پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس عشر

66. باب الغيبة

ج ۷۲، ص ۲۱۹–۲۴۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۷۲

أسرى: ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا.

الحجرات: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم.

القلم: ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم.

1 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الاكلة في جوفه قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الجلوس في المسجد انتظار الصلاة عبادة، ما لم يحدث، قيل: يا رسول الله، وما يحدث؟ قال: الاغتياب.

بيان: الاكلة كفرحة داء في العضو يأتكل منه كما في القاموس وغيره، وقد يقرأ بمد الهمزة على وزن فاعلة أي العلة التي تأكل اللحم، والأول أوفق باللغة وقوله: " أسرع في دين الرجل " أي في ضرره وإفنائه، وقيل: الاكلة بالضم اللقمة، وكفرحة داء في العضو يأتكل منه وكلاهما محتملان إلا أن ذكر الجوف يؤيد الأول، وإرادة الأفناء والاذهاب يؤيد الثاني، والأول أقرب وأصوب وتشبيه الغيبة بأكل اللقمة أنسب لان الله سبحانه شبهها بأكل اللحم انتهى وكان

الثاني أظهر والتخصيص بالجوف لأنه أضر وأسرع في قتله، وفي التأييد الذي ذكره نظر والمستتر في قوله: " ما لم يحدث " راجع إلى الجالس المفهوم من الجلوس، وهو على بناء الافعال، والاغتياب منصوب، وقال الجوهري: اغتابه اغتيابا إذا وقع فيه، والاسم الغيبة، وهو أن يتكلم خلف إنسان مستور فما يغمه لو سمعه، فإن كان صدقا سمي غيبة، وإن كان كذبا سمي بهتانا.

أقول: هذا بحسب اللغة، وأما بحسب عرف الشرع، فهو ذكر الانسان المعين أو من هو بحكمه في غيبته بما يكره نسبته إليه، وهو حاصل فيه، ويعد نقصا في العرف بقصد الانتقاص والذم، قولا أو إشارة أو كناية، تعريضا أو تصريحا فلا غيبة في غير معين كواحد مبهم من غير محصور كأحد أهل البلد، وقال الشيخ البهائي قدس سره: وبحكمه لا دراج المبهم من محصور كأحد قاضي البلد فاسق مثلا، فان الظاهر أنه غيبة ولم أجد أحدا تعرض له انتهى.

وقولنا: " في غيبته " لاخراج ما إذا كان في حضوره لأنه ليس بغيبة، وإن كان إثما لايذائه إلا بقصد الوعظ والنصيحة والتعريض حينئذ أولى إن نفع، وقولنا:

" بما يكره " لا خراج غيبة من لا يكره نسبة الفسق ونحوه إليه، بل ربما يفرح بذلك ويعده كمالا، وقولنا: " وهو حاصل فيه " لاخراج التهمة، وإن كانت أشد، وقولنا " ويعد نقصا " لاخراج العيوب الشائعة التي لا يعدها أكثر الناس نقصا مع كونها مخفية، وعدم مبالاته بذكرها، وعدم عد أكثر الناس نقصا لشيوعها، ففيه إشكال، والأحوط ترك ذكرها وإن كان ظهار الأصحاب جوازه وقولنا " بقصد الانتقاص " لخروج ما إذا كان للطبيب لقصد العلاج، وللسلطان للترحم أو للنهي عن المنكر.

وقال الشهيد الثاني رفع الله درجته: وأما في الاصطلاح، فلها تعريفان: أحدهما مشهور، وهو ذكر الانسان حال غيبته بما يكره نسبته إليه مما يعد نقصانا في العرف بقصد الانتقاص والذم، واحترز بالقيد الأخير، وهو قصد الانتقاص عن ذكر العيب للطبيب مثلا أو لاستدعاء الرحمة من السلطان في حق الزمن والأعمى بذكر

نقصانهما، ويمكن الغنا عنه بقيد كراهة النسبة إليه، والثاني التنبيه على ما يكره نسبته إليه الخ وهو أعم من الأول، لشمول مورده اللسان والإشارة والحكاية وغيرها وهو أولى لما سيأتي من عدم قصر الغيبة على اللسان، وقد جاء على المشهور قول النبي صلى الله عليه وآله هل تدرون ما الغيبة؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته.

وتحريم الغيبة في الجملة إجماعي بل هو كبيرة موبقة للتصريح بالتوعد عليها بالخصوص في الكتاب والسنة، وقد نص الله على ذمها في كتابه، وشبه صاحبها بآكل لحم الميتة، فقال " ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه " وعن جابر وأبي سعيد الخدري قالا: قال النبي صلى الله عليه وآله: إياكم والغيبة، فان الغيبة أشد من الزنا إن الرجل قد يزني ويتوب فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه، وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون وجوههم بأظافيرهم، فقلت: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم، وعنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله فذكر الربا وعظم شأنه فقال: إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم وأوحى الله عز وجل إلى موسى بن عمران أن المغتاب إذا تاب فهو آخر من يدخل الجنة وإن لم يتب فهو أول من يدخل النار، وروي أن عيسى عليه السلام مر والحواريون على جيفة كلب فقال الحواريون:

ما أنتن ريح هذا؟ فقال عيسى عليه السلام: ما أشد بياض أسنانه كأنه ينهاهم عن غيبة الكلب، وينبههم على أنه لا يذكر من خلق الله إلا أحسنه.

وقيل في تفسير قوله تعالى " ويل لكل همزه لمزة ": الهمزة الطعان في الناس واللمزة الذي يأكل لحوم الناس، وقال بعضهم: أدركنا السلف لا يرون

العبادة في الصوم ولا في الصلاة ولكن في الكف عن أعراض الناس.

واعلم أن السبب الموجب للتشديد في أمر الغيبة وجعلها أعظم من كثير من المعاصي الكثيرة هو اشتمالها على المفاسد الكلية المنافية لغرض الحكيم سبحانه بخلاف باقي المعاصي فإنها مستلزمة لمفاسد جزئية، بيان ذلك أن المقاصد المهمة للشارع اجتماع النفوس على هم واحد، وطريقة واحدة، وهي سلوك سبيل الله بسائر وجوه الأوامر والنواهي، ولا يتم ذلك إلا بالتعاون والتعاضد بين أبناء النوع الانساني، وذلك يتوقف على اجتماع هممهم وتصافي بواطنهم واجتماعهم على الألفة والمحبة، حتى يكونوا بمنزلة عبد واحد في طاعة مولاه، ولن يتم ذلك إلا بنفي الضغائن والأحقاد والحسد ونحوه، وكانت الغيبة من كل منهم لأخيه مثيرة لضغنه، ومستدعية منه لمثلها في حقه، لاجرم، وكانت ضد المقصود الكلي للشارع، وكانت مفسدة كلية، ولذلك أكثر الله ورسوله النهي عنها والوعيد عليها، وبالله التوفيق.

ثم قال قدس سره في ذكر أقسامها: لما عرفت أن المراد منها ذكر أخيك بما يكرهه منه لو بلغه أو الاعلام به أو التنبيه عليه كان ذلك شاملا لما يتعلق بنقصان في بدنه أو نسبه أو خلقه أو فعله أو قوله أو دينه أو دنياه، حتى في ثوبه و داره، وقد أشار الصادق عليه السلام إلى ذلك أي في مصباح الشريعة بقوله: وجوه الغيبة تقع بذكر عيب في الخلق والفعل والمعاملة والمذهب والجهل وأشباهه، فالبدن كذكرك فيه العمش والحول والعور والقرع والقصر والطول والسواد والصفرة وجميع ما يتصور أن يوصف به مما يكرهه، وأما النسب بأن تقول أبوه فاسق أو خبيث أو خسيس أو إسكاف أو حائك أو نحو ذلك مما يكرهه، كيف كان، وأما الخلق بأن تقول إنه سيئ الخلق بخيل متكبر مراء شديد الغضب جبان ضعيف القلب ونحو ذلك، وأما في أفعاله المتعلقة بالدين كقولك سارق كذاب شارب خائن ظالم متهاون بالصلاة، لا يحسن الركوع والسجود، ولا يحترز من النجاسات ليس بارا بوالديه، لا يحرس نفسه من الغيبة والتعرض لاعراض الناس وأما فعله

المتعلق بالدنيا كقولك قليل الأدب متهاون بالناس، لا يرى لاحد عليه حقا كثير الكلام، كثير الاكل، نؤوم يجلس في غير موضعه، ونحو ذلك، وأما في ثوبه كقولك إنه واسع الكم طويل الذيل، وسخ الثياب، ونحو ذلك.

واعلم أن ذلك لا يقصر على اللسان، بل التلفظ به إنما حرم لان فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه، فالتعريض كالتصريح، والفعل فيه كالقول والإشارة والايماء والغمز والرمز والكنية والحركة، وكل ما يفهم المقصود داخل في الغيبة، مساو للسان في المعنى الذي حرم التلفظ به لأجله، ومن ذلك ما روي عن عايشة أنها قالت: دخلت علينا امرأة فلما ولت أومأت بيدي أي قصيرة فقال صلى الله عليه وآله: اغتبتيها ومن ذلك المحاكاة بان تمشى متعارجا أو كما يمشي فهو غيبة، بل أشد من الغيبة، لأنه أعظم في التصوير والتفهيم، وكذلك الغيبة بالكتاب فان الكتاب كما قيل أحد اللسانين.

ومن ذلك ذكر المصنف شخصا معينا وتهجين كلامه في الكتاب إلا أن يقترن به شئ من الاعذار المحوجة إلى ذكره كمسائل الاجتهاد التي لا يتم الغرض من الفتوى وإقامة الدلائل على المطلوب إلا بتزييف كلام الغير ونحو ذلك، ويجب الاقتصار على ما تندفع به الحاجة في ذلك وليس منه قوله قال قوم كذا ما لم يصرح بشخص معين، ومنها أن يقول الانسان بعض من مر بنا اليوم أو بعض من رأيناه حاله كذا إذا كان المخاطب يفهم منه شخصا معينا لان المحذور تفهيمه دون ما به التفهيم فأما إذا لم يفهمه عينه جاز، كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كره من إنسان شيئا قال: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، ولا يعين.

ومن أخبث أنواع الغيبة غيبة المتسمين بالفهم والعلم المرائين، فإنهم يفهمون المقصود على صفة أهل الصلاح والتقوى ليظهروا من أنفسهم التعفف عن الغيبة ويفهمون المقصود، ولا يدرون بجهلهم أنهم جمعوا بين فاحشتين: الرياء والغيبة وذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول: الحمد لله الذي لم يبتلنا بحب الرياسة أو بحب الدنيا أو بالتكيف بالكيفية الفلانية، أو يقول: نعوذ بالله من قلة الحياء

أو من سوء التوفيق أو نسأل الله أن يعصمنا من كذا بل مجرد الحمد على شئ إذا علم منه اتصاف المحدث عنه بما ينافيه ونحو ذلك فإنه يغتابه بلفظ الدعاء وسمت أهل الصلاح، وإنما قصده أن يذكر عيبه بضرب من الكلام المشتمل على الغيبة والرياء ودعوى الخلاص من الرذائل، وهو عنوان الوقوع فيها، بل في أفحشها.

ومن ذلك أنه قد يقدم مدح من يريد غيبته فيقول: ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في العبادات ولكن قد اعتراه فتور وابتلى بما نبتلي به كلنا، وهو قلة الصبر، فيذكر نفسه بالذم ومقصوده أن يذم غيره، وأن يمدح نفسه بالتشبه بالصالحين في ذم أنفسهم، فيكون مغتابا مرائيا مزكيا نفسه فيجمع بين ثلاث فواحش، وهو يظن بجهله أنه من الصالحين المتعففين عن الغيبة، هكذا يلعب الشيطان بأهل الجهل إذا اشتغلوا بالعلم أو العمل، من غير أن يتقنوا الطريق، فيتعبهم ويحبط بمكائده عملهم، ويضحك عليهم.

ومن ذلك أن يذكر ذاكر عيب إنسان فلا يتنبه له بعض الحاضرين فيقول سبحان الله ما أعجب هذا حتى يصغي الغافل إلى المغتاب، ويعلم ما يقوله، فيذكر الله سبحانه، ويستعمل اسمه آلة له في تحقيق خبثه وباطله، وهو يمن على الله بذكره جهلا منه وغرورا.

ومن ذلك أن يقول: جرى من فلان كذا وابتلي بكذا، بل يقول: جرى لصاحبنا أو صديقنا كذا تاب الله علينا وعليه، يظهر الدعاء والتألم والصداقة والصحبة، والله مطلع على خبث سريرته وفساد ضميره، وهو بجهله لا يدري أنه قد تعرض لمقت أعظم مما يتعرض له الجهال إذا جاهروا بالغيبة.

ومن أقسامها الخفية الاصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب فإنه إنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة، فيزيد فيها فكأنه يستخرج منه الغيبة بهذا الطريق، فيقول: عجبت مما ذكرته ما كنت أعلم بذلك إلى الان ما كنت أعرف من فلان ذلك، يريد بذلك تصديق المغتاب، واستدعاء الزيادة منه باللطف والتصديق للغيبة غيبة، بل الاصغاء إليها بل السكوت عند سماعها قال، رسول الله

صلى الله عليه وآله: المستمع أحد المغتابين، وقال علي عليه السلام: السامع للغيبة أحد المغتابين ومراده عليه السلام السامع على قصد الرضا والايثار لا على وجه الاتفاق أو مع القدرة على الانكار ولم يفعل، ووجه كون المستمع والسامع على ذلك الوجه مغتابين مشاركتهما للمغتاب في الرضا وتكيف ذهنهما بالتصورات المذمومة التي لا ينبغي، وإن اختلفا في أن أحدهما قائل، والاخر قابل، لكن كل واحد منهما صاحب آلة أما أحدهما فذو لسان يعبر عن نفس قد تنجست بتصور الكذب والحرام والعزم عليه، وأما الاخر فذو سمع تقبل عنه النفس تلك الآثار عن إيثار وسوء اختيار، فتألفها وتعتادها، فتمكن من جوهرها سموم عقارب الباطل، ومن ذلك قيل: السامع شريك القائل، وقد تقدم في الخبر ما يدل عليه.

فالمستمع لا يخرج من إثم الغيبة إلا بأن ينكر بلسانه، فان خاف فبقلبه وإن قدر على القيم أو قطع الكلام بكلام غيره فلم يفعله لزمه، ولو قال بلسانه اسكت وهو يشتهي ذلك بقلبه، فذلك نفاق وفاحشة أخرى زائدة لا يخرجه عن الاثم ما لم يكرهه بقلبه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من أذل عنده مؤمن وهو يقدر على أن ينصره فلم ينصره أذله الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من رد عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن يرد عن عرضه يوم القيامة، وقال أيضا: من رد عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار، وروى الصدوق باسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من تطول على أخيه في غيبة سمعها عنه في مجلس فردها عنه رد الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا والآخرة، وإن هو لم يردها وهو قادر على ردها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة، وباسناده إلى الباقر عليه السلام أنه قال: من اغتيب عنده اخوه المؤمن فنصره وأعانه، نصره الله في الدنيا والآخرة، ومن لم ينصره ولم يدفع عنه، وهو يقدر على نصرته وعونه خفضه الله في الدنيا والآخرة.

ثم قال قدس سره في علاج الغيبة: اعلم أن مساوي الأخلاق كلها إنما

تعالج بمعجون العلم والعمل، وإنما علاج كل علة بمضاد سببها، فلنبحث عن سبب الغيبة أولا ثم نذكر علاج كف اللسان عنها، على وجه يناسب علاج تلك الأسباب، فنقول: جملة ما ذكروه من الأسباب الباعثة على الغيبة عشرة أشياء قد نبه الصادق عليه السلام عليها إجمالا يعني في مصباح الشريعة بقوله: أصل الغيبة تتنوع بعشرة أنواع: شفاء غيظ، ومساعدة قوم، وتصديق خبر بلا كشفه، وتهمة، وسوء ظن، وحس، وسخرية، وتعجب، وتبرم، وتزين، ونحن نشير إليها مفصلة.

الأول: تشفي الغيظ، وذلك إذا جرى سبب غيظ غضب عليه، فإذا هاج غضبه تشفى بذكر مساويه، وسبق اللسان إليه بالطبع، إن لم يكن ثمة دين وازع، وقد يمتنع من تشفي الغيظ عند الغضب فيحتقن الغضب في الباطن، ويصير حقدا ثابتا فيكون سببا دائما لذكر المساوي بالحقد، والغضب من البواعث العظيمة على الغيبة.

الثاني: موافقة الاقران، ومجاملة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام فإنهم إذا كانوا يتفكهون بذكر الاعراض فيرى أنه لو أنكر أو قطع المجلس استثقلوه ونفروا عنه، فيساعدهم، ويرى ذلك من حسن المعاشرة، ويظن أنه مجاملة في الصحبة، وقد يغضب رفقاؤه فيحتاج إلى أن يغضب لغضبهم إظهارا للمساهمة في السراء والضراء، فيخوض معهم في ذكر العيوب والمساوي.

الثالث: أن يستشعر من إنسان أنه سيقصده ويطول لسانه فيه أو يقبح حاله عند محتشم، أو يشهد عليه بشهادة، فيبادر قبل ذلك ويطعن فيه ليسقط أثر شهادته وفعله، أو يبتدئ بذكر ما فيه صادقا ليكذب عليه بعده فيروج كذبه بالصدق الأول ويستشهد به ويقول: ما من عادتي الكذب فاني أخبرتكم بكذا وكذا من أحواله فكان كما قلت.

الرابع: أن ينسب إلى شئ فيريد أن يتبرأ منه فيذكر الذي فعله، وكان من حقه أن يبرئ نفسه، ولا يذكر الذي فعله ولا ينسب غيره إليه أو يذكر غيره بأنه كان مشاركا له في الفعل ليمهد بذلك عذر نفسه في فعله.

الخامس: إرادة التصنع والمباهات، وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره

ويقول: فلان جاهل وفهمه ركيك وكلامه ضعيف، وغرضه أن يثبت في ضمن ذلك فضل نفسه، ويريهم أنه أفضل منه أو يحذر أن يعظم مثل تعظيمه، فيقدح فيه لذلك.

السادس: الحسد وهو أنه يحسد من يثني الناس عليه ويحبونه ويكرمونه فيريد زوال تلك النعمة عنه، فلا يجد سبيلا إليه إلا بالقدح فيه، فيريد أن يسقط ماء وجهه عند الناس حتى يكفوا عن إكرامه والثناء عليه، لأنه يثقل عليه أن يسمع ثناء الناس عليه وإكرامهم له، وهذا هو الحسد وهو عين الغضب والحقد والحسد قد يكون مع الصديق المحسن، والقرين الموافق.

السابع: اللعب والهزل والمطايبة، وترجئة الوقت بالضحك، فيذكر غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة والتعجب.

الثامن: السخرية والاستهزاء استحقارا له، فان ذلك قد يجري في الحضور فيجري أيضا في الغيبة، ومنشأوه التكبر واستصغار المستهزء به.

التاسع: وهو مأخذ دقيق ربما يقع في الخواص وأهل الحذر من مزال اللسان، وهو أن يغتم بسبب ما يبتلى به أحد فيقول: يا مسكين فلان قد غمني أمره وما ابتلي به، ويذكر سبب الغم فيكون صادقا في اغتمامه ويلهيه الغم عن الحذر عن ذكر اسمه، فيذكره بما يكرهه فيصير به مغتابا، فيكون غمه ورحمته خيرا، ولكنه ساقه إلى شر من حيث لا يدري، والترحم والتغمم ممكن من دون ذكر اسمه ونسبته إلى ما يكره، فيهيجه الشيطان على ذكر اسمه ليبطل به ثواب اغتمامه وترحمه.

العاشر: الغضب لله، فإنه قد يغضب على منكر قارفه إنسان فيظهر غضبه ويذكر اسمه، على غير وجه النهي عن المنكر، وكان الواجب أن يظهر غضبه عليه على ذلك الوجه خاصة، وهذا مما يقع فيه الخواص أيضا فإنهم يظنون أن الغضب إذا كان لله تعالى كان عذرا، كيف كان، وليس كذلك.

أقول: وعد بعضهم الوجهين الأخيرين مما يختص بأهل الدين والخاصة

وزاد وجها آخر، وهو أن ينبعث من الدين داعية التعجب من إنكار المنكر والخطاء في الدين، فيقول: ما أعجب ما رأيت من فلان، فإنه قد يكون صادقا ويكون تعجبه من المنكر، ولكن كان حقه أن يتعجب ولا يذكر اسمه فسهل عليه الشيطان ذكر اسمه في ذكر تعجبه، فصار به مغتابا من حيث لا يدري، واثم، ومن ذلك قول الرجل تعجبت من فلان كيف يحب جاريته وهي قبيحة، وكيف يجلس بين يدي فلان وهو جاهل.

ثم قال الشهيد رحمه الله: إذا عرفت هذه الوجوه التي هي أسباب الغيبة فاعلم أن الطريق في علاج كف اللسان عن الغيبة يقع على وجهين أحدهما على الجملة، والاخر على التفصيل: أما ما على الجملة، فهو أن يعلم تعرضه لسخط الله تعالى بغيبته كما قد سمعته في الأخبار المتقدمة، وأن يعلم أنه يحبط حسناته فإنها تنقل في القيامة حسناته إلى من اغتابه بدلا عما أخذ من عرضه، فإن لم تكن له حسنات نقل إليه من سيئاته، وهو مع ذلك متعرض لمقت الله تعالى ومشبه عنده بآكل الميتة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ما النار في اليبس بأسرع من الغيبة في حسنات العبد.

وينفعه أيضا أن يتدبر في نفسه، فان وجد فيها عيبا اشتغل بعيب نفسه وذكر قوله صلى الله عليه وآله: طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، ومهما وجد عيبا (فينبغي أن يستحيي أن يترك نفسه ويذم غيره بل ينبغي أن يعلم أن عجز غيره عن نفسه في التنزه عن ذلك العيب كعجزه إن كان ذلك عيبا) يتعلق بفعله واختياره وإن كان أمرا خلقيا فالذم له ذم للخالق، فان من ذم صنعة فقد ذم الصانع وإن لم يجد عيبا في نفسه فليشكر الله، فلا يلوثن نفسه بأعظم العيوب، بل لو أنصف من نفسه لعلم أن ظنه بنفسه أنه برئ من كل عيب جهل بنفسه، وهو من أعظم العيوب. وينفعه أن يعلم أن تألم غيره بغيبته كتألمه بغيبة غيره له، فإذا كان لا يرضى لنفسه أن يغتاب، فينبغي أن لا يرضى لغيره ما لا يرضاه لنفسه.

وأما التفصيلية فهو أن ينظر إلى السبب الباعث له على الغيبة، ويعالجه

فان علاج العلة بقطع سببها، وقد عرفت الأسباب الباعثة أما الغضب فيعالجه بالتفكر فيما مضى من ذم الغضب، وفيما تقدم من فضل كظم الغيظ ومثوباته وأما الموافقة فبأن تعلم أن الله تعالى يغضب عليك، وإذا طلبت سخطه في رضا المخلوقين، فكيف ترضى لنفسك أن توقر غيرك تحقر مولاك، إلا أن يكون غضبك لله تعالى، وذلك لا يوجب أن تذكر المغضوب عليه بسوء، بل ينبغي أن تغضب لله أيضا على رفقائك إذا ذكروه بالسوء، فإنهم عصوا ربك بأفحش الذنوب وهو الغيبة.

وأما تنزيه النفس بنسبة الجناية إلى الغير، حيث يستغني عن ذكر الغير فتعالجه بأن تعرف بأن التعرض لمقت الخالق أشد من التعرض لمقت الخلق، وأنت بالغيبة متعرض لسخط الله تعالى يقينا، ولا تدري أنك تتخلص من سخط الناس أم لا؟ فتخلص نفسك في الدنيا بالتوهم، وتهلك في الاخر، وتخسر حسناتك في الحقيقة، ويحصل ذم الله لك نقدا وتنتظر رفع ذم الخلق نسيئة، وهذا غاية الجهل والخذلان، وأما عذرك كقولك إن أكلت الحرام ففلان يأكل، ونحو ذلك فهذا جهل لأنك تعتذر بالاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به، فان من خالف أمر الله لا يقتدى به كائنا من كان، فما ذكرته غيبة وزيادة معصية أضفتها إلى ما اعتذرت عنه، وسجلت مع الجمع بين المعصيتين على جهلك وغباوتك، وأما قصدك المباهاة وتزكية النفس، فينبغي أن تعلم أنك بما ذكرته أبطلت فضلك عند الله تعالى وأنت من اعتقاد الناس فضلك على خطر، وربما نقص اعتقادهم فيك إذا عرفوك بثلب الناس، فتكون قد بعت ما عند الخالق يقينا بما عند المخلوق وهما، ولو حصل لك من الخلوق اعتقاد الفضل لكانوا لا يغنون عنك من الله شيئا.

وأما الغيبة للحسد فهو جمع بين عذابين لأنك حسدته على نعمة الدنيا وكنت معذبا بالحسد، فما قنعت بذلك حتى أضفت إليه عذاب الآخرة، فكنت خاسرا في الدنيا، فجعلت نفسك خاسرا في الآخرة لتجمع بين النكالين، فقد قصدت محسودك فأصبت نفسك، وأما الاستهزاء فمقصودك منه إخزاء غيرك عند الناس باخزاء نفسك عند الله، والملائكة والنبيين، فلو تفكرت في حسرتك وحيائك

وخجلتك وخزيك، يوم تحمل سيئات من استهزأت به، وتساق إلى النار لأدهشك ذلك عن إخزاء صاحبك، ولو عرفت حالك لكنت أولى أن يضحك منك، فإنك سخرت به عند نفر قليل، وعرضت نفسك لان يأخذ بيدك في القيامة على ملاء من الناس، ويسوقك تحت سيئاته كما يساق الحمار إلى النار مستهزئا بك، وفرحا بخزيك، ومسرورا بنصر الله إياه، وتسلطه على الانتقام منك، وأما الرحمة على إثمه فهو حسن، ولكن حسدك إبليس واستنطقك بما ينقل من حسناتك إليه بما هو أكثر من رحمتك، فيكون جبرا لاثم المرحوم، فيخرج عن كونه مرجوما وتنقلب أنت مستحقا لان تكون مرجوما إذ أحبط أجرك، ونقصت من حسناتك.

وكذلك الغضب لله لا يوجب الغيبة، وإنما حبب إليك الشيطان الغيبة ليحبط أجر غضبك، وتصير متعرضا لغضب الله بالغيبة، وبالجملة فعلاج جميع ذلك المعرفة، والتحقيق لها بهذه الأمور التي هي من أبواب الايمان، فمن قوي إيمانه بجميع ذلك انكف عن الغيبة لا محالة، ثم ذكر رحمه الله الاعذار المرخصة في الغيبة، فقال: اعلم أن المرخص في ذكر مساءة الغير هو غرض صحيح في الشرع لا يمكن التوصل إليه إلا به، فيدفع ذلك إثم الغيبة، وقد حصروها في عشرة:

الأول: الظلم فان من ذكر قاضيا بالظلم والخيانة، وأخذ الرشوة، كان مغتابا عاصيا، وأما المظلوم من جهة القاضي فله أن يتظلم إلى من يرجو منه إزالة ظلمه، وينسب القاضي إلى الظلم إذ لا يمكنه استيفاء حقه إلا به، وقد قال صلى الله عليه وآله: لصاحب الحق مقال، وقال صلى الله عليه وآله: مطل الغني ظلم، وقال صلى الله عليه وآله: مطل الواجد يحل عرضه وعقوبته.

الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد المعاصي إلى نهج الصلاح ومرجع الامر في هذا إلى القصد الصحيح، فإن لم يكن ذلك هو المقصود كان حراما.

الثالث: الاستفتاء كما تقول للمفتي ظلمني أبي وأخي فكيف طريقي في الخلاص، والأسلم في هذا التعريض بأن تقول ما قولك في رجل ظلمه أبوه أو أخوه وقد روي أن هندا قالت للنبي صلى الله عليه وآله: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما

يكفيني أنا وولدي أفآخذ من غير علمه؟ فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فذكرت الشح لها ولولدها ولم يزجرها رسول الله صلى الله عليه وآله إذ كان قصدها الاستفتاء.

وأقول: الأحوط حينئذ التعريض لكون الخبر عاميا مع أنه يحتمل أن يكون عدم المنع لفسق أبي سفيان ونفاقه. ثم قال:

الرابع: تحذير المسلم من الوقوع في الخطر والشر، ونصح المستشير، فإذا رأيت متفقها يتلبس بما ليس من أهله، فلك أن تنبه الناس على نقصه وقصوره عما يؤهل نفسه له، وتنبيههم على الخطر اللاحق لهم بالانقياد إليه، وكذلك إذا رأيت رجلا يتردد إلى فاسق يخفى أمره، وخفت عليه من الوقوع بسبب الصحبة فيما لا يوافق الشرع، فلك أن تنبههه على فسقه مهما كان الباعث لك الخوف على إفشاء البدعة وسراية الفسق، وذلك موضع الغرور والخديعة من الشيطان، إذ قد يكون الباعث لك على ذلك هو الحسد له على تلك المنزلة فيلبس عليك الشيطان ذلك باظهار الشفقة على الخلق، وكذلك إذا رأيت رجلا يشتري مملوكا وقد عرفت المملوك بعيوب مستنقصة فلك أن تذكرها للمشتري، فان في سكوتك ضررا للمشتري، وفي ذكرك ضررا للعبد، لكن المشتري أولى بالمراعاة، ولتقتصر على العيب المنوط به ذلك الامر، فلا تذكر في عيب التزويج ما يخل بالشركة أو المضاربة أو السفر مثلا، بل تذكر في كل أمر ما يتعلق بذلك الامر، ولا تتجاوزه قاصدا نصح المستشير لا الوقيعة، ولو علم أنه يترك التزويج بمجرد قوله: لا يصلح لك، فهو الواجب، فان علم أنه لا ينزجر إلا بالتصريح بعيبه، فله أن يصرح به، قال النبي صلى الله عليه وآله: أترعوون عن ذكر الفاجر حتى يعرفه الناس؟

اذكروه بما فيه يحذره الناس، وقال صلى الله عليه وآله لفاطمة بنت قيس حين شاورته في خطابها: أما معاوية فرجل صعلوك لامال له، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه.

الخامس: الجرح والتعديل للشاهد والراوي، ومن ثم وضع العلماء كتب الرجال وقسموهم إلى الثقات والمجروحين، وذكروا أسباب الجرح غالبا ويشترط إخلاص النصيحة في ذلك كما مر بأن يقصد في ذلك حفظ أموال المسلمين

وضبط السنة وحمايتها عن الكذب، ولا يكون حامله العداوة والتعصب وليس له إلا ذكر ما يحل بالشهادة والرواية منه، ولا يتعرض لغير ذلك مثل كونه ابن ملاعنة وشبهة، إلا أن يكون متظاهرا بالمعصية كما سيأتي.

السادس: أن يكون المقول فيه مستحقا لذلك لتظاهره بسببه، كالفاسق المتظاهر بفسقه، بحيث لا يستنكف من أن يذكر بذلك الفعل الذي يرتكبه، فيذكر بما هو فيه لا بغيره، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ألقى جلباب الحياء عن وجهه، فلا غيبة له، وظاهر الخبر جواز غيبته وإن استنكف عن ذكر ذلك الذنب، وفي جواز اغتياب مطلق الفاسق احتمال ناش من قوله صلى الله عليه وآله: لا غيبة لفاسق، ورد بمنع أصل الحديث، أو بحمله على فاسق خاص أو بحمله على النهي، وإن كان بصورة الخبر، وهذا هو الأجود إلا أن يتعلق بذلك غرض ديني ومقصد صحيح يعود على المغتاب بأن يرجو ارتداعه عن معصيته بذلك، فيلحق بباب النهي عن المنكر.

السابع: أن يكون الانسان معروفا باسم يعرب عن غيبته كالأعرج والأعمش فلا إثم على من يقول ذلك، كأن يقول روى أبو الزناد الأعرج وسليمان الأعمش وما يجري مجراه فقد نقل العلماء ذلك لضرورة التعريف، ولأنه صار بحيث لا يكرهه صاحبه لو علمه بعد أن صار مشهورا به والحق أن ما ذكره العلماء المعتمدون من ذلك يجوز التعويل فيه على حكايتهم، وأما ما ذكره عن الاحياء فمشروط بعلم رضا المنسوب إليه لعموم النهي، وحينئذ يخرج عن كونه غيبة، وكيف كان فلو وجد عنه معدلا وأمكنه التعريف بعبارة أخرى فهو أولى، ولذلك يقال للأعمى: البصير عدولا عن اسم النقص.

الثامن: لو اطلع العدد الذين يثبت بهم الحد أو التعزير على فاحشة جاز ذكرها عند الحكام بصورة الشهادة في حضرة الفاعل وغيبته، ولا يجوز التعرض لها في غير ذلك إلا أن يتجه فيه أحد الوجوه الأخرى.

التاسع: قيل إذا علم اثنان من رجل معصية شاهداها فأجرى أحدهما ذكرها في غيبة ذلك العاصي جاز، لأنه لا يؤثر عند السامع شيئا، وإن كان الأولى تنزيه النفس

واللسان عن ذلك، لغير غرض من الاغراض المذكورة، خصوصا مع احتمال نسيان المقول له لذلك المعصية، أو خوف اشتهارها عنهما.

العاشر: إذا سمع أحد مغتابا لاخر وهو لا يعلم استحقاق المقول عنه للغيبة ولا عدمه، قيل: لا يجب نهي القائل، لامكان استحقاق المقول عنه، فيحمل فعل القائل على الصحة، ما لم يعلم فساده، لان ردعه يستلزم انتهاك حرمته، وهو أحد المحرمين، والأولى التنبيه على ذلك إلى أن يتحقق المخرج عنه، لعموم الأدلة وترك الاستفصال فيها، وهو دليل إرادة العموم حذرا من الاغراء بالجهل، ولان ذلك لو تم لتمشى فيمن يعلم عدم استحقاق المقول عنه بالنسبة إلى السامع، لاحتمال اطلاع القائل على ما يوجب تسويغ مقاله، وهو هدم قاعدة النهي عن الغيبة، وهذا الفرد يستثنى من جهة سماع الغيبة وقد تقدم أنه إحدى الغيبتين وبالجملة فالتحرز عنها من دون وجه راجح في فعلها فضلا عن الإباحة أولى، لتتسم النفس بالأخلاق الفاضلة، ويؤيده إطلاق النهي فيما تقدم لقوله صلى الله عليه وآله: أتدرون ما الغيبة؟

قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، وأما مع رجحانها كرد المبتدعة، وزجر الفسقة، والتنفير عنهم، والتحذير من اتباعهم، فذلك يوصف بالوجوب مع إمكانه فضلا من غيره، والمعتمد في ذلك كله على المقاصد فلا يغفل المتيقظ عن ملاحظة مقصده وإصلاحه، والله الموفق. انتهى ملخص كلامه نور الله ضريحه.

وقال ولده السعيد السديد الفاضل المحقق المدقق الشيخ حسن نور الله ضريحه في أجوبة المسائل التي سأله عنها بعض السادة الكرام حيث قال: قد نظرت في مسائلك أيها المولى الجليل الفاضل، والسيد السعيد الماجد، وأجبت التماسك لتحرير أجوبتها على حسب ما اتسع له المجال، وأرجو إنشاء الله أن يكون مطابقا لمقتضى الحال وذكرت أيدك الله بعنايته، ووفقنا الله وإياك لطاعته، أن تحريم الغيبة ونحوها من النميمة وسوء الظن هل يختص بالمؤمن أو يعم كل مسلم؟ وأشرت إلى الاختلاف الذي يوهمه ظاهر كلام الوالد قدس سره حيث قال في ديباجة رسالته: " ونظرائهم

من المسلمين " فإنه يعطي العموم وصرح في الروضة بتخصيص الحكم بالمسلم.

الجواب: لا ريب في اختصاص تحريم الغيبة بمن يعتقد الحق فان أدلة الحكم غير متناولة لأهل الضلال، أما الآية فلأنها خطاب مشافهة للمؤمنين بالنهي عن غيبة بعضهم بعضا، مع التصريح بالتعليل الواقع فيها، بتحقق الاخوة في الدين بين المغتاب ومن يغتابه، وأما الاخبار المروية في هذا الباب من طريق أهل البيت عليهم السلام فالحكم فيها منوط بالمؤمن أو بالأخ، والمراد اخوة الايمان فظاهر عدم تناول اللفظين لمن لا يعتقد الحق، وفي بعض الأخبار أيضا تصريح بالاذن في سب أهل الضلال، والوقيعة فيهم، فروى الشيخ أبو جعفر الكليني رضي الله عنه في الصحيح عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، و أكثروا من سبهم، والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كيلا يطغوا في الفساد في الاسلام، ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم، يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة.

وما تضمنته عبارة الوالد في ديباجة الرسالة غير مناف لما في الروضة، فان كلمة " من " في قوله " من المسلمين " للتبعيض لا للتبيين، وغير المؤمن ليس من نظرائه.

وينبغي أن يعلم أن ظاهر جملة من أخبارنا أن المراد بالايمان في كلام أئمتنا عليهم السلام معنى زائد على مجرد اعتقاد الحق، وذلك يقتضي عدم عموم تحريم معتقد الحق أيضا فروى الكليني في الصحيح عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنما المؤمن الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق، والذي إذا قدر لم تخرجه قدرته إلى التعدي إلى ما ليس له بحق، وفي الحسن عن ابن رئاب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنا لا نعد الرجل مؤمنا حتى يكون لجميع أمرنا متبعا مريدا، ألا وإن من اتباع

أمرنا الورع، فتزينوا به يرحمكم الله، وكبدوا أعداءنا ينعشكم الله وفي الصحيح عن سليمان بن خالد عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال: يا سليمان أتدري من المسلم؟

قلت: جعلت فداك أنت أعلم، قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده، ثم قال:

أو تدري من المؤمن؟ قلت: أنت أعلم، قال: المؤمن من ائتمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم، وعن ابن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أقر بدين الله فهو مسلم، ومن عمل بما أمر الله فهو مؤمن.

ثم ذكر بعض الأخبار التي مضت في معنى الايمان وصفات المؤمن، ثم قال قدس سره: وورد أيضا في عدة أخبار تعليق تحريم الغيبة على أمور زائدة على مجرد اعتقاد الحق، منها حديث ابن أبي يعفور المتضمن لبيان معنى العدالة التي تقبل معها شهادة الشاهد، وهو طويل مذكور في مواضع كثيرة من كتب أصحابنا ومنها ما رواه الكليني باسناده السابق عن ابن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، كان ممن حرمت غيبته، وكملت مروته، وظهر عدله، ووجبت اخوته.

وبملاحظة هذه الأخبار يظهر أن المنع من غيبة الناس كما يميل إليه كلام الشهيد الأول في قواعده والثاني في رسالته ليس بمتجه، فان دلالتها على اختصاص الحكم بغيره أظهر من أن يبين، وأما ما أورده الوالد قدس سره في رسالته من الاخبار التي يظهر منها عموم المنع كلها من أخبار العامة فلا تصلح لاثبات حكم شرعي، وعذره في إيرادها أنه إنما ذكرها في سياق الترهيب، و شأنهم التسامح في مثله، وقد سبقه إلى ذكره على النهج الذي سلكه بعض العامة يعني الغزالي - فسهل عليه إيرادها وإلا فهي غير مستحقة لتعب تحصيلها وجمعها وخصوصا مع وجود الداعي لهم إلى اختلاق مثلها، فان كثرة عيوب أئمتهم و نقائص رؤسائهم يحوج إلى سد باب إظهارها بكل وجه ليروج حالهم، ويأمنوا

نفرة الرعية منهم وإعراض الناس عنهم.

وبالجملة فكما أن في التعرض لاظهار عيوب الناس خطرا ومحذورا فكذا في حسم مادته وسد بابه، فإنه معز لأهل النقائص ومرتكبي المعاصي، بما هم عليه، فلابد من تخصيص الغيبة بمواضع معينة يساعدها الاعتبار، وتوافق مدلول الاخبار; وفي استثنائهم للأمور المشهورة التي نصوا على جوازها وهي بصورة الغيبة شهادة واضحة بما قلناه، فان مأخذه الاعتبار، فهو قابل للزيادة والنقصان، بحسب اختلاف الأفكار.

وللسيد الامام السعيد ضياء الدين أبي الرضا فضل الله بن علي الحسني في شرحه لكتاب الشهاب المتضمن للاخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وآله في الحكم والآداب كلام جيد في تفسير قوله صلى الله عليه وآله " ليس لفاسق غيبة " كلام يساعد على ما ذكرناه حيث قال: إن الغيبة ذكر الغائب بما فيه من غير حاجة إلى ذكره، ثم قال: فأما إذا كان من يغتاب فاسقا فإنه ليس ما يذكر به غيبة، وإنما يسمى ما يذكر به في غيبته غيبة إذا كان تائبا نادما فأما إذا كان مصرا عليه فإنها ليست بغيبة، كيف وهو يرتكب ما يغتاب فيه جهارا، وفي أخبارنا وكلام بعض أهل اللغة ما يشهد له كقول الجوهري " خلف إنسان مستور " وكما في رواية الأزرق " مما لا يعرفه الناس " ورواية ابن سيابة " ما ستر الله عليه ".

والحاصل أن الاعتبار يقتضي اختصاص الحكم بالمستور الذي لا يترتب على معصيته أثر في غيره، ويحتمل حالهم عدم الاصرار عليها، إن كانت صغيرة، والتوبة منها إن كانت كبيرة، أو يرتجى له ذلك قبل ظهورها عنه، واشتهاره بها، ولا يكون في ذكرها صلاح له كما إذا قصد تقريعه وظن انزجاره، وكان القصد خالصا من الشوائب، والأدلة لا تنافي هذا فلا وجه للتوقف فيه، وإذا علم حكم غير المؤمن في الغيبة، فالحال في نحوها من النميمة وسوء الظن أظهر، فان محذور النميمة هو كونها مظنة للتباعد والتباغض وذلك في غير المؤمن تحصيل للحاصل، وقريب منه الكلام في سوء الظن.

ثم ذكرت أنه هل يفرق في ذلك بين ما يتضمن القذف، وما لا يتضمنه والجواب أن القذف مستثني من البين، وله أحكام خاصة مقررة في محلها من كتب الفقه.

وذكرت أن الرواية التي حكاها الوالد في الرسالة من كلام عيسى عليه السلام مع الحواريين في شأن جيفة الكلب حيث قالوا: ما أنتن جيفة هذا الكلب؟ فقال عليه السلام:

ما أشد بياض أسنانه، تدل على تحريم غيبة الحيوانات أيضا وسألت عن وجه الفرق بينها وبين الجمادات مع أن تعليل الحكم بأنه لا ينبغي أن يكذر من خلق الله إلا بالحسن، يقتضي عدم الفرق، والجواب أنه ليس المقتضى لكلام عيسى عليه السلام كون كلام الحواريين غيبة، بل الوجه أن نتن الجيفة ونحوها مما لا يلائم الطباع غير مستند إلى فعل من يحسن إنكار فعله، وكلام الحواريين ظاهر في الانكار كما لا يخفى فكان عيسى نظر إلى أن الأمور الملاءمة وغيرها مما هو من هذا القبيل كلها من فعل الله تعالى، على مقتضى حكمته، وقد أمر بالشكر على الأولى، والصبر على الثانية وفي إظهار الحواريين لانكار نتن الرائحة دلالة على عدم الصبر أو الغفلة عن حقيقة الامر، فصرفهم عنه إلى أمر يلائم طباعهم، وهو شدة بياض أسنان الكلب، وجعله مقابلا للامر الذي لا يلائم، وشاغلا لهم.

وهذا معنى لطيف تبين لي من الكلام فان صحت الرواية فهي منزلة عليه ولكنها من جملة الروايات المحكية في كتب العامة انتهى.

وقال الشهيد رفع الله درجته في قواعده: الغيبة محرمة بنص الكتاب العزيز والاخبار، وهي قسمان ظاهر وهو معلوم وخفي وهو كثير، كما في التعريض مثل أنا لا أحضر مجلس الحكام، أنا لا أكل أموال الأيتام، أو فلان ويشير بذلك إلى من يفعل ذلك، أو الحمد لله الذي نزهنا عن كذا يأتي به في معرض الشكر، ومن الخفي الايماء والإشارة إلى نقص في الغير، وإن كان حاضرا، ومنه لو فعل كذا كان خيرا، لو لم يفعل كذا لكان حسنا، ومنه التنقص بمستحق الغيبة لينبه به على عيوب آخر غير مستحق للغيبة، أما ما يخطر في النفس من نقائص الغير فلا يعد غيبة

لان الله تعالى عفا عن حديث النفس، ومن الأخفى أن يذم نفسه بطرائق غير محمودة فيه، أو ليس متصفا بها لينبه على عورات غيره، وقد جوزت صورة الغيبة في مواضع سبعة:

الأول: أن يكون المقول فيه مستحقا لذلك، لتظاهره بسببه، كالكافر والفاسق المتظاهر، فيذكره بما هو فيه لا بغيره، ومنع بعض الناس من ذكر الفاسق وأوجب التعزير بقذفه بذلك الفسق، وقد روى الأصحاب تجويز ذلك قال العامة حديث لا غيبة لفاسق أو في فاسق لا أصل له، قلت: ولو صح أمكن حمله على النهي أي خبر يراد به النهي أما من يتفكه بالفسق ويتبجح به في شعره أو كلامه، فيجوز حكاية كلامه.

الثاني: شكاية المتظلم بصورة ظلمه.

الثالث: النصيحة للمستشير.

الرابع: الجرح والتعديل للشاهد والراوي.

الخامس: ذكر المبتدعة وتصانيفهم الفاسدة وآرائهم المضلة، وليقتصر على ذلك القدر، قال العامة: من مات منهم ولا شيعة له تعظمه ولا خلف كتبا تقرأ ولا ما يخشى إفساده لغيره، فالأولى أن يستر بستر الله عز وجل، ولا يذكر له عيب البتة، وحسابه على الله عز وجل، وقال علي عليه السلام: اذكروا محاسن موتاكم وفي خبر آخر: لا تقولوا في موتاكم إلا خيرا.

السادس: لو اطلع العدد الذين يثبت بهم الحد أو التعزير على فاحشة جاز ذكرها عند الحكام بصورة الشهادة في حضرة الفاعل وغيبته.

السابع: قيل: إذا علم اثنان من رجل معصية شاهداها، فأجرى أحدهما ذكرها في غيبة ذلك العاصي جاز، لأنه لا يؤثر عند السامع شيئا والأولى التنزه عن هذا لأنه ذكر له بما يكره لو كان حاضرا، ولأنه ربما ذكر أحدهما صاحبه بعد نسيانه، أو كان سببا لاشتهارها.

وقال الشيخ البهائي روح الله روحه: وقد جوزت الغيبة في عشرة مواضع:

الشهادة، والنهي عن المنكر، وشكاية المتظلم، ونصح المستشير، وجرح الشاهد والراوي، وتفضيل بعض العلماء والصناع على بعض، وغيبة المتظاهر بالفسق الغير المستنكف على قول، وذكر المشتهر بوصف مميز له كالأعور والأعرج مع عدم قصد الاحتقار والذم، وذكره عند من يعرفه بذلك، بشرط عدم سماع غيره على قول، والتنبيه على الخطاء في المسائل العلمية ونحوها بقصد أن لا يتبعه أحد فيها .

وأقول: إنما أطنبت الكلام فيها لكثرة الحاجة إلى تحقيقها، ووقوع الافراط والتفريط من العلماء فيها، والله الموفق للخير والصواب.

2 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من قال في مؤمن ما رأته عيناه، وسمعته أذناه، فهو من الذين قال الله عز وجل " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم ".

بيان: " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة " قال الطبرسي: أي يفشوا و يظهروا الزنا والقبائح في الذين آمنوا، بأن ينسبوها إليهم، ويقذفوهم بها " لهم عذاب أليم في الدنيا " بإقامة الحد عليهم " والآخرة " وهو عذاب النار.

أقول: والغرض أن مورد الآية ليس هو البهتان فقط، بل يشتمل ما إذا رآها وسمعها، فإنه يلزمه الحد والتعزير، إلا أن يكون بعنوان الشهادة عند الحاكم لإقامة حدود الله، ويثبت عنده كما مر، وإنما قال " في الذين " لان الآية تشمل البهتان وذكر عيبه في حضوره، ومن أحب شيوعه وإن لم يذكر ومن سمعه ورضي به، والوعيد بالعذاب في الجميع.

3 - الكافي: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء عن داود بن سرحان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الغيبة، قال: هو أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل، وتبث عليه أمرا قد ستره الله عليه، لم يقم عليه فيه

حد.

بيان: " هو أن تقول " الضمير للغيبة، وتذكيره، بتأويل الاغتياب، أو باعتبار الخبر مع أنه مصدر " لأخيك في دينه " الظرف إما صفته لأخيك أي الأخ الذي كانت اخوته بسبب دينه، فيكون للاحتراز عن غيبة الكافر والمخالف كما مر أو متعلق بالقول أي كان ذلك القول طعنا في دينه بنسبة كفر أو معصية إليه ويدل على أن الغيبة تشمل البهتان أيضا، وكأن هذا اصطلاح آخر للغيبة، وعلى الأول يحتمل أن يكون المراد بما لم يفعل العيب الذي لم يكن باختياره وفعله الله فيه، كالعيوب البدنية فيخص بما إذا كان مستورا، فالأول لذكر العيوب ، والثاني لذكر المعاصي، فلا يكون اصطلاحا آخر، وهذا وجه حسن.

وربما يحمل الدين على الوجه الثاني على الذل وهو أحد معانيه، وفي علي التعليل أي تقول فيه لاذلاله ما لم يفعله، ولم يكن باختياره، كالأمراض والفقر وأشباههما.

" لم يقم " على بناء المفعول من الافعال أي لم يقم الحاكم الشرعي عليه حدا أولم يقم الله عليه أي لم يقرر عليه حدا في الكتاب والسنة أو على بناء الفاعل من باب نصر وضمير عليه راجع إلى الأخ، وضمير فيه إلى الامر، والجملة صفة بعد صفة، أو حال بعد حال، للامر، ويدل على أن ذكر الامر المشهور من الذنوب ليس بغيبة، ولا ريب فيه مع إصراره عليه، وأما بعد توبته ذكره عند من لا يعلمه مشكل، والأحوط الترك، وكذا بعد إقامة الحد عليه ينبغي ترك ذكره بذلك مع التوبة بل بدونها أيضا فان الحد بمنزلة التوبة، وقد روي النهي عن ذكره بسوء معللا بذلك، وحمله على الشهادة لإقامة الحد كما زعم بعيد.

4 - الكافي: عدة من أصحابنا. عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن هارون بن الجهم، عن حفص بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل النبي صلى الله عليه وآله ما كفارة الاغتياب؟ قال: تستغفر الله لمن اغتبته كلما ذكرته.

بيان: " كلما ذكرته " أي الرجل بالغيبة أو كفارة غيبة واحدة أن تستغفر له كلما ذكرت من اغتبته أو كل وقت ذكرت الاغتياب، وفي بعض النسخ " كما ذكرته " وحمل على أن ذلك بعد التوبة، وظاهره عدم وجوب الاستحلال ممن اغتابه، وبه قال جماعة بل منعوا منه ولا ريب أن الاستحلال منه أولى وأحوط إذا لم يصر سببا لمزيد إهانته، ولإثارة فتنة لا سيما إذا بلغه ذلك ويمكن حمل هذا الخبر على ما إذا لم يبلغه، وبه يجمع بين الاخبار.

ويؤيده ما روي في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام أنه قال: فان اغتبت فبلغ المغتاب، فلم يبق إلا أن تستحل منه. وإن لم يبلغه ولم يلحقه علم ذلك فاستغفر الله له، وروى الصدوق - ره - في الخصال والعلل باسناده عن أسباط بن محمد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه قال الغيبة أشد من الزنا، فقيل: يا رسول الله ولم ذاك؟

قال: صاحب الزنا يتوب فيتوب الله عليه، وصاحب الغيبة يتوب فلا يتوب الله عليه حتى يكون صاحبه الذي يحله.

وقيل: يكفيه الاستغفار دون الاستحلال، وربما يحتج في ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: كفارة من اغتبته أن تستغفر له، وقال مجاهد: كفارة أكلك لحم أخيك أن تثني عليه، وتدعو له بخير، وسئل بعضهم عن التوبة عن الغيبة فقال: تمشي إلى صاحبك وتقول: كذبت فيما قلت، وظلمت وأسأت، فان شئت أخذت بحقك وإن شئت عفوت، وما قيل إن العرض لا عوض له، فلا يجب الاستحلال منه بخلاف المال، فلا وجه له، إذ وجب في العرض حد القذف و؟ ثبت المطالبة به.

وقال المحقق الطوسي قدس سره في التجريد عند ذكر شرائط التوبة:

ويجب الاعتذار إلى المغتاب مع بلوغه، وقال العلامة في شرحه: المغتاب إما أن يكون بلغه اغتيابه أم لا ويلزم على الفاعل للغيبة في الأول الاعتذار إليه لأنه أوصل إليه ضرر الغم فوجب عليه الاعتذار منه، والندم عليه، وفي الثاني لا يلزمه الاعتذار، ولا الاستحلال منه لأنه لم يفعل به ألما، وفي كلا القسمين يجب الندم

لله تعالى لمخالفته في النهى، والعزم على ترك المواعدة انتهى، ونحوه قال الشارح الجديد لكنه قال في الأول: ولا يلزمه تفصيل ما اغتاب إلا إذا بلغه على وجه أفحش انتهى ولا بأس به.

وقال الشهيد الثاني قدس الله لطيفه: اعلم أن الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب ويتأسف على ما فعله، ليخرج من حق الله سبحانه وتعالى ثم يستحل المغتاب ليحله، فيخرج عن مظلمته، وينبغي أن يستحله، وهو حزين متأسف نادم على فعله، إذ المرائي قد يستحل ليظهر من نفسه الورع وفي الباطن لا يكون نادما فيكون قد قارف معصية أخرى، وقد ورد في كفارتها حديثان: أحدهما قوله صلى الله عليه وآله: كفارة من اغتبته أن تستغفر له، والثاني قوله صلى الله عليه وآله: من كانت عنده في قبله مظلمة في عرض أو مال فليتحللها منه من قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار ولا درهم، يؤخذ من حسناته فإن لم تكن له حسنات اخذ من سيئات صاحبه فزيدت على سيئاته.

ويمكن أن يكون طريق الجمع حمل الاستغفار له على من لم تبلغ غيبته المغتاب، فينبغي له الاقتصار على الدعاء له والاستغفار، لان في الاستحلال منه إثارة للفتنة، وجلبا للضغاين، وفي حكم من لم يبلغه من لم يقدر على الوصول إليه بموت أو غيبة، وحمل المحالة على من يمكن التوصل إليه مع بلوغه الغيبة ويستحب للمعتذر إليه قبول العذر والمحالة استحبابا مؤكدا قال الله تعالى: " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا جبرئيل ما هذا العفو؟ قال: إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك وتعطي من حرمك، وفي خبر آخر: إذا جثت الأمم بين يدي الله تعالى يوم القيامة نودوا: ليقم من كان أجره على الله تعالى فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا عن مظلمته وروي عن بعضهم أن رجلا قال له: إن فلانا قد اغتابك فبعث إليه طبقا من الرطب وقال: بلغني أنك أهديت إلي حسناتك فأردت أن أكافيك عليها، فأعذرني

فاني لا أقدر أكافيك على التمام، وسبيل المعتذر أن يبالغ في الثناء عليه والتودد، ويلازم ذلك حتى يطيب قلبه، فإن لم يطب قلبه كان اعتذاره وتودده حسنة محسوبة له، وقد يقابل بها سيئة الغيبة في القيامة.

ولا فرق بين غيبة الصغير والكبير، والحي والميت، والذكر والأنثى وليك الاستغفار والدعاء له على حسب ما يليق بحاله، فيدعو للصغير بالهداية وللميت بالرحمة والمغفرة، ونحو ذلك، ولا يسقط الحق بإباحة الانسان عرضه للناس، لأنه عفو عما لم يجب، وقد صرح الفقهاء بأن من أباح قذف نفسه لم يسقط حقه من حده، وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال: اللهم إني تصدقت بعرضي على الناس، معناه أني لا أطلب مظلمته في القيامة، ولا أخاصم عليها، لا أن غيبته صارت بذلك حلالا وتجب النية لها كباقي الكفارات والله الموفق انتهى كلامه.

5 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب عن مالك بن عطية، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من بهت مؤمنا أو مؤمنة بما ليس فيه بعثه الله في طينة خبال حتى يخرج مما قال، قلت:

وما طينة خبال؟ قال: صديد يخرج من فروج المومسات.

بيان: " في طينة خبال " قال في النهاية: فيه من شرب الخمر سقاه الله من طينة خبال يوم القيامة، جاء تفسيره في الحديث أن الخبال عصارة أهل النار، والخبال في الأصل الفساد، ويكون في الأفعال والأبدان والعقول، وقال الجوهري:

والخبال أيضا الفساد، وأما الذي في الحديث من قفا مؤمنا بما ليس فيه وقفه الله في ردغة الخبال حتى يجئ بالمخرج منه، فيقال: هو صديد أهل النار، قوله:

قفا أي قذف، والردغة الطينة انتهى.

" حتى يخرج مما قال " لعل المراد به الدوام والخلود فيها، إذ لا يمكنه إثبات ذلك والخروج منه، لكونه بهتانا، أو المراد به خروجه من دنس الاثم بتطهير

النار له، وقال الطيبي في شرح المشكاة: " حتى يخرج مما قال " أي يتوب منه أو يتطهر. أقول: لعل مراده التوبة قبل ذلك في الدنيا ولا يخفى بعده، وفي النهاية فيه حتى تنظر في وجوه المومسات، المومسة الفاجرة، وتجمع على ميامس أيضا وموامس وقد اختلف في أصل هذه اللفظة، فبعضهم يجعله من الهمزة، وبعضهم يجعله من الواو، وكل منهما تكلف له اشتقاقا فيه بعد انتهى وفي الصحاح صديد الجرح ماؤه الرقيق المختلط بالدم قبل أن تغلظ المدة، وإنما عبر عن الصديد بالطينة لأنها يخرج من البدن، وكان جزؤه، ونسب إلى الفساد لأنه إنما خرج عنها لفساد عملها أو لفساد أصل طينتها.

6 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن العباس بن عامر، عن أبان عن رجل لا نعلمه إلا يحيى الأزرق قال: قال أبو الحسن عليه السلام: من ذكر رجلا من خلفه بما هو فيه مما عرفه الناس لم يغتبه، ومن ذكره من خلفه بما هو فيه مما لا يعرفه الناس اغتابه، ومن ذكره بما ليس فيه فقد بهته.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.