعروف، والمعروف نقيض المنكر، وهو

كل ما دل العقل والسمع على وجوبه أو ندبه، وقيل: عنى بالمعروف النهي عن النوح وتمزيق الثياب، وجز الشعر وشق الجيب، وخمش الوجه، والدعاء بالويل، عن المقاتلين والكلبي، والأصل أن المعروف كل بر وتقوى وأمر وافق طاعة الله تعالى انتهى.

وقال علي بن إبراهيم في تفسيره: إنها نزلت يوم فتح مكة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله قعد في المسجد يبايع الرجال إلى صلاة الظهر والعصر، ثم قعد لبيعة النساء، وأخذ قدحا من ماء فأدخل يده فيه، ثم قال للنساء: من أراد أن يبايع فليدخل يده في القدح، فاني لا أصافح النساء، ثم قرء عليهن ما أنزل الله من شروط البيعة عليهن فقال: " على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، ولا يعصينك في معروف " فبايعهن.

فقامت أم حكيم بنت الحارث بن عبد المطلب فقالت: يا رسول الله ما هذا المعروف الذي أمرنا الله به أن لا نعصيك فيه؟ فقال: أن لا تخمشن وجها، ولا تلطمن خدا، ولا تنتفن شعرا، ولا تمزقن جيبا، ولا تسودن ثوبا، ولا تدعون بالويل والثبور، ولا تقمن عند قبر، فبايعهن رسول الله صلى الله عليه وآله على هذه الشروط انتهى.

ولا يبعد أن يكون ذكر هذه الأمور على سبيل المثال، أو لبيان ما هو أهم بحسب حالهن، لما رواه علي بن إبراهيم أيضا عن أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن علي بن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله الله عز وجل " ولا يعصينك في معروف " قال هو ما فرض الله عليهن من الصلاة والزكاة وما أمرهن به من خير وفي القاموس: خمش وجهه يخمشه ويخمشه: خدشه ولطمه وضربه وقطع عضوا

منه. وفي النهاية: الويل: الحزن والهلاك والمشقة من العذاب، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى النداء منه يا ويلي ويا حزني ويا عذابي احضر، فهذا وقتك وأوانك.

12 - تفسير علي بن إبراهيم: عن محمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن محمد ابن سيار، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما نزلت هذه الآية " لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. ومن رمى ببصره إلى ما في يدي غيره كثر همه، ولم يشف غيظه، ومن لم يعلم أن لله عليه نعمة إلا في مطعم أو ملبس فقد قصر عمله، ودنا عذابه، ومن أصبح على الدنيا حزينا، أصبح على الله ساخطا، ومن شكى مصيبة نزلت به، فإنما يشكو ربه، ومن دخل النار من هذه الأمة ممن قرء القرآن فهو ممن يتخذ آيات الله هزؤا، ومن أتى ذا ميسرة فتخشع له طلب ما في يديه، ذهب ثلثا دينه، ثم قال: ولا تعجل وليس يكون الرجل ينال من الرجل المرفق فيجله ويوقره، فقد يجب ذلك له عليه، ولكن يريه أنه يريد بتخشعه ما عند الله، ويريد أن يختله عما في يديه.

بيان: قال في النهاية: في الحديث " من لم يتعز بعزاء الله فليس منا " قيل أراد بالتعزي التأسي والتبصر عند المصيبة، وأن يقول " إنا لله وإنا إليه راجعون " كما أمر الله تعالى، ومعنى قوله " بعزاء الله " أي بتعزية الله إياه، فأقام الاسم مقام المصدر، قوله عليه السلام " ولا تعجل " أي لا تبادر في هذا الحكم الذي ذكرت لك بأن تحكم على كل من يتواضع لغني أنه كذلك، فإنه إذا نال الرجل من غيره رفقا ولطفا ثم يجله ويوقره قضاء لحق النعمة، فلا يجب ذلك، أي ما ذكرت لك من ذهاب ثلثي دينه " له " أي لذلك الفعل " عليه " أي على ذلك الموقر، ويحتمل أن

يكون في الكلام تقدير أي داخلا فيه، فقوله " فقد يجب " تعليل له، وضمير " له " راجع إلى الموقر على المجهول.

قوله صلى الله عليه وآله، ولكن يريه " أي ولكن يدخل في ذلك من يري غيره أنه أراد بتخشعه أجر الآخرة، وغرضه أن يخدعه ويأخذ ما في يديه، فهذا الذي يذهب ثلثا دينه، وقال الجوهري ختله وخاتله خادعه.

13 - الخصال: عن محمد بن أحمد السناني، عن أحمد بن يحيى القطان عن بكر بن عبد الله بن حبيب ، عن تيمم بن بهلول، عن أبيه، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاثة لا أدري أيهم أعظم جرما الذي يمشي خلف جنازة في مصيبة غيره بغير رداء، أو الذي يضرب يده على فخذه عند المصيبة، أو الذي يقول: ارفقوا به وترحموا عليه يرحمكم الله.

14 - ومنه: في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: يا علي ليس على النساء جمعة ولا جماعة ولا عيادة مريض ولا اتباع جنازة، ولا تقيم عند قبر تمام الخبر.

15 - قرب الإسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه عليهما السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من عزى مصابا كان له مثل أجره، من غير أن ينقص من أجر المصاب شئ.

ثواب الأعمال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن وهب بن وهب، عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام مثله.

16 - فقه الرضا عليه السلام: إياك أن تقول: ارفقوا به وترحموا عليه، أو تضرب

يدك على فخذك، فإنه يحبط أجرك عند المصيبة.

