بحارالانوار · كتاب الطهارة
3 - باب وجوب الوضوء وكيفيته وأحكامه
ج ۷۷، ص ۲۳۸–۲۷۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
الواقعة: إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون.
تفسير: قيل إقباله جل شأنه بالخطاب بهذا الأمر يتضمن تنشيط المخاطبين والاعتناء بشأن المأمور به، وجبر كلفة التكليف بلذة المخاطبة، ثم إن قلنا باختصاص كلمة " يا " بنداء البعيد كما هو الأشهر، فالنداء بها للبعد البعيد بين مقامي عز الربوبية وذل العبودية، أو لتنزيل المخاطبين ولو تغليبا منزلة البعداء للانهماك في لوازم البشرية، وإن كان سبحانه أقرب إلينا من حبل الوريد، أو لما يتضمنه هذا النداء من تفخيم المخاطب به، والإشارة إلى رفعة شأنه بالايماء إلى أننا بمراحل عن توفية حقه، وحق ما شرع لأجله.
ولفظة " أي " لما كانت وصلة إلى نداء أمثال هذه المعارف، أعطيت حكم المنادى، ووصفت بالمقصود بالنداء، وتوسيط ها التنبيه بينهما تعويض عما استحقه من المضاف إليه، وتأكيد للخطاب، وقد كثر النداء بيا أيها الذين آمنوا في القرآن المجيد، لما فيه من وجوه التأكيد بالايماء إلى التفخيم، وتكرار الذكر والابهام أولا ثم الايضاح ثانيا.
والإتيان بحرف التنبيه وتعليق الحكم على الوصف المشعر بالعلية الباعث على الترغيب في الامتثال، وتخصيص الخطاب بالمؤمنين، لأنهم هم المتهيئون للامتثال، وإلا فالكفار عندنا مخاطبون بفروع العبادات، على أن المصر على عدم الايتمار بالشئ لا يحسن أمره بما هو من شروطه ومقدماته.
والقيام إلى الصلاة قيل أريد به إرادته والتوجه إليه إطلاقا للملزوم على لازمه، أو المسبب على سببه، إذا فعل المختار تلزمه الإرادة، ويتسبب عنها كقوله تعالى " فإذا قرأت القرآن " وقيل المراد بالقيام إليها قصدها، والعلاقة ما مر من اللزوم أو السببية، وقيل معنى القيام إلى الشئ قصده وصرف الهمة إلى الاتيان به، فلا تجوز، وقيل المراد القيام المنتهي إلى الصلاة.
قال الشيخ البهائي قدس سره: والقولان الأخيران وإن سلما عن التجوز لكن أولهما لم يثبت في اللغة، وثانيهما لا يعم جميع الحالات، فالمعتمد الأول وكيف كان، فالمعنى إذا قمتم محدثين، وأما ما نقل من أن الوضوء كان فرضا على كل قائم إلى الصلاة وإن كان على وضوء ثم نسخ بالسنة فلم يثبت عندنا، مع أنه خلاف ما هو المشهور من أنه لا منسوخ في المائدة.
وقال جماعة من الأصحاب: الوجه مأخوذ من المواجهة فالآية إنما تدل على وجوب غسل ما يواجه به منه، وقال والدي قدس سره: بل الأمر بالعكس، فان المواجهة مشتقة من الوجه.
ولما كانت اليد تطلق على ما تحت الزند، وعلى ما تحت المرفق، وما تحت المنكب، بين سبحانه غاية المغسول منها كما تقول لغلامك: اخضب يدك إلى الزند
وللصيقل اصقل سيفي إلى القبضة، وليس في الآية الكريمة دلالة على ابتداء الغسل بالأصابع وانتهائه بالمرفق، كما أنه ليس في هاتين العبارتين دلالة على ابتداء الخاضب والصيقل بأصابع اليد وطرف السيف، فهي مجملة.
ولا سيما إذا جعلت لفظة " إلى " فيها بمعنى " مع "، كما في بعض التفاسير
فالاستدلال بها على وجوب الابتداء بالأصابع استدلال واه لاحتمالها كلا الأمرين ونحن إنما عرفنا وجوب الابتداء بالمرفق من فعل أئمتنا عليهم السلام.
على أن ابن هشام ذكر في طي ما ذكر من أغلاط المعربين: الحادي عشر قوله تعالى " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق " فان المتبادر تعلق إلى باغسلوا وقد رده بعضهم بأن ما قبل الغاية لا بد أن يتكرر قبل الوصول إليها تقول ضربته
إلى أن مات، ويمتنع قتلته إلى أن مات، وغسل اليد لا يتكرر قبل الوصول إلى المرفق، لأن اليد شاملة لرؤوس الأنامل والمناكب وما بينهما.
قال: والصواب تعلق إلى باسقطوا محذوفا ويستفاد من ذلك دخول المرافق في الغسل، لأن الإسقاط قام الاجماع على أنه ليس من الأنامل بل من المناكب وقد انتهى إلى المرفق، والغالب أن ما بعد إلى يكون غير داخل، بخلاف حتى وإذا لم يدخل في الاسقاط بقي داخلا في المأمور بغسله انتهى.
والحمد لله الذي أظهر الحق على لسان أعدائه، ألا ترى كيف اعترف هذا الفاضل الذي هو من أفاخم علماء العربية، وأجلة أفاضل أهل الضلالة، بما يستلزم الحق المبين، والحمد لله رب العالمين. وقد روي عن الصادق عليه السلام أن الآية نزلت هكذا " وأيديكم من المرافق ".
والمرافق جمع مرفق بكسر أوله وفتح ثالثه، أو بالعكس، وهو مجمع
عظمي الذراع والعضد سمي بذلك لأنه يرتفق به في الاتكاء ونحوه، ولا دلالة في الآية على إدخاله في غسل اليد، ولا على إدخال الكعب في مسح الرجل لخروج الغاية تارة ودخولها أخرى ومجئ " إلى " بمعنى " مع " كما في قوله تعالى " ويزدكم قوة إلى قوتكم " وقوله " من أنصاري إلى الله " لا ينفع فنحن إنما استفدنا إدخال المرفق في الغسل من فعل أئمتنا عليهم السلام وقد أطبق جماهير الأمة أيضا على دخوله ، ولا يخالف فيه إلا شرذمة شاذة من العامة لا يعتد بهم.
وأما الكعبان فالمشهور بين علمائنا عدم دخولهما في المسح، وليس في رواياتنا تصريح بدخولهما فيه، بل في بعضها إشعار بعدمه، وأما العامة فقد أدخلوهما في الغسل، والباء في قوله: " برؤوسكم " حملها العامة على مطلق الالصاق ومن ثم
أوجب بعضهم مسح كل الرأس، واكتفى بعضهم ببعضه، وأما عند الإمامية فالباء عندهم للتبعيض كما تدل عليه أخبارهم ولا يلتفت إلى إنكار بعض المخالفين مجي الباء للتبعيض، لاعتراف فحول علمائهم بمجيئه كالفيروز آبادي وهو من أفاخم اللغويين الذين يعتمدون عليهم في جل أحكامهم، حيث قال في
سياق معاني الباء: وللتبعيض " عينا يشرب بها عباد الله " " وامسحوا برؤوسكم " انتهى.
وقال ابن هشام في ترجمة الباء: الحادية عشر للتبعيض أثبت ذلك الأصمعي والفارسي والقتيبي وابن مالك، قيل: والكوفيون، وجعلوا منه " عينا يشرب بها عباد الله " وقوله " شربن بماء البحر ثم ترفعت "..... وقوله....: " شرب النزيف ببرد ماء الحشرج " قيل: ومنه " وامسحوا برؤوسكم " انتهى.
