بحارالانوار · المجلد السادس عشر
باب بر الوالدين
ج ۷۱، ص ۲۱–۵۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۳
البقرة: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ألا تعبدوا إلا الله وبالوالدين إحسانا.
الانعام: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا، وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم.
التوبة: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبائكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الايمان، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون * قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين.
الاسراء: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا * ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين إنه كان للتوابين غفورا.
مريم: وبرا بوالديه ولم يكن جبارا شقيا.
وقال: وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا. العنكبوت: ووصينا الانسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون.
لقمان: ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير * وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا.
الأحقاف: ووصينا الانسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا.
1 - الكافي: عن العدة عن البرقي، عن أبيه، عن عبد الله بن بحر، عن عبد الله ابن مسكان، عمن رواه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال وأنا عنده لعبد الواحد الأنصاري في بر الوالدين في قول الله عز وجل " وبالوالدين إحسانا " فظننا أنها الآية التي في بني إسرائيل " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " فلما كان بعد سألته فقال: هي التي في لقمان " ووصينا الانسان بوالديه حسنا وإن جاهداك على أن تشرك
بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما " فقال: إن ذلك أعظم [من] أن يأمر بصلتهما و حقهما على كل حال " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم " فقال لا بل يأمر بصلتهما وإن جاهداه على الشرك ما زاد حقهما إلا عظما.
بيان: هذا الخبر من الاخبار العويصة الغامضة التي سلك كل فريق من الأماثل فيها واديا، فلم يأتوا بعد الرجوع بما يسمن أن يغني من جوع، وفيه إشكالات لفظية ومعنوية.
أما الأولى فهي أن الآيات الدالة على فضل بر الوالدين كثيرة، وما يناسب المقام منها ثلاث:
الأولى الآية التي في بني إسرائيل " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحسانا ".
الثانية الآية التي في سورة العنكبوت وهي " ووصينا الانسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ".
الثالثة الآية التي في لقمان وهي " ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ".
فأما الآية الأولى فهي موافقة لما في المصاحف والآية المنسوبة إلى لقمان لا يوافق شيئا من الآيتين المذكورتين في لقمان والعنكبوت وأيضا تصريح الراوي أولا بأن الكلام كان في قوله تعالى " وبالوالدين إحسانا " وجوابه عليه السلام بما لا يوافقه مما لا يكاد يستقيم ظاهرا.
وأما الاشكالات المعنوية وسائر الاشكالات اللفظية فسيظهر لك عند ذكر التوجيهات وقد ذكر فيها وجوه نكتفي بايراد بعضها:
الأول ما خطر في عنفوان شبابي ببالي وعرضتها على مشايخي العظام، رضوان الله عليهم فاستحسنوها وهو أن قول الراوي " وبالوالدين إحسانا " بناء على زعمه
أن الآية التي أشار عليه السلام إليها هي التي في بني إسرائيل كما ذكره بعد ذلك، ولم يذكر الإمام عليه السلام ذلك بل قال أكد الله تعالى في موضع من القرآن تأكيدا عظيما في بر الوالدين، فظننا أن مراده عليه السلام الآية التي في بني إسرائيل أو المراد " في معنى هذا العبارة ومضمونها " وإن لم يذكر بهذا اللفظ، ويحتمل أن يكون عليه السلام قرأ هذه الآية صريحا وأشار إجمالا إلى تأكيد عظيم في برهما فظن الراوي أن المبالغة العظيمة في هذه العبارة فقال عليه السلام: لا بل أردت ما في لقمان وإنما نسب الراوي هذه العبارة إلى بني إسرائيل مع أنها قد تكررت في مواضع من القرآن المجيد منها في البقرة ومنها في الانعام، ومنها في النساء، لأنه تعالى عقب هذه العبارة في بني إسرائيل بتفسير الاحسان وتفصيل رعاية حقهما حيث قال: " إما يبلغن عندك الكبر " إلى آخر ما مر دون ما في سائر السور مع أنه يحتمل أن يكون الراوي سمع منه عليه السلام أن ما في سائر السور إنما هو في شأن الوالدين بحسب الايمان والعلم أعني النبي والوصي صلى الله عليهما وما في الاسرى في شأن والدي النسب كما قال علي بن إبراهيم: في تفسير آية الانعام إن الوالدين رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما.
وقد مضت الأخبار الكثيرة في ذلك لكن الظاهر أنه من بطون الآيات ولا ينافي ظواهرها.
وأما الاشكال الثاني فيمكن أن يكون " حسنا " مثبتا في قراءتهم عليهم السلام ونظيره في الاخبار كثير، وقد مر بعضها وسائر الاجزاء موافق لما في المصاحف لكن قد أسقط من البين قوله: " حملته أمه - إلى قوله - إلي المصير " اختصارا لعدم الحاجة إليه في هذا المقام أو إحالة على ما في المصاحف كما أنه لم يذكر " وصاحبهما في الدنيا معروفا " مع شدة الحاجة إليه في هذا المقام.
