بحارالانوار · المجلد السادس عشر
باب 8 وصية أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي عليهما السلام
ج ۷۴، ص ۱۹۵–۲۳۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
وقد وقع في خاطري أن أختم هذا الكتاب بوصية أبيك أمير المؤمنين عليه السلام الذي عنده علم الكتاب صلى الله عليه إلى ولده العزيز عليه ورسالته إلى الشيعة وذكر المتقدمين عليه ورسالته في ذكر الأئمة من ولده، ورأيت أن يكون رواية الرسالة إلى ولده بطريق المخالفين والموافقين، فهو أجمع على ما تضمنه من سعادة الدنيا والدين فقال أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري في كتاب الزواجر والمواعظ في الجزء الأول منه من نسخة تأريخها ذو القعدة سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة ما هذا لفظه: وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لولده ولو كان من الحكمة ما يجب أن يكتب بالذهب لكانت هذه، وحدثني بها جماعة، فحدثني علي بن الحسين بن إسماعيل قال حدثنا الحسن بن أبي عثمان الادمي قال: أخبرنا أبو حاتم المكتب يحيى بن حاتم بن عكرمة قال: حدثني يوسف بن يعقوب بأنطاكية قال: حدثني بعض أهل العلم قال: لما انصرف علي عليه السلام من صفين إلى قنسرين كتب به إلى ابنه الحسن بن علي عليهما السلام من الوالد الفاني المقر للزمان. اه.
وحدثنا أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا سليمان بن الربيع النهدي قال:
حدثنا كادح بن رحمة الزاهدي قال: حدثنا صباح بن يحيى المزني.
وحدثنا علي بن عبد العزيز الكوفي الكاتب قال: حدثنا جعفر بن هارون بن زياد قال: حدثنا محمد بن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن جده جعفر الصادق، عن
أبيه، عن جده عليهم السلام أن عليا عليه السلام كتب إلى الحسن بن علي عليهما السلام.
وحدثنا علي بن محمد بن إبراهيم التستري قال: حدثنا جعفر بن عنبسة قال:
حدثنا عباد بن زياد قال: حدثنا عمرو بن أبي المقدام، عن أبي جعفر محمد بن علي عليها السلام قال: كتب أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي عليهما السلام.
وحدثنا محمد بن علي بن زاهر الرازي قال: حدثنا محمد بن العباس قال: حدثنا عبد الله بن داهر، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: كتب علي عليه السلام إلى ابنه الحسن عليه السلام.
كل هؤلاء حدثونا أن أمير المؤمنين عليه السلام كتب بهذه الرسالة إلى الحسن عليه السلام.
وأخبرني أحمد بن عبد الرحمن بن فضال القاضي قال: حدثنا الحسن ابن محمد بن أحمد، وأحمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: حدثنا جعفر بن محمد الحسني قال: حدثنا الحسن بن عبدل قال:
حدثنا الحسن بن ظريف بن ناصح، عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ ابن نباتة المجاشعي قال: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابنه محمد كذا.
واعلم يا ولدي محمد ضاعف الله جل جلاله عنايته بك ورعايته لك أن قد روى الشيخ المتفق على ثقته وأمانته محمد بن يعقوب الكليني تغمده الله جل جلاله برحمته رسالة مولينا أمير المؤمنين عليه السلام إلى جدك الحسن ولده سلام الله جل جلاله عليهما.
وروى رسالة أخرى مختصرة عن مولينا علي عليه السلام إلى ولده محمد بن الحنفية رضوان الله جل جلاله عليه وذكر الرسالتين في كتاب الرسائل، ووجدنا نسخة عتيقة يوشك أن يكون كتابتها في زمن حياة محمد بن يعقوب (ره) وهذا الشيخ محمد بن يعقوب (ره) كان حياته في زمن وكلاء مولينا المهدي عليه السلام عثمان بن سعيد العمري وولده أبي جعفر محمد وأبي القاسم الحسين بن روح وعلي بن محمد السمري وتوفي محمد بن يعقوب قبل وفاة محمد بن علي السمري لان علي بن محمد السمري توفي في شعبان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وهذا محمد بن يعقوب الكليني توفى ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة فتصانيف هذا الشيخ محمد بن يعقوب و رواياته في زمن الوكلاء المذكورين يجد طريقا إلى تحقيق منقولاته وتصديق مصنفاته ورأيت يا ولدي بين رواية حسن بن عبد الله العسكري مصنف كتاب الزواجر والمواعظ
الذي قدمناه وبين الشيخ محمد بن يعقوب في رسالة أبيك أمير المؤمنين عليه السلام إلى ولده تفاوتا فنحن نوردها برواية محمد بن يعقوب الكليني فهو أجمل وأفضل فيما قصدناه، فذكر محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الرسائل باسناده إلى جعفر بن عنبسة عن عباد بن زياد الأسدي عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما أقبل أمير المؤمنين عليه السلام من صفين كتب إلى ابنه الحسن عليه [وعلى جده وأبيه وأمه وأخيه الصلاة و] السلام.
بسم الله الرحمن الرحيم من الوالد الفان، المقر للزمان المدبر العمر المستسلم للدهر الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى، الظاعن عنها غدا إلى الولد المؤمل ما لا يدرك السالك سبيل من قد هلك، غرض الأسقام، ورهينة الأيام، ورمية المصائب وعبد الدنيا، وتاجر الغرور، وغريم المنايا وأسير الموت
وحليف الهموم، وقرين الأحزان، ورصيد الآفات، وصريع الشهوات وخليفة الأموات.
أما بعد فان فيما تبينت من إدبار الدنيا عني وجموح الدهر علي وإقبال الآخرة إلي ما يزعني عن ذكر من سواي والاهتمام بما ورائي غير أني حيث تفرد بي دون هم الناس هم نفسي، فصدفني رأيي وصرفني عن هواي، وصرح لي محض أمري فأفضى بي إلى جد لا يرى معه لعب، وصدق لا يشوبه كذب وجدتك بعضي بل وجدتك كلي حتى كان شيئا لو أصابك أصابني، وحتى كان الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني عن أمر نفسي فكتبت إليك كتابي، هذا مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت.
فأوصيك بتقوى الله يا بني، ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله جل جلاله إن أخذت به فأحي قلبك بالموعظة، وأمته بالزهد، وقوة باليقين، ونوره بالحكمة، وذلله بذكر الموت، وقرره بالفناء وأسكنه بالخشية، وأشعره بالصبر، وبصره فجائع الدنيا وحذره صولة
الدهر، وفحش تقلبه، وتقلب الليالي والأيام وأعرض عليه أخبار الماضين، وذكره بما أصاب من كان قبلك من الأولين، وسر في ديارهم، واعتبر آثارهم، وانظر ما فعلوا وأين حلوا ونزلوا، وعمن انتقلوا، فإنك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبة، وحلوا دار الغربة وكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم، فأصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، ودع القول فيما لا تعرف، والنظر فيما لا تكلف، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته فان الكف عند حيرة الضلالة خير من ركوب الأهوال، وأمر بالمعروف تكن من أهله، و أنكر المنكر بلسانك ويدك، وباين من فعله بجهدك وجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذك في الله لومة لائم، وخض الغمرات إلى الحق حيث كان، وتفقه في الدين، وعود نفسك التصبر على المكروه فنعم الخلق الصبر، والجئ نفسك في الأمور كلها إلى الهك فإنك تلجئها إلى كهف حريز ومانع عزيز، وأخلص في المسألة لربك، فان بيده العطاء والحرمان، وأكثر الاستخارة وتفهم وصيتي ولا تذهبن عنك صفحا، فان خير القول ما نفع واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع، ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه.