ويكفى لنا ما صدر عن أئمتنا عليهم السلام في ذلك فإنهم أفصح العرب قد أقربه المخالف والمؤالف من أهل اللسان، فلا يلتفت إلى انكار سيبويه بعد ذلك مجئ الباء في كلام العرب للتبعيض في سبعة عشر موضعا من كتابه مع أن شهادته في ذلك شهادة نفي وهي غير مقبولة، بل شهادة المدعي وهي غير مسموعة، مع أنها معارضة باصرار الأصمعي على مجيئها له في نظمهم ونثرهم، وهو أشد أنسا بكلامهم، و أعرف بمقاصدهم من سيبويه المعاند للحق وأهله.
ووافق ابن جني سيبويه في ذلك، وما ذكر بعض مشايخنا من عد قول ابن جني موافقا لمذهب ابن مالك فهو سهو، لتصريح الرضي بما ذكرنا.
وأما قوله سبحانه " وأرجلكم " فالقراء السبعة قد اقتسموا قراءتي نصب الأرجل وجرها على التناصف، فقرأ الكسائي، ونافع، وابن عامر، و حفص عن عاصم، بنصبها، وحمزة وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم
بجرها.
واختلفت الأمة في مسح الرجلين وغسلهما في الوضوء، فقال فرقة بالمسح وهم كافة أصحابنا الإمامية ، ونقل الشيخ في التهذيب أن جماعة من العامة يوافقوننا على المسح أيضا إلا أنهم يقولون باستيعاب القدم ظهرا وبطنا، ومن القائلين بالمسح ابن عباس، وكان يقول: الوضوء غسلتان ومسحتان، من باهلني باهلته، ووافقه أنس بن مالك وعكرمة والشعبي وجماعة من التابعين، وقد نقل علماء العامة من المفسرين وغيرهم أنه موافق لقول الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام وقول آبائه الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين.
وقال طائفة بالغسل، وهو مذهب أصحاب المذاهب الأربعة، وقال
داود والناصر للحق وجم غفير من الزيدية بالجمع بين الغسل والمسح، قالوا: قد ورد الكتاب بالمسح، والسنة بالغسل، فوجب العمل بهما معا، وذهب الحسن البصري وأبو علي الجبائي ومحمد بن جرير الطبري إلى التخيير بينهما.
فإذا عرفت هذا فاعلم أن الماسحين حملوا قراءة النصب على العطف على محل الرؤوس كما تقول: مررت بزيد وعمرا بالعطف على محل زيد، لأنه مفعول به والعطف على المحل شايع في كلام العرب، مقبول عند النحاة وأما قراءة الجر فلا حاجة لهم إلى توجيهها إذ ظهورها في المسح غني عن البيان.
والغاسلون حملوا قراءة النصب على عطف الأرجل على الوجوه أو على إضمار عامل آخر تقديره " واغسلوا أرجلكم " كما أضمروا العامل في قول الشاعر:
" علفتها تبنا وماء باردا " قوله: " متقلدا سيفا ورمحا ".
واضطربوا في توجيه قراءة الجر فقال بعضهم: إن الأرجل فيها معطوفة على الأيدي، وإنما جرت لمجاورة المجرور أعني الرؤوس نحو قولهم: " جحر ضب خرب.
وقال آخرون: هي معطوفة على الرؤوس والآية مقصورة على الوضوء الذي يمسح فيه الخفان، وليس المراد بها بيان كيفية مطلق الوضوء.
ولم يرتض الزمخشري في الكشاف شيئا من الوجهين، واخترع وجها آخر حيث قال: فان قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخول الأرجل في حكم المسح؟
قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها، فكانت مظنة للاسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الرابع الممسوح لا لتمسح، و لكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، وقيل: " إلى الكعبين " فجئ بالغاية إماطة لظن ظان يحسبها ممسوحة، لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة انتهى.
وأما الجامعون بين الغسل والمسح فهم يوافقون الامامية في استفادة المسح من الآية على كل من القرائتين، وأما المخيرون فرئيسهم أعني الحسن لم يقرأ بنصب الأرجل ولا بجرها، وإنما قرأها بالرفع على تقدير وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة، وباقيهم وافقوا الامامية على ما استفادوه من الآية.
ومن وفقه الله لسلوك جادة الانصاف، ومجانبة جانب الاعتساف، لا يعتريه ريب في أن الآية الكريمة ظاهرة في المسح، شديدة البعد عن إفادة الغسل، وأن ما تمحله الغاسلون في توجيه قراءة النصب من عطف الأرجل على الوجوه يوجب خروج الكلام عن حلية الانتظام، لصيرورته بذلك من قبيل قول القائل " ضربت زيدا وعمرا وأكرمت خالدا وبكرا " بجعل بكرا معطوفا على زيد لقصد الاعلام بأنه مضروب لا مكرم، ولا يخفى أن مثل هذا الكلام في غاية الاستهجان عند أهل اللسان، فكيف يجنح إليه أو تحمل الآية عليه.
وأما ما تكلفوه من تقدير " واغسلوا " فلا يخفى ما فيه، فان التقدير خلاف الأصل، وإنما يحسن ارتكابه عند عدم المندوحة عنه، وفد عرفت أن العطف على المحل طريق واضح، ومذهب راجح.
وأما المحملان اللذان حملوا عليهما قراءة الجر، فهما بمراحل عن جادة السداد، أما الحمل على أن المراد تعليم مسح الخفين، فلا يخفى ما فيه من
البعد، ولهذا أعرض عنه المحققون من المفسرين إذ لم يجر للخفين ذكر، ولا دلت عليهما قرينة، وليس الغالب بين العرب لبسهما، وسيما أهل مكة والمدينة زادهما الله شرفا، فكيف يقتصر سبحانه في ابتداء كيفية الوضوء على تعليم كيفية وضوء لابس الخفين فقط، ويترك وضوء من سواه، وهو الغالب الأهم.
وأما الحمل على جر الجوار، فأول ما فيه أن جر الجوار ضعيف جدا حتى أن أكثر أهل العربية أنكروه، ولم يعولوا عليه، ولهذا لم يذكره صاحب الكشاف في توجيه قراءة الجر وتمحل لها وجها آخر.
وأيضا فان المجوزين له إنما جوزوه بشرطين: الأول عدم تأديته إلى الالتباس على السامع، كما في المثال المشهور إذ الخرب إنما يوصف به الجحر لا الضب، والثاني أن لا يكون معه حرف العطف، والشرطان مفقودان في الآية الكريمة، أما الأول فلأن تجويز جر الجوار هنا يؤدي إلى التباس حكم الأرجل لتكافؤ احتمالي جرها بالجوار المقتضي لغسلها، وبالعطف على الأقرب المقتضي لمسحها.
فان قلت: إنما يجئ اللبس لو لم تكن في الآية قرينة على أنها مغسولة لكن تحديدها بالغاية قرينة على غسلها، إذ المناسب عطف ذي الغاية على ذي الغاية لا على عديمها، وتناسب المتعاطفين أمر مرغوب فيه في فن البلاغة.
قلت: هذه القرينة معارضة بقرينة أخرى، دالة على كونها ممسوحة، و هي المحافظة على تناسب الجملتين المتعاطفتين فإنه سبحانه لما عطف في الجملة الأولى ذا الغاية على غير ذي الغاية، ناسب أن يكون العطف في الجملة الثانية أيضا على هذه الوتيرة، وعند تعارض القرينتين يبقى اللبس بحاله.
وأما الشرط الثاني فأمره ظاهر.