وقال عليه السلام بعد ذكر سنن الدفن: وعز وليه، فإنه روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: من عزى أخاه المؤمن كسي في الموقف حلة.

والسنة في أهل المصيبة أن يتخذ لهم ثلاثة أيام طعام لشغلهم في المصيبة.

وإن كان المعزى يتيما فامسح يدك على رأسه فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من مسح يده على رأس يتيم ترحما له كتب الله له بكل شعرة مرت عليه يده حسنة.

وإن وجدته باكيا فسكته بلطف ورفق، فإنه أروي عن العالم عليه السلام أنه إذا بكى اليتيم اهتز له العرش، فيقول الله تبارك وتعالى: " من هذا الذي أبكى عبدي الذي سلبته أبويه في صغره؟ وعزتي وجلالي وارتفاعي في مكاني لا أسكته عبد مؤمن إلا أوجبت له الجنة.

17 - ثواب الأعمال: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن رفاعة بن موسى النخاس عن أبي عبد الله عليه السلام أنه عزى رجلا بابن له، فقال له: الله خير لابنك منك، وثواب الله خير لك منه، فلما بلغه جزعه عليه عاد إليه فقال له: قد مات رسول الله صلى الله عليه وآله فما لك به أسوة؟ فقال له: إنه كان مراهقا، فقال: إن أمامه ثلاث خصال: شهادة أن لا إله إلا الله، ورحمة الله، وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله، فلن يفوته واحدة منهن إنشاء الله.

توضيح: " بابن له " أي بسبب فقد ابنه، قوله عليه السلام: " الله خير لابنك منك " أقول: لما كان الغالب أن الحزن على الأولاد يكون لتوهم أمرين باطلين:

أحدهما أنه على تقدير وجود الولد يصل النفع من الوالد إليه أو أن هذه النشأة

خير له من النشأة الأخرى، والحياة خير له من الموت، فأزال عليه السلام وهمه بأن الله سبحانه ورحمته خير [لابنك منك ومما تتوهم من نفع توصله إليه على تقدير الحياة، والموت مع رحمة الله خير] من الحياة، وثانيهما توقع النفع منه مع حياته أو الاستيناس به، فأبطل عليه السلام ذلك بأن ما عوضك الله تعالى من الثواب على فقده خير لك من كل نفع توهمته أو قدرته في حياته.

قوله: " فعاد إليه " يفهم منه استحباب تكرار التعزية مع بقاء الجزع.

قوله عليه السلام: " فما لك به أسوة " قال في القاموس: الأسوة وتضم القدوة، وما يأتسي به الحزين، والجمع أسى ويضم وأساه تأسية فتأسى عزاه فتعزى وفي النهاية الأسوة بكسر الهمزة وضمها القدوة، إذا عرفت ذلك فاعلم أن الكلام يحتمل وجهين:

الأول أن يكون المراد بالأسوة القدوة، والمعنى أنك تتأسى به [ولابد لك من التأسي به] في الموت فلأي شئ تجزع إذ بعد الموت تجتمع مع ابنك. والحاصل أنه لو كان لاحد بقاء في الدنيا كان ذلك لأشرف الخلق ، فإذا لم يخلد هو في الدنيا فكيف تطمع أنت في البقاء، ومع تيقن الموت لا ينبغي الجزع لما ذكر، أو أنه ينبغي لك مع علمك بالموت أن تصلح أحوال نفسك، ولا تحزن على فقد غيرك.

الثاني أن يكون المراد بالأسوة ما يأتسي به الحزين أي ينبغي أن يحصل لك به وبسبب مصيبته وتذكرها تأس وتعز عن كل مصيبة، لأنه من أعظم المصائب، وتذكر عظام المصائب يهون صغارها، كما مر، وقيل أراد أنك من أهل التأسي به صلى الله عليه وآله ومن أمته، فينبغي أن تكون مصيبتك بفقده أعظم، وما ذكرنا أظهر.

قوله: " إنه كان مراهقا " في بعض النسخ مرهقا كما في الكافي، فهو على بناء المجهول من باب التفعيل، أو من الافعال على البنائين، قال في النهاية: الرهق السفه، وغشيان المحارم، وفيه فلان مرهق أي متهم بسوء وسفه، ويروى مرهق أي ذو رهق، وفي القاموس الرهق محركة السفه، والنوك، والخفة، و

ركوب الشر والظلم، وغشيان المحارم، والمرهق كمكرم من أدرك، وكمعظم الموصوف بالرهق، أو من يظن به السوء انتهى.

فالمراد أن حزني ليس بسبب فقده، بل بسبب أنه كان يغشى المحارم، وأخاف أن يكون معذبا فعزاه عليه السلام بذكر وسائل النجاة وأسباب الرجاء، و أما على نسخة المراهق فهو من قولهم راهق الغلام أي قارب الحلم فاما أن يكون أطلق المراهق على المدرك مجازا أو توهم أن المراهق أيضا معذب، والحاصل أنه خرج من حد الصغر، وأخاف أن يكون مأخوذا بأعماله، والأول أصوب.

18 - مجالس الشيخ: عن الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان عن أحمد بن إبراهيم، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن أحمد بن محمد البرقي عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما مات جعفر بن أبي طالب عليه السلام أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام أن تتخذ طعاما لأسماء بنت عميس، وتأتيها [و] نساءها فجرت بذلك السنة من أن يصنع لأهل الميت طعام ثلاثة أيام.

19 - المحاسن: عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يصنع للميت الطعام للمأتم ثلاثة أيام بيوم مات فيه.