يا بني إني لما رأيتك قد بلغت سنا، ورأيتني ازداد وهنا بادرت بوصيتي إليك لخصال، منها أن يعجل بي أجلي دون أن أفضى إليك بما في نفسي أو أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي، أو أن يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا وتكون كالصعب النفور وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما القي فيها
من شئ إلا قبلته، فبادر بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك، وتستقبل بجد رأيك من الامر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته فتكون قد كفيت مؤونة الطلب، وعوفيت من علاج التجربة، فأتاك من ذلك ما كنا نأتيه، واستبان لك منها ما ربما أظلم علينا فيه.
يا بني إني وإن لم أكن قد عمرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمارهم، و فكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إلي من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضرره، واستخلصت لك من كل أمر نخيله، وتوخيت لك جميله وصرفت عنك مجهوله، ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق، وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر مقبل الدهر، ذو نية سليمة، ونفس صافية، و أن ابتدأك بتعليم كتاب الله عز وجل وتأويله وشرايع الاسلام وأحكامه وحلاله وحرامه لا أجاوز بك ذلك إلى غيره، ثم أشفقت أن يلتبس ما اختلف الناس فيه من أهوائهم و آرائهم مثل الذي التبس عليهم وكان إحكام ذلك لك على ما كرهت من تنبيهك له أحب إلى من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك فيه الهلكة ورجوت أن يوفقك الله فيه لرشدك
وأن يهديك لقصدك، فعهدت إليك وصيتي بهذه.
واعلم مع ذلك يا بني أن أحب ما أنت آخذ به من وصيتي إليك تقوى الله والاقتصار على ما فرضه الله عليك، والاخذ بما مضى عليه الأولون من آبائك و الصالحون من أهل بيتك فإنهم لن يدعوا أن ينظروا لأنفسهم كما أنت ناظر، وفكروا كما أنت مفكر، ثم ردهم آخر ذلك إلى الاخذ بما عرفوا، والامساك عما لم يكلفوا فان أبت نفسك عن أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك لذلك بتفهم و تعلم لا بتورط الشبهات وعلو الخصومات، وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك عليه والرغبة إليه وفي توفيقك ونبذ كل شائبة أدخلت عليك كل شبهة، أو أسلمتك إلى ضلالة فان أيقنت أن قد صفا لك قبلك فخشع وتم رأيك فاجتمع، وكان همك في ذلك هما واحدا، فانظر فيما فسرت لك، وإن لم يجتمع لك رأيك على ما تحب من نفسك وفراغ نظرك وفكرك، فاعلم أنك إنما تخبط خبط العشواء [وتتورط الظلماء] وليس طالب الدين من خبط ولا خلط، والامساك عند ذلك أمثل.
وإن أول ما أبدؤك به في ذلك وآخره أني أحمد إليك الله إلهي وإله الأولين والآخرين ورب من في السماوات والأرضين بما هو أهله، وكما يجب وينبغي له، ونسأله أن يصلي على سيدنا محمد النبي صلى الله عليه وآله، وعلى أنبياء الله بجميع صلاة من صلى عليه من خلقه، وأن يتم نعمته علينا بما وفقنا له من مسألته بالاستجابة لنا فان بنعمته تتم الصالحات.
يا بني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وانتقالها وزوالها بأهلها، وأنبأتك عن الآخرة وما أعد الله فيها لأهلها، وضربت لك أمثالا لتعتبر وتحذو عليها الأمثال
إنما مثل من أبصر الدنيا كمثل قوم سفر نبا بهم منزل جدب فأموا منزلا خصيبا فاحتملوا وعثاء الطريق وفراق الصديق، وخشونة السفر في الطعام والمنام ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم فليس يجدون لشئ من ذلك ألما ولا يرون لنفقته معزما ولا شئ أحب إليهم مما يقر بهم من منزلهم، ومثل من اغتر بها كقوم كانوا في منزل خصيب فنبا بهم إلى منزل جدب فليس شئ أكره إليهم، ولا أهول لديهم من مفارقة ما هم فيه إلى ما يهجمون عليه، ويصيرون إليه، ثم فزعتك بأنواع الجهالات لئلا تعد نفسك عالما فان العالم من عرف أن ما يعلم فيما لا يعلم قليل فعد نفسه بذلك جاهلا وازداد بما عرف من ذلك في طلب العلم اجتهادا فما يزال للعلم طالبا وفيه راغبا، وله مستفيدا، ولأهله خاشعا، ولرأيه متهما، وللصمت لازما، وللخطأ جاحدا، ومنه مستحييا وإن ورد عليه ما لا يعرف لا ينكر ذلك لما قد قدر به نفسه من الجهالة، وأن الجاهل من عد نفسه بما جهل من معرفة العلم عالما وبرأيه مكتفيا فما يزال من العلماء مباعدا، وعليهم زاريا، ولمن خالفه مخطيا، ولما لم يعرف من الأمور مضللا، وإذا ورد عليه من الامر ما لا يعرفه أنكره وكذب به، وقال بجهالته ما أعرف هذا، وما أراه كان، وما أظن أن يكون وأنى كان، ولا أعرف ذلك لثقته برأيه، وقلة معرفته بجهالته فما ينفك مما يرى فيما يلتبس عليه رأيه، ومما لا يعرف للجهل مستفيدا، وللحق منكرا، وفي اللجاجة متجريا، وعن طلب العلم مستكبرا.
يا بني تفهم وصيتي واجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك وأحب لغيرك ما تحب لنفسك، وأكره له ما تكره لها، لا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح لنفسك ما تستقبحه من غيرك، وارض من الناس ما ترضى لهم منك، ولا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كلما علمت مما لا تحب أن
يقال لك، واعلم أن الاعجاب ضد الصواب وآفة الألباب، وإذا هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك [وأسعى في كدحك، ولا تكن خازنا لغيرك].
واعلم يا بني إن أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة، وأهوال شديدة، وإنه لاغنا بك عن حسن الارتياد، وقدر بلاغك من الزاد مع خفة الظهر، فلا تحملن على ظهرك فوق بلاغك، فيكون ثقيلا ووبالا عليك، وإذا وجدت من أهل الحاجة من يحمل لك زادك [إلى يوم القيامة] فيوافيك به [غدا] حيث تحتاج إليه فاغتنمه، واغتنم من استقرضك في حال غناك وجعل قضاءه لك في يوم عسرتك [وحمله إياه، وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه فلعلك تطلبه فلا تجده] واعلم أن أمامك عقبة كؤودا لا محالة أن مهبطها بك على جنة أو نار، فارتد لنفسك قبل نزولك.