أو يكون نقلا بالمعنى إشارة إلى الآيتين معا فذكر " حسنا " للإشارة على آية العنكبوت " وعلى أن تشرك " للإشارة إلى لقمان، وكأنه لذلك أسقط عليه السلام الفاصلة والتتمة لعدمهما في العنكبوت فقوله " في لقمان " للاختصار أي في لقمان وغيرها، أو
المراد به لقمان وما يقرب منها بالظرفية المجازية كما يقال سجدة لقمان للمجاورة وكأنه عليه السلام ذكر السورتين والآيتين معا فاختصرهما الرواة عمدا أو سهوا ومثله كثير.
" فقال " أي الإمام عليه السلام " هي التي " أي الآية التي أشرت إليها وذكرت أن فيها المبالغة العظيمة في برهما، أو الآية التي فسرتها لعبد الواحد التي " في لقمان ".
" فقال إن ذلك " هذا كلام ابن مسكان، يقول: قال الراوي المجهول الذي كان حاضرا عند سؤال عبد الواحد وهذا شائع في الاخبار يقول راوي الراوي قال مكان قول الراوي، قلت ولا يلزم إرجاع المستتر إلى عبد الواحد، وتقدير أنه كان حاضرا عند هذا السؤال أيضا ليحكم ببعده ولا يستبعد ذلك من له أدنى انس بالاخبار.
والحاصل أنه قال الراوي له عليه السلام " إن ذلك " أي الامر الذي في بني - إسرائيل " أعظم أن يأمر " أي بأن يأمر، أو هو بدل لقوله " ذلك " وغرضه أن الآية التي في بني إسرائيل والامر بالاحسان فيها باطلاقها شامل لجميع الأحوال حتى حال الشرك والآية التي في لقمان استثنى فيها حال الشرك فتكون الأولى أبلغ وأتم في الامر بالاحسان ف " ان " في قوله " وإن جاهداك " وصلية، وإن كانت في الآية شرطية.
" فقال " أي الإمام عليه السلام في جوابه " لا " أي ليس الامر في الآيتين كما ذكرت فان آية بني إسرائيل ليس فيها تصريح بعموم الأحوال، بل فيها دلالة ضعيفة باعتبار الاطلاق، وليس في آية لقمان استثناء حال الشرك بل فيها تنصيص على الاحسان في تلك الحال أيضا وإنما نهى عن الإطاعة في الشرك فقط وقال بعده " وصاحبهما في الدنيا معروفا " فأمر بالمصاحبة بالمعروف التي هي أكمل مراتب الاحسان في تلك الحال أيضا فعلى تقدير شمول الاطلاق في الأولى لتلك الحالة التنصيص أقوى في ذلك مع أن الدعاء بالرحمة في آخر آيات الاسرى مشعر بكونهما مسلمين.
فقوله " بل يأمر " أي بل يأمر الله في آية لقمان " بصلتهما وإن جاهداه على الشرك " وقوله " ما زاد حقهما " جملة أخرى مؤكدة، أي ما زاد حقهما بذلك " إلا عظما " برفع حقهما أو بنصبه، فيكون زاد متعديا أي لم يزد ذلك حقهما إلا عظما ويحتمل أن يكون " يأمر " مبتدءا بتقدير " أن " وما زاد خبره.
الثاني: ما قاله صاحب الوافي قدس سره حيث قال إنما ظنوا أنها في بني إسرائيل لان ذكر هذا المعنى بهذه العبارة إنما هو في بني إسرائيل دون لقمان ولعله عليه السلام إنما أراد ذكر المعنى أي الاحسان بالوالدين دون لفظ القرآن، وقوله عليه السلام " أن يأمر بصلتهما " بدل من قوله " ذلك " يعني أن يأمر الله بصلتهما و حقهما على كل حال، التي من جملته حال مجاهدتهما على الاشراك بالله أعظم، و المراد أنه ورد الامر بصلتهما وإحقاق حقهما في تلك الحال أيضا، وإن لم تجب طاعتهما في الشرك، ولما استبان له عليه السلام من حال المخاطب أنه لا تجب صلتهما في حال مجاهدتهما على الشرك رد عليه ذلك بقوله " لا " وأضرب عنه باثبات الامر بصلتهما حينئذ أيضا، وقوله " ما زاد حقهما إلا عظما " تأكيد لما سبق.
الثالث: ما ذكره بعض أفاضل المعاصرين أيضا، وإن كان مآله إلى الثاني حيث قال " فلما كان بعد " أي بعد انقضاء ذلك الزمان في وقت آخر " سألته " عن هذا يعني قلت: هل كان الكلام في هذه الآية التي في بني إسرائيل؟ " فقال هي " يعني الآية التي كان كلامنا فيها هي " التي في لقمان " وبينها بقوله " ووصينا الانسان بوالديه حسنا " " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم " من الآلهة التي يعبدها الكفرة يعني باستحقاقها الاشراك وقيل المراد بنفي العلم به نفيه " فلا تطعهما ".
وقوله " حسنا " ليس مذكورا في الآية لكن ذكره عليه السلام بيانا للمقصود ولعل هذا منشأ للظن الذي ظنه السائل وغيره، قوله: " وإن جاهداك " مفصول عن قوله " ووصينا الانسان بوالديه " لكن ذكره عليه السلام هيهنا لتعلق الغرض به.
" فقال " يعني الصادق عليه السلام " إن ذلك " يعني الوارد في سورة لقمان " أعظم " دلالة على الامر باحسان الوالدين، وأبلغ فيه، من الوارد في سورة بني إسرائيل و
قوله عليه السلام " أن يأمر بصلتهما وحقهما " أي رعاية حقهما " على كل حال " " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم " بدل من اسم الإشارة بدل الاشتمال يعني: الامر بصلتهما على جميع الأحوال، وإن كانت حال المجاهدة على الكفر كما هو المستفاد من آية لقمان أعظم في بيان حق الوالدين مما يستفاد من آية بني إسرائيل لعدم دلالتها على عموم الأحوال.
بيان ذلك أن المستفاد من آية بني إسرائيل الامر بالاحسان بالوالدين والامر لا يدل على التكرار كما تحقق في محله فضلا عن عموم الأحوال إذ فرق بين المطلق والعام، وما في الآية من النهي عن التأفيف والزجر الدال على العموم إنما يدل على عموم النهي عن الأذى ووجوب الكف عنه في جميع الأحوال ولا يدل على وجوب تعميم الاحسان على أن في قوله تعالى " وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا " إشعارا باختصاص الامر بالاحسان. وما ذكر في سياقه بالمسلمين منهما للنهي عن الدعاء للكافر، وإن كان أحد الأبوين " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ".
وأما دلالة آية لقمان على وجوب الاحسان بهما، وإن كان في حال الكفر، فلقوله تعالى " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما " حيث قال عز شأنه " لا تطعهما " ولم يقل " لا تحسن إليهما " بعد الامر بالاحسان. ثم قوله " وصاحبهما في الدنيا معروفا " كما لا يخفى على الفطن.
" فقال " يعني الصادق وإنما أعاد لفظ " فقال " هيهنا وفي السابق، للتأكيد والفصل بين كلامه عليه السلام والآية " لا " نفيا لما عسى يتوهم في هذا المقام من أن غاية ما ثبت وجوب الاحسان بهما في حال الكفر، وإن كان ناقصا بالنسبة إلى ما يجب في حال الاسلام، أو مساويا بالنسبة إليه فإن المقام مظنة لهذا التوهم بناء على أن شرف الاسلام يقتضي زيادة الاحسان أو توهمه السائل وفهم الإمام عليه السلام ذلك فنفاه، يعني ليس الامر كما يتوهم بل الله سبحانه يأمر بصلتهما وإن جاهداه على الشرك ما زاد
حقهما إلا عظما، فان المبتلى الممتحن بالبلاء أحق بالترحم، ولان الاحسان بهما في حال الكفر يوجب ميلهما ورغبتهما إلى الاسلام كما في واقعة النصراني وأمه المذكورة في الحديث الذي يلي هذا الحديث.
ويمكن أن يقال يستفاد من الآية عظم حقهما في حال الشرك بناء على أن الراجح أن يكون قوله عز شأنه " وصاحبهما في الدنيا معروفا " معطوفا على جزاء الشرط، لا الجملة الشرطية لمرجح القرب كما لا يخفى على المتدبر وكذا قوله " واتبع سبيل من أناب إلي ".
ويحتمل أن يكون معنى قوله عليه السلام " لا " ليست الآية التي فسرتها ما في بني إسرائيل، فيكون تأكيدا لنفي المفهوم في الكلام السابق، وعلى هذا يجري في قوله " بل يأمر بصلتهما " الاحتمالان الاتيان في التفسير الثاني على هذا التفسير أيضا فتدبر.
وفي بعض نسخ الكافي " فقال إن ذلك أعظم من أن يأمر بصلتهما " بزيادة لفظة " من " ويمكن تفسير الحديث بناء على هذه النسخة بأن يقال قوله عليه السلام " ذلك " إشارة إلى ما في بني إسرائيل، ويكون الكلام مسوقا على سبيل الاستفهام الانكاري فيكون المراد: ما في سورة بني إسرائيل أعظم في إفادة المراد من أن يأمر بصلتهما على كل حال، وإن كان حال الكفر كما في آية لقمان حتى يكون مقصودي ذلك؟
ثم قال " لا " تأكيدا للنفي المستفاد من الكلام السابق، فقال " بل يأمر بصلتهما، وإن جاهداه على الشرك ما زاد حقهما إلا عظما " كما هو المستفاد من آية لقمان أعظم، فالخبر محذوف للقرينة، وعلى هذا حقهما مرفوع، على أنه فاعل زاد فيكون حاصل الكلام: أن يأمر بصلتهما وإن جاهداه على الشرك كما هو المستفاد من آية لقمان ما زاد حقهما إلا عظما، فيكون هذا الكلام أي المذكور في سورة لقمان
أعظم دلالة من ذلك ففي الكلام تقديران.
وعلى هذا الاحتمال الأخير لا يدل على زيادة حق الوالدين في حال الكفر ويمكن إجراء هذين المعنيين على النسخة الأولى.
الرابع: ما ذكره بعض المشايخ الكبار مد ظلله قال: الذي يخطر بالبال أن فيه تقديما وتأخيرا في بعض كلماته وتحريفا في بعضها من النساخ أولا وأن قوله " وبالوالدين إحسانا " بعد قوله " ألا تعبدوا إلا إياه " والأصل والله أعلم " قال وأنا عنده لعبد الواحد الأنصاري في بر الوالدين، في قول الله عز وجل فظننا أنها الآية التي في بني إسرائيل: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " ومثل هذا يشتبه إذا كان في آخر سطر أنه من السطر الأول أو الثاني ونحو ذلك والبعد بينهما هنا نحو سطر.
وحاصل المعنى أنه عليه السلام ذكر لعبد الواحد بر الوالدين في قول الله عز وجل، ولم يبين في أي موضع فظن أن مراده عليه السلام أنه في بني إسرائيل، ويحتمل أن يكون " فقال إن ذلك " " فقلت إن ذلك " بقرينة قوله بعد " فقال لا " والمعنى على هذا أني قلت له عليه السلام: إن هذا عظيم وهو أنه كيف يأمر بصلتهما وحقهما على كل حال، وإن حصلت المجاهدة منهما على الشرك، والخطاب حينئذ حكاية للفظ الآية فقال عليه السلام: " لا " أي ليس بعظيم كما ظننت أن مجاهدتهما على الشرك تمنع من صلتهما وحقهما، بل هو تعالى يأمر بصلتهما وإن حصلت منهما المجاهدة، و حصول المجاهدة لا يسقط حقهما وصلتهما بل يزيده عظما فان حق الوالدين إذا لم يسقط مع المجاهدة على الشرك، كان أعظم منه مع عدم المجاهدة.
والظاهر من السياق على هذا كون " إن " في " وإن جاهداك " وصلية في كلام الراوي، وإن كانت في الآية شرطية، وفي كلام الإمام عليه السلام يحتمل أن تكون وصلية وقوله " فلا تطعهما " كلام مستقل متفرع على ما قبله، وأن تكون شرطية وجواب الشرط " فلا تطعهما " ومع ملاحظة المحذوف من الآية لا يبعد الوصل باعتبار كون ما بينهما معترضا وإن كان الأظهر خلافه مع الذكر.
ولفظ " حسنا " إن لم يكن زائدا من النساخ أو الراوي سهوا فقد وقع مثله كثيرا في الأحاديث بما ليس في القرآن الموجود، وهم عليهم السلام أعلم بحقيقة القرآن نعم هو في آية العنكبوت، ولا يمكن إرادتهما بعد قوله عليه السلام في سورة لقمان باعتبار الظرفية بخلاف سجدة لقمان فان الإضافة تصدق بأدنى ملابسة فأضيفت سجدة سورة السجدة إلى لقمان للقرب وعدم الفصل بسورة أو باعتبار إضافة السجدة، بمعنى سورة السجدة إلى لقمان ثم توسعوا بإضافة السجدة التي في السورة إلى لقمان.
ويمكن أن يكون على هذا الآية في الواقع كما ذكره عليه السلام من غير الزيادة التي في لقمان وهي " حملته أمه وهنا " الخ إن ثبت هذا، وتكون في محل آخر إلا أن يكون المقصود ذكر ما يتعلق بالمقام فقط، مع حذف غيره، والتنبيه على كون " وإن جاهداك " وصليا للكلام الأول ولفظ " يأمر " الثاني يحتمل أن يكون أصله يؤمر فهو من قبيل ما تقدم من التحريف.
هذا ما يتعلق بالحديث على التقدير المذكور وعلى ما في الحديث من قوله:
" فقال " يحتمل وجهين:
أحدهما أن يكون ضميره راجعا إلى عبد الواحد وفيه أن عبد الواحد لم يذكر إلا في الكلام الأول.
وقوله: " فلما كان بعد سألته " كلام أخرى فرجوعه إلى عبد الواحد يحتاج إلى تكلف تقدير حضور عبد الواحد وقت سؤال غيره في وقت آخر، فارجاع الضمير إليه مع عدم قرينة تدل على ذلك فهو كما ترى.
الثاني أن يكون معطوفا على " فقال " السابق والقائل حينئذ الامام والمعنى فقال بعد ذكر الآية أن هذه الآية أمر الوالدين فيها أعظم من أمرهما في آية بني إسرائيل لفهمه عليه السلام ما ظنه السائل فان في هذه الوصية وإن حصلت المجاهدة على الشرك، فالمجاهدة لا تسقط حقهما بل يترتب عليها عدم الإطاعة في ذلك، وهو أن يأمر تعالى بصلتهما وحقهما على كل حال حتى مع المجاهدة.
وعلى هذا فقوله " فقال لا " ضميره يحتمل أن يرجع إليه تعالى بمعنى أنه
تعالى قال بعدما ذكر مفسرا من الإمام عليه السلام: " لا " أي لا تطعهما بل هو تعالى يأمره بصلتهما وإن جاهداه على الشرك، وليس هذا تكرارا لما تقدمه، فإنه يفيد أن عدم الإطاعة لهما ليس في كل شئ فيه برهما بل في الشرك فقط وكل ما فيه صلة لا يترك بسبب المجاهدة على الشرك.
ويحتمل بعيدا أن تكون " إن " في قوله " وإن جاهداه على الشرك " شرطية و جواب الشرط ما زاد حقهما إلا عظما، والمعنى حينئذ أن المجاهدة على الشرك لا تسقط حقهما بل تزيده عظما والله تعالى أعلم بمقاصد أوليائه انتهى كلامه زيد فضله.
الخامس: ما ذكره بعض الشارحين فاقتفي أثر الفضلاء المتقدم ذكرهم في جعل ضمير " قال " في الموضعين راجعا إلى الإمام عليه السلام إلا أنه حمل الوالدين على والدي العلم والحكمة، وقال: " ذلك " في قوله " إن ذلك أعظم " إشارة إلى قوله تعالى وإن جاهداك و " أعظم " فعل ماض تقول أعظمته وعظمته بالتشديد إذا جعلته عظيما و " أن يأمر " مفعوله بتأويل المصدر، والمراد بالامر بالصلة الامر السابق على هذا القول واللاحق له أعني قوله " اشكر لي ولوالديك " وقوله " وصاحبهما. واتبع " فأفاد عليه السلام بعد قراءة قوله " وإن جاهداك " أن هذا القول أعظم الامر بصلة الوالدين، وحقهما على كل حال حيث يفيد أنه تجب صلتهما وطاعتهما، مع الزجر والمنع منهما فكيف بدونه وإن جاهداك الخ.
ثم قرأ هذه القول وهو قوله تعالى " وإن جاهداك " وأفاد بقوله " لا " أنه ليس المراد منه ظاهره، وهو مجاهدة الوالدين على الشرك، ونهي الولد عن إطاعتهما عليه، بل يأمر الولد بصلة الوالدين وإن منعه المانعان: أي أبو بكر وعمر عنهما وما زاد هذا القول حقهما إلا عظما وفخامة.
واستشهد لذلك برواية أصبغ المتقدمة في باب أن الوالدين رسول الله
صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام على أنه تأويل لبطن الآية ولا ينافي تفسير ظهرها بوجه آخر.
لكن يؤيده ما رواه مؤلف كتاب تأويل الآيات الظاهرة نقلا من تفسير محمد ابن العباس بن ماهيار بسنده الصحيح عن عبد الله بن سليمان قال: شهدت جابر الجعفي عند أبي جعفر عليه السلام وهو يحدث أن رسول الله وعليا عليهما السلام الوالدان قال عبد الله بن سليمان: وسمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: منا الذي أحل [الله] له الخمس والذي جاء بالصدق. ومنا الذي صدق به، ولنا المودة في كتاب الله جل وعز؟
وعلي ورسول الله صلوات الله عليهما الوالدان، وأمر الله ذريتهما بالشكر لهما.
وروى أيضا بسند صحيح آخر عن ابن مسكان، عن زرارة، عن عبد الواحد بن مختار قال: دخلت على أبي جعفر فقال: أما علمت أن عليا أحد الوالدين [اللذين] قال الله عز وجل: " أن اشكر لي ولوالديك " قال زرارة: فكنت لا أدري أية آية هي؟
التي في بني إسرائيل أو التي في لقمان قال: فقضى لي أن حججت فدخلت على أبي جعفر عليه السلام فخلوت به فقلت: جعلت فداك حديث جاء به عبد الواحد قال: نعم، قلت:
أية آية هي؟ التي في لقمان أو التي في بني إسرائيل؟ فقال: التي في لقمان.
وروى أيضا بسند آخر عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول:
" ووصينا الانسان بوالديه " رسول الله وعلي صلوات الله عليهما.
ويظهر من هذه الأخبار أن في رواية الكافي تصحيفا وتحريفا وأن قوله " عمن رواه " تصحيف عن زرارة، ويرتفع بعض الاشكالات الاخر أيضا لكن تطبيقه على الآية في غاية الاشكال وقد مر منا بعض التأويلات في الباب المذكور في كتاب الإمامة وإنما أطنبت الكلام في هذا الخبر لتعرف ما ذهب إليه أوهام أقوام، وتختار ما هو الحق بحسب فهمك منها، والله الموفق.
2 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعلي، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن خالد بن نافع البجلي، عن محمد بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أوصني فقال: لا تشرك بالله شيئا وإن حرقت بالنار وعذبت إلا وقلبك مطمئن بالايمان، ووالديك فأطعهما و برهما حيين كانا أو ميتين وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل، فان ذلك من الايمان.
بيان: " لا تشرك بالله شيئا " أي لا بالقلب ولا باللسان، أو المراد به الاعتقاد بالشريك، فعلى الأول الاستثناء متصل أي إلا إذا خفت التحريق أو التعذيب فتتكلم بالشرك تقية، وقلبك مطمئن بالايمان، كما قال سبحانه في قصة عمار حيث أكره على الشرك، وتكلم به " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان " " ووالديك فأطعهما " الظاهر أن والديك منصوب بفعل مقدر، يفسره الفعل المذكور
والكلام يفيد الحصر والتأكيد إن قدر المحذوف بعده، والتأكيد فقط إن قدر قبله.
كذا قيل وأقول: يمكن أن يقدر فعل آخر أي وارع والديك فأطعهما و " برهما " بصيغة الامر من باب علم ونصر حيين ما مر وميتين أي بطلب المغفرة لهما وقضاء الديون والعبادات عنهما، وفعل الخيرات والصدقات، وكل ما يوجب حصول الثواب عنهما.
" وإن أمراك أن تخرج من أهلك " أي من زوجتك بطلاقها و " مالك " بهبته " فان ذلك من الايمان " أي من شرائطه أو من مكملاته، وظاهره وجوب طاعتهما فيما لم يكن معصية، وإن كان في نفسه مرجوحا لا سيما إذا صار تركه سببا لغيظهما و حزنهما، وليس ببعيد، لكنه تكليف شاق بل ربما انتهى إلى الحرج العظيم.
قال المحقق الأردبيلي قدس الله روحه: العقل والنقل يدلان على تحريم العقوق، ويفهم وجوب متابعة الوالدين وطاعتهما من الآيات والاخبار، و صرح به بعض العلماء أيضا قال في مجمع البيان: " وبالوالدين إحسانا " أي قضى بالوالدين إحسانا أو أوصى بهما إحسانا وخص حال الكبر وإن كان الواجب طاعة الوالدين على كل حال لان الحاجة أكثر في تلك الحال وقال الفقهاء في كتبهم:
للأبوين منع الولد عن الغزو والجهاد ما لم يتعين عليه بتعيين الامام، أو بهجوم الكفار على المسلمين مع ضعفهم، وبعضهم ألحقوا الجدين بهما.
قال في شرح الشرائع: وكما يعتبر إذنهما في الجهاد يعتبر في سائر الاسفار المباحة والمندوبة، وفي الواجبة الكفائية مع قيام من فيه الكفاية فالسفر لطلب العلم إن كان لمعرفة العلم العيني كاثبات الواجب تعالى، وما يجب له ويمتنع، والنبوة والإمامة والمعاد لم يفتقر إلى إذنهما، وإن كان لتحصيل زائد منه على الفرض العيني كدفع الشبهات وإقامة البراهين المروجة للدين زيادة على الواجب كان فرضه كفاية فحكمه وحكم السفر إلى أمثاله من العلوم الكفائية كطلب التفقه [أنه] إن كان
هناك قائم بفرض الكفاية اشترط إذنهما، وهذا في زماننا فرض بعيد فان فرض الكفاية في التفقه لا يكاد يسقط مع وجود مائة مجتهد في العالم وإن كان السفر إلى غيره من العلوم المادية مع عدم وجوبها، توقف على إذنهما.
هذا كله إذا لم يجد في بلده من يعلمه ما يحتاج إليه، بحيث لا يجد في السفر زيادة يعتد بها لفراغ باله أو جودة أستاذ بحيث يسبق إلى بلوغ الدرجة التي يجب تحصيلها سبقا معتدا به وإلا اعتبر إذنهما أيضا، ومنه يعلم وجوب متابعتهما حتى يجب عليه ترك الواجب الكفائي ولكن هذا مخصوص بالسفر، فيحتمل أن يكون غيره كذلك إذا اشتمل على مشقة.
والحاصل أن الذي يظهر أن إحزانهما على وجه لم يعلم جواز ذلك شرعا مثل الشهادة عليهما، مع أنه قد منع قبول ذلك أيضا بعض مع صراحة الآية في وجوب الشهادة عليهما مع أن فائدته القبول لان قبول شهادته عليهما تكذيب لهما عقوق و حرام كما مر في الخبر ويظهر من الآية، وطاعتهما تجب ولا تجوز مخالفتهما في أمر يكون أنفع له ولا يضر بحاله دينا أو دنيا أو يخرج عن زي أمثاله وما يتعارف منه، ولا يليق بحاله بحيث يذمه العقلاء، ويعترفون أن الحق أن لا يكون كذلك، ولا حاجة له في ذلك، ولا ضرر عليه بتركه.
ويحتمل العموم للعموم إلا ما أخرجه الدليل بحيث يعلم الجواز شرعا لاجماع ونحوه، مثل ترك الواجبات العينية والمندوبات غير المستثنى، وليس وجوب طاعتهما مقصورا على فعل الواجبات وترك المعصيات للفرق بين الولد وغيره، فان ذلك واجب والظاهر عموم ذلك في الولد والوالدين.
قال الشهيد قدس الله سره في قواعده: قاعدة تتعلق بحقوق الوالدين، لا ريب أن كل ما يحرم أو يجب للأجانب يحرم أو يجب للأبوين وينفردان بأمور:
الأول: تحريم السفر المباح بغير إذنهما، وكذا السفر المندوب، وقيل بجواز
سفر التجارة، وطلب العلم إذا لم يمكن استيفاء التجارة والعلم في بلدهما كما ذكرناه فيما مر.
الثاني قال بعضهم: تجب عليه طاعتهما في كل فعل، وإن كان شبهة فلو أمراه بالاكل معهما في مال يعتقده شبهة أكل لان طاعتهما واجبة وترك الشبهة مستحب.
والثالث: لو دعواه إلى فعل وقد حضرت الصلاة فليتأخر الصلاة وليطعهما لما قلناه.
الرابع: هل لهما منعه من الصلاة جماعة؟ الأقرب أنه ليس لهما منعه مطلقا بل في بعض الأحيان لما يشق عليهما مخالفته كالسعي في ظلمة الليل إلى العشاء والصبح.
الخامس: لهما منعه من الجهاد مع عدم التعيين لما صح أن رجلا قال: يا رسول الله أبايعك على الهجرة والجهاد؟ فقال: هل من والديك أحد؟ قال: نعم كلاهما قال: أتبغي الاجر من الله؟ فقال: نعم، قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما.
السادس: الأقرب أن لهما منعه من فروض الكفاية إذا علم قيام العير أو ظن لأنه حينئذ يكون كالجهاد الممنوع منه.
السابع: قال بعض العلماء: لو دعواه في صلاة النافلة قطعها لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن امرأة نادت ابنها وهو في صلاته قالت: يا جريح! قال: اللهم أمي و صلاتي، قالت: يا جريح! فقال: اللهم أمي وصلاتي فقال: لا يموت حتى ينظر في وجوه المومسات الحديث.
وفي بعض الروايات أنه صلى الله عليه وآله قال: لو كان جريح فقيها لعلم أن إجابة أمه أفضل من صلاته، وهذا الحديث يدل على قطع النافلة لأجلها ويدل بطريق أولى على تحريم السفر لان غيبة الوجه فيه أكثر وأعظم وهي كانت تريد منه النظر إليها والاقبال عليها.
الثامن: كف الأذى عنهما، وإن كان قليلا بحيث لا يوصله الولد إليهما ويمنع غيره من إيصاله بحسب طاقته.
التاسع: ترك الصوم ندبا إلا باذن الأب ولم أقف على نص في الام.
العاشر: ترك اليمين والعهد إلا باذنه أيضا ما لم يكن في فعل واجب أو ترك محرم، ولم أقف في النذر على نص خاص إلا أن يقال هو يمين يدخل في النهي عن اليمين إلا باذنه.
تنبيه: بر الوالدين لا يتوقف على الاسلام لقوله تعالى " ووصينا الانسان بوالديه حسنا " " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما و صاحبهما في الدنيا معروفا " وهو نص وفيه دلالة على مخالفتهما في الامر بالمعصية وهو كقوله عليه السلام: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
فان قلت: فما تصنع بقوله تعالى " ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن " وهو يشمل الأب، وهذا منع من النكاح، فلا يكون طاعته واجبة فيه، أو منع من
المستحب فلا يجب [طاعته] في ترك المستحب.
قلت الآية في الأزواج، ولو سلم الشمول أو التمسك في ذلك بتحريم العضل فالوجه فيه أن للمرأة حقا في الاعفاف والتصون، ودفع ضرر مدافعة الشهوة، و الخوف من الوقوع في الحرام، وقطع وسيلة الشيطان عنهم بالنكاح، وأداء الحقوق واجب على الاباء للأبناء، كما وجب العكس وفي الجملة النكاح مستحب وفي تركه تعرض لضرر ديني أو دنيوي، ومثل هذا لا يجب طاعة الأبوين فيه. انتهى كلام الشهيد رحمه الله.
ثم قال المحقق: ويمكن اختصاص الدعاء بالرحمة بغير الكافرين إلا أن يراد من الدعاء بالرحمة في حياتهما بأن يوفق لهما الله ما يوجب ذلك من الايمان فتأمل.
والظاهر أن ليس الأذى الحاصل لهما بحق شرعي من العقوق مثل الشهادة عليهما لقوله تعالى " أو الوالدين " فتقبل شهادته عليهما، وفي القول بوجوبها عليهما مع عدم القبول، لان في القبول تكذيبا لهما بعد واضح، وإن قال به بعض.
وأما السفر المباح بل المستحب فلا يجوز بدون إذنهما، لصدق العقوق، و لهذا قاله الفقهاء.
وأما فعل المندوب فالظاهر عدم الاشتراط إلا في الصوم والنذر على ما ذكروه وتحقيقه في الفقه انتهى.
3 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، وعلي، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن أبي ولاد الحناط قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل " وبالوالدين إحسانا " ما هذا الاحسان؟ فقال: الاحسان أن تحسن صحبتهما، و
أن لا تكلفهما أن يسألاك شيئا مما يحتاجان إليه وإن كانا مستغنيين، أليس يقول الله عز وجل " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " قال: ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: وأما قول الله عز وجل " إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما " قال: إن أضجراك فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما إن ضرباك قال " وقل لهما قولا كريما " قال: إن ضرباك فقل لهما: غفر الله لكما فذلك منك قول كريم، قال: " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " قال لا تمل عينيك من النظر إليهما إلا برحمة ورقة، ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما، ولا يدك فوق أيديهما ولا تقدم قدامهما.
بيان: " وبالوالدين إحسانا " أي وأحسنوا بهما إحسانا " أن تحسن صحبتهما " أي بالملاطفة، وحسن البشر، وطلاقة الوجه، والتواضع، والترحم وغيرها مما يوجب سرورهما، وفي إلحاق الأجداد والجدات بهما نظر " وإن كانا مستغنيين " أي يمكنهما تحصيل ما احتاجا إليه بمالهما.
" لن تنالوا البر " ظاهر الخبر أن المراد بالبر في الآية بر الوالدين، ويمكن أن يكون المراد أعم منه ويكون إيرادها لشمولها بعمومها له، وعلى التقديرين الاستشهاد إما لأصل البر أو لان إطلاق الآية شامل للانفاق قبل السؤال وحال الغنى لعدم التقييد فيها بالفقر والسؤال، فلا حاجة إلى ما تكلفه بعض الأفاضل حيث قال:
كأن الاستشهاد بالآية الكريمة أنه على تقدير استغنائهما عنه لا ضرورة داعية إلى قضاء حاجتهما كما أنه لا ضرورة داعية إلى الانفاق من المحبوب، إذ بالانفاق من غير المحبوب أيضا يحصل المطلوب إلا أن ذلك لما كان شاقا على النفس
فلا ينال البر إلا به فكذلك لا ينال بر الوالدين إلا بالمبادرة إلى قضاء حاجتهما قبل أن يسألاه وإن استغنيا عنه فإنه أشق على النفس لاستلزامه التفقد الدائم.
ووجه آخر وهو أن سرور الوالدين بالمبادرة إلى قضاء حاجتهما أكثر منه بقضائها بعد الطلب كما أن سرور المنفق عليه بانفاق المحبوب أكثر منه بانفاق غيره انتهى.
وأقول: سيأتي برواية الكليني والعياشي: أن في قراءة أهل البيت عليهم السلام " ما تنفقون " بدون " من " فالاطلاق بل العموم أظهر ويمكن أن يقال على تقدير تعميم البر كما هو المشهور أنه استفيد من الآية أن الرجل لا يبلغ درجة الأبرار إلا إذا أنفق جميع ما يحب ولم يذكر الله المنفق عليهم وقد ثبت أن الوالدين ممن تجب نفقته فلابد من إنفاق كل محبوب عليهم سألوا أم لم يسألوا.
قال الطبرسي - ره - البر أصله من السعة ومنه البر خلاف البحر، والفرق بين البر والخير أن البر هو النفع الواصل إلى الغير ابتداء مع القصد على ذلك، و الخير يكون خيرا وإن وقع عن سهو، وضد البر العقوق، وضد الخير الشر أي لن تدركوا بر الله لأهل الطاعة.
واختلف في البر هنا فقيل هو الجنة عن ابن عباس وغيره، وقيل هو الثواب في الجنة، وقيل هو الطاعة والتقوى، وقيل معناه لن تكونوا أبرارا أي صالحين أتقياء " حتى تنفقوا مما تحبون " أي حتى تنفقوا المال.
وإنما كنى بهذا اللفظ عن المال لان جميع الناس يحبون المال. وقيل معناه ما تحبون من نفائس أموالكم دون رذالها كقوله سبحانه " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " وقيل هو الزكاة الواجبة، وما فرضه الله في الأموال عن ابن عباس وقيل هو جميع ما ينفقه المرء في سبيل الخيرات.
وقال بعضهم: دلهم سبحانه بهذه الآية على الفتوة، فقال: لن تنالوا بري
بكم إلا ببركم إخوانكم، والانفاق عليهم من مالكم وجاهكم وما تحبون، فإذا فعلتم ذلك نالكم بري وعطفي.
" وما تنفقوا من شئ فان الله به عليم " فيه وجهان: أحدهما أن تقديره و ما تنفقوا من شئ فان الله يجازيكم به قل أو كثر، لأنه عليم لا يخفى عليه شئ منه والاخر أن تقديره فإنه بعلمه الله موجودا على الحد الذي تفعلونه من حسن النية أو قبحها.
فان قيل: كيف قال سبحانه ذلك والفقير ينال الجنة وإن لم ينفق، قيل:
الكلام خرج مخرج الحث على الانفاق، وهو مقيد بالامكان، وإنما أطلق على سبيل المبالغة في الترغيب والأولى أن يكون المراد لن تنالوا البر الكامل الواقع على أشرف الوجوه حتى تنفقوا مما تحبون انتهى .
" قال إن أضجراك " " قال " كلام الراوي وفاعله الامام، أو كلام الامام و فاعله هو الله تعالى، وكذا " قال - و - قل " و " قال إن ضرباك " وما بعدهما يحتملهما وقيل " قال " في " قال إن أضجراك " كلام الراوي وجواب " أما " " إن أضجراك " بتقدير فقال فيه إن أضجراك، إذ لا يجوز حذف الفاء في جواب أما.
وقيل: آلاف في الأصل وسخ الأظفار، ثم استعمل فيما يستقذر ثم في الضجر وقيل معناه الاحتقار