بحارالانوار · كتاب الطهارة
10 - باب وجوب الصلاة على الميت وعللها وآدابها
ج ۷۸، ص ۳۳۸–۳۶۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۳
قالت: فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: أصلحك الله صحبتني امرأة من المرجئة فقالت كذا وكذا، فأخبرته بمقالتها، فقال أبو عبد الله عليه السلام: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى على الميت كبر فتشهد، ثم كبر فصلى على النبي صلى الله عليه وآله ودعا، ثم كبر واستغفر للمؤمنين والمؤمنات، ثم كبر فدعا للميت، ثم يكبر وينصرف، فلما نهاه الله عز وجل عن الصلاة على المنافقين، كبر فتشهد ثم كبر فصلى على النبي صلى الله عليه وآله، ثم كبر فدعا للمؤمنين والمؤمنات، ثم كبر الرابعة وانصرف ولم يدع للميت.
تحقيق وتفصيل اعلم أن الشيخ في التهذيب روى هذا الخبر باسناد فيه أيضا جهالة عنه عليه السلام من قوله " كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى على ميت " إلى آخر الخبر، و
فيه ثم كبر وصلى على الأنبياء، وفي الثانية على النبيين وفي الأولى أيضا و دعا للمؤمنين.
ثم إنه اختلف الأصحاب في أنه هل تجب الصلاة على غير المؤمن من فرق المسلمين؟ فذهب الشيخ في جملة من كتبه وابن الجنيد والمحقق إلى الوجوب، وقال المفيد في المقنعة: ولا يجوز لاحد من أهل الايمان أن يغسل مخالفا للحق في الولاية ولا يصلي عليه، إلا أن يدعوه ضرورة إلى ذلك من جهة التقية. وإليه ذهب أبو الصلاح وابن إدريس ولا يخلو من قوة.
ويشكل الاستدلال بهذا الخبر على الوجوب، لان فعله صلى الله عليه وآله أعم منه وأيضا يمكن أن يكون صلاته عليهم لاظهارهم الاسلام، وكونهم ظاهرا من المسلمين والتكبير عليهم أربعا بأمر الله تعالى لتبين نفاقهم، لا ينافي لزوم الصلاة عليهم ظاهرا، بل يتعين أن يكون كذلك، لان الله تعالى نهاه عن الصلاة على الكافرين، ولم تكن واسطة بين الايمان والكفر إلا بالنفاق وإسرار الكفر، ومع إسرار الكفر كان يلزمه الصلاة عليهم بظاهر الاسلام كسائر الاحكام.
وأما ما دل عليه الخبر من كون الصلاة على المؤمن خمس تكبيرات فقد أجمع أصحابنا على وجوبها، وأخبارنا به مستفيضة بل متواترة، وذهب الفقهاء الأربعة من المخالفين وجماعة أخرى منهم إلى أن التكبير أربع، وأما كون الصلاة على غير المؤمن أربعا فهو المقطوع به في كلامهم ويظهر لك من أمثال هذا الخبر أن منشأ اشتباه العامة لعنهم الله في الأربع، هو فعل النبي صلى الله عليه وآله ذلك أحيانا، ولم يفهموا جهة فعله، بل أعماهم الله تعالى عن ذلك، ليتيسر للشيعة العمل بهذا في الصلاة عليهم، لكونهم من أخبث المنافقين لعنة الله عليهم أجمعين.
ثم اعلم أن الأصحاب اختلفوا في وجوب الأدعية بين التكبيرات واستحبابها والأشهر الوجوب، وربما يستدل عليه بهذا الخبر للتأسي مع أن قوله عليه السلام:
" كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى على الميت كبر " ظاهره المواظبة عليه، وهذا مما
يؤكد التأسي، وفيه كلام ليس المقام موضع تحقيقه وقد أومأنا إليه سابقا.
ثم اختلفوا في أنه هل يجب فيها لفظ مخصوص أم لا؟ والأشهر العدم، وربما يستدل على الوجوب بنحو ما مر من التقريب، وقد عرفت ما فيه عن قريب.
ثم المشهور بين القائلين بالتعيين العمل بهذا الخبر، وبين القائلين بعدمه أفضليته، لكن الأكثر لم يتعرضوا للصلاة على الأنبياء مع دلالة الخبر عليه على ما في التهذيب، وإليه كان رجوعهم غالبا، والأحوط ضم الصلاة عليهم إلى الصلاة عليه وآله صلوات الله عليه وعليهم، قال في الذكرى: تضمن خبر أم سلمة الصلاة على الأنبياء من فعل النبي صلى الله عليه وآله فتحمل على الاستحباب، ثم قال نعم تجب الصلاة على آل محمد إذا صلى عليه كما تضمنت الاخبار انتهى.
ومقتضى كلام ابن أبي عقيل أن الأفضل جمع الأذكار الأربعة عقيب كل تكبيره، ولا يعلم مستنده.
ثم اختلف في أنه على تقدير وجوب الصلاة على المنافق ووجوب الأدعية هل يجب الدعاء عقيب الرابعة على الميت أم لا؟ فظاهر هذا الخبر سقوطه حيث قال: ثم كبر الرابعة وانصرف، وإن احتمل أن يكون المراد بالانصراف الانصراف عن التكبير، وقوله " ولم يدع للميت " لا ينافي الدعاء عليه، لكنه بعيد جدا. قال في الذكرى والظاهر أن الدعاء على هذا القسم غير واجب، لان التكبير عليه أربع، وبها تخرج عن الصلاة، واعترض عليه بأن الدعاء للميت أو عليه لا يتعين وقوعه بعد الرابعة، وقد ورد بالامر بالدعاء على المنافق روايات.
أقول: ويرد عليه أيضا أن الخروج بالتكبيرة الرابعة غير مسلم إذ يمكن أن يكون الخروج باتمام الدعاء الرابع.
قوله عليه السلام: " فصلى على النبي صلى الله عليه وآله ودعا " أي للنبي صلى الله عليه وآله أو للميت أو الأعم، وتركه في الصلاة على المنافق ربما يؤيد الثاني، قوله عليه السلام:
" فلما نهاه الله عز وجل عن الصلاة على المنافقين " أي الدعاء لهم، لأنه ذكر
بعد ذلك الصلاة، وقال: " ولم يدع للميت " وإن احتمل أن يكون المراد به النهي عن الصلاة الكاملة المعهودة التي كان يأتي بها للمؤمنين، بل أمره بنقصها، لكنه بعيد كما لا يخفى.
واعلم أن الظاهر من الاخبار وكلام الأصحاب أن المراد بالمنافق غير الامامي لاطلاقه في مقابلة المؤمن.
2 - الخصال والعلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد وعن ابن الوليد، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عثمان ابن عبد الملك، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يا با بكر تدري كم الصلاة على الميت؟ قلت: لا، قال: خمس تكبيرات، ثم قال:
فتدري من أين اخذت؟ قلت: لا، قال اخذت الخمس من الخمس صلوات من كل صلاة تكبيرة.
المحاسن: عن علي بن الحكم مثله.
3 - العلل: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن الفضل بن عامر، عن موسى بن القاسم، عن سليمان بن جعفر الجعفري، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله فرض من الصلاة خمسا، وجعل للميت من كل صلاة تكبيرة.
المقنع: مرسلا مثله.
بيان: اعلم أن الظاهر من كلام أكثر المتأخرين أن التكبيرات فيها ركن تبطل الصلاة بتركها عمدا وسهوا، وربما يستدل عليه بأمثال هذا الخبر، فان الظاهر منها كونها مأخوذة من التكبيرات الاحرامية، وهي ركن.