وأعلم أن الذي بيده خزائن ملكوت الدنيا والآخرة قد أذن لدعائك، وتكفل لإجابتك، وأمرك أن تسأله ليعطيك وهو رحيم كريم، لم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ولم يعيرك بالإنابة، ولم يعاجلك بالنقمة، ولم يفضحك حيث تعرضت للفضيحة ولم يناقشك بالجريمة، ولم يؤيسك من الرحمة، ولم يشدد عليك في التوبة، فجعل توبتك التورع عن الذنب، وحسب سيئتك واحدة وحسنتك عشرا، وفتح لك باب المتاب والاستعتاب، فمتى شئت سمع نداءك ونجواك فأفضيت إليه بحاجتك وأبثثته ذات نفسك وشكوت إليه همومك، واستعنته على أمورك، ثم جعل في يدك مفاتيح خزائنه بما أذن فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه، فألحح
عليه في المسألة يفتح لك أبواب الرحمة، لا يقنطك إن أبطأت عليك الإجابة فإن العطية على قدر المسألة، وربما أخرت عنك الإجابة ليكون أطول للمسألة وأجزل للعطية، ربما سألت الشئ فلم تؤتاه وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا أو صرت إلى ما هو خير لك، فلرب أمر قد طلبته وفيه هلاك دينك ودنياك لو أوتيته، ولتكن مسألتك فيما يعنيك مما يبقى لك جماله وينفى عنك وباله، والمال لا يبقى لك ولا تبقى له، فإنه يوشك أن ترى عاقبة أمرك حسنا أو سيئا أو يعفو العفو الكريم.
واعلم يا بني إنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وللموت لا للحياة، وأنك في منزل قلعة، ودار بلغة وطريق إلى الآخرة، وأنك طريد الموت الذي لا ينجو هاربه، ولابد أنه مدركك يوما، فكن منه على حذر أن يدركك على حال سيئة قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك، فإذا أنت قد أهلكت نفسك.
يا بني أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتفضي بعد الموت إليه واجعله أمامك حيث [تراه حتى] يأتيك وقد أخذت منه حذرك وشددت له أزرك، و لا يأتيك بغتة فيبهرك ولا يأخذك على غرتك، وأكثر ذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم، فإن ذلك يزهدك في الدنيا ويصغرها عندك.
وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهلها وتكالبهم عليها وقد نبأك الله جل جلاله عنها ونعت إليك نفسها وتكشفت لك عن مساويها، فإنما أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية يهر بعضها بعضا ويأكل عزيزها ذليلها [ويقهر كبيرها صغيرها]
وكثيرها قليلها، نعم معقلة وأخرى مهملة قد أضلت عقولها وركبت مجهولها سروح عاهة في داروعث ليس لها راع يقيمها، ألعبتهم الدنيا فلعبوا بها، ونسوا ما وراءها، رويدا حتى يسفر الظلام كان ورب الكعبة يوشك من أسرع أن يلحق.
واعلم أن كل من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن كان لا يسير، أبى الله إلا خراب الدنيا وعمارة الآخرة.
يا بني فإن تزهد فيما زهدتك فيه وتعزف نفسك عنها فهي أهل ذلك، وإن كنت غير قابل نصيحتي إياك فيها فاعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك ولا تعدو أجلك فإنك في سبيل من كان قبلك فخفض في الطلب، وأجمل في المكتسب فإنه رب طلب قد جر إلى حرب وليس كل طالب بناج، وكل مجمل بمحتاج، وأكرم
نفسك عن دنية وإن ساقتك إلى الرغائب فإنك لن تعتاض بما تبذل شيئا من دينك وعرضك بثمن وإن جل، ومن خير حظ امرء قرين صالح، فقارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم، لا يغلبن عليك سوء الظن فإنه لا يدع بينك وبين صديق صفحا بئس الطعام الحرام، وظلم الضعيف أفحش الظلم، والفاحشة كاسمها، والتصبر على المكروه يعصم القلب، وإذا كان الرفق خرفا كان الخرق رفقا وربما كان الداء دواء، وربما نصح غير الناصح، وغش المستنصح وإياك والاتكال على المنى فإنها بضائع النوكى ومطل عن الآخرة والدنيا زك قلبك بالأدب كما يذكى النار بالحطب، ولا تكن كحاطب الليل وغثاء السيل.
وكفر النعمة لؤم، وصحبته الجاهل شؤم، والعقل حفظ التجارب، وخير ما جربت ما وعظك، ومن الكرم لين الشيم بادر الفرصة قبل أن تكون غصة، ومن الحزم العزم، ومن سبب الحرمان التواني، ليس كل طالب يصيب ولا كل راكب يؤوب ومن الفساد إضاعة الزاد، لكل امرء عاقبة، رب مصير بما تصير ولا خير في معين مهين، ولا تبيتن من أمر على عذر من حلم ساد ومن تفهم ازداد، ولقاء أهل الخير عمارة القلب، ساهل الدهر ما ذل لك قعوده.
وإياك أن تطيح بك مطية اللجاج وإن قارفت سيئة فعجل محوها بالتوبة ولا تخن من ائتمنك وإن خانك، ولا تذع سره وإن أذاع سرك، ولا تخاطر بشئ رجاء أكثر منه، واطلب فإنه يأتيك ما قسم لك، والتاجر مخاطر، وخذ بالفضل وأحسن البذل، وقل للناس حسنا.
وأي كلمة حكم جامعة أن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لها؟! إنك قل ما تسلم ممن تسرعت إليه، أو تندم إذا فضلت عليه، واعلم أن من
الكرم الوفاء بالذمم، والصدود آية المقت وكثرة العلل آية البخل، ولبعض إمساكك على أخيك مع لطف خير من بذل مع جنف ومن الكرم صلة الرحم ومن يثق بك أو يرجو صلتك إذا قطعت قرابتك؟ التجرم وجه القطيعة، احمل نفسك من أخيك عند صرمه إياك على الصلة، وعند صدوره على لطف المسألة، وعند جموده على البذل وعند تباعده على الدنو، وعند شدته على اللين، وعند تجرمه على الاعذار حتى كأنك له عبد وكأنه ذو النعمة عليك، وإياك أن تصنع ذلك في غير موضعه، أو تفعله في غير أهله.
ولا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك ، ولا تعمل بالخديعة فإنه خلق لئيم، وامحض أخاك النصيحة، حسنة كانت أو قبيحة، وساعده على كل حال، وزل معه حيث زال، ولا تطلبن مجازاة أخيك وإن حثا التراب بفيك وجد على عدوك بالفضل فإنه أحرى للظفر، وتسلم من الدنيا بحسن الخلق وتجرع الغيظ، فاني لم أر جرعة أحلى منه عاقبة ولا ألذ منها مغبة ولا تصرم أخاك على ارتياب ولا تقطعه
دون استعتاب ولن لمن غالظك فإنه يوشك أن يلين لك.
ما أقبح القطيعة بعد الصلة والجفاء بعد الإخاء، والعداوة بعد المودة، والخيانة لمن ائتمنك، والغدر بمن استأمن إليك، وإن أرت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية يرجع إليها إن بداله ولك يوما ما ومن ظن لك خيرا فصدق ظنه ولا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقه، ولا يكن أهلك أشقى الناس بك، ولا ترغبن في من زهد فيك، ولا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته ولا تكونن على الإساءة أقوى منك على الاحسان، ولا على البخل أقوى منك على البذل، ولا على التقصير أقوى منك على الفضل، ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك وإنما يسعى في مضرته ونفعك، وليس جزاء من سرك أن تسوءه، والرزق رزقان رزق تطلبه، ورزق يطلبك، فإن لم تأته أتاك.