20 - ومنه: عن أبيه، عن سعدان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ينبغي لصاحب الجنازة أن يلقي رداءه حتى يعرف، وينبغي لجيرانه أن يطعموا عنه ثلاثة أيام.

21 - ومنه: عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما قتل جعفر بن أبي طالب عليه السلام أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام أن تتخذ طعاما لأسماء بنت عميس ثلاثة أيام، وتأتيها وتسليها ثلاثة أيام، فجرت بذلك السنة أن يصنع لأهل المصيبة ثلاثة أيام طعام.

22 - ومنه: عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما قتل جعفر بن أبي طالب عليه السلام أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أن تأتي فاطمة أسماء بنت عميس هي ونساؤها وتقيم عندها ثلاثا وتصنع لها طعاما ثلاثة أيام.

23 - ومنه: عن بعض أصحابنا، عن العباس بن موسى بن جعفر قال:

سألت أبي عليه السلام عن المأتم فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما انتهى إليه قتل جعفر ابن أبي طالب عليه السلام دخل على أسماء بنت عميس امرأة جعفر فقال: أين بني؟ فدعت بهم وهم ثلاثة: عبد الله، وعون، ومحمد، فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله رؤسهم، فقالت:

إنك تمسح رؤسهم كأنهم أيتام؟ فعجب رسول الله صلى الله عليه وآله من عقلها فقال: يا أسماء ألم تعلمي أن جعفرا رضوان الله عليه استشهد؟ فبكت، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله:

لا تبكي! فان رسول الله أخبرني أن له جناحين في الجنة من ياقوت أحمر، فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله لو جمعت الناس وأخبرتهم بفضل جعفر لا ينسى فضله فعجب رسول الله صلى الله عليه وآله من عقلها، ثم قال: ابعثوا إلى أهل جعفر طعاما فجرت السنة.

ومنه: عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن مرازم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وذكر مثله بتغيير ما وقد مر في أحواله رضي الله عنه.

24 - ومنه: عن الحسن بن ظريف بن ناصح، عن أبيه، عن الحسين بن زيد عن عمر بن علي بن الحسين قال: لما قتل الحسين بن علي صلوات الله عليه، لبس نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكن لا يشتكين من حر ولابرد، وكان علي ابن الحسين عليه السلام يعمل لهن الطعام للمأتم.

بيان: المسوح بالضم جمع المسح بالكسر، وهو اللباس " وكن لا يشتكين " أي لا يشكون ولا يبالين لشدة المصيبة من إصابة الحر والبرد.

25 - إكمال الدين: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن إسماعيل، عن ظريف بن ناصح، عن الحسين بن زيد قال: ماتت ابنة لأبي عبد الله عليه السلام فناح عليها سنة، ثم مات له ولد آخر فناح عليه سنة، ثم مات إسماعيل فجزع عليه جزعا شديدا فقطع النوح، فقيل لأبي عبد الله عليه السلام أيناح في دارك؟ فقال عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال - لما مات حمزة: لكن حمزة لا بواكي له.

26 - مسكن الفؤاد: للشهيد الثاني أن فاطمة عليها السلام ناحت على أبيها وأنه صلى الله عليه وآله أمر بالنوح على حمزة.

ومنه: عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من عظمت عنده مصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها ستهون عليه.

ومنه: عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال في مرض موته: أيها الناس أيما عبد من أمتي أصيب بمصيبة من بعدي، فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بعدي، فان أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي 27 - نهج البلاغة: عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: [ينزل] الصبر

على قدر المصيبة، ومن ضرب يده على فخذه عند مصيبته حبط أجره.

بيان: روي في الكافي بسند فيه ضعف على المشهور بالسكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ضرب المسلم يده على فخذه عند المصيبة إحباط لاجره.

وروى بسنده آخر فيه أيضا ضعف عن أبي الحسن الأول عليه السلام مثله، وظاهرها الحرمة، ويمكن حملها على الكراهة كما هو ظاهر أكثر الأصحاب والأحوط الترك، ويدل على الاحباط في الجملة.

28 - كشف الغمة: نقلا من كتاب الدلائل لعبد الله بن جعفر الحميري عن أبي هاشم الجعفري قال: خرج أبو محمد في جنازة أبي الحسن عليه السلام وقميصه مشقوق فكتب إليه ابن عون: من رأيت أو بلغك من الأئمة شق قميصه في مثل هذا؟

فكتب إليه أبو محمد عليه السلام: يا أحمق! ما يدريك ما هذا؟ قد شق موسى على هارون.

29 - اختيار الرجال: للكشي، عن أحمد بن علي بن كلثوم السرخسي عن إسحاق بن محمد البصري، عن محمد بن الحسن بن شمون وغيره مثله إلا أنه قال: فكتب إليه أبو عون الأبرش قرابة نجاح بن سلمة.

30 - ومنه: عن أحمد بن علي، عن إسحاق بن إبراهيم بن الخضيب الأنباري قال: كتب أبو عون الأبرش قرابة نجاح بن سلمة إلى أبي محمد عليهما السلام: إن الناس قد استوهنوا من شقك ثوبك على أبي الحسن عليه السلام قال يا أحمق ما أنت وذاك؟ قد شق موسى على هارون على نبينا وعليهما السلام إن من

الناس من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت مؤمنا، ومنهم من يولد كافرا، ويحيى كافرا، ويموت كافرا، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا، ويموت كافرا، وإنك لا تموت حتى تكفر ويغير عقلك، فما مات حتى حجبه ولده عن الناس وحبسوه في منزله من ذهاب العقل والوسوسة، وكثرة التخليط، ويرد على أهل الإمامة، وانتكث عما كان عليه.