وفيه نظر من وجهين: الأول عدم صراحة الاخبار في كون المأخوذ منها التكبيرات الاحرامية، إذ لعل المعنى أنه جعل بإزاء كل صلاة هنا تكبيرة لكن سيأتي في علل الفضل ما يدل على أنها مأخوذة من التكبيرات الاحرامية.
والثاني أنه على تقدير تسليم كونها مأخوذة من التكبيرات الاحرامية لا يلزم من كونها في المأخوذ منها ركنا كونها في تلك الصلاة أيضا ركنا، نعم يمكن أن يتمسك بأنه لو أخل بواحدة منها لم يأت بالهيئة المأثورة فلم يتحقق الامتثال المقتضي للاجزاء.
4 - العلل: عن علي بن أحمد، عن محمد بن أبي عبد الله، عن موسى بن عمران، عن عمه الحسين بن يزيد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال:
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: لأي علة نكبر على الميت خمس تكبيرات ويكبر مخالفونا أربع تكبيرات؟ قال: لان الدعائم التي بني عليها الاسلام خمس: الصلاة، و الزكاة، والصوم، والحج، والولاية لنا أهل البيت، فجعل الله عز وجل من كل دعامة تكبيرة، وإنكم أقررتم بالخمس كلها، وأقر مخالفوكم بأربع وأنكروا واحدة، فمن ذاك يكبرون على موتاهم أربع تكبيرات، وتكبرون خمسا.
5 - ومنه: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكبر على قوم خمسا، وعلى قوم أربعا. فإذا كبر على رجل أربعا اتهم الرجل.
6 - ومنه: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن محمد بن يحيى العطار، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن أحمد بن هيثم، عن علي بن خطاب الحلال، عن إبراهيم بن محمد بن حمران قال: خرجنا من مكة فدخلنا على أبي عبد الله عليه السلام فذكر الصلاة على الجنايز، فقال: كان يعرف المؤمن والمنافق بتكبير رسول الله صلى الله عليه وآله
على المؤمن خمسا وعلى المنافق أربعا 7 - العيون والعلل: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسى، عن الحسن بن النضر قال: قال الرضا عليه السلام: ما العلة في التكبير على الميت خمس تكبيرات؟ قلت: رووا أنها قد اشتقت من خمس صلوات، فقال:
هذا ظاهر الحديث، فأما باطنه، فان الله عز وجل فرض على العباد خمس فرائض الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والولاية، فجعل للميت من كل فريضة تكبيرة واحدة، فمن قبل الولاية كبر خمسا، ومن لم يقبل الولاية كبر أربعا، فمن أجل ذلك تكبرون خمسا ومن خالفكم يكبر أربعا.
8 - العلل: عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبي الجوزاء قال:
الأغلف لا يؤم القوم، وإن كان أقرأهم، لأنه ضيع من السنة أعظمها، ولا تقبل له شهادة ولا تصلى عليه إذا مات، إلا أن يكون ترك ذلك خوفا على نفسه.
بيان: عدم وجوب الصلاة على الأغلف لم أر قائلا به، وظاهر الأصحاب اتفاقهم على وجوب الصلاة على أرباب الكبائر، والخبر ضعيف موقوف و يمكن حمله على أنه لا يلزم الاهتمام في الصلاة عليه، فإذا صلى بعضهم عليه لا يستحب للباقين الاتيان بها، أو لا يتأكد استحبابه.
9 - العلل: عن الحسين بن أحمد، عن أبيه، عن محمد بن أحمد، عن يعقوب ابن يزيد، عن بعض أصحابنا، رفعه عن أحدهم عليهم السلام قال: إن على عهد رسول الله
صلى الله عليه وآله مات رجل وعليه ديناران، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله فأبى أن يصلي عليه، وإنما فعل ذلك لكيلا يجترؤا على الدين، وقال: قد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وعليه دين، ومات الحسن عليه السلام وعليه دين، وقتل الحسين عليه السلام وعليه دين.
بيان: يفهم من آخر الخبر أن ترك الصلاة إنما كان لأنه كان مستخفا بالدين، ولا ينوي قضاءه تأديبا، ولا ينافي ذلك وجوب الصلاة عليه، لأنه لم ينه الناس عن الصلاة عليه. ومع فعل غيره كان تسقط عنه، ولعل مثل هذا من خصايص النبي والامام عليهما السلام أو مطلق الولاة على احتمال.
10 - مجالس الصدوق: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن مهزم، عن طلحة بن زيد، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام قال: صل على من مات من أهل القبلة، وحسابه على الله عز وجل.
11 - الخصال: عن أحمد القطان، عن الحسن السكري، عن محمد بن زكريا عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام:
قال: أحق الناس بالصلاة على المرأة إذا ماتت زوجها، وإذا ماتت المرأة وقف المصلي عليها عند صدرها، ومن الرجل إذا صلى عليه عند رأسه وإذا أدخلت المرأة القبر وقف زوجها في موضع يتناول وركها، ولا شفيع للمرأة أنجح عند ربها من رضا زوجها.
ولما ماتت فاطمة عليها السلام قام أمير المؤمنين عليه السلام وقال " اللهم إني راض عن ابنة نبيك، اللهم إنها قد أوحشت فآنسها، اللهم إنها قد هجرت فصلها، اللهم إنها قد ظلمت فاحكم لها، وأنت خير الحاكمين ".
بيان: ما اشتمل عليه الخبر من كون الزوج أولى من سائر الأقارب، هو المعروف من مذهب الأصحاب، ووردت بعض الروايات بأن الأخ أولى من الزوج وحملها الشيخ وغيره على التقية، لكونه أشهر بين العامة، وإن وقع الخلاف بينهم أيضا، وأما الموضع الذي يقف فيه المصلي، فقال الشيخ في المبسوط والمفيد و أبو الصلاح: يقف الامام في الجنازة عند وسط الرجل وصدر المرأة، وعليه معظم الأصحاب لا سيما المتأخرين منهم، وقال في الخلاف: يقف عند رأس الرجل وصدر المرأة كما هو مدلول الخبر، وبه قال علي بن بابويه، وقال ابنه في المقنع:
إذا صليت على الميت فقف عند صدره وكبر ثم قال: وإذا صليت على المرأة فقف عند صدرها.
وللشيخ في الاستبصار قول ثالث أنه يقف عند رأس المرأة وصدر الرجل والقول بالتخيير بين هذا القول والقول الأول لا يخلو من قوة، لورود الأخبار المعتبرة بهما، كما هو ظاهر المنتهى، ولا يمكن حمل إحداهما على التقية لاختلاف الاخبار والأقوال بينهم أيضا.
12 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى وأحمد بن أبي عبد الله، عن الحسن بن فضال، عن يونس بن يعقوب، عن سفيان ابن السمط، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما قبض آدم عليه السلام غسلته الملائكة ثم وضع فتقدم هبة الله فصلى عليه والملائكة خلفه، وأوحى الله عز وجل إليه أن يكبر عليه خمسا، وأن يسله، وأن يسوي قبره، ثم قال: هكذا فاصنعوا بموتاكم.
13 - الخصال والعيون [وتفسير الامام]: عن محمد بن القاسم الأسترآبادي عن يوسف بن زياد. عن أبيه، عن أبي محمد العسكري عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أتاه جبرئيل بنعي النجاشي بكى بكاء حزين عليه، وقال:
إن أخاكم أصحمة مات، ثم خرج إلى الجبانة، وصلى عليه، وكبر سبعا. فخفض
الله له كل مرتفع حتى رأى جنازته وهو بالحبشة.