واعلم يا بني أن الدهر ذو صروف فلا تكن ممن يشتد لائمته ويقل عند الناس عذره، ما أقبح الخضوع عند الحاجة، والجفاء عند الغنى، إنما لك من دنياك ما
أصلحت به مثواك فأنفق في حق ولا تكن خازنا لغيرك، وإن كنت جازعا على ما تفلت من بين يديك فاجزع على [كل] ما لم يصل إليك واستدلل على ما لم يكن بما كان فإنما الأمور أشباه، ولا تكفر ذا نعمة فان كفر النعمة من ألام الكفر، واقبل العذر ولا تكونن ممن لا ينتفع من الغطة إلا بما لزمه إزالته فان العاقل يتعظ بالأدب، و البهايم لا يتعظ إلا بالضرب، اعرف الحق لمن عرفه لك ، رفيعا كان أو وضيعا، واطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين من ترك القصد جار، ونعم حظ المرء القنوع، ومن شر ما صحب المرء الحسد، وفي القنوط التفريط، والشح يجلب الملامة، والصاحب مناسب والصديق من صدق غيبه والهوى شريك العمى ومن التوفيق الوقوف عند الحيرة، ونعم طارد الهموم اليقين، وعاقبة الكذب الندم، وفي الصدق السلامة، ورب بعيد أقرب من قريب، والغريب من لم يكن له حبيب، لا يعدمك من شفيق سوء الظن، ومن حم ظمئ ومن تعدى الحق ضاق مذهبه، ومن اقتصر على قدره كان أبقى له، نعم الخلق التكرم والام اللؤم البغي عند القدرة، والحياء سبب إلى كان جميل، وأوثق العرى التقوى، وأوثق سبب أخذت به سبب بينك وبين الله
سرك من أعتبك والافراط في الملامة يشب نيران اللجاجة، كم من دنف قد نجا وصحيح قد هوى، وقد يكون اليأس إدراكا إذا كان الطمع هلاكا وليس كل عورة تظهر ولا كل فريضة تصاب، وربما أخطأ البصير قصده وأصاب الأعمى رشده وليس كل من طلب وجد، ولا كل من توفى نجا، أخر الشر فإنك إذا شئت تعجلته وأحسن إن أحببت أن يحسن إليك، واحتمل أخاك على ما فيه، ولا تكثر العتاب فإنه يورث الضغينة واستعتب من رجوت عتباه، وقطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل، ومن الكرم منع الحزم، ومن كابر الزمان عطب ومن ينتقم عليه غضب، ما أقرب النقمة من أهل البغي وأخلق بمن غدر أن لا يوفى له، زلة المتوفي أشد زلة، وعلة الكذب أقبح علة، والفساد يبير الكثير والاقتصاد ينمى اليسير، والقلة ذلة، وبر الوالدين من أكرم الطباع، والمخافة شر يخاف، والزلل مع العجل، ولا خير في لذة تعقب ندما العاقل من وعظته التجارب، ورسولك ترجمان عقلك، والهدى يجلو العمى، وليس مع الخلاف ائتلاف، من خير خوانا فقد خان، لن يهلك من اقتصد ولن يفتقر من زهد، ينبئ
عن امرء دخيله رب باحث عن حتفه لا يشوبن بثقة رجاء وما كل ما يخشى يضر، ولرب هزل قد عاد جدا، من أمن الزمان خانه، ومن تعظم عليه أهانه، ومن ترغم عليه أرغمه، ومن لجأ إليه أسلمه، وليس كل من رمى أصاب، وإذا تغير السلطان تغير الزمان، خير أهلك من كفاك، المزاح تورث الضغائن، أعذر من اجتهد، وربما أكدى الحريص.
رأس الدين صحة اليقين، تمام الاخلاص تجنب المعاصي، خير المقال ما صدقه الفعال، السلامة مع الاستقامة، والدعاء مفتاح الرحمة، سل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار، وكن عن الدنيا على قلعة احمل من أدل عليك واقبل عذر من اعتذر إليك، وخذ العفو من الناس، ولا تبلغ من أحد مكروها وأطع أخاك وإن عصاك، وصله وإن جفاك، وعود نفسك السماح وتخير لها من كل خلق أحسنه، فان الخير عادة.
وإياك أن تكثر من الكلام هذرا وأن تكون مضحكا وإن حكيت ذلك عن غيرك وأنصف من نفسك، وإياك ومشاورة النساء فان رأيهن إلى الافن، وعزمهن إلى الوهن واكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن فان شدة الحجاب خير لك
ولهن من الارتياب وليس خروجهن بأشد من دخول من لا يوثق به عليهن وإن استطعت أن لا يعرفن غيرك من الرجال فافعل، ولا تملك المرأة من الامر ما جاوز نفسها فان ذلك أنعم لحالها وأرخى لبالها وأدوم لجمالها فان المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ولا تعد بكرامتها نفسها ولا تعطيها أن تشفع لغيرها فيميل من شفعت له عليك معها ولا تطل الخلوة مع النساء فيمللنك وتمللهن واستبق من نفسك بقية فان إمساكك عنهن وهن ترين أنك ذو اقتدار خير من أن يعثرن منك على انكسار و إياك والتغاير في غير موضع الغيرة فان ذلك يدعو الصحيحة منهن إلى السقم ولكن أحكم أمرهن فان رأيت عيبا فعجل النكير على الكبير والصغير وإياك أن تعاتب فيعظم الذنب ويهون العتب ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا، وما خير بخير لا ينال إلا بشر ويسر لا ينال إلا بعسر وإياك أن توجف بك مطايا الطمع وإن
استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، فإنك مدرك قسمك وآخذ سهمك، وإن اليسير من الله أكرم وأعظم من الكثير من خلقه وإن كان كل منه، فان نظرت - فلله المثل الاعلى - فيما تطلب من الملوك ومن دونهم من السفلة لعرفت أن لك في يسير ما تصيب من الملوك افتخارا، وإن عليك في كثير ما تطلب من الدناة عارا إنك ليس بايعا شيئا من دينك وعرضك بثمن، والمغبون من غبن نفسه من الله، فخذ من الدنيا ما آتاك، وتول عما تولى عنك، فان أنت لم تفعل فأجمل في الطلب، وإياك ومقاربة من رهبته على دينك وعرضك، وباعد السلطان لتأمن خدع الشيطان وتقول: متى أرى ما أنكر نزعت، فإنه هكذا هلك من كان قبلك، إن أهل القبلة قد أيقنوا بالمعاد، فلو سمت بعضهم ببيع آخرته بالدنيا لم تطب بذلك نفسا وقد يتخيله الشيطان بخدعه ومكره حتى يورطه في هلكة بعرض من الدنيا يسير حقير وينقله من شئ إلى شئ حتى يؤيسه من رحمة الله ويدخله في القنوط فيجد الراحة إلى ما خالف الاسلام وأحكامه فان نفسك أبت إلا حب الدنيا وقرب السلطان فخالفتك إلى ما نهيتك عنه مما فيه رشدك فأملك عليه لسانك فإنه لا ثقة للملوك عند الغضب، فلا تسأل عن أخبارهم ولا تنطق بأسرارهم ولا تدخل فيما بينهم.
وفي الصمت السلامة من الندامة، وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراك فائدة ما فات من منطقك، وحفظ ما في الوعاه بشد الوكاء، وحفظ ما في يديك أحب
إليك من طلب ما في يد غيرك ولا تحدث إلا عن ثقة فتكون كذابا والكذب ذل، وحسن التدبير مع الكفاف أكفى لك من الكثير مع الاسراف، وحسن اليأس خير من الطلب إلى الناس، والعفة مع الحرفة خير من سرور مع فجور، والمرء أحفظ سره ورب ساع فيما يضره، من أكثر هجر ومن تفكر أبصر.