فان قلت: قد جاء الجر بالجوار في قوله تعالى " وحور عين " في
قراءة حمزة والكسائي مع أن حرف العطف هناك موجود، وليست معطوفة على " أكواب " بل على " ولدان " لأنهن طائفات بأنفسهن وجاء أيضا في قول الشاعر:
فهل أنت إن ماتت أتانك راحل * إلى آل بسطام بن قيس فخاطب بعطف خاطب على راحل، وجره بجوار قيس.
قلنا: أما الآية الكريمة فليس جر " حور عين " فيها بالجوار، كما ظننت بل إنما هو بالعطف على " جنات " أي هم في جنات ومصاحبة حور عين، أو على أكواب إما لأن معنى " يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ": ينعمون بأكواب، كما في الكشاف وغيره، أو لأنه يطاف بالحور عليهم مثل ما يجاء بسراري الملوك إليهم كما في تفسير الكواشي وغيره، ودعوى كونهن طائفات بأنفسهن لا مطافا بهن لم يثبت بها رواية، ولا يشهد بها دراية.
وأما البيت فبعد تسليم كونه من قصيدة مجرورة القوافي فلا نسلم كون لفظة خاطب اسم الفاعل، لجواز كونها فعل أمر أي فخاطبني وأجبني عن سؤالي وإن سلمنا ذلك فلا نسلم كونها مجرورة لكثرة الاقواء في شعر العرب العرباء حتى قل أن يوجد لهم قصيدة سالمة عنه، كما نص عليه الأدباء فلعل هذا منه، وإن سلمنا كونها مجرورة بالجوار، فلا يلزم من وقوع جر الجوار مع العطف في الشعر جوازه في غيره [إذ يجوز في الشعر لضرورة الوزن أو القافية ما لا يجوز في غيره].
وأما المحمل الثالث الذي تمحله صاحب الكشاف، فلا يخفى ما فيه من التعسف الشديد، والتمحل البعيد، ومن ذا الذي قال بوجوب الاقتصاد في غسل الرجلين؟ وأي إسراف يحصل بصب الماء عليها؟ ومتى ينتقل المخاطبون بعد عطفها على الرؤوس الممسوحة وجعلها معمولة لفعل المسح إلى أن المراد غسلها
غسلا يسيرا مشابها للمسح؟ وهل هذا إلا مثل أن يقول القائل: أكرمت زيدا وعمروا وأهنت خالدا وبكرا، فهل يفهم أهل اللسان من كلامه هذا إلا أنه أكرم الأولين وأهان الآخرين؟ ولو قال لهم: إني لم أقصد من عطف بكر على خالد أني أهنته، وإنما قصدت أني أكرمته إكراما حقيرا قريبا من الإهانة، لأكثروا ملامه، وزيفوا كلامه، وحكموا بأنه خارج عن أسلوب كلام الفصحاء.
وأما التأييد الذي ذكره فهو أعجب وأغرب، لأنه إن أراد أن مطلق المسح لم تضرب له غاية في الشريعة، ولم ترد به الآية الكريمة، فهو عين المتنازع بين فرق الاسلام، وإن أراد أن مسح الرأس لم تضرب له غاية فأين القرينة حينئذ على أن الأرجل مغسولة.
وأعجب من ذلك أنه لشدة اضطرابه قد ناقض نفسه في كلامين ليس بينهما إلا أسطر قلائل، حيث قال عند قوله تعالى: " فاغسلوا وجوهكم " فان قلت:
هل يجوز أن يكون الأمر شاملا للمحدثين وغيرهم: لهؤلاء على وجه الوجوب. و لهؤلاء على وجه الندب؟ قلت: لا، لأن تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الالغاز والتعمية، ثم إنه حمل قوله تعالى: " وامسحوا برؤوسكم " على ما هو أشد إلغازا وأكثر تعمية من أكثر الإلغاز والمعميات، وجوز تناول الكلمة لمعنيين مختلفين، إذ المسح من حيث وروده [على الرؤس يراد به المسح الحقيقي ومن حيث وروده] على الأرجل يراد به الغسل القريب من المسح ، وما حمله على هذا التعسف مع غاية فضله إلا التعصب، أعاذنا الله منه.
فائدة قيل: إن الظاهر من الآية الكريمة وجوب الوضوء على كل من قام إلى الصلاة حتى المتطهرين أيضا لدلالة كلمة إذا على العموم عرفا، مع أن حمله ههنا على الاهمال يجعل الكلام خاليا عن الفائدة المعتد بها، وهو لا يناسب كلام
الحكيم، لكن الاجماع واقع على وجوب الوضوء على المحدثين فقط.
قال في المنتهى: إذا توضأ لنافلة جاز أن يصلي بها فريضة، وكذا يصلي بوضوء واحد ما شاء من الصلوات، وهو مذهب أهل العلم، خلافا للظاهرية انتهى.
فقال بعضهم: إن الحكم كان في الابتداء كذلك، وكان الوضوء واجبا عند كل صلاة على المتطهر والمحدث، لكن قد نسخ، وضعف باتفاق الجمهور على أن الآية ثابتة لا نسخ فيها، وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أن المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها وعدم ظهور ناسخ، و اعتبار الحدث في التيمم الذي هو بدل منه في الآية.
وقال بعضهم: إن الأمر للندب لأن تجديد الوضوء عند كل صلاة مستحب كما يشهد به الأخبار، وضعف أيضا بأنه غير موافق لقرينه الذي هو " فاطهروا " لأنه للوجوب قطعا وبأن الندب بالنسبة إلى الجميع غير معقول لثبوت الوجوب على بعض البتة، إلا أن يقال: الاستحباب ينسحب إلى العموم والشمول، و فيه بعد.
وقيل بحمله على الرجحان المطلق، ويكون الندب بالنسبة إلى المتوضئين، والوجوب بالنسبة إلى المحدثين، وفيه أيضا لزوم عدم الموافقة، ولزوم عموم المجاز، أو الاشتراك الذي هو إما غير جايز أو بعيد جدا، فالأولى أن يقال: إن الآية مخصصة بالمحدثين، لا بأن يكون المراد من الذين آمنوا: المحدثين، بل بابقائه على العموم، وتقدير إن كنتم محدثين في نظم الكلام.
فيصير المعنى حينئذ: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فان كنتم محدثين بالحدث الأصغر فتوضأوا، وإن كنتم جنبا فاغتسلوا، وإن لم تقدروا على
الماء وكنتم محدثين بالحدث الأصغر أو الأكبر فتيمموا فيوافق القرائن و ويطابق النظائر.
هذا بالنظر إلى ظاهر الآية مع قطع النظر عن الخبر، وقد مر في الخبر أن المراد بالقيام القيام من النوم فلا إشكال، فيكون وجوب الوضوء بغير حدث النوم مستفادا من الأخبار، كما أن وجوب الغسل بغير الجنابة مستفاد من محل آخر، وأهل البيت أدرى بما نزل عليهم من غيرهم.
وأما الآية الثانية: فقوله تعالى: " إنه لقرآن " جواب للقسم في قوله سبحانه " فلا أقسم بمواقع النجوم " ومعنى كونه كريما أنه كثير النفع، لتضمنه أصول العلوم المهمة من أحوال المبدء والمعاد، واشتماله على ما فيه صلاح معاش العباد، أو لأنه يوجب عظيم الأجر لتاليه ومستمعه، والعامل بأحكامه، أو أنه جليل القدر بين الكتب السماوية لامتيازه عنها بأنه معجز باق على ممر الدهور والأعصار.
وقوله: " في كتاب مكنون " أي مصون، وهو اللوح المحفوظ، وقيل:
هو المصحف الذي بأيدينا، والضمير في " لا يمسه " يمكن عوده إلى القرآن، و إلى الكتاب المكنون، على كل من تفسيريه، واستدل بالأول على منع المحدث من مس خط المصحف، وبثاني شقي الثاني على المنع من مس ورقه، بل لجلده أيضا فأما مس خط المصحف فقال الشيخ في المبسوط بكراهته ونسب العلامة في المختلف القول بالكراهة إلى ابن إدريس وابن البراج أيضا وحرمه الشيخ في التهذيب والخلاف، وبه قال أبو الصلاح والمحقق والعلامة، وهو الظاهر من كلام الصدوق في الفقيه.
واحتج القائلون بالتحريم بهذه الآية وقالوا إن قوله تعالى " لا يمسه " لا يمكن أن يكون محمولا على الخبرية والنفي، وإلا يلزم الكذب، فلا بد من حمله على الانشاء والنهي، وظاهر النهي التحريم، وأورد عليه بأنه موقوف على إرجاع
الضمير إلى القرآن وهو ممنوع، لجواز رجوعه إلى الكتاب كما جوزه بعض المفسرين، بل هو أقرب، لقربه، ويكون المعنى أنه لا يطلع على الكتاب المكنون أي المستور المصون إما عن الناس أو عن التغيير والتبديل، أو الغلط أو التضييع، والمراد به اللوح المحفوظ كما قاله المفسرون، " إلا " الملائكة " المطهرون " من الكدورات الجسمانية، وأدناس المعاصي.
وقد يضعف هذا الاحتمال بوجوه: أحدها أن قوله تعالى " لا يمسه " حينئذ يكون تأكيد المكنون، والتأسيس أولى، وبما ذكر من الاحتمالات في معنى المكنون يظهر الجواب عنه.
وثانيها أن سياق الكلام لاظهار شرف القرآن وفضيلته، لا اللوح، وفيه أن ثبوته في اللوح الذي لا يمسه إلا المطهرون شرف وفضيلة له، ألا ترى إلى قوله عز وجل " في كتاب مكنون " فإن كان كونه في كتاب مكنون شرفا وفضيلة فهذا أيضا شرف وفضل بالطريق الأولى، وإن لم يكن ذلك شرفا فقد بطل مبنى الاعتراض، من أن سياق الكلام لإظهار شرف القرآن وفضله كما لا يخفى.
وثالثها أن قوله تعالى بعد هذه الآية متصلا بها " تنزيل من رب العالمين " صفة للقرآن لا الكتاب لأنه المنزل دونه، وقوله سبحانه " كريم " و " في كتاب مكنون " أيضا صفة له، فينبغي أن يكون " لا يمسه " أيضا صفة له، وإلا لم يحسن التوسيط، وفيه أنه إذا كان " لا يمسه " صفة لمكنون، يكون من جملة متعلقات الصفة الثانية ومتمماتها، فكان مجموع هذا الكلام صفة واحدة، فلا يكون توسيطا مخلا بحسن الكلام وبلاغته، ألا يرى إلى توسيط مكنون مع أنه صفة للكتاب.
ورابعها أنه يلزم حينئذ ارتكاب المجاز في المس، وهو ظاهر، وكذا في المطهر لأن الطهارة حقيقة شرعية في الوضوء وهو خلاف الأصل، وفيه أنا لا نسلم أن الحمل على الحقيقة مطلقا أولى من الحمل على المجاز، ألا يرى أن علماء البلاغة أطبقوا على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، وأيضا ثبوت الحقايق الشرعية ممنوع، ومع تسليمه لا نسلم أن حقيقة الطهارة الوضوء، بل يجوز أن
يكون انتفاء الحدث أو الخبث، ولا شك في تحقق هذا المعنى في الملائكة، وأيضا ارتكاب المجاز في حمل الخبر على الانشاء كما ارتكبتم في الاستدلال ليس بأولى من ارتكاب هذين المجازين، إلا أن يقال إنه مجاز واحد، وهذان مجازان.
ثم على تقدير تسليم رجوع الضمير إلى القرآن نقول: إن دلالتها على المطلوب أيضا غير تام إذ يجوز أن يكون اتصافه بأنه لا يمسه إلا المطهرون باعتبار أصله الذي في اللوح كما أن اتصافه بفي كتاب مكنون أيضا كذلك.
وأيضا يجوز أن يكون المراد والله أعلم أنه لا يعلم حقايقه ودقايقه وبطونه وأسراره إلا المطهرون من الذنوب، وهم أصحاب العصمة الذين نزلت فيهم آية التطهير عليهم السلام وعن جنيد: المطهرون أسرارهم عما سوى الله.
وفي بعض التفاسير عن محمد بن الفضل: المراد لا يقرء القرآن، إلا موحد وعن الحسين بن الفضل لا يعلم تفسيره وتأويله إلا المطهرون من الكفر والنفاق.
وأما حديث لزوم مجازية المس والطهارة حينئذ فقد عرفت جوابه، على أنه على تقدير حمل المس على حقيقته، وثبوت الحقايق الشرعية، وحمل الطهارة على حقيقتها، لا نسلم أن الطهارة حقيقة شرعا في رفع الحدث الأصغر أو جميع الأحداث، إذ يجوز أن يكون حقيقة في رفع كل حدث، وكذا في رفع الخبث أيضا فحينئذ يجوز أن يكون المراد بالمطهرين المطهرين من الحدث الأكبر أو النحاسة.
ثم لو سلم أن المراد الطهارة من الحدث الأصغر أو جميع الأحداث، فلا نسلم أن النهي ههنا للتحريم، وما يقال: إن ظاهر النهي التحريم، فعلى تقدير تسليمه إنما يسلم فيما يكون بصريح صيغة النهي فقط، لا فيما يكون نفيا مستعملا بمعنى النهي أيضا، والقول بأن التحريم أقرب المجازات إلى النفي ممنوع.
نعم روى الشيخ في التهذيب بسند فيه جهالة عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن عليه السلام قال: المصحف لا تمسه على غير طهر، ولا جنبا، ولا تمس خيطه
ولا تعلقه إن الله يقول " لا يمسه " إلا المطهرون " لكن ظاهر الرواية الكراهة، لاشتماله على النهي عن التعليق، وقد نقل في المنتهى الاجماع على عدم حرمته، و أما مس الجلد والورق للمحدث، فلم أر قائلا فيه بالحرمة، نعم استحبوا الوضوء لحمل المصحف وسيأتي حكم الجنب في بابه إنشاء الله تعالى.
1 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم معنى " إلى المرافق " من المرافق والفرض من الوضوء مرة واحدة والمرتان احتياط.
2 - الهداية: الوضوء مرة وهو غسل الوجه واليدين، ومسح الرأس والقدمين، ولا يجوز أن يقدم شيئا على شئ يبدء بالأول فالأول كما أمر الله عز وجل، ومن توضأ مرتين لم يوجر، ومن توضأ ثلاثا فقد أبدع، ومن غسل الرجلين فقد خالف الكتاب والسنة، ولا يجوز المسح على العمامة والجورب، ولا تقية في ثلاثة أشياء: في شرب المسكر، والمسح على الخفين، ومتعة الحج.
وحد الوجه الذي يجب أن يوضأ ما دارت عليه الوسطى والإبهام، وحد اليدين إلى المرفقين، وحد الرأس مقدار أربع أصابع من مقدمه، والمسح على الرجلين إلى الكعبين.
فإذا توضأت المرأة ألقت قناعها من موضع مسح رأسها في صلاة الغداة والمغرب وتمسح عليه، ويجزيها في سائر الصلوات أن تدخل أصبعها فتمسح على رأسها من غير أن تلقي قناعها، ولا بأس أن يصلي الرجل بوضوء واحد صلوات الليل والنهار كلها ما لم يحدث.
3 - كتاب الغايات: لجعفر بن أحمد القمي باسناده، عن جعفر بن محمد قال:
إن الله تعالى ضمن لكل إهاب أن يرده إلى جلده يوم القيامة، وإن أشد الناس حسرة يوم القيامة من رأى وضوءه على جلد غيره.
4 - قرب الإسناد: عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن أبي جرير الرقاشي قال: قلت لأبي الحسن موسى عليه السلام: كيف أتوضأ للصلاة؟ قال: فقال:
لا تعمق في الوضوء، ولا تلطم وجهك بالماء لطما، ولكن اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله بالماء مسحا وكذلك فامسح بالماء على ذراعيك ورأسك و قدميك.
بيان: " لا تعمق " أي باكثار الماء أو بالمبالغة كثيرا في إيصال الماء زائدا عن الاسباغ المطلوب، وفي بعض النسخ " لا تغمس " أي بأن تدخل وجهك ويديك في الماء فإنه خلاف المعهود من فعلهم عليهم السلام والمشهور أنه ترك للسنة، ويصح - الوضوء لتحقق الغسل، والنهي عن اللطم بالماء على الكراهة، وما ورد من الأمر به يمكن حمله على الجواز، أو على الناعس والبردان، لإشعار الرواية به وعمل به والد الصدوق - رحمه الله - فقال باستحباب ضرب الوجه بالماء.
قوله: " مسحا " أي مع المسح بعد صب الماء لإيصاله إلى الأعضاء وكذا في اليدين، وأما الابتداء بالأعلى في الوجه فالمشهور وجوبه، وقال المرتضى وابن إدريس باستحبابه ، والأحوط العمل بالمشهور.
5 - قرب الإسناد: عن محمد بن عيسى، عن يونس قال: أخبرني من رأى أبا الحسن الأول عليه السلام بمنى وهو يمسح ظهر قدمه من أعلى القدم إلى الكعب ومن الكعب إلى أعلى القدم.
بيان: المراد بأعلى القدم إلا رؤوس الأصابع، لأنها أعلى بالنسبة إلى ساير أجزاء القدم عند وضعها على الأرض للمسح، أو المراد به الكعب بالمعنى المشهور وهو العظم الناتئ في ظهر القدم، وبالكعب المفصل، وعلو الكعب باعتبار ارتفاعه على ساير أجزاء ظهر القدم، فالمراد بالمسح من أعلى القدح المسح من رؤوس الأصابع أيضا ويكون الابتداء إضافيا أو المراد من جهته وكذا في الانتهاء ويحتمل العكس أيضا بأن يكون المراد بأعلى القدم المفصل وبالكعب الناتئ، وتوجيهه مما ذكرنا ظاهر.
ثم إنه يمكن أن يكون المراد أنه عليه السلام كان يمسح تارة هكذا، وتارة هكذا، أو أنه عليه السلام كان يمسح ظهر القدم وبطنه تقية، والمشهور بين أصحابنا جواز مسح الرأس والرجلين مقبلا ومدبرا وبعضهم أوجبوا الاقبال كالسيد والصدوق كما هو الظاهر من كلامهما، وابن إدريس أوجب في الرجلين بخلاف الرأس و الشيخ جوز في المبسوط في الرأس وفي النهاية في الرجلين مدبرا، والاحتياط مسلك النجاة.
6 - قرب الإسناد: عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد البزنطي قال: سألت الرضا عليه السلام عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع فمسحهما إلى الكعبين، فقلت: جعلت فداك لو أن رجلا قال بأصبعين من أصابعه هكذا! قال: لا: إلا بكفه.
بيان: القول هنا بمعنى الفعل، قال في النهاية: العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه على غير الكلام واللسان، فتقول: قال بيده أي أخذه، وقال برجله أي مشى، وقال بثوبه أي رفعه، وكل ذلك على المجاز والاتساع انتهى.
وظاهر الخبر وجوب الاستيعاب طولا وعرضا، وكونه بجميع الكف و لم يقل به أحد من الأصحاب فيما رأينا، إلا ما يظهر من الصدوق في الفقيه، بل
نقلوا الاجماع على عدم وجوب الاستيعاب العرضي والمشهور وجوب الاستيعاب الطولي ولو بخط غير مستقيم، بل يظهر من بعضهم الاتفاق عليه، وظاهر كثير من الأخبار الاكتفاء بالمسمى.
7 - قرب الإسناد وكتاب المسائل: باسنادهما عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن رجل يكون على غير وضوء فيصيبه المطر حتى يغسل رأسه ولحيته، ويديه ورجليه، يجزيه ذلك عن الوضوء؟ قال: إن غسله فان ذلك يجزيه.
بيان: حمله الشيخ - رحمه الله - على ما إذا غسل أعضاءه بالترتيب بأن ينوي فيغسل بما ينزل عليه من ماء المطر وجهه ثم ذراعه الأيمن ثم الأيسر ثم يمسح رأسه ورجليه ببقية النداوة، ويخطر بالبال أنه يحتمل أن يكون المراد به إيقاع الغسل بدلا من الوضوء فيكون مؤيدا لاستحباب الغسل دائما والاكتفاء
بالأغسال المندوبة عن الوضوء، كما قيل بهما، ولعله أظهر مما حمله عليه الشيخ والله يعلم.
8 - الخصال: عن أحمد بن الحسن القطان، عن الحسن بن علي السكري عن محمد بن زكريا الجوهري، عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: المرأة تبدأ بالوضوء بباطن الذراع، والرجل بظاهره، ولا تمسح كما يمسح الرجال، بل عليها أن تلقي الخمار عن موضع مسح رأسها في صلاة الغداة والمغرب، وتمسح عليه، وفي ساير الصلوات تدخل أصبعها فتمسح على رأسها من غير أن تلقي عنها خمارها.
بيان: ما اشتمل عليه الخبر من بدأة الرجل بظاهر الذراعين، والمرأة بباطنهما ورد في عدة روايات وفي أكثرها بلفظ الفرض والمشهور الاستحباب وربما يظهر من الصدوق والكليني في كتابيهما الوجوب، والأحوط عدم الترك.
ثم اعلم أنه عبر جماعة من المتأخرين عن هذا الحكم هكذا: يستحب بدأة الرجل بظاهر ذراعيه في الغسلة الأولى وبباطنهما في الثانية عكس المرأة، ولا دلالة في الخبر على هذا التفصيل، بل الظاهر الاطلاق لهما فيهما، كما عبر به عنه أكثر القدماء، نعم لا يبعد أن يكون ما ذكروه داخلا في إطلاق الخبر.
ثم اعلم أن المشهور في مسح الرأس اجزاء مسماه، وحكموا باستحباب قدر
ثلاث أصابع مضمومة، والظاهر من كلام الصدوق في الفقيه والشيخ في النهاية الوجوب: قال الصدوق: وحد مسح الرأس أن تمسح بثلاث أصابع مضمومة من مقدم الرأس، وحد مسح الرجلين أن تضع كفيك على أطراف أصابع رجليك وتمدهما إلى الكعبين، وقال في النهاية: المسح بالرأس لا يجوز أقل من ثلاث أصابع مضمومة مع الاختيار، فان خاف البرد من كشف الرأس أجزأ مقدار أصبع واحدة ونسب إلى المرتضى أيضا القول بالوجوب.
وأما الفرق المذكور بين الرجل والمرأة وتفصيل الصلوات فقد ذكرهما الصدوق في الفقيه، وظاهره الوجوب، وبعض الأصحاب حملوا كلامه على الاستحباب قال في الذكرى: يستحب للمرأة وضع القناع في وضوء الغداة والمغرب، لأنه مظنة التبذل، وتمسح بثلاث أصابع ويجوز في غيرهما إدخال الأصبع تحت القناع وتجزي الأنملة، قاله الصدوق والمفيد انتهى.
ولعل السر في ذلك سهولة إلقاء القناع عليها في هذين الوقتين أو أنها تكشف في المغرب للنوم، وفي الغداة لم تلبسه بعد، وغالبا لا تحتاج إلى الوضوء لصلاة العشاء أو لظلمة هذين الوقتين، فلا ينافي سترها المطلوب.
وعلى كل حال الظاهر استحباب الحكم وقد روي في الصحيح عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: المرأة يجزيها من مسح الرأس أن تمسح مقدمه قدر ثلاث أصابع، ولا تلقي عنها خمارها، ولعل المراد ثلاث أصابع من طول الرأس، فلا ينافي المسح بأصبع واحدة.
9 - العيون: فيما كتب الرضا عليه السلام للمأمون من شرايع الدين: ثم الوضوء كما أمر الله عز وجل في كتابه: غسل الوجه واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس والرجلين مرة واحدة، وإن مسح على الخفين فقد خالف الله تعالى و رسوله، وترك فريضته وكتابه.
بيان: قوله عليه السلام: " مرة واحدة " لعله متعلق بالغسل والمسح معا ولا خلاف بيننا في عدم جواز المسح على الخفين إلا مع التقية أو الضرورة.
10 - قرب الإسناد: بالاسناد المتقدم عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن رجل توضأ فغسل يساره قبل يمينه، كيف يصنع؟
قال: يعيد الوضوء من حيث أخطأ، يغسل يمينه ثم يساره، ثم يمسح رأسه و رجليه.
بيان: " يغسل يمينه " أي إذا لم يغسلها، وربما يقال: يغسل يمينه مرة أخرى، لأن اليمين المغسولة بعد اليسار في حكم العدم، ولا يخفى وهنه، ولا خلاف بين علمائنا في اشتراط الترتيب بأن يغسل الوجه ثم اليد اليمنى، ثم اليسرى ثم يمسح الرأس ثم الرجلين، وإنما الخلاف في الترتيب بين الرجلين.
11 - الاحتجاج: في مكاتبة الحميري أنه كتب إلى الناحية المقدسة و سأل عن المسح على الرجلين يبدأ باليمنى أو يمسح عليهما جميعا؟ فخرج التوقيع يمسح عليهما جميعا معا، فان بدأ بأحدهما قبل الأخرى، فلا يبدأ إلا باليمين.
بيان: المشهور أنه لا ترتيب بين الرجلين حتى قال ابن إدريس: لا أظن أحدا منا يخالفنا في ذلك، ويحكى عن ابن الجنيد وابن أبي عقيل وسلار وابني بابويه وجوب تقديم اليمنى، وعن بعض الأصحاب جواز المعية خاصة كما هو مدلول هذا الخبر، والأحوط العمل بالترتيب، وإن كان استحبابه أقوى.
12 - معاني الأخبار: عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد ابن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن منصور بن حازم عن إبراهيم بن معرض قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إن أهل الكوفة يروون عن علي عليه السلام أنه كان بالكوفة فبال حتى رغا، ثم توضأ ثم مسح على نعليه، ثم قال:
هذا وضوء من لم يحدث؟ فقال: نعم، قد فعل ذلك، قال: قلت: فأي حدث أحدث من البول؟ فقال: إنما يعني بذلك التعدي في الوضوء: أن يزيد على حد الوضوء.
بيان: قال الفيروزآبادي: رغوة اللبن مثلثة زبده، ورغا اللبن وأرغى ورغى صارت له رغوة، وأرغى البائل صارت لبوله رغوة.
13 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن الحسن بن علي الكوفي عن عبد الله بن جبلة، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الرجل ليعبد الله أربعين سنة وما يطيعه في الوضوء.
ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد ابن الحسين بن أبي الخطاب ، عن الحكم بن مسكين، عن محمد بن مروان قال:
قال أبو عبد الله عليه السلام: تأتي على الرجل ستون أو سبعون سنة، ما يقبل الله منه صلاة، قال: قلت: فكيف ذاك؟ قال: لأنه يغسل ما أمر الله بمسحه.
بيان: ربما يستدل بأمثاله على كون أو امر القرآن للوجوب، وقد يستدل به على أنه إذا حصل الجريان في المسح يبطل الوضوء، وهو مبني على كون الغسل والمسح حقيقتين متباينتين وهو ممنوع، بل الظاهر أن بينهما عموما و خصوصا من وجه، وإن كان الأحوط رعاية عدم الجريان.
14 - العلل: عن أبيه، عن الحسين بن محمد بن عامر، عن المعلى بن محمد عن الحسن بن علي الوشا، عن حماد بن عثمان، عن حكم بن حكيم قال: سألت
أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي من الوضوء الذراع والرأس، قال: يعيد الوضوء إن الوضوء يتبع بعضه بعضا.
بيان: " يعيد الوضوء " أي جميعه من جفاف الوجه، أو من حيث يحصل الترتيب مع عدم الجفاف.
16 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن الحسين ابن سعيد، عن فضالة، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا توضأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتى يبس وضوؤك، فأعد وضوءك فان الوضوء لا يبعض.
بيان قوله: " حتى يبس وضوؤك " ظاهره جفاف الجميع، واعلم أنه لا خلاف بين أصحابنا في اشتراط الموالاة، وإنما الخلاف في معناها، فقال بعضهم:
هي أن لا يؤخر بعض الأعضاء عن بعض بمقدار ما يجف ما تقدمه، وهو خيرة الشيخ والمرتضى وجم غفير، وقال بعضهم: هي أن يتابع بين غسل الأعضاء ولا يفرق إلا لعذر، وهو أيضا قول الشيخ المرتضى والعلامة في بعض كتبه.
ثم إن بعض القائلين بالقول الأخير صرحوا بأن الاخلال بالموالاة بهذا المعنى لا يبطل الوضوء، وإن كان حراما مع الاختيار ما لم يجف الأعضاء، ويفهم ظاهرا من كلام الشيخ في المبسوط أن مجرد الاخلال بهذا المعنى يبطل الوضوء وإن لم يجف حال الاختيار، وأما حال الاضطرار فيراعى الجفاف.
ثم إن الجفاف المراعى في صحة الوضوء وعدمها هل هو جفاف جميع الأعضاء المتقدمة على العضو المفرق أو بعض ما تقدمه أو العضو السابق، ظاهر الأكثر الأول وصرح ابن الجنيد بالثاني، وظاهر المرتضى وابن إدريس الثالث.
15 - قرب الإسناد: عن محمد بن علي بن خلف العطار، عن حسان المدايني
قال: سألت جعفر بن محمد عليه السلام عن المسح على الخفين، فقال: لا تمسح، ولا تصل خلف من يمسح.
17 - مجالس أبي علي بن الشيخ: عن الشيخ، عن المفيد، عن علي ابن محمد بن حبيش، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن إبراهيم بن محمد الثقفي عن عبد الله بن محمد بن عثمان، عن علي بن محمد بن أبي سعيد، عن فضيل بن الجعد عن أبي إسحاق الهمداني قال: كان فيما كتب أمير المؤمنين عليه السلام لمحمد بن أبي بكر: وانظر إلى الوضوء فإنه من تمام الصلاة، تمضمض ثلاث مرات واستنشق ثلاثا، واغسل وجهك ثم يدك اليمنى ثم اليسرى ثم امسح رأسك ورجليك، فاني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يصنع ذلك، واعلم أن الوضوء نصف الايمان.
مجالس المفيد: عن ابن حبيش مثله.
بيان: استحباب تثليث المضمضة والاستنشاق مشهور بين المتأخرين، و اعترف بعضهم بأنه لا شاهد له، وهذا الخبر يدل عليه.
18 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد عن علي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل بدأ بالمروة قبل الصفا قال:
يعيد، ألا ترى أنه لو بدأ بشماله قبل يمينه في الوضوء أراه أن يعيد الوضوء.
بيان: ظاهره أن الترتيب الذكري يجب متابعته، وإن احتمل أن يكون الغرض محض تشبيه الحكم بالحكم.
19 - الخصال: عن أحمد بن محمد بن الهيثم وأحمد بن الحسن القطان ومحمد بن أحمد السناني وحسين بن إبراهيم المكتب وعبد الله بن محمد الصايغ
وعلي بن عبد الله الوراق كلهم عن أحمد بن يحيى بن زكريا القطان، عن بكر ابن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن الصادق عليه السلام قال: هذه شرايع الدين لمن تمسك بها وأراد الله هداه: إسباغ الوضوء كما أمر الله عز وجل في كتابه الناطق: غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس والقدمين إلى الكعبين مرة مرة، ومرتان جايز، ولا ينقض الوضوء إلا البول والريح والنوم والغايط والجنابة، ومن مسح على الخفين فقد خالف الله ورسوله وكتابه، ووضوؤه لم تتم. وصلاته غير مجزية 20 - الخصال: عن جعفر بن محمد بن بندار، عن أبي العباس الحمادي عن أبي مسلم الكجي، عن عبد الله بن عبد الوهاب، عن عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله توضأ مرة مرة.
21 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن محمد بن محمد بن مخلد، عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي، عن يحيى بن أبي طالب، عن عبد الرحمن ابن علقمة، عن عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زياد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا توضأ بدأ بميامنه.
بيان: استدل به على وجوب الابتداء باليمين في الرجلين، ويرد عليه أن الخبر ضعيف عامي، ولا دلالة فيه على الوجوب.
22 - المحاسن: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عمير العجمي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا عمر تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شئ إلا في شرب النبيذ، والمسح على
الخفين.
ومنه: عن أبيه، عن خلف بن حماد، عن عمرو بن شمر، عن جابر قال:
قلت لأبي جعفر عليه السلام: كيف اختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وآله في المسح على الخفين؟
فقال: كان الرجل منهم يسمع من النبي صلى الله عليه وآله الحديث فيغيب عن الناسخ ولا يعرفه فإذا أنكر ما خالف ما في يديه كبر عليه تركه، وقد كان الشئ ينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله يعمل به زمانا ثم يؤمر بغيره فيأمر به أصحابه وأمته حتى قال الناس: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إنك تأمرنا بالشئ حتى إذا اعتدناه وجرينا عليه أمرتنا بغيره، فسكت النبي صلى الله عليه وآله عنهم، فأنزل عليه " قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلى وما أنا إلا نذير مبين ".
23 - فقه الرضا عليه السلام: إياك أن تبعض الوضوء، وتابع بينه كما قال الله تبارك وتعالى: ابدء بالوجه ثم اليدين ثم بالمسح على الرأس والقدمين، فان فرغت من بعض وضوئك وانقطع بك الماء من قبل أن تتمه ثم أوتيت بالماء فأتمم وضوءك إذا كان ما غسلته رطبا، فإن كان قد جف فأعد الوضوء، وإن جف بعض وضوئك قبل أن تتم الوضوء من غير أن ينقطع عنك الماء فامض على ما بقي جف وضوؤك أو لم يجف وضوؤك.
وإن كان عليك خاتم فدوره عند وضوئك، فان علمت أن الماء لا يدخل تحته فانزع، ولا تمسح على عمامة ولا قلنسوة ولا على خفيك فإنه أروي عن العالم عليه السلام " لا تقية في شرب الخمر، ولا المسح على الخفين " ولا تمسح على جوربك إلا من عذر أو ثلج تخاف على رجليك.
وقال عليه السلام: لا تقدم المؤخر من الوضوء، ولا تؤخر المقدم، لكن تضع
كل شئ على ما أمرت أولا فأولا ونروي أن جبرئيل عليه السلام هبط على رسول الله صلى الله عليه وآله بغسلين ومسحين:
غسل الوجه والذراعين بكف كف، ومسح الرأس والرجلين بفضل الندوة التي بقيت في يديك من وضوئك، فصار الذي كان يجب على المقيم غسله في الحضر واجبا على المسافر أن يتيمم لاغير، صارت الغسلتان مسحا بالتراب، وسقطت المسحتان اللتان كانتا بالماء للحاضر لا غيره.
ويجزيك من الماء في الوضوء مثل الدهن تمر به على وجهك وذراعيك أقل من ربع مد وسدس مد أيضا ويجوز بأكثر من مد وكذلك في غسل الجنابة مثل الوضوء سواء، وأكثرها في الجنابة صاع، ويجوز غسل الجنابة بما يجوز به الوضوء إنما هو تأديب وسنن حسنة، وطاعة آمر لمأمور ليثيبه عليه، فمن تركه فقد وجب له السخط فأعوذ بالله منه.
ايضاح: قوله عليه السلام: " أن تبعض الوضوء " أي تخل بالموالاة حتى تجف بعض الأجزاء، ثم تغسل بقيتها فلا تجتمع الأعضاء على الرطوبة، وقد صرح بهذا المعني في كثير من الأخبار، والمراد بالمتابعة الترتيب لا الموالاة كما فهمه أكثر الأصحاب، ويدل عليه أيضا كثير من الأخبار، و صرح الشهيد بما ذكرنا.
وقوله: " فان فرغت - إلى قوله: جف وضوؤك أولم يجف " أورده الصدوق بعينه في الفقيه نقلا عن والده في رسالته إليه، ويدل على أن مع عدم الفصل لا يضر الجفاف وهو غير بعيد، وحمله بعض الأصحاب على الضرورة ولا ضرورة فيه.
وقال الشهيد - رحمه الله - في الذكرى بعد نقل تلك العبارة من كلام علي ابن بابويه: ولعله عول على ما رواه حريز عن أبي عبد الله عليه السلام كما أسنده ولده في كتاب مدينة العلم، وفي التهذيب وقفه على حريز قال: قلت: إن جف الأول
من الوضوء قبل أن أغسل الذي يليه؟ قال: إذا جف أو لم يجف فاغسل ما بقي.
وحمله في التهذيب على جفافه بالريح الشديدة والحر العظيم أو على التقية قلت: التقية هنا أنسب، لأن في تمام الحديث " قلت: وكذلك غسل الجنابة؟ قال: هو بتلك المنزلة وابدء بالرأس ثم أفض على ساير جسدك، قلت: فإن كان بعض يوم؟
قال: نعم " وظاهر هذه المساواة بين الوضوء والغسل، فكما أن الغسل لا يعتبر فيه الريح الشديدة والحر كذلك الوضوء ثم قال - رحمه الله -: فروع: الأول ظاهر ابن بابويه أن الجفاف لا يضر مع الولاء، والأخبار الكثيرة بخلافه، مع إمكان حمله على الضرورة انتهى.
أقول: لم نطلع على ما يدل من الأخبار على خلافه.
24 - صحيفة الرضا: باسناد الطبرسي عنه ، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة، وأمرنا باسباغ الوضوء، وأن لا ننزي حمارا على عتيقة ولا نمسح على خف.
25 - خرايج الراوندي: روي أن علي بن يقطين كتب إلى موسى بن جعفر عليه السلام: اختلف في المسح على الرجلين، فان رأيت أن تكتب ما يكون عملي عليه فعلت، فكتب أبو الحسن عليه السلام: الذي آمرك به أن تمضمض ثلاثا، وتستنشق ثلاثا، وتغسل وجهك ثلاثا، وتخلل شعر لحيتك ثلاثا، وتغسل يديك ثلاثا، و تمسح ظاهر اذنيك وباطنهما، وتغسل رجليك ثلاثا، ولا تخالف ذلك إلى غيره، فامتثل أمره وعمل عليه.
فقال الرشيد أحب أن أستبرء أمر علي بن يقطين، فإنهم يقولون إنه رافضي، والرافضة يخففون في الوضوء فباطئه بشئ من الشغل في الدار حتى
دخل وقت الصلاة فوقف الرشيد وراء حايط الحجرة بحيث يرى علي بن يقطين ولا يراه هو، وقد بعث إليه بالماء للوضوء، فتوضأ كما أمره موسى عليه السلام فقام الرشيد وقال: كذب من زعم أنك رافضي وورد على علي بن يقطين كتاب موسى بن جعفر عليه السلام:
من الان توضأ كما أمر الله: اغسل وجهك مرة فريضة، والأخرى إسباغا، واغسل يديك من المرفقين كذلك وامسح مقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك فقد زال ما يخاف عليك.
ارشاد المفيد قال: وروى محمد بن إسماعيل، عن محمد بن الفضل وذكر مثله مع زيادات أوردناها في باب معجزاته عليه السلام.
بيان: فباطئه أي أخره.
26 - السرائر: مما أخذه من كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن عبد الكريم الخثعمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الوضوء فقال: ما كان وضوء علي عليه السلام إلا مرة مرة.
ومنه: عن البزنطي، عن المثنى، عن زرارة وأبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام مثل حديث جميل في الوضوء إلا أنه في حديث المثنى وضع يده
في الاناء فمسح رأسه ورجليه، واعلم أن الفضل في واحدة واحدة، ومن زاد على الاثنين لم يؤجر.
تبيين: اعلم أن المشهور بين الأصحاب استحباب تثنية الغسلات، وادعى ابن إدريس الاجماع عليه وخالف فيه الصدوق - رحمه الله - وقال بعدم الاستحباب، وهو الظاهر من كلام الكليني، ومن كلام ابن أبي نصر ويظهر من بعضهم عدم الاستحباب فقط، ومن بعضهم التحريم، ولا خلاف عندنا في حرمة الثالثة.
ثم إن الأخبار مختلفة في الثانية، فالأكثر جمعوا بينها بحمل ما دل على التثنية على الاستحباب والصدوق رحمه الله جمع بينها بحمل أخبار التثنية على التجديد والكليني حمل المرتين على من لم تكفه الواحدة وبعض مشايخنا حمل المرتين على الغرفتين والمرة على الغسلة الواحدة، وربما تحمل أخبار
الاثنتين اثنتين على الغسلتين والمسحتين ولا يخفى أن الاكتفاء بالغرفة الواحدة والغسلة الواحدة أقرب إلى الاحتياط الذي هو سبيل المتقين، وأبعد من عمل المخالفين ورواياتهم، فإنهم رووا في صحاحهم عن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وآله توضأ مرتين مرتين، وما في الخبر من وضع اليد في الاناء للمسح محمول على التقية، فان المشهور عدم جواز أخذ الماء الجديد للمسح إلا عند الضرورة الشديدة ونسب إلى ابن الجنيد تجويز أخذ الماء الجديد عند جفاف اليد مطلقا.
27 - العياشي: قال: روى زرارة بن أعين وأبو حنيفة عن أبي بكر بن حزم قال: توضأ رجل فمسح على خفيه، فدخل المسجد فصلى، فجاء علي عليه السلام فوطأ على رقبته، فقال: ويلك تصلي على غير وضوء؟ فقال: أمرني عمر بن الخطاب قال: فأخذ بيده فانتهى به إليه فقال: انظر ما يروي هذا عليك؟ ورفع صوته، فقال:
نعم أنا أمرته، إن رسول الله صلى الله عليه وآله مسح، قال: قبل المائدة أو بعدها؟ قال: لا أدري قال: فلم تفتي وأنت لا تدري؟ سبق الكتاب الخفين.
28 - ومنه: عن الميسر بن ثوبان قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: سبق الكتاب الخفين والخمار.
29 - ومنه: عن زرارة وبكير ابني أعين قالا: سألنا أبا جعفر عليه السلام عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله فدعا بطست أو تور فيه ماء، فغمس كفه اليمنى فغرف بها
غرفة فصبها على جبهته، فغسل وجهه بها، ثم غمس كفه اليسرى فأفرغ على يده اليمنى، فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكف لا يردها إلى المرفق، ثم غمس كفه اليمنى فأفرغ بها على ذراعه الأيسر من المرفق، وصنع بها كما صنع باليمنى ومسح رأسه بفضل كفيه وقدميه، لم يحدث لها ماء جديدا، ثم قال: ولا يدخل صلى الله عليه وآله أصابعه تحت الشراك.
قالا: ثم قال: إن الله يقول " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق " فليس له أن يدع شيئا من وجهه إلا غسله، وأمر بغسل اليدين إلى المرفقين، فليس ينبغي له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئا إلا غسله، لأن الله يقول: " اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق " ثم قال: " وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين " فإذا مسح بشئ من رأسه أو بشئ من قدميه ما بين أطراف الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه.
قالا: قلنا: أصلحك الله أين الكعبان؟ قال: ههنا يعني المفصل دون عظم الساق فقلنا: هذا ما هو؟ قال: من عظم الساق، والكعب أسفل من ذلك، فقلنا: أصلحك الله فالغرفة الواحدة تجزي للوجه وغرفة للذراع؟ قال: نعم إذا بالغت فيهما فالثنتان تأتيان على ذلك كله.
ومنه: عن زرارة عنه عليه السلام في قول الله عز وجل " يا أيها الذين آمنوا " الآية قال: فليس له أن يدع شيئا من وجهه إلا غسله، وساقه نحو ما مر إلى قوله: دون عظم الساق.
ايضاح: الطست يروى بالمهملة والمعجمة وفي النهاية التور إناء من صفر أو حجارة كالإجانة، قد يتوضأ منه انتهى، والترديد إما من الراوي أو منه عليه السلام للتخيير بين الاتيان بأيهما تيسر ويدل على عدم كراهية تلك الاستعانة.
وما قيل من أنه لبيان الجواز أو لأنه لم يكن وضوء حقيقيا فلا يخفى
بعدهما عن مقام البيان.
وربما يفهم منه استحباب كون الاناء مكشوفة الرأس، ويدل على رجحان الاغتراف لغسل الأعضاء وباليمين لغير اليمين، فأما غسل اليمين فذهب المفيد وجماعة إلى استحباب الأخذ له باليمين، وإدارة الماء إلى اليسار وظاهر هذه الرواية وغيرهما عدمه، وحمل على عدم الوجوب.
ويمكن حمل أخبار الإدارة على ما إذا لم يكن الاناء مكشوفة الرأس لكن عمدة ما استدل به على الإدارة هذه الرواية على ما رواها في التهذيب فإنها فيه هكذا " ثم غمس كفه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء فغسل يده اليمنى " والاناء فيها مكشوفة الرأس. وفي الكافي كما هنا. وبالجملة إثبات استحباب الإدارة لا يخلو من إشكال.
قوله: " لا يردها إلى المرفق " يمكن أن يكون المراد نفي ابتداء الغسل من الأصابع، كما تفعله المخالفون، أو أنه في إثناء الغسل لا يرد يده إلى المرفق بل كان يرفع يده ثم يضعها على المرفق وينزلها.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.