بيان: لا خلاف بين أصحابنا في عدم جواز الصلاة على الغائب، ولعل هذا الحكم مخصوص بتلك الواقعة، كعدد التكبيرات، قال في المنتهى: ولا يصلى على الغائب عن بلد المصلي، ذهب إليه علماؤنا، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وقال الشافعي: يجوز، وعن أحمد روايتان ثم قال: احتج الجمهور بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نعى النجاشي صاحب الحبشة اليوم الذي مات فيه، وصلى بهم في المصلى وكبر أربعا.
والجواب أن الأرض زويت للنبي صلى الله عليه وآله فصلى عليه، وهو حاضر عنده بخلاف غيره، ولأنه حكاية فعل فلا يقتضي العموم، ولأنه يمكن أن يكون دعا له لا أنه صلى عليه، وأطلق على الدعاء اسم الصلاة، بالنظر إلى الحقيقة الأصلية وقد ورد هذا في أخبار أهل البيت عليهم السلام روى الشيخ عن محمد بن مسلم وزرارة قال قلت له: فالنجاشي لم يصل عليه النبي صلى الله عليه وآله، فقال: لا، إنما دعا له.
14 - العيون: عن ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا عليه السلام فيما كتب للمأمون من شرايع الدين: الصلاة على الميت خمس تكبيرات، فمن نقص فقد خالف، والميت يسل من قبل رجليه، ويرفق به إذا ادخل قبره.
15 - مجالس الصدوق: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه، عن أحمد البرقي، عن علي بن الحسين البرقي، عن عبد الله بن جبلة، عن معاوية بن عمار، عن الحسن بن عبد الله، عن أبيه، عن جده الحسن بن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من مؤمن يصلي على الجنايز إلا أوجب الله له الجنة إلا أن يكون منافقا أو عاقا الخبر.
16 - ومنه: في خبر المناهي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من صلى على ميت صلى عليه سبعون ألف ملك، وغفر الله له ما تقدم من ذنبه، فان أقام حتى يدفن ويحثي عليه التراب كان له بكل قدم نقلها قيراط من الاجر، والقيراط مثل جبل أحد.
17 - الخصال: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن ابن عيسى، عن حريز، عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام أربع صلوات يصليها الرجل في كل ساعة: صلاة فاتتك فمتى ذكرتها أديتها، وصلاة ركعتي طواف الفريضة، وصلاة الكسوف، والصلاة على الميت، هؤلاء يصليهن الرجل في الساعات كلها.
18 - قرب الإسناد: عن الحسن بن طريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على جنازة فلما فرغ منها جاء قوم لم يكونوا أدركوها، فكلموا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعيد الصلاة عليها، فقال لهم: قد قضيت الصلاة عليها، ولكن ادعوا لها.
19 - ومنه: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على جنازة، فلما فرغ جاءه ناس فقالوا:
يا رسول الله لم ندرك الصلاة عليها، فقال: لا تصلوا على جنازة مرتين ولكن ادعوا لها.
20 - نهج البلاغة والاحتجاج: عن أمير المؤمنين عليه السلام فيما كتب في جواب معاوية من المفاخرة قال عليه السلام: إن قوما استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين ولكل فضل، حتى إذا استشهد شهيدنا قيل سيد الشهداء، وخصه رسول الله بسبعين
تكبيرة عند صلاته عليه.
21 - العيون: عن محمد بن علي بن الشاه، عن أبي بكر بن عبد الله النيسابوري عن عبد الله بن أحمد الطائي، عن أبيه، وعن أحمد بن إبراهيم الخوزي، عن إبراهيم ابن مروان، عن جعفر بن محمد بن زياد، عن أحمد بن عبد الله الهروي وعن الحسين ابن محمد الأشناني، عن علي بن محمد بن مهرويه، عن داود بن سليمان جميعا، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام، عن الحسين بن علي عليه السلام أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله كبر على حمزة سبع تكبيرات، وكبر على الشهداء بعد حمزة خمس تكبيرات فلحق حمزة سبعون تكبيرة.
توضيح: اعلم أن الأصحاب اختلفوا في تكرار الصلاة على الجنازة الواحدة فقال العلامة قدس سره في المختلف: المشهور كراهة تكرار الصلاة على الميت وقيد ابن إدريس بالصلاة جماعة، لتكرار الصحابة الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله فرادى، وقال الشيخ في الخلاف: من صلى على جنازة يكره له أن يصلي عليها ثانيا وهو يشعر باختصاص الكراهة بالمصلي المتحد، وربما ظهر من كلامه في الاستبصار استحباب التكرار من المصلي الواحد وغيره، وظاهرهم الاتفاق على الجواز، و الاخبار في ذلك مختلفة.
ثم اعلم أنه يحتمل بعض الأخبار كون الصلاة على حمزة سبعين تكبيرة ويكون من خصائصه عليه السلام ولكن يظهر من أكثرها أنها كانت في الصلوات المتعددة كما يظهر من خبر العيون، قال في التذكرة: لا ينبغي الزيادة على الخمس، لأنها منوطة بقانون الشرع، ولم تنقل الزيادة، وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من أنه كبر على حمزة سبعين تكبيرة، وعن علي عليه السلام أنه كبر على سهل بن حنيف خمسا وعشرين تكبيرة، إنما كان في صلوات متعددة، وقال في المختلف: إن حديث سهل بن حنيف مختص بذلك الشخص إظهارا لفضله كما خص النبي صلى الله عليه وآله عمه
حمزة بسبعين تكبيرة، وفي كلام أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة ما يدل على ذلك انتهى.
ثم إن المشهور في الجمع بين الاخبار حمل أخبار المنع على الكراهة، و ربما يحمل أخبار المنع على المنافاة للتعجيل، ويحمل قوله: " لا تصلوا على جنازة مرتين " على أن المعنى لا تجب الصلاة عليها مرتين، ولا يبعد القول برجحان تكرار الصلاة في صورة عدم المنافاة للتعجيل، ممن لم يدرك الصلاة، وللامام مطلقا، وربما يخص الأخير بما إذا كان للميت مزية وشرف في الدين.
والأظهر عندي حمل أخبار المنع على التقية لاشتهاره بين العامة، قال في المنتهى: ولو صلى على جنازة قال الشيخ: كره له أن يصلى عليها ثانيا، وبه قال علي عليه السلام وابن عمر وعائشة وأبو موسى وذهب إليه الأوزاعي وأحمد والشافعي ومالك وأبو حنيفة انتهى فظهر أن المشهور بينهم الكراهة وإن نسبوه إلى علي عليه السلام ويؤيده أن أكثر رواة أخبار المنع عاميون، والله يعلم حقايق الاحكام.
22 - مجالس الصدوق: عن جعفر بن محمد بن مسرور، عن محمد بن عبد الله الحميري، عن أبيه، عن أحمد البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حماد، عن أبي الحسن العبدي، عن الأعمش، عن عباية بن ربعي، عن ابن عباس قال: أقبل علي بن أبي طالب عليه السلام ذات يوم إلى النبي صلى الله عليه وآله باكيا وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: مه يا علي؟ فقال علي عليه السلام: يا رسول الله ماتت أمي فاطمة بنت أسد، قال: فبكى النبي صلى الله عليه وآله ثم قال صلى الله عليه وآله:
رحم الله أمك يا علي أما إنها إن كانت لك اما فقد كانت لي اما، خذ عمامتي هذه، وخذ ثوبي هذين، فكفنها فيهما، ومر النساء فليحسن غسلها، ولا تخرجها حتى أجئ، فإلي أمرها.