31 - نهج البلاغة: عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه لما ورد الكوفة قادما من صفين، مر بالشباميين فسمع بكاء الناس على قتلى صفين، فقال لشرحبيل الشبامي: أتغلبكم نساؤكم على ما أسمع، ألا تنهونهن عن هذا الرنين.

بيان: في القاموس الشبام كسحاب وكتاب موضع بالشام، وجبل لهمدان باليمن، وبلد لحمير تحت جبل كوكبان، وبلد لبني حبيب عند ذمر مر، وبلد في حضر موت انتهى، ولعل النهي عن الرنين في تلك الواقعة كان أشد لأنه كان يصير سببا لخذلانهم وتركهم الجهاد.

32 - إكمال الدين: عن محمد بن الحسن، عن الحسن بن متيل، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن علي بن فضال، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي قال: لما حضرت إسماعيل بن أبي عبد الله عليه السلام الوفاة جزع جزعا شديدا، فلما أن أغمضه، دعا بقميص غسيل أو جديد فلبسه،، ثم تسرح وخرج يأمر وينهي، قال: فقال له بعض أصحابه: جعلت فداك لقد ظننا أن لا ننتفع بك زمانا، لما رأينا من جزعك، قال عليه السلام: إنا أهل بيت نجزع ما لم تنزل المصيبة، وإذا نزلت صبرنا.

33 - الخصال: عن محمد بن الحسن، عن الصفار، عن العباس بن معروف عن محمد بن سهل البحراني يرفعه إلى أبى عبد الله عليه السلام قال: البكاؤون خمسة: آدم

ويعقوب، ويوسف، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله، وعلي بن الحسين عليهم السلام.

فأما آدم فبكى على الجنة، حتى صار في خديه أمثال الأودية، وأما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره، وحتى قيل له: " تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين " وأما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذى به أهل السجن فقالوا إما أن تبكي الليل وتسكت بالنهار، وإما أن تبكي النهار وتسكت بالليل، فصالحهم على واحد منهما.

وأما فاطمة فبكت على رسول الله صلى الله عليه وآله حتى تأذى بها أهل المدينة، فقالوا لها: قد آذيتنا بكثرة بكائك وكانت تخرج إلى المقابر مقابر الشهداء فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف، وأما علي بن الحسين عليهما السلام فبكى على الحسين عليه السلام عشرين سنة أو أربعين سنة، ما وضع بين يديه طعام إلا بكى، حتى قال له مولى له: إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين، قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك عبرة.

مجالس الصدوق: عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن أحمد ابن محمد بن عيسى، عن العباس بن معروف مثله وقد مضى أمثال ذلك في أبواب شهادته عليه السلام.

34 - اختيار الرجال للكشي: عن حمدويه ومحمد ابني نصير، عن محمد بن عبد الحميد العطار عن يونس بن يعقوب، عن عبد الله بن بكر قال: ذكرت أبا الخطاب ومقتله عند أبي عبد الله عليه السلام قال: فرققت عند ذلك فبكيت، فقال: أتأسى عليهم؟ فقلت لا، ولكن سمعتك تذكر أن عليا عليه السلام قتل أصحاب النهروان فأصبح أصحاب علي عليه السلام يبكون عليهم فقال علي عليه السلام أتأسون عليهم؟ فقالوا: لا، إنا ذكرنا الألفة التي

كنا عليها، والبلية التي أوقعتهم، فلذلك رققنا عليهم، قال: لا بأس.

35 - فلاح السائل: روى غياث بن إبراهيم في كتابه باسناده، عن مولانا علي عليه السلام أنه قال: التعزية مرة واحدة، قبل أن يدفن وبعد ما يدفن.

وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال في التعزية ما معناه: إن كان هذا الميت قد قربك موته من ربك أو باعدك عن ذنبك، فهذه ليست مصيبة، ولكنها لك رحمة، وعليك نعمة، وإن كان ما وعظك، ولا باعدك عن ذنبك، ولا قربك من ربك، فمصيبتك بقساوة قلبك أعظم من مصيبتك بميتك. إن كنت عارفا بربك.

36 - ومنه: عن حريز بن عبد الله السجستاني باسناده إلى أبي جعفر عليه السلام قال: يصنع للميت مأتم ثلاثة أيام من يوم مات.

37 - أعلام الدين للديلمي: قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام يعزي قوما:

عليكم بالصبر فان به يأخذ الحازم، وإليه يرجع الجازع.

وعن الرضا عليه السلام: أنه قال للحسن بن سهل وقد عزاه بموت ولده:

التهنئة بآجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة.

38 - الدرة الباهرة من الأصداف الطاهرة: عنه عليه السلام مثله.

وقال: قال أبو الحسن الثالث عليه السلام : المصيبة للصابر واحدة، وللجازع اثنتان.

39 - كتاب المسائل: بالاسناد عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن النوح على الميت أيصلح قال: يكره.

40 - دعوات الراوندي: قال النبي صلى الله عليه وآله: إن التعزية تورث الجنة.

وجاء رجل من موالي أبي عبد الله عليه السلام إليه فنظر إليه فقال عليه السلام: مالي

أراك حزينا؟ فقال: كان لي ابن قرة عين فمات فتمثل عليه السلام:

عطيته إذا أعطى سرور * وإن أخذ الذي أعطى أثابا فأي النعمتين أعم شكرا * وأجزل في عواقبها إيابا أنعمته التي أبدت سرورا * أم الأخرى التي ادخرت ثوابا وقال عليه السلام: إذا أصابك من هذا شئ فأفض من دموعك، فإنها تسكن.