وأحسن المماليك الأدب، واقلل الغضب ولا تكثر العتب في غير ذنب فإذا استحق أحد منك ذنبا فأن العفو مع العدل أشد من الضرب لمن كان له عقل، ولا تمسك من لا عقل له، وخف القصاص، واجعل لكل امرء منهم عملا يأخذ منه فإنه أحرى أن لا يتواكلوا وأكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي به تطير وأصلك الذي إليه تصير وإنك بهم تصول وبهم تطول اللذة عند الشدة وأكرم كريمهم وعد سقيمهم وأشركهم في أمورهم وتيسر عند معسورهم واستعن بالله على أمورك فإنه أكفى معين. وأستودع الله دينك ودنياك وأسأله خير القضاء في الدنيا والآخرة.
أقول: إن الشيخ الحسن بن علي بن شعبة قد ذكر هذا الخبر في كتاب تحف العقول لكن باختلاف كثير فأردت أن أورده بهذه الرواية أيضا لأنه المسلك
كلما كررته يتضوع.
2 - من الوالد الفان، والمقر للزمان، المدبر العمر، المستسلم للدهر، الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى، الظاعن عنها إليهم غدا إلى المولود المؤمل ما لا يدرك السالك سبيل من [قد] هلك، غرض الأسقام ورهينة الأيام ورمية المصائب وعبد الدنيا وتاجر الغرور وغريم المنايا وأسير الموت وحليف الهموم وقرين الأحزان ونصب الآفات وصريع الشهوات وخليفة الأموات - أما بعد - فإن فيما تبينت من إدبار الدنيا عني وجموح الدهر علي وإقبال الآخرة إلى ما يزعني عن ذكر من سواي والاهتمام بما ورائي غير أنه حيث تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي فصدفني رأيي وصرفني هواي وصرح لي محض أمري فأفضى بي إلى جد لا يكون فيه لعب وصدق لا يشوبه كذب. [و] وجدتك بعضي بل وجدتك كلي حتى كأن شيئا [لو] أصابك أصابني وكأن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي فكتبت إليك كتابي هذا مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت.
فإني أوصيك بتقوى الله أي بني ولزوم أمره وعمارة قلبك بذكره والاعتصام بحبله وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله إن [أنت] أخذت به.
أحي قلبك بالموعظة وموته بالزهد وقوه باليقين وذلله بالموت وقرره بالفناء وبصره فجائع الدنيا وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الليالي والأيام و أعرض عليه أخبار الماضين وذكره بما أصاب من كان قبله وسر في بلادهم وآثارهم و انظر ما فعلوا وأين حلوا وعمن انتقلوا فإنك تجدهم انتقلوا عن الأحبة وحلوا دار الغربة وناد في ديارهم: أيتها الديار الخالية أين أهلك؟ ثم قف على قبورهم فقل: أيتها الأجساد البالية والأعضاء المتفرقة كيف وجدتم الدار التي أنتم بها؟ أي بني و كأنك عن قليل قد صرت كأحدهم فأصلح مثواك ولا تبع آخرتك بدنياك ودع القول
فيما لا تعرف والخطاب فيما لا تكلف وأمسك عن طريق إذا خفت ضلاله فان الكف عن حيرة الضلالة خير من ركوب الأهوال، وأمر بالمعروف تكن من أهله وأنكر المنكر بلسانك ويدك وباين من فعله بجهدك وجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذك في الله لومة لائم، وخض الغمرات إلى الحق حيث كان وتفقه في الدين وعود نفسك التصبر وألجئ نفسك في الأمور كلها إلى إلهك فإنك تلجئها إلى كهف حريز، ومانع عزيز، وأخلص في المسألة لربك فان بيده العطاء والحرمان وأكثر الاستخارة، وتفهم وصيتي ولا تذهبن [عنها] صفحا فإن خير القول ما نفع، واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع ولا ينتفع بعلم حتى لا يقال به..
أي بني إني لما رأيتك قد بلغت سنا ورأيتني أزداد وهنا بادرت بوصيتي إياك خصالا منهن مخافة أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي أو أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا فتكون كالصعب النفور، وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما القي فيها من شئ قبلته فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشغل لبك لتستقبل بجد رأيك من الامر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته فتكون قد كفيت مؤونة الطلب وعوفيت
من علاج التجربة فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه واستبان لك منه ما ربما أظلم علينا فيه.
أي بني وإني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم وفكرت في أخبارهم وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم بل كأني بما انتهى إلي من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضره، فاستخلصت لك من كل أمر نخيله وتوخيت لك جميله، وصرفت عنك مجهوله ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل بين ذي النقية والنية وأن أبدأك بتعليم كتاب الله وتأويله وشرائع الاسلام وأحكامه وحلاله وحرامه، لا أجاوز ذلك بك إلى غيره ثم أشفقت أن يلبسك ما اختلف الناس فيه أهواؤهم مثل الذي لبسهم وكان إحكام ذلك لك على ما كرهت من تنبيهك له أحب إلي من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك فيه الهلكة، ورجوت أن يوفقك الله فيه لرشدك وأن يهديك لقصدك فعهدت إليك وصيتي هذه. واعلم مع ذلك:
أي بني أن أحب ما أنت آخذ به إلي من وصيتي تقوى الله والاقتصار على ما افترض عليك والاخذ بما مضى عليه الأولون من آبائك والصالحون من أهل ملتك فإنهم لم يدعوا أن [ي] نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر وفكروا كما أنت مفكر ثم ردهم آخر ذلك إلى الاخذ بما عرفوا والامساك عما لم يكلفوا، فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم [كما] كانوا علموا فليكن طلبك ذلك بتفهم وتعلم لا بتورط الشبهات وعلو الخصومات، وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك عليه والرغبة
إليه في توفيقك وترك كل شائبة أدخلت عليك شبهة وأسلمتك إلى ضلالة وإذا أنت أيقنت أن قد صفا [لك] قلبك فخشع، وتم رأيك فاجتمع وكان همك في ذلك هما واحدا فانظر فيما فسرت لك وإن أنت لم يجتمع لك ما تحب من نفسك من [فراغ] فكرك ونظرك فاعلم أنك إنما تخبط خبط العشواء، وليس طالب الدين من خبط ولا خلط والامساك عند ذلك أمثل.
وإن أول ما أبدأ به من ذلك وآخره أني أحمد إليك إلهي وإلهك وإله آبائك الأولين والآخرين ورب من في السماوات والأرضين بما هو أهله [و] كما هو أهله وكما يحب وينبغي ونسأله أن يصلي عنا على نبينا صلى الله عليه وآله وعلى أهل بيته وعلى أنبياء الله ورسله بصلاة جميع من صلى عليه من خلقه وأن يتم نعمه علينا فيما وفقنا له من مسألته بالإجابة لنا فان بنعمته تتم الصالحات.