قال: وأقبل النبي صلى الله عليه وآله بعد ساعة وأخرجت فاطمة أم علي عليه السلام فصلى عليها النبي صلى الله عليه وآله صلاة لم يصل على أحد قبلها مثل تلك الصلاة، ثم كبر
عليها أربعين تكبيرة، ثم دخل إلى القبر فتمدد فيه فلم يسمع له أنين ولا حركة ثم قال: يا علي ادخل! يا حسن ادخل! فدخلا القبر، فلما فرغ مما احتاج إليه قال له: يا علي اخرج، يا حسن اخرج! فخرجا.
ثم زحف النبي صلى الله عليه وآله حتى صار عند رأسها، ثم قال: يا فاطمة أنا محمد سيد ولد آدم ولا فخر، فان أتاك منكر ونكير فسئلاك من ربك فقولي: الله ربي، ومحمد نبيي، والاسلام ديني والقرآن كتابي وابني إمامي ووليي، ثم قال: اللهم ثبت فاطمة بالقول الثابت، ثم خرج من قبرها وحثا عليها حثيات، ثم ضرب بيده اليمنى على اليسرى فنفضهما ثم قال صلى الله عليه وآله: والذي نفس محمد بيده لقد سمعت فاطمة تصفيق يميني على شمالي.
فقام إليه عمار بن ياسر فقال: فداك أبي وأمي يا رسول الله لقد صليت عليها صلاة لم تصل على أحد قبلها، مثل تلك الصلاة، فقال صلى الله عليه وآله: يا أبا اليقظان وأهل ذلك هي مني، لقد كان لها من أبي طالب ولد كثير، ولقد كان خيرهم كثيرا وكان خيرنا قليلا، فكانت تشبعني وتجيعهم، وتكسوني وتعريهم، و تدهنني وتشعثهم.
قال: فلم كبرت عليها أربعين تكبيرة يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وآله: نعم يا عمار! التفت عن يميني فنظرت إلى أربعين صفا من الملائكة فكبرت لكل صف تكبيرة.
قال: فتمد دك في القبر، فلم يسمع لك أنين ولا حركة، قال: إن الناس يحشرون يوم القيامة عراة فلم أزل اطلب إلى ربي عز وجل أن يبعثها ستيرة، والذي نفس محمد صلى الله عليه وآله بيده ما خرجت من قبرها حتى رأيت مصباحين من نور عند رأسها، ومصباحين من نور عند [يديها، ومصباحين من نور عند] رجليها، وملكيها الموكلين بقبرها يستغفران لها إلى أن تقوم الساعة.
بيان: يظهر من الخبر أن هذا العدد من التكبير كان من خصائصها، لفضلها
فلا يتعدى إلى غيرها.
23 - فقه الرضا: قال عليه السلام: واعلم أن أولى الناس بالصلاة على الميت الولي أو من قدمه الولي، فإذا كان في القوم رجل من بني هاشم فهو أحق بالصلاة إذا قدمه الولي، فان تقدم من غير أن يقدمه الولي فهو غاصب.
فإذا صليت على جنازة مؤمن، فقف عند صدره أو عند وسطه، وارفع يديك بالتكبير الأول وكبر وقل " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الموت حق، والجنة حق، والنار حق، والبعث حق وأن الساعة آتية، لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور " ثم كبر الثانية وقل: " اللهم صل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد وارحم محمدا وآل محمد أفضل ما صليت وباركت ورحمت وترحمت وسلمت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد " ثم تكبر الثالثة، وتقول: " اللهم اغفر لي و لجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والأموات تابع بيننا وبينهم بالخيرات، إنك مجيب الدعوات، وولي الحسنات يا أرحم الراحمين " ثم تكبر الرابعة وتقول: " اللهم إن هذا عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، نزل بساحتك، وأنت خير منزول به، اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه إحسانا وإن كان مسيئا فتجاوز عنه، و اغفر لنا وله، اللهم احشره مع من كان يتولاه ويحبه، وأبعده ممن يتبرأه و يبغضه،، اللهم ألحقه بنبيك، وعرف بينه وبينه، وارحمنا إذا توفيتنا يا إله العالمين " ثم تكبر الخامسة وتقول: " ربما آتنا في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " ولا تسلم، ولا تبرح من مكانك حتى ترى الجنازة على أيدي الرجال.
وإذا كان الميت مخالفا فقل في تكبيرك الرابعة " اللهم اخز عبدك و
ابن عبدك هذا، اللهم أصله نارك، اللهم أذقه أليم عذابك، وشديد عقوبتك وأورده نارا، واملا جوفه نارا، وضيق عليه لحده، فإنه كان معاديا لأوليائك ومتواليا لأعدائك، اللهم لا تخفف عنه العذاب، واصبب عليه العذاب صبا " فإذا رفع جنازته فقل: " اللهم لا ترفعه ولا تزكه ".
واعلم أن الطفل لا يصلى عليه حتى يعقل الصلاة، فإذا حضرت مع قوم يصلون عليه فقل " اللهم اجعله لأبويه ولنا ذخرا ومزيدا وفرطا وأجرا ".
وإذا صليت على مستضعف، فقل " اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ".
وإذا لم تعرف مذهبه فقل: " اللهم هذه النفس التي أحييتها وأنت أمتها دعوت فأجابتك، اللهم ولها ما تولت، واحشرها مع من أحبت، وأنت أعلم بها " فإذا اجتمع جنازة رجل وامرأة وغلام ومملوك، فقدم المرأة إلى القبلة واجعل المملوك بعدها، واجعل الغلام بعد المملوك، والرجل بعد الغلام مما يلي الامام، ويقف الامام خلف الرجل في وسطه، ويصلي عليهم جميعا صلاة واحدة.
وإذا صليت على الميت وكانت الجنازة مقلوبة فسوها وأعد الصلاة عليها ما لم يدفن، فإذا فاتك مع الامام بعض التكبير، ورفعت الجنازة فكبر عليها تمام الخمس، وأنت مستقبل القبلة وإن كنت تصلي على الجنازة وجاءت الأخرى فصل عليهما صلاة واحدة بخمس تكبيرات، وإن شئت استأنف على الثانية.
ولا بأس أن يصلي الجنب على الجنازة، والرجل على غير وضوء والحائض إلا أن الحايض تقف ناحية، ولا تخلط بالرجال وإن كنت جنبا وتقدمت للصلاة عليها فتيمم أو توضأ وصل عليها، وقد
أكره أن يتوضأ إنسان عمدا للجنازة لأنه ليس بالصلاة، إنما هو التكبير، والصلاة هي التي فيها الركوع والسجود.
وأفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الأخير، ولا يصلى على الجنازة بنعل حذو، ولا تجعل ميتين على جنازة واحدة.
فإن لم تلحق الصلاة على الجنازة حتى يدفن الميت فلا بأس أن تصلي بعد ما دفن، وإذا صلى الرجلان على الجنازة، وقف أحدهما خلف الاخر، ولا يقوم بجنبه.
وفي موضع آخر: إذا أردت أن تصلي على الميت فكبر عليه خمس تكبيرات يقوم الامام عند وسط الرجل وصدر المرأة، يرفع اليد بالتكبير الأول، ويقنت بين كل تكبيرتين، والقنوت ذكر الله والشهادتان، والصلاة على محمد وآله، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات، هذا في تكبيره بغير رفع اليدين، ولا تسليم، لان الصلاة على الميت إنما هو دعاء وتسبيح واستغفار.
وساق الحديث إلى أن قال: وتقول في التكبيرة الأولى في الصلاة على الميت " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إنا لله وإنا إليه راجعون، الحمد لله رب العالمين، رب الموت والحياة، وصلى الله على محمد وأهل بيته، وجزى الله محمدا عنا خير الجزاء بما صنع لامته، وما بلغ من رسالات ربه " ثم يقول: " اللهم عبدك وابن أمتك، ناصيته بيدك، تخلى عن الدنيا واحتاج إلى ما عندك نزل بك وأنت خير منزول به، وافتقر إلى رحمتك وأنت عني من عذابه، اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا، وأنت أعلم به منا اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وتقبل منه، وإن كان مسيئا فاغفر له ذنبه، و ارحمه وتجاوز عنه برحمتك، اللهم ألحقه بنبيك، وثبته بالقول الثابت في الدنيا والآخرة، اللهم اسلك بنا وبه سبيلك الهدى، واهدنا وإياه صراطك المستقيم،
اللهم عفوك عفوك " ثم تكبر الثانية وتقول مثل ما قلت، حتى تفرغ من خمس تكبيرات، وقال: ليس فيها التسليم.
وعن أبيه أنه كان يصلي على الجنازة بعد العصر ما كان في وقت الصلاة حتى يصفار الشمس. فإذا اصفارت لم يصل عليها حتى تغرب، وقال لا بأس بالصلاة على الجنازة حين تغيب الشمس وحين تطلع، إنما هو استغفار وساق الكلام إلى أن قال: " باب آخر في الصلاة على الميت قال:
تكبر ثم تصلي على النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته، ثم تقول: " اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك لا أعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وتقبل منه، وإن كان مسيئا فاغفر له ذنبه، وافسح له في قبره، واجعله من رفقاء محمد صلى الله عليه وآله ثم تكبر الثانية فقل " اللهم إن كان زاكيا فزكه، وإن كان خاطئا فاغفر له " ثم تكبر الثالثة فقل " اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتناه بعده " ثم تكبر الرابعة وقل " اللهم اكتبه عندك في عليين، وأخلف على أهله في الغابرين واجعله من رفقاء محمد صلى الله عليه وآله " ثم كبر الخامسة وتنصرف.
وإذا كان ناصبا فقل: " اللهم إنا لا نعلم إلا أنه عدو لك ولرسولك، اللهم فاحش جوفه نارا وقبره نارا، وعجله إلى النار، فإنه قد كان يتولى أعداءك، ويعادي أولياءك، ويبغض أهل بيت نبيك، اللهم ضيق عليه قبره " وإذا رفع فقل " اللهم لا ترفعه ولا تزكه " وإذا كان مستضعفا فقل " اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم " وإذا لم تدر ما حاله فقل " اللهم إن كان يحب الخير وأهله، فاغفر له وارحمه وتجاوز عنه ".
وقال عليه السلام: قال جعفر عليه السلام: صلى علي عليه السلام على سهل بن حنيف وكان
بدريا فكبر خمس تكبيرات، ثم مشى ساعة فوضعه ثم كبر عليه خمسا أخرى فصنع ذلك حتى كبر عليه خمسا وعشرين تكبيرة.
ايضاح: لعل المراد بالولي الوارث، ولا خلاف ظاهرا بين الأصحاب في أنه أولى من الأجانب، وقالوا إن الأب أولى من الابن، والولد أولى من الجد، على المشهور، وذهب ابن الجنيد إلى أن الجد أولى من الأب والابن وهو ضعيف، والأخ من الأبوين أولى ممن يتقرب بأحدهما، وفي تقدمه على الأخ من الام إشكال، والزوج أولى من كل أحد كما مر.
قوله: " فإذا كان في القوم رجل " يدل على ما ذكره الأصحاب من أن الهاشمي أولى من غيره في تلك الصلاة، إن قدمه الولي ويستحب له تقديمه بل أوجبه المفيد، وربما يحمل كلامه على إمام الأصل، وإن كان بعيدا، وإثبات الحكم في غيره لا يخلو من إشكال، لضعف المستند، وإن كان الأحوط العمل به، وقوله: " عند صدره أو وسطه " ظاهره التخيير مطلقا ويمكن حمله على التفصيل المشهور ويؤيده ما سيأتي، وما اشتمل عليه من رفع اليدين في التكبيرة الأولى فقط، مذهب المفيد والمرتضى والشيخ في النهاية والمبسوط وابن إدريس بل نسب إلى الأكثر، وذهب الشيخ في كتابي الاخبار إلى أنه مستحب في الجميع واختاره الفاضلان وجماعة من المتأخرين، وهو أقوى، والظاهر أن الأخبار الدالة على عدم الاستحباب محمولة على التقية، كما دل عليه خبر يونس قال:
سألت الرضا عليه السلام قلت: جعلت فداك إن الناس يرفعون أيديهم في التكبير على الميت في التكبيرة الأولى، ولا يرفعون فيما بعد ذلك، فأقتصر على التكبيرة الأولى كما يفعلون؟ أو أرفع يدي في كل تكبيرة؟ فقال: ارفع يديك في كل تكبيرة.
وأما رفع اليدين في التكبيرة الأولى فلا خلاف في استحبابه، وأما الصلاة
ومعناها وفائدتها ووجه التشبيه بصلاة إبراهيم وآله صلوات الله عليهم فقد بسطنا القول فيها في كتاب الفوائد الطريفة بما لا مزيد عليه.
قوله عليه السلام: لجميع المؤمنين، قال الوالد - ره - يحتمل أن يكون المراد بالمؤمن الامامي الصالح، وبالمسلم غيره، أو بالعكس، ويكون تقديم غير الصالح لكون احتياجه إلى المغفرة أكثر، ويحتمل أن يكون المراد بالمؤمن الامامي مطلقا، وبالمسلم المستضعف من غيرهم كما يظهر من الاخبار أن المستضعفين في المشية إن شاء عذبهم بعدله، وإن شاء رحمهم بفضله.
قوله: " تابع بيننا وبينهم " قال في النهاية أي اجعلنا نتبعهم على ما هم عليه انتهى أقول: ويحتمل أن يكون المعنى تابع وواتر بيننا وبينهم بسبب الخيرات الصلاة والبركات والمثوبات، أي نبعث إليهم شيئا فشيئا من الصدقات والدعوات والصالحات.
قوله عليه السلام " وأنت خير منزول به " الضمير في الظرف يحتمل إرجاعه إلى اسم المفعول نفسه، كما جوز الشيخ الرضي رضي الله عنه في بحث الصفة المشبهة في قولهم " حسن وجهه " إرجاع الضمير إلى الصفة، أو إلى موصوف مقدر له أي أنت خير شخص منزول به، كما قال المازني في قولهم " الممرور به زيد " أن الضمير راجع إلى الموصوف المقدر وإن ذهب الأكثر في هذا المقام إلى أنه راجع إلى لام الموصول، ويحتمل إرجاعه إلى الذات المبهمة المأخوذة في الصفات، فان قولنا " منزول به " في قوة ذات ما نزل به ويمكن إرجاعه إلى الضمير الذي وقع مبتدأ؟، لأنك إذا قلت: " زيد مضروب " ففيه ضمير عائد إلى زيد، وإذا قلت " ممرور به " فهذا الضمير البارز ينوب مناب هذا الضمير المستتر، ولذا يجري عليه التذكير والتأنيث والتثنية و الجمع، وفيه ما لا يخفى.
قوله: " اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا " ربما يستشكل ههنا بأن هذه كيفية للصلاة على المؤمن برا كان أو فاجرا، فكيف يجوز لنا هذا القول فيمن نعلم منه الشرور والفسوق؟
ويمكن أن يجاب عنه بوجوه: الأول أن يقال يجوز أن يكون هذا مما استثني من الكذب، سوغ لنا رحمة منه على الموتى، ليصير سببا لغفرانهم، كما جاز في الاصلاح بين الناس بل نقول: هذا أيضا كذب في الصلاح، وقد ورد في الخبر أن الله يحب الكذب في الصلاح، ويبغض الصدق في الفساد.
الثاني أن يخصص الخير والشر بالعقايد، لكن الترديد المذكور بعده لا يلائمه.
الثالث أن يقال إن شرهم غير معلوم، لاحتمال توبتهم أو شمول عفو الله أو الشفاعة لهم مع معلومية إيمانهم.
فان قيل: كما أن شرهم غير معلوم، بناء على تلك الاحتمالات فكذا خيرهم أيضا غير معلوم، فما الفرق بينهما؟ قلنا يمكن أن يقال بالفرق بينهما في العلم الشرعي، فانا مأمورون بالحكم بالايمان الظاهري وباستصحابه بخلاف الشرور والمعاصي، فانا أمرنا بالاغضاء عن عيوب الناس، وحمل أعمالهم وأقوالهم على المحامل الحسنة، وإن كانت بعيدة، فليس لنا الحكم فيها بالاستصحاب، و قيل: المراد بالخير الخير الظاهري، وبالشر الشر الواقعي، ولا يخفى بعده.
الرابع أن يخصص هذا الدعاء بالصلاة على المستورين الذين لا يعلم منهم ذنب، وهو بعيد جدا. وقال العلامة - رحمه الله - في المنتهى لو لم يعرف الميت لم يقل: اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا، لأنه يكون كذبا بل يقول ما رواه الشيخ عن ثابت بن أبي المقدام قال: كنت مع أبي جعفر عليه السلام فإذا بجنازة لقوم من جيرته ، فحضرها وكنت قريبا منه، فسمعته يقول " اللهم إنك خلقت هذه النفوس وأنت تميتها وأنت تحييها، وأنت أعلم بسرائرها وعلانيتها منا، ومستقرها ومستودعها، اللهم وهذا بدن عبدك ولا أعلم منه سوء، وأنت أعلم به وقد جئناك شافعين له بعد موته، فإن كان مستوجبا فشفعنا فيه، واحشره مع من كان يتوالاه " وكذلك من علم منه الشر لا يقول ذلك في حقه لأنه يكون كذبا
انتهى ولعله - رحمه الله - أراد من لا يعرف منه الايمان أو يعرف منه عدمه.
قوله " في إحسانه " بالإضافة إلى المفعول، أي في إحسانك إليه، ويحتمل أن يكون بالإضافة إلى الفاعل أي في حسناته قوله: " وعرف بينه وبينه " أي اجعله بحيث يرى النبي صلى الله عليه وآله ويعرف حقه، وهو يشفع له ويعده من أتباعه وأوليائه والدعاء بعد الخامسة مخالف للمشهور ويحتمل أن يكون مستحبا خارجا عن الصلاة وقال الشهيد في الذكرى بعد إيراد رواية مشتملة على الدعاء بعد الخامسة، ونحن لا نمنع جوازه، فان الدعاء حسن على كل حال.
وأما التسليم فالمقطوع به في كلام الأصحاب عدم شرعيته في تلك الصلوات قال في الذكرى: أجمع الأصحاب على سقوط التسليم فيها. وظاهرهم عدم مشروعيته فضلا عن استحبابه، قال في الخلاف ليس فيها تسليم واحتج عليه باجماع الفرقة، ونقل عن العامة التسليم على اختلافهم في كونه فرضا أو سنة، وهو يفهم كونه غير سنة عنده، وقال ابن الجنيد: ولا أستحب التسليم فيها، فان سلم الامام فواحدة عن يمينه، وهذا يدل على شرعيته للامام، وعدم استحبابه لغيره، أو على جوازه للامام من غير استحباب، بخلاف غيره انتهى.
وأما عدم البراح من مكانه حتى يرى الجنازة على أيدي الرجال فالمشهور استحبابه مطلقا وخصه الشهيد بالامام تبعا لابن الجنيد، ولو قلنا بالتعميم واتفق صلاة جميع الحاضرين، استثنى منهم أقل ما يمكن به رفع الجنازة، كما ذكره جماعة.
وأما الصلاة على الطفل، فاختلف الأصحاب في الحد الذي تجب فيه الصلاة عليه، فالأكثر على أنه بلوغ ست سنين، ونقل المرتضى والعلامة فيه الاجماع وقال المفيد في المقنعة والصدوق في المقنع: لا يصلى على الصبي حتى يعقل الصلاة، ونحوه قال الجعفي، وقال ابن الجنيد يجب على المستهل، وقال ابن أبي عقيل لا يجب حتى يبلغ، والأقرب الأول، والمشهور بينهم لا سيما المتأخرين استحبابها
عليه قبل ست سنين، وظاهر المفيد نفي الاستحباب، وهو الظاهر من الكليني و الصدوق في الكافي والفقيه وكلام المبسوط مشعر به، ويظهر من الشيخ في كتابي الاخبار نوع تردد فيه، وظاهر كثير من الاخبار أن الصلاة قبل ست سنين بدعة، وما وقع منهم - عليهم السلام - عليهم كان للتقية، وسيأتي بعضها.
قوله عليه السلام: " فإذا حضرت " ظاهره أنه إذا كان لا يعقل الصلاة لا يصلى عليه، لكن يدعو بهذا الدعاء، ويمكن حمله على ما بعد الست، فالمراد القول في الصلاة كما فهمه الأصحاب.
والذخر بالضم ما ادخرته ليوم حاجتك، وقال الجوهري: الفرط بالتحريك الذي يتقدم الواردين فيهيئ لهم الارسان والدلاء، ويملؤ الحياض ويستقي لهم انتهى، وإنما أطلق عليه الفرط لان بذهابه يحصل الاجر، فكأنه هيأ لهم الرحمة، أو لأنه يشفع لهم عند ورودهم القيامة، قال في النهاية اللهم اجعله لنا فرطا أي أجرا يتقدمنا انتهى.
والمستضعف، فسره ابن إدريس بمن لا يعرف اختلاف الناس في المذاهب ولا يبغض أهل الحق على اعتقادهم، وفي الذكرى بأنه الذي لا يعرف الحق ولا يعاند فيه، ولا يوالي أحدا بعينه، وحكي عن المفيد في العزية أنه عرفه بأنه الذي يعرف بالولاء ويتوقف عن البراءة، ويظهر من بعض الأخبار، أن المراد بهم ضعفاء العقول، وأشباه الصبيان، ممن لهم حيرة في الدين، وليست لهم قوة التميز، ولا يعاندون أهل الحق.
ثم اعلم أن الظاهر من هذا الخبر وغيره قراءة الآية في كل تكبيرة، و خصها الأصحاب بالرابعة، قوله عليه السلام " ولها ما تولت " وفي بعض الأخبار " من
تولت " أي اجعل ولي أمر هذه النفس من كانت تتولاه في الدنيا واتخذته وليها وإمامها أو أحبته من الأئمة الأبرار، إن كان مؤمنا، وأعداءهم إن كان مخالفا قال في النهاية " لنولينك ما توليت " أي نكل إليك ما قلت، ونرد إليك ما وليته نفسك ورضيت لها به انتهى، وعلى رواية " ما " يمكن أن يكون استعملت موضع " من " و كثيرا ما تقع كقوله تعالى " والسماء وما بناها " أو المراد به العقائد والمذاهب فيرجع إلى الأول، وأما الاعمال فلا يناسب مقام الدعاء والشفاعة.
واحشرها أي أجمعها كما هو معنى الحشر في الأصل، أو ابعثها في القيامة معهم، ليصيروا سببا لنجاته من أهوالها.
ثم اعلم أنه على ما يظهر من المنتهى لا خلاف في جواز إيقاع الصلاة الواحدة على ما زاد على الواحدة من الجنائز، ويجوز التفريق أيضا وقال: لو اجتمعت جنازة الرجل والمرأة جعل الرجل مما يلي الامام، والمرأة مما يلي القبلة، قاله علماؤنا، ثم قال: هذه الكفية والترتيب ليس واجبا بلا خلاف.
قال الشهيد في الذكرى: والتفريق أفضل، ولو كان على كل طائفة، لما فيه من تكرار ذكر الله، وتخصيص الدعاء الذي هو أبلغ من التعميم، إلا أن يخاف حدوث أمر على الميت فالصلاة الواحدة أولى، فيستحب إذا اجتمع الرجل والمرأة محاذاة صدرها لوسطه، ليقف الامام موقف الفضيلة، وأن يلي الرجل الامام، ثم الصبي لست، ثم العبد، ثم الخنثى، ثم المرأة، ثم الطفل لدون ست ثم الطفلة.
وجعل ابن الجنيد الخصي بين الرجل والخنثى، ونقل في الخلاف الاجماع على تقديم الصبي الذي تجب عليه الصلاة إلى الامام ثم المرأة، ثم قال: وأطلق الصدوقان تقديم الصبي إلى الامام، وفي النهاية أطلق تقدم الصبي إلى القبلة على المرأة انتهى.
واستشكل جماعة من الأصحاب الاجتزاء بالصلاة الواحدة على الصبي الذي
لم تجب الصلاة عليه، مع غيره ممن تجب عليه، لاختلاف الوجه، وصرح في التذكرة بعدم جواز جمع الجميع بنية واحدة متحدة الوجه، ثم قال: ولو قيل باجزاء الواحدة المشتملة على الوجهين بالتقسيط أمكن.
أقول: ما ذكره أخيرا موجه على القول بلزوم نية الوجه، وهو غير ثابت.
وقال الشهيد في الذكرى: لو اجتمع الرجال صفوا مدرجا، يجعل رأس الثاني إلى ألية الأول، وهكذا ثم يقوم الامام في الوسط، ولو كان معهم نساء جعل رأس المرأة الأولى إلى ألية الرجل الأخير، ثم الثانية إلى ألية الأولى، وهكذا ثم يقوم وسط الرجال ويصلي عليهم صلاة واحدة، وروى ذلك كله عمار عن الصادق عليه السلام.
أقول: رواية عمار في الكافي أيضا هكذا، وفي التهذيب والمنتهى ثم يجعل رأس المرأة الأخرى إلى رأس المرأة الأولى، وما في الكافي أضبط وأقوى، لكن رواية عمار لا تصلح لمعارضة سائر الأخبار، وكأن الأصحاب فرقوا بين ما إذا كان الميت من كل صنف واحدا أو متعددا، فعملوا في الثاني برواية عمار وفي الأول بالروايات المطلقة، بأن يجعل صدر المرأة مثلا محاذيا لوسط الرجل ويقف الامام محاذيا لوسط الرجل.
ثم إن الأصحاب في الصورة الأولى - التي يقف الامام فيها في وسط الصف المدرج - لم يتعرضوا لأنه يقف قريبا من الجنازة التي أمامه، فيقع بعض الجنائز الكائنة عن يمينه خلفه أو يقف بحيث تكون جميع الجنائز أمامه، وإن بعد كثيرا عن الجنازة التي تحاذيه، والخبر أيضا في ذلك مجمل، وعلى تقدير العمل بالخبر القول بالتخيير لا يخلو من قوة.
قوله " وكانت الجنازة مقلوبة " أي كان رأس الميت في يسار المصلي و
رجلاه في يمينه، كما رواه الكليني في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سئل عن ميت صلي عليه، فلما سلم الامام، فإذا الميت مقلوب رجلاه إي موضع رأسه، قال: يسوى وتعاد الصلاة عليه، وإن كان قد حمل ما لم يدفن، فإن كان قد دفن فقد مضت الصلاة، لا يصلى عليه وهو مدفون " وعليه عمل الأصحاب قال في المعتبر قال الأصحاب: يجب أن يكون رأس الجنازة إلى يمين الامام، وهو السنة المتبعة، قالوا ولو تبين أنها مقلوبة أعيدت الصلاة ما لم يدفن، واحتجوا في ذلك برواية عمار وما تضمنه الخبر من التسليم محمول على التقية كما عرفت.
قوله " فكبر عليها تمام الخمس " عليه فتوى الأصحاب، وقال الأكثر إن أمكن الدعاء يأتي بأقل المجزي وإلا يكبر ولاء من غير دعاء، وظاهر الروايات الواردة في ذلك أنه يكبر ولاء من غير تفصيل، ومال إليه بعض المتأخرين ولا يخلو من قوة، وإن أمكن حملها على الغالب، من عدم التمكن، وهذه الرواية مجملة وما سيأتي من خبر علي بن جعفر يومي إلى الاتيان بما أمكن من الدعاء.
قوله: فصل عليهما ظاهره القطع والاستيناف، كما هو ظاهر الفقيه، حيث قال: ومن كبر على جنازة تكبيرة أو تكبيرتين فوضعت جنازة أخرى معها فان شاء كبر الان عليهما خمس تكبيرات، وإن شاء فرغ من الأولى واستأنف الصلاة على الثانية، وروى الكليني والشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن قوم كبروا على جنازة تكبيرة أو ثنتين، ووضعت معها أخرى كيف يصنعون؟ قال: إن شاؤوا تركوا الأولى، حتى يفرغوا من التكبير على الأخيرة، وإن شاؤوا رفعوا الأولى وأتموا ما بقي على الأخيرة، كل ذلك لا بأس به.
وقال الشهيد - ره - في الذكرى: لو حضرت جنازة في أثناء الصلاة على
الأولى، قال الصدوقان والشيخ: يتخير في الاتمام على الأولى ثم يستأنف أخرى على الثانية، وفي إبطال الأولى واستيناف الصلاة عليهما، لان في كل من الطريقين تحصل الصلاة، ولرواية علي بن جعفر، وهي قاصرة عن إفادة المدعى، إذ ظاهرها أن ما بقي من تكبيرة الأولى محسوب للجنازتين، فإذا فرغ من تكبير الأولى تخيروا بين تركها بحالها حتى يكملوا التكبير على الأخيرة، وبين رفعها من مكانها والاتمام على الأخيرة، وليس في هذا دلالة على إبطال الصلاة على الأولى بوجه، هذا مع تحريم قطع العبادة الواجبة.
نعم لو خيف على الجنائز قطعت الصلاة ثم استونف عليهما، لأنه قطع لضرورة إلا أن مضمون الرواية يشكل بعدم تناول النية أولا للثانية، فكيف يصرف باقي التكبير إليها مع توقف العمل على النية، فأجاب بامكان حمله على إحداث نية من الان لتشريك باقي التكبيرات على الجنازتين.
ثم قال: قال ابن الجنيد: يجوز للامام جمعهما إلى أن يتم على الثانية خمسا فان شاء أومأ إلى أهل الأولى ليأخذوها، ويتم على الثانية خمسا، وهو أشد طباقا للرواية، وقد تأول رواية جابر عن الباقر عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله كبر عشرا أو سبعا وستا بالحمل على حضور جنازة ثانية، وهكذا انتهى.
أقول: ما ذكره - ره - هو الظاهر من الخبر، ويحتمل أن يكون المراد إتمام الصلاة على الأولى، واستيناف الصلاة على الأخيرة، مع التخيير في رفع الجنازة الأولى حال الصلاة على الأخيرة، ووضعها بأن يكون المراد بقوله عليه السلام " وأتموا " إيقاع الصلاة تماما وقوله " ما بقي " أي الصلاة الباقية، لا التكبيرات الباقية كما ذكره بعض المتأخرين، ولا يخفى بعده، وأما ما فهمه القوم، فلعلهم حملوا قوله " تركوا الأولى " على ترك الصلاة الأولى وقطعها، وقوله " حتى يفرغوا من التكبير على الأخيرة " أي على الأولى والأخيرة معا " وإن شاؤوا رفعوا " أي بعد إتمام الصلاة عليها " وأتموا ما بقي " أي الصلاة الباقية، ولا يخفى ما فيه من التكلفات لكنه موافق لفهم الصدوق، ولعله أخذ من الفقه الرضوي.
قوله " ولا بأس أن يصلي " أجمع علماؤنا على عدم اشتراط هذه الصلاة بالطهارة وأجمعوا على استحبابها، وقد نقل الاجماع عليهما في التذكرة والمنتهى.
ثم اختلفوا في أن إطلاق الصلاة على هذه حقيقة أو مجاز، ويتفرع عليه إجراء الاحكام والشرائط الواردة في الصلاة مطلقا فيها، وظاهر الخبر عدم الحقيقة وإن احتمل أن يكون المراد ليس بالصلاة المعهودة المشتملة على الركوع والسجود المشروطة بالطهارة، ولا خلاف بينهم ظاهرا في وجوب الاستقبال والقيام مع القدرة اتباعا للهيئة المنقولة، وفي وجوب الستر مع الامكان قولان، وجزم العلامة بعدمه.
وكذا اختلفوا في أنه هل يعتبر فيها الطهارة من الخبث؟ فذهب أكثر المتأخرين إلى العدم تمسكا بمقتضى الأصل، وإطلاق الاذن في صلاة الحائض مع عدم انفكاكها من النجاسة غالبا، ولا يخلو من قوة، وكذا في ترك ما يجب تركه في اليومية، قال في الذكرى: والأحوط ترك ما يترك في ذات الركوع، والابطال بما يبطل، خلا ما يتعلق بالحدث والخبث انتهى.
أقول: يمكن أن يفرع على الخلاف المذكور اشتراط العدالة في إمام تلك الصلاة، ويؤيد العدم عدم فوت فعل من الافعال عن المأموم بسبب الايتمام.
وأما وقوف الحائض ناحية فرواه الكليني في الموثق عن عبد الرحمان ابن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت تصلي الحائض على الجنازة، قال:
نعم، ولا تصف معهم، تقوم منفردة، ورواه في الحسن أيضا وليس فيه " تقوم منفردة " ويحتمل أن يكون المراد تأخرها عن صف الرجال، فلا اختصاص له بالحائض بل هذا حكم مطلق النساء، ويؤيده لفظ الرجال هنا، وتذكير ضمير معهم في الخبرين. وأن يكون المراد عمن لم يتصف بصفتها من النساء أيضا كما فهمه القوم، ويكون التذكير للتغليب، ويشعر به قوله عليه السلام تقوم منفردة.
قال في التذكرة: وإذا صلوا جماعة ينبغي أن يتقدم الامام والمؤتمون خلفه صفوفا، وإن كان فيهم نساء وقفن آخر الصفوف، وإن كان فيهم حائض انفردت بارزة عنهم وعنهن، ونحوه قال في المنتهى، وقال في الذكرى: وفي انفراد الحائض هنا نظر من خبر محمد بن مسلم فان الضمير يدل على الرجال، وإطلاق الانفراد يشمل النساء، وبه قطع في المبسوط وتبعه ابن إدريس والمحقق انتهى.
أقول: الاستدلال بتلك الأخبار على تأخرها عن النساء، لا يخلو من إشكال وأما استحباب التيمم للحائض والجنب والمحدث، وإن أمكن الغسل والوضوء، فهو مقطوع به في كلام الأصحاب، بل ظاهر العلامة أنه إجماعي، لكن الشيخ في التهذيب قيده بما إذا خاف أن تفوته الصلاة، وأما الوضوء للجنب والحائض فلم أره في سائر الأخبار، ولا كلام الأصحاب، وقوله " عمدا " لعل المراد به أن يتوضأ بقصد الوجوب إذ لا خلاف في استحبابه.
قوله " وأفضل المواضع " هذا مؤيد لما فهمه الصدوق من الخبر الآتي، ويمكن حمله على صفوف الجنائز أو للنساء.
قوله بنعل حذو، أقول: روى الكليني عن عدة من أصحابه، عن سهل ابن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
لا يصلى على الجنازة بحذاء، ولا بأس بالخف.
وقال الشهيد في الذكرى: يستحب نزع الحذاء لا الخف لخبر سيف بن عميرة قال في المقنع: روي أنه لا يجوز للرجل أن يصلي على جنازة بنعل حذو، وكان محمد بن الحسن يقول: كيف تجوز صلاة الفريضة ولا تجوز صلاة الجنازة؟ وكان يقول لا نعرف النهي من ذلك إلا من رواية محمد بن موسى الهمداني وكان كذابا، قال الصدوق: وصدق في ذلك، إلا أنى لا أعرف عن غيره رخصة، وأعرف النهي وإن كان من غير ثقة، ولا يرد الخبر بغير خبر معارض.
قلت: قد روى الكليني من غير طريق الهمداني إلا أن يفرق بين الحذاء
ونعل الحذو.
واحتج في المعتبر على استحباب الحفاء وهو عبارة ابن البراج بما روي عن بعض الصحابة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار، ولأنه موضع اتعاظ يناسب التذلل بالحفاء، قلت: استحباب الحفاء يعطي استحباب نزع الخف، والشيخ وابن الجنيد ويحيى بن سعيد استثنوه، والخبر ناطق به، وفي التذكرة اختار عدم نزع الخف، واحتج بحجة المعتبر، وهو تمام لو ذكر الدليل المخرج للخف عن مدلول الحديث انتهى، والظاهر أنه يثبت استحباب ترك الحذاء بهذا الخبر لمساهلتهم في مستند المسحبات، واستدلالهم عليها بالاخبار الضعيفة، بل العامية، والظاهر أن الحكم موضع وفاق أيضا بينهم، ويحتمل أن يكون مرادهم بنعل الحذو والحذاء غير النعال العربية بل النعال العجمية والهندية الساترة لظهر القدم أو أكثره، بغير ساق، وحينئذ فان قيل بكون هذه الصلاة صلاة حقيقة ويشملها عموم ما ورد من الاحكام في مطلق الصلاة كما ذهب إليه جماعة، يكون القول بالمنع من الصلاة فيها جاريا ههنا، إن قال المانعون بتلك المقدمة، لكن الظاهر من كلام أكثرهم وبعض اللغويين أن الحذاء شامل لجميع النعال سوى الخف قال في النهاية: الحذاء بالمد النعل، وقال المحقق وغيره: وينزع نعليه، وقال في المنتهى: ويستحب التحفي، واستدل بهذا الخبر، وما يفهم من كلام بعضهم من عدم استثناء الخف غير جيد، لمخالفة الخبر الذي هو مستند الحكم.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.