41 - كتاب الصفين لنصر بن مزاحم: عن عمر بن سعد، عن عبد الله بن عاصم الفايشي قال: مر علي عليه السلام بالثوريين سمع البكاء، فقال: ما هذه الأصوات؟ قيل: هذا البكاء على من قتل بصفين، قال: أما إني شهيد لمن قتل منهم صابرا محتسبا للشهادة، ثم مر بالفايشين فسمع الأصوات فقال: مثل ذلك، ثم مر بالشباميين فسمع رنة شديدة وصوتا مرتفعا عاليا فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامي فقال علي عليه السلام أتغلبكم نساؤكم ألا تنهونهن عن هذا الصياح والرنين قال: يا أمير المؤمنين لو كانت دارا أو دارين أو ثلاثا قدرنا على ذلك، ولكن من هذا الحي ثمانون ومائة قتيل، فليس من دار إلا وفيها بكاء، أما نحن معاشر الرجال فانا لا نبكي، ولكن نفرح لهم بالشهادة، فقال علي عليه السلام: رحم الله قتلاكم وموتاكم.

42 - مسكن الفؤاد للشهيد الثاني: عن جابر، عن الباقر عليه السلام قال: أشد الجزع الصراخ بالويل والعويل، ولطم الوجه والصدر، وجز الشعر، ومن أقام النواحة فقد ترك الصبر، وأخذ في غير طريقه، ومن صبر واسترجع وحمد الله جل ذكره فقد رضي بما صنع الله، ووقع أجره على الله عز وجل، ومن لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء، وهو ذميم، وأحبط الله أجره.

بيان: في القاموس الصرخة الصيحة الشديدة، وكغراب الصوت أو شديده، وقال: أعول رفع صوته بالبكاء والصياح كعول، والاسم العول والعولة والعويل، وقال: اللطم ضرب الخد وصفحة الجسد بالكف مفتوحة انتهى.

ثم اعلم أن هذا الخبر وأمثاله تدل على أن هذه الأمور خلاف طريقة الصابرين، فهي مكروهة، ولا تدل على الحرمة، وأما ذم إقامة النواحة فهو إما محمول على ما إذا اشتملت على تلك الأمور المرجوحة، أو على أنها تنافي الصبر الكامل فلا ينافي ما يدل على الجواز.

قوله عليه السلام: " ووقع " قال البيضاوي: الوقوع والوجوب متقاربان، والمعنى ثبت أجره عند الله ثبوت الامر الواجب، وفي القاموس ذمه ذما ومذمة فهو مذموم وذميم.

43 - مسكن الفؤاد: عن إسحاق بن عمار، عن الصادق عليه السلام قال: يا إسحاق لا تعدن مصيبة أعطيت عليها الصبر، واستوجبت عليها من الله عز وجل الثواب، إنما المصيبة التي تحرم صاحبها أجرها وثوابها إذا لم يصبر عند نزولها.

وفي مناجاة موسى عليه السلام أي رب أي خلقك أحب إليك؟ قال: من إذا أخذت حبيبه سالمني، قال: فأي خلقك أنت عليه ساخط؟ قال: من يستخيرني في الامر فإذا قضيت له سخط قضائي.

وعن جابر بن عبد الله قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله: بيد عبد الرحمن بن عوف فأتى إبراهيم وهو يجود بنفسه، فوضعه في حجره، فقال: يا بني إني لا أملك لك من الله شيئا وذرفت عيناه، فقال له عبد الرحمن: يا رسول الله صلى الله عليه وآله تبكي، أو لم تنه عن البكاء؟ قال إنما نهيت عن النوح عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نعم: لعب ولهو ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة: خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان، إنما هذه رحمة، من لا يرحم لا يرحم، لولا أنه أمر حق، ووعد صدق وسبيل بالله وأن آخرنا سيلحق أولنا لحزنا عليك حزنا أشد من هذا، وإنا بك لمحزونون، تبكي العين، ويدمع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب عز وجل.

وفي رواية أخرى: يحزن القلب، وتدمع العين، ولا نقول ما يسخط الرب

وإنا على إبراهيم لمحزونون .

وعن محمود بن لبيد قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه و اله فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله حين سمع ذلك، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تنكسفان لموت أحد، ولا لحياته، وإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى المساجد. و دمعت عيناه، فقالوا يا رسول الله صلى الله عليه وآله تبكي وأنت رسول الله؟ فقال: إنما أنا بشر، تدمع العين، ويفجع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، و الله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون.

وقال النبي صلى الله عليه وآله يوم مات إبراهيم: ما كان من حزن في القلب أو في العين فإنما هو رحمة، وما كان من حزن باللسان وباليد فهو من الشيطان.

وروى الزبير بن بكار أن النبي صلى الله عليه وآله لما خرج بإبراهيم خرج يمشي ثم جلس على قبرة، ثم ولي، ولما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله قد وضع في القبر، دمعت عيناه، فلما رأى الصحابة ذلك بكوا حتى ارتفعت أصواتهم، فأقبل عليه أبو بكر فقال: يا رسول الله تبكي وأنت تنهى عن البكاء؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله تدمع العين، و يوجع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب.

وروي أنه صلى الله عليه وآله لما مات عثمان بن مظعون كشف الثوب عن وجهه، ثم قبل ما بين عينيه، ثم بكى طويلا، فلما رفع السرير قال: طوباك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها.

وعن أسامة بن زيد قال: أتى النبي صلى الله عليه وآله بأمامة بنت زينب، ونفسها تتقعقع في صدرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لله ما أخذ، ولله ما أعطى، وكل إلى أجل مسمى وبكى، فقال له سعد بن عبادة: تبكي وقد نهيت عن البكاء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما هي رحمة يجعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.

بيان: قال في النهاية في الحديث فجئ بالصبي ونفسه تتقعقع، أي تضطرب

وتتحرك، أراد كلما صار إلى حال لم يلبث أن ينتقل إلى أخرى تقربه من الموت.

44 - مسكن الفؤاد: لما أصيب جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - أتى رسول الله أسماء فقال لها: أخرجي لي ولد جعفر، فاخرجوا إليه، فضمهم إليه وشمهم ودمعت عيناه فقالت: يا رسول الله أصيب جعفر؟ فقال صلى الله عليه وآله: نعم أصيب اليوم.

قال عبد الله بن جعفر أحفظ حين دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على أمي فنعى لها أبي ونظرت إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي، وعيناه تهرقان الدموع، حتى تقطر لحيته، ثم قال: اللهم إن جعفرا قد قدم إلى أحسن الثواب، فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته، ثم قال: يا أسماء ألا أبشرك؟

قالت: بلى بأبي أنت وأمي، فقال: إن الله عز وجل جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة، ولما انصرف النبي صلى الله عليه وآله من أحد راجعا إلى المدينة، لقيته خميسة بنت جحش فنعى لها الناس أخاها عبد الله بن جحش، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها خالها فاستغفرت له ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت و ولولت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن زوج المرأة منها لبمكان، لما رأى صبرها على أخيها وخالها، وصياحها على زوجها، ثم مر رسول الله صلى الله عليه وآله على دور من دور الأنصار من بني عبد الأشهل، فسمع البكاء والنوايح على قتلاهم، فذرفت عيناه وبكى، ثم قال: لكن حمزة لا بواكي له.

فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دور بني عبد الأشهل أمرا نساءهم أن يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله بكاءهن على حمزة خرج إليهن وهن على باب مسجده يبكين، فقال لهن رسول الله صلى الله عليه وآله: ارجعن يرحمكن الله فقد واسيتن بأنفسكن.

وعن الصادق عليه السلام أن إبراهيم خليل الرحمن سأل ربه أن يرزقه ابنة تبكيه بعد موته.

بيان: يدل على رجحان البكاء في المصائب، لا سيما على الأب، وعلى استحباب إقامة المأتم، وعلى رجحان طلب ما يوجب بقاء الذكر بعد الموت.

45 - مسكن الفؤاد: عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب.

وعن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها والداعية بالويل والثبور.

وعن يحيى بن خالد أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما يحبط الاجر في المصيبة؟ قال: تصفيق الرجل بيمينه على شماله، والصبر عند الصدمة الأولى من رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط.

وقال النبي صلى الله عليه وآله: أنا برئ ممن حلق وصلق، أي حلق الشعر و رفع صوته.

بيان: قال في النهاية في باب السين " فيه ليس منا من سلق أو حلق " سلق أي رفع صوته عند المصيبة، وقيل هو أن تصك المرأة وجهها وتمرشه، و الأول أصح، ومنه الحديث لعن الله السالقة والحالقة، ويقال: بالصاد، ثم قال في باب الصاد " فيه ليس منا من صلق أو حلق " الصلق الصوت الشديد، يريد رفعه عند المصائب، وعند الفجيعة بالموت، ويدخل فيه النوح ويقال: بالسين، ومنه الحديث أنا برئ من السالقة والحالقة.

46 - مسكن الفؤاد: عن أبي مالك الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وآله النائحة إذا لم تتب تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران وعن أبي سعيد الخدري لعن رسول الله صلى الله عليه وآله النايحة والمستمعة.

ثم قال - رحمه الله - وهذا النهي محمول على الباطل كما يظهر منها، وبه يجمع بينها وبين الأخبار السابقة.

وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أتدرون ما حق الجار؟ قالوا: لا، قال: إن استغاثك أغثه، وإن استقرضك أقرضه، وإن

افتقر عدت إليه، وإن أصابه خير هنأته، وإن مرض عدته وإن أصابته مصيبة عزيته وإن مات تبعت جنازته، ولا تستطيل عليه بالبناء، فتحجب عنه الريح إلا باذنه، وإذا اشتريت فاكهة فاهدها له، وإن لم تفعل فأدخلها سرا، ولا يخرج بها ولدك يغيض بها ولده، ولا تؤذه بريح قدرك إلا أن تغرف له منها.

وعن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: من عزى مصابا فله مثل أجره.

وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من عزى مصابا كان له مثل أجره من غير أن ينقصه الله من أجره شيئا، ومن كفن مسلما كساه الله من سندس وإستبرق وحرير، ومن حفر قبرا لمسلم بنا الله عز وجل له بيتا في الجنة، ومن أنظر معسرا أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

وعن جابر أيضا رفعه: من عزى حزينا ألبسه الله عز وجل من لباس التقوى وصلى الله على روحه في الأرواح.

وسئل النبي صلى الله عليه وآله: عن المصافح في التعزية فقال: هو سكن للمؤمن، ومن عزى مصابا فله مثل أجره.

وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عميرة بن حزم، عن أبيه، عن جده أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: من عاد مريضا فلا يزال في الرحمة حتى إذا قعد عنده استنقع فيها، ثم إذا قام من عنده فلا يزال يخوض فيها حتى يرجع من حيث خرج، ومن عزى أخاه المؤمن من مصيبته كساه الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من عزى ثكلى كسي بردا في الجنة.

وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من عزى أخاه المؤمن من مصيبة كساه الله عز وجل حلة خضراء، يحبر بها يوم القيامة، قيل: يا رسول الله ما يحبر بها؟ قال: يغبط بها.

وروي أن داود عليه السلام قال: إلهي ما جزاء من يعزي الحزين على المصائب ابتغاء مرضاتك؟ قال: جزاؤه أن أكسوه رداء من أردية الايمان أستره به من النار وادخله به الجنة، قال: يا إلهي فما جزاء من شيع الجنايز ابتغاء مرضاتك؟

قال: جزاؤه أن تشيعه الملائكة يوم يموت إلى قبره، وأن أصلي على روحه في الأرواح.

وروي أن إبراهيم عليه السلام سأل ربه فقال: أي رب ما جزاء من بل الدمع وجهه من خشيتك؟ قال: صلواتي ورضواني، قال: فما جزاء من يصبر الحزين ابتغاء وجهك؟ قال أكسوه ثيابا من الايمان يتبوء بها الجنة ويتقى بها النار، قال: فما جزاء من سدد الأرملة ابتغاء وجهك؟ قال: أقيمه في ظلي وادخله جنتي، قال: فما جزاء من شيع الجنازة ابتغاء وجهك؟ قال: تصلي ملائكتي على جسده وتشيع روحه.

وعن علي عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا عزى قال: آجركم الله و رحمكم، وإذا هنأ قال: بارك الله لكم وبارك عليكم.

وروي أنه توفي لمعاذ ولد، فاشتد وجده عليه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله فكتب إليه:

" بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى معاذ، سلام عليك، فاني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد أعظم الله لك الاجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، إن أنفسنا وأهالينا وأموالنا وأولادنا من مواهب الله الهنيئة، وعواريه المستودعة يمتع بها إلى أجل معلوم، و يقبض لوقت معدود ثم افترض علينا الشكر إذا أعطانا، والصبر إذا

ابتلانا وقد كان ابنك من مواهب الله الهنيئة، وعواريه المستودعة، متعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كثير [مذخور] الصلاة والرحمة والهدى إن صبرت واحتسبت، فلا تجمعن عليك مصيبتين، فيحبط لك أجرك، وتندم على ما فاتك، فلو قدمت على ثواب مصيبتك علمت أن المصيبة قد قصرت في جنب الله عن الثواب، فتنجز من الله موعوده، وليذهب أسفك على ما هو نازل بك، فكأن قد، والسلام.

بيان: هذا من قبيل الاكتفاء ببعض الكلام، أي فكان قدمت أو وصل إليك ثواب صبرك أقول: رواه في أعلام الدين إلى قوله: فلا تجمعن أن يحبط جزعك أجرك، وأن تندم غدا على ثواب مصيبتك، فإنك لو قدمت على ثوابها علمت أن المصيبة قد قصرت عنها، واعلم أن الجزع لا يرد فائتا ولا يدفع حزن قضاء فليذهب أسفك ما هو نازل بك مكان ابنك والسلام.

47 - مسكن الفؤاد: عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام عن أبيه، عن جده قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله جاء جبرئيل عليه السلام والنبي مسجى وفي البيت علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت الرحمة كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيمة " الآية إن في الله عز وجل عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا لما فات، فبالله عز وجل فثقوا، وإياه فارجوا، فان المصاب من حرم الثواب هذا آخر وطئي من الدنيا.

وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله عزتهم الملائكة يسمعون الحس ولا يرون الشخص، فقالوا: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل

فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المحروم من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وروى البيهقي في الدلايل قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله أحدق به أصحابه فبكوا حوله، واجتمعوا، ودخل رجل أشهب اللحية، جسيم صبيح، فتخطا رقابهم فبكى، ثم التفت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وعوضا من كل فايت، وخلفا من كل هالك، فإلى الله فأنيبوا وإليه فارغبوا، ونظره إليكم في البلاء فانظروا، فان المصاب من لم يجبر، و انصرف، فقال بعضهم لبعض: تعرفون الرجل؟ فقال علي عليه السلام نعم، هذا أخو رسول الله صلى الله عليه وآله الخضر عليه السلام.

بيان: مسجى أي مغطى بالثوب بعد وفاته صلى الله عليه وآله " يا أهل بيت الرحمة " أي أهل بيت تنزل فيه رحمات الله الخاصة الكاملة على أهله أو أهل بيت منسوبين إلى الرحمة، فإنهم رحمة الله على العالمين، وببركتهم أفيضت الرحمة على الأولين والآخرين " كل نفس ذائقة الموت " أي ينزل بها الموت لا محالة كأنها ذاقته، أو ذائقة مقدمات الموت وسكراته وشدائده " وإنما توفون أجوركم " أي تعطون جزاء أعمالكم وافيا يوم القيامة إن خيرا فخيرا وثوابا و إن شرا فشرا وعقابا.

" فمن زحزح عن النار " أي بوعد من نار جهنم ونحى عنها وادخل الجنة " فقد فاز " أي نال المنية وظفر بالبغية ونجا من الهلكة، " وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " أي وما لذات الدنيا وزينتها وشهواتها إلا متعة متعكموها للغرور والخداع المضمحل الذي لا حقيقة له عند الاختبار، وقيل متاع الغرور القوارير وهي في الأصل ما لا بقاء له، وقيل شبهها بالمتاع الذي دلس به على المستام ويغير حتى يشتريه، وهذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب بها الآخرة فهي له متاع بلاغ، والغرور مصدر أو جمع غار.

إن في الله عزاء " قد مر أن العزاء بمعنى الصبر، والمراد به هنا ما يوجب

التعزية والتسلية، أي في ذات الله، فان الله باق لكل أحد بعد فوت كل شئ أو في ثواب الله سبحانه، وما أعده للصابرين ووعدهم، أو في التفكر فيها أو في التفكر في أن الله حكيم لا يفعل إلا الأصلح بعباده، ما يوجب التصبر والتسلي والرضا بالمصيبة.

ويحتمل أن يكون الكلام مبنيا على التجريد كما قال في الكشاف في قوله تعالى: " ريح فيها صر " بعد ذكر وجهين: الثالث أن يكون من قوله تعالى: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " ومن قولك إن ضيعني فلان ففي الله كاف وكافل، قال: وفي الرحمن للضعفاء كاف.

وقال في تلخيص المفتاح: وفي شرحه في عد أقسام التجريد: ومنها ما يكون بدخول في المنتزع منه، نحو قوله تعالى: " لهم فيها دار الخلد " أي في جهنم وهي دار الخلد، انتزع منها دارا أخرى، وجعلها معدة في جهنم، لأجل الكفار تهويلا لأمرها، ومبالغة في اتصافها بالشدة انتهي.

والدرك محركة اللحاق والوصول، أي يحصل به تعالى أو بثوابه الخلف والعوض من كل هالك، وتدارك ما قد فات، أو الوصول إلى ما يتوهم فوته عن الانسان من المنافع بفوات من مات.

" فبالله فثقوا " هذا مما قدر فيه أما، والفاء دليل عليه، قال الرضي رضي الله عنه: وقد يحذف أما لكثرة الاستعمال نحو قوله تعالى: " وربك فكبر و ثيابك فطهر والرجز فاهجر " " وهذا فليذوقوه " " فبذلك فليفرحوا "

وإنما يطرد ذلك إذا كان ما بعد الفاء أمرا أو نهيا، وما قبلها منصوبا به، أو بمفسر به، فلا يقال: زيد فضربت، ولا زيدا فضربته، بتقدير أما، وأما قولك زيد فوجد، فالفاء فيه زائدة.

وقال ابن هشام: الفاء في نحو " بل الله فاعبد " جواب لاما مقدرة عند بعضهم، وفيه إجحاف، وزائدة عند الفارسي وفيه بعد، وعاطفة عند غيره والأصل تنبه فاعبد الله، ثم حذف تنبه وقدم المنصوب على الفاء، إصلاحا للفظ كيلا تقع الفاء صدرا، كما قال الجميع في الفاء في نحو أما زيدا فاضرب، إذ الأصل مهما يكن من شئ فاضرب زيدا.

وقال الزمخشري في قوله تعالى: " قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا " فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه، والفاء داخلة لمعنى الشرط، كأنه قيل: إن فرحوا بشئ فليخصوهما بالفرح، فإنه لا مفروح به أحق منهما، ويجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا.

" فان المصاب " أي لم تقع المصيبة على من أصيب في الدنيا بفوت مال أو حميم وأحرز ثواب الآخرة، بل المصيبة مصيبة من حرم ثواب الآخرة، وإن كان له الدنيا بحذافيرها " هذا آخر وطئي من الدنيا " أي آخر نزولي إلى الأرض ومشيي عليها، ويعارضه أخبار كثيرة، ويمكن حمله على أن المراد آخر نزولي لا نزال الوحي، أو المراد به قلة النزول بعد ذلك، فان القليل في حكم المعدوم وقال الجوهري: الحس والحسيس الصوت الخفي، ومقتضى الجمع بين الاخبار أن جبرئيل والخضر عليهما السلام كلاهما أتيا للتعزية.

48 - دعائم الاسلام: روينا عن جعفر بن محمد صلوات الله عليهما أنه قال:

لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله أتاهم آت يسمعون صوته، ولا يرون شخصه، فقال:

" السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته [كل نفس ذائقة الموت وإنما

توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، فالله فارجوا وإياه فاعبدوا واعلموا أن المصاب من حرم الثواب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته] فقيل لجعفر بن محمد عليه السلام: من كنتم ترون المتكلم يا ابن رسول الله؟ فقال: كنا نراه جبرئيل عليه السلام.

وعن جعفر بن محمد عليه السلام قال: لما هلك أبو سلمة جزعت عليه أم سلمة فقال لها النبي صلى الله عليه وآله: قولي يا أم سلمة اللهم أعظم أجري في مصيبتي، وعوضني خيرا منه، قالت: وأين لي مثل أبي سلمة يا رسول الله فأعاد عليها فقالت مثل قولها الأول فرد عليها رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت في نفسها: أرد على رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث مرات فقالتها فأخلف الله عليها خيرا من أبي سلمة رسول الله صلى الله عليه وآله.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال من أصيب منكم بمصيبة بعدي فليذكر مصابه بي فان مصابه بي أعظم من كل مصاب.

وعن أبي جعفر عليه السلام قال: تعزية المسلم للمسلم الذي يعزيه استرجاع عنده، وتذكرة للموت وما بعده، ونحو هذا من الكلام، قال: وكذلك الذمي إذا كان لك جارا فأصيب بمصيبة تقول له أيضا مثل ذلك، وإن عزاك عن ميت فقل هداك الله.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.