فتفهم أي بني وصيتي واعلم أن مالك الموت هو مالك الحياة وأن الخالق هو المميت وأن المفني هو المعيد وأن المبتلي هو المعافي وأن الدنيا لم تكن لتستقيم إلا على ما خلقها الله تبارك وتعالى عليه من النعماء والابتلاء والجزاء في المعاد أو ما شاء مما لا نعلم، فإن أشكل عليك شئ من ذلك فاحمله على جهالتك به وإنك أول ما خلقت [خلقت] جاهلا ثم عملت وما أكثر ما تجهل من الامر ويتحير فيه رأيك ويضل فيه بصرك ثم تبصره بعد ذلك، فاعتصم بالذي خلقك ورزقك وسواك فليكن له تعمدك وإليه رغبتك ومنه شفقتك.
واعلم [يا بني] أن أحدا لم ينبئ عن الله تبارك وتعالى كما أنبأ عنه نبينا صلى الله عليه وآله فارض به رائدا [وإلى النجاة قائدا] فإني لم آلك نصيحة
وإنك لم تبلغ في النظر لنفسك [وإن اجتهدت مبلغ] نظري لك، واعلم. [يا بني] أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت صفته وفعاله ولكنه إله واحد كما وصف نفسه، لا يضاده في ذلك أحد ولا يحاجه وأنه خالق كل شئ وأنه أجل من أن يثبت لربوبيته بالإحاطة قلب أو بصر وإذا أنت عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثك في صغر خطرك وقلة مقدرتك وعظم حاجتك إليه أن يفعل مثله في طلب طاعته والرهبة له والشفقة من سخطه، فإنه لم يأمرك إلا بحسن ولم ينهك إلا عن قبيح.
أي بني إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وزوالها وانتقالها بأهلها، وأنبأتك عن الآخرة وما أعد لأهلها فيها وضربت لك فيها الأمثال، إنما مثل من أبصر الدنيا كمثل قوم سفر نبابهم منزل جدب فأموا منزلا خصيبا [وجنابا مريعا] فاحتملوا وعثاء الطريق وفراق الصديق وخشونة السفر في الطعام والمنام ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم، فليس يجدون لشئ من ذلك ألما ولا يرون نفقته مغرما ولا شيئا أحب إليهم مما قربهم من منزلهم، ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصب فنبابهم إلى منزل جدب فليس شئ أكره إليهم ولا أهول لديهم من مفارقة ما هم فيه إلى ما يهجمون عليه ويصيرون إليه، وقرعتك بأنواع الجهالات لئلا تعد نفسك عالما، فإن ورد عليك شي لا تعرفه أكبرت ذلك فان العالم من عرف أن ما يعلم فيما لا يعلم قليل فعد نفسه بذلك جاهلا، فازداد بما عرف من ذلك في طلب العلم اجتهادا، فما يزال للعلم طالبا، وفيه راغبا، وله مستفيدا، ولأهله خاشعا ولرأيه متهما وللصمت لازما، وللخطأ حاذرا، ومنه مستحييا.
وإن ورد عليه ما لا يعرف لم ينكر ذلك لما قرر به نفسه من الجهالة وإن الجاهل من عد نفسه بما جهل من معرفة العلم عالما، وبرأيه مكتفيا، فما يزال للعلماء مباعدا، وعليهم زاريا، ولمن خالفه مخطئا، ولما لم يعرف من الأمور مضللا فإذا ورد عليه من الأمور ما لم يعرفه أنكره وكذب به وقال بجهالته:
ما أعرف هذا، وما أراه كان، وما أظن أن يكون، وأنى كان؟ وذلك لثقته برأيه، وقلة معرفته بجهالته، فما ينفك بما يرى مما يلتبس عليه رأيه مما لا يعرف للجهل مستفيدا وللحق منكرا، وفي الجهالة متحيرا وعن طلب العلم مستكبرا.
أي بني تفهم وصيتي واجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، وأكره له ما تكره لنفسك، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس لك ما ترضى به لهم منك، ولا تقل بما لا تعلم، بل لا تقل كلما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك.
واعلم أن الاعجاب ضد الصواب وآفة الألباب، فإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك.
واعلم أن أمامك طريقا ذا مشقة بعيدة، وأهوال شديدة، وأنه لا غنى بك فيه عن حسن الارتياد وقدر بلاغك من الزاد وخفة الظهر، فلا تحملن على ظهرك فوق بلاغك، فيكون ثقلا ووبالا عليك، وإذا وجدت من أهل الحاجة من يحمل لك زادك فيوافيك به حيث تحتاج إليه فاغتنمه، واغتنم من استقرضك
في حال غناك واجعل وقت قضائك في يوم عسرتك.
واعلم أن أمامك عقبة كؤودا، لا محالة مهبطا بك على جنة أو على نار، المخف فيها أحسن حالا من المثقل فارتد لنفسك قبل نزولك.
واعلم أن الذي بيده ملكوت خزائن الدنيا والآخرة قد أذن بدعائك وتكفل بإجابتك، وأمرك أن تسأله ليعطيك وهو رحيم، لم يجعل بينك وبينه ترجمانا، ولم يحجبك عنه، ولم يلجئك إلى من يشفع إليه لك، ولم يمنعك إن أسات التوبة ولم يعيرك بالإنابة، ولم يعاجلك بالنقمة، ولم يفضحك حيث تعرضت للفضيحة، ولم يناقشك بالجريمة، ولم يؤيسك من الرحمة، ولم يشدد عليك في التوبة فجعل النزوع عن الذنب حسنة وحسب سيئتك واحدة، وحسب حسنتك عشرا، وفتح لك باب المتاب والاستيناف فمتى شئت سمع نداءك ونجواك، فأفضيت إليه بحاجتك، وأنبأته عن ذات نفسك، وشكوت إليه همومك، واستعنته على أمورك وناجيته بما تستخفي به من الخلق من سرك ثم جعل بيدك مفاتيح خزائنه، فألحح في المسألة يفتح لك باب الرحمة بما أذن لك فيه من مسألته.
فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه، فألحح ولا يقنطك إن أبطأت عنك الإجابة فإن العطية على قدر المسألة، وربما أخرت عنك الإجابة ليكون أطول للمسألة وأجزل للعطية، وربما، سألت الشئ فلم تؤته وأوتيت خيرا منه عاجلا وآجلا، أو صرف عنك لما هو خير لك فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته، ولتكن مسألتك فيما يعنيك مما يبقى لك جماله [أ] وينفى عنك وباله والمال لا يبقى لك ولا تبقى له، فإنه يوشك أن ترى عاقبة أمرك حسنا أو سيئا أو يعفو العفو الكريم.
واعلم أنك خلقت للآخرة لا للدنيا وللفناء لا للبقاء وللموت لا للحياة وأنك في منزل قلعة ودار بلغة، وطريق إلى الآخرة، أنك طريد الموت الذي لا ينجو [منه] هاربه ولابد أنه يدركك يوما، فكن منه على حذر أن يدركك على حال سيئة قد كنت تحدث نفسك فيها بالتوبة، فتحول بينك وبين ذلك، فإذا أنت قد أهلكت نفسك.
أي بني أكثر ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتفضي بعد الموت إليه، واجعله أمامك حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك ولا يأخذك على غرتك وأكثر ذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم فإن ذلك يزهدك في الدنيا ويصغرها عندك، وقد نبأك الله عنها ونعتت لك نفسها وكشفت عن مساويها، فإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهلها إليها، وتكالبهم عليها وإنما أهلها كلاب عاوية
وسباع ضارية، يهر بعضها على بعض، يأكل عزيزها ذليلها وكبيرها صغيرها قد أضلت أهلها عن قصد السبيل، وسلكت بهم طريق العمى وأخذت بأبصارهم عن منهج الصواب، فتاهوا في حيرتها وغرقوا في فتنتها، واتخذوها ربا، فلعبت بهم، ولعبوا بها ونسوا ما وراءها.
فإياك يا بني أن تكون قد شانته كثرة عيوبها نعم معقلة وأخرى مهملة قد أضلت عقولها، وركبت مجهولها، سروح عاهة بواد وعث، ليس لها راع يقيمها. رويدا حتى يسفر الظلام، كأن قد وردت الظعينة يوشك من أسرع أن يؤوب.
واعلم أن من كانت مطيته الليل والنهار، فإنه يسار به وإن كان لا يسير أبى الله إلا خراب الدنيا وعمارة الآخرة.
أي بني فإن تزهد فيما زهدك الله فيه من الدنيا وتعزف نفسك عنها، فهي أهل ذلك، وإن كنت غير قابل نصيحتي إياك فيها فاعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك وأنك في سبيل من كان قبلك، فاخفض في الطلب وأجمل في
المكتسب فإنه رب طلب قد جر إلى حرب، وليس كل طالب بناج وكل مجمل بمحتاج. وأكرم نفسك كل دنية، وإن ساقتك إلى رغبة، فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا، ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا، وما خير خير لا ينال إلا بشر ويسر لا ينال إلا بعسر.
وإياك أن توجف بك مطايا الطمع، فتوردك مناهل الهلكة، وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، فإنك مدرك قسمك، وآخذ سهمك.
وإن اليسير من الله تبارك وتعالى أكثر وأعظم من الكثير من خلقه، وإن كان كل منه ولو نظرت - ولله المثل الاعلى - فيما تطلب من الملوك ومن دونهم من السفلة لعرفت أن لك في يسير ما تصيب من الملوك افتخارا، وأن عليك في كثير ما تصيب من الدناة عارا. فاقتصد في أمرك تحمد. مغبة علمك إنك لست بائعا شيئا من دينك وعرضك بثمن، والمغبون من غبن نصيبه من الله، فخذ من الدنيا ما أتاك واترك ما تولى، فإن أنت لم تفعل فأجمل في الطلب .
وإياك ومقارنة من رهبته على دينك وباعد السلطان ولا تأمن خدع الشيطان وتقول: متى أرى ما أنكر نزعت، فإنه كذا هلك من كان قبلك من أهل القبلة وقد أيقنوا بالمعاد، فلو سمت بعضهم بيع آخرته بالدنيا لم يطب بذلك نفسا، ثم قد يتخيله الشيطان بخدعه ومكره حتى يورطه في هلكته بعرض من الدنيا حقير وينقله من شر إلى شر حتى يؤيسه من رحمة الله ويدخله في القنوط، فيجد الوجه إلى ما خالف الاسلام وأحكامه، فإن أبت نفسك إلا حب الدنيا وقرب السلطان فخالفت ما نهيتك عنه بما فيه رشدك، فأملك عليك لسانك فإنه لا بقية للملوك عند الغضب، ولا تسأل عن أخبارهم، ولا تنطق عند أسرارهم، ولا تدخل فيما بينك وبينهم.
وفي الصمت السلامة من الندامة، وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك
ما فات من منطقك [وحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء] وحفظ ما في يديك أحب إلي من طلب ما في يد غيرك، ولا تحدث إلا عن ثقة فتكون كاذبا والكذب ذل. وحسن التدبير مع الكفاف أكفى لك من الكثير مع الاسراف، وحسن اليأس خير من الطلب إلى الناس، والعفة مع الحرفة خير من سرور مع فجور والمرء أحفظ سره.
ورب ساع فيما يضره. من أكثر [أ] هجر ومن تفكر أبصر، ومن خير حظ امرء قرين صالح، فقارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم، ولا يغلبن عليك سوء الظن، فإنه لا يدع بينك وبين خليل صلحا وقد يقال:
من الحزم سوء الظن. بئس الطعام الحرام. وظلم الضعيف أفحش الظلم. والفاحشة كاسمها والتصبر على المكروه يعصم القلب. وإن كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا، وربما كان الدواء داءا والداء دواء، وربما نصح غير الناصح وغش المستنصح، وإياك والاتكال على المنى فإنها بضائع النوكى، وتثبط عن خير الآخرة والدنيا، زك قلبك بالأدب كما تذكي النار بالحطب، ولا تكن كحاطب الليل وعثاء السبيل وكفر
النعمة لؤم. وصحبة الجاهل شؤم، والعقل حفظ التجارب، وخير ما جربت ما وعظك ومن الكرم لين الشيم.
بادر الفرصة قبل أن تكون غصة، من الحزم العزم، ومن سبب الحرمان التواني ليس كل طالب يصيب، ولا كل راكب يؤوب، ومن الفساد إضاعة الزاد. ولكل أمر عاقبة، رب يسير أنمى من كثير، سوف يأتيك ما قدر لك، التاجر مخاطر ولا خير في معين مهين، لا تبيتن من أمر على غرر من حكم ساد، ومن تفهم ازداد، ولقاء أهل الخير عمارة القلوب، ساهل الدهر ما ذل لك قعوده، وإياك أن تجمح بك مطية اللحاج، وإن قارفت سيئة فعجل محوها بالتوبة، ولا تخن من ائتمنك وإن خانك، ولا تذع سره وإن أذاعه، ولا تخاطر بشئ رجاء أكثر منه واطلب فإنه يأتيك ما قسم لك، خذ بالفضل وأحسن البذل، وقل للناس حسنا.
وأي كلمة حكم جامعة أن تحب للناس ما تحب لنفسك؟ وتكره لهم ما تكره لها. إنك قل ما تسلم ممن تسرعت إليه أو تندم إن تتفضل عليه.
واعلم أن من الكرم الوفاء بالذمم، والدفع عن الحرم والصدود آية المقت، وكثرة العلل آية البخل، ولبعض إمساكك عن أخيك مع لطف خير من بذل مع جنف، ومن التكرم صلة الرحم ومن يرجوك أو يثق بصلتك إذا قطعت قرابتك؟ والتحريم وجه القطيعة، احمل نفسك مع أخيك عند صرمه على الصلة وعند صدوده على اللطف والمسألة، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنو
وعند شدته؟؟ على اللين، وعند جرمه على الاعتذار، حتى كأنك له عبد، وكأنه ذو نعمة عليك، وإياك أن تضع ذلك في غير موضعه، وأن تفعله بغير أهله.
لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك، ولا تعمل بالخديعة فإنها خلق اللئيم، وامحض أخاك النصيحة، حسنة كانت أو قبيحة، وساعده على كل حال، وزل معه حيث زال، ولا تطلبن مجازاة أخيك ولو حثا التراب بفيك، وخذ على عدوك بالفضل فإنه أحرى للظفر وتسلم من الناس بحسن الخلق، وتجرع الغيظ، فإني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة ولا ألذ مغبة، ولا تصرم أخاك على ارتياب ولا تقطعه دون استعتاب، ولن لمن غالظك، فإنه يوشك أن يلين لك. ما أقبح القطيعة بعد الصلة، والجفاء بعد الإخاء، والعداوة بعد المودة، والخيانة لمن ائتمنك، وخلف الظن لمن ارتجاك، والغدر بمن استأمن إليك، فإن أنت غلبتك قطيعة أخيك فاستبق لها من نفسك بقية ترجع إليها إن بدا ذلك له يوما، ومن ظن بك خيرا فصدق ظنه. ولا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه، فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقه، ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك، ولا ترغبن فيمن زهد فيك، ولا تزهدن فيمن رغب إليك إذا كان للخلطة موضعا، ولا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته، ولا يكونن على الإساءة أقوى منك على الاحسان، ولا على البخل أقوى منك على البذل، ولا على التقصير أقوى منك على الفضل، ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فإنه إنما يسعى في مضرته ونفعك وليس جزاء من سرك أن تسوءه، والرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك فإن لم تأته أتاك.
واعلم أي بني أن الدهر ذو صروف، فلا تكونن ممن تشتد لائمته، ويقل عند الناس عذره، ما أقبح الخضوع عند الحاجة، والجفاء عند الغنى، إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك، فأنفق في حق ولا تكن خازنا لغيرك، وإن كنت جازعا
على ما تفلت من يديك فاجزع على كل ما لم يصل إليك. واستدلل على ما لم يكن بما كان، فإنما الأمور أشباه، ولا تكفرن ذا نعمة، فإن كفر النعمة من ألأم الكفر.
واقبل العذر، ولا تكونن ممن لا ينتفع من العظة إلا بما لزمه فإن العاقل ينتفع بالأدب، والبهايم لا تتعظ إلا بالضرب، اعرف الحق لمن عرفه لك رفيعا كان أو وضيعا، واطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين.
من ترك القصد جار، ونعم حظ المرء القناعة، ومن شر ما صحب المرء الحسد. وفي القنوط التفريط. والشح يجلب الملامة. والصاحب مناسب، والصديق من صدق غيبه، والهوى شريك العمى. ومن التوفيق الوقوف عند الحيرة، ونعم طاردا لهم اليقين. وعاقبة الكذب الذم، وفي الصدق السلامة، وعاقبة الكذب شر عاقبة، رب بعيد أقرب من قريب وقريب أبعد من بعيد، والغريب من لم يكن له حبيب لا يعدمك من حبيب سوء ظن، ومن حمى طنى ومن تعدى الحق ضاق مذهبه ومن اقتصر على قدره كان أبقى له، نعم الخلق التكرم، وألام اللؤم البغي عند القدرة، والحياء سبب إلى كل جميل، وأوثق العرى التقوى، وأوثق سبب أخذت به سبب بينك وبين الله. ومنك من أعتبك، والافراط في الملامة تشب نيران اللجاج، وكم من دنف قد نجا وصحيح قد هوى. فقد يكون اليأس إدراكا إذا كان الطمع هلاكا، وليس كل عورة [تظهر، ولاكل فريضة] تصاب. وربما أخطأ البصير قصده، وأصاب الأعمى رشده، ليس كل من طلب وجد، ولا كل من توقى
نجا أخر الشر فإنك إذا شئت تعجلته وأحسن إن أحببت أن يحسن إليك واحتمل أخاك على ما فيه، ولا تكثر العتاب فإنه يورث الضغينة، ويجر إلى البغضة واستعتب من رجوت إعتابه، وقطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل، ومن الكرم منع الحزم. من كابر الزمان عطب ومن ينقم عليه غضب. ما أقرب النقمة من أهل البغي. وأخلق بمن غدر ألا يوفى له.
زلة المتوقي أشد زلة. وعلة الكذب أقبح علة. والفساد يبير الكثير. والاقتصاد يثمر اليسير والقلة ذلة، وبر الوالدين من كرم الطبيعة، والزلل مع العجل، ولا خير في لذة تعقب ندما. والعاقل من وعظته التجارب، والهدى يجلو العمى. ولسانك ترجمان عقلك، ليس مع الاختلاف ائتلاف، من حسن الجوار تفقد الجار، لن يهلك من اقتصد، ولن يفتقر من زهد. بين عن امرء دخيله، رب باحث عن حتفه لا تشترين بثقة رجاء، ما كل ما يخشى يضر، رب هزل عاد جدا من أمن الزمان خانه، ومن تعظم عليه أهانه ومن ترغم عليه أرغمه، ومن لجأ
إليه أسلمه. وليس كل من رمى أصاب إذا تغير السلطان تغير الزمان وخير أهلك من كفاك، والمزاح يورث الضغائن، وربما أكدى الحريص رأس الدين صحة اليقين، وتمام الاخلاص تجنبك المعاصي، وخير المقال ما صدقه الفعال، والسلامة مع الاستقامة، والدعاء مفتاح الرحمة، سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار، وكن من الدنيا على قلعة. احمل لمن أدل عليك، واقبل عذر من اعتذر إليك، وخذ العفو من الناس، ولا تبلغ إلى أحد مكروهه، أطع أخاك وإن عصاك وصله وإن جفاك. وعود نفسك السماح، وتخير لها من كل خلق أحسنه. فان الخير عادة، وإياك أن تذكر من الكلام قذرا أو تكون مضحكا وإن حكيت ذلك عن غيرك.
وأنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك وإياك ومشاورة النساء فإن رأيهن إلى أفن وعزمهن إلى وهن، واكفف عليهن من أبصارهن بحجبك إياهن فان شدة الحجاب خير لك ولهن.
وليس خروجهن بأشد من إذ خالك من لا يوثق به عليهن، وإن استطعت أن
لا يعرفن غيرك فافعل، ولا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها، فان ذلك أنعم لحالها وأرخى لبالها، وأدوم لجمالها، فان المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة، ولا تعد بكرامتها نفسها، ولا تطعمها أن تشفع لغيرها فتميل مغضبة عليك معها، ولا تطل الخلوة مع النساء فيملكنك أو تملهن واستبق من نفسك بقية من إمساكك عنهن وهن يرين أنك ذو اقتدار خير من أن يظهرن منك على انتشار، وإياك والتغاير في غير موضع غيرة فان ذلك يدعو الصحيحة منهن إلى السقم، ولكن أحكم أمرهن فإن رأيت ذنبا فعاجل النكير على الكبير والصغير. وإياك أن تعاقب فتعظم الذنب و تهون العتب. وأحسن للمماليك الأدب. وأقلل الغضب ولا تكثر العتب في غير ذنب، فإذا استحق أحد منهم ذنبا فأحسن العدل فإن العدل مع العفو أشد من الضرب لمن كان له عقل. والتمسك بمن لا عقل له أوجب القصاص.
واجعل لكل امرء منهم عملا تأخذه به، فإنه أحرى أن لا يتواكلوا، و أكرم عشيرتك، فإنهم جناحك الذي به تطير وأصلك الذي إليه تصير، وبهم تصول وهم العدة عند الشدة فأكرم كريمهم وعد سقيمهم، وأشركهم في أمورهم وتيسر عند معسور [ل] - هم. واستعن بالله على أمورك، فإنه أكفى معين.
أستودع الله دينك ودنياك وأسأله خير القضاء لك في الدنيا والآخرة والسلام عليك ورحمة الله.
فهرست النجاشي الأصبغ بن نباتة المجاشعي كان من خاصة أمير المؤمنين عليه السلام وعمر بعده، روى عنه عهد الأشتر ووصيته إلى محمد ابنه أخبرنا عبد السلام بن الحسين الأديب عن أبي بكر الدوري، عن محمد بن أحمد بن أبي الثلج، عن جعفر بن محمد الحسني عن علي بن عبدل، عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباته بالوصية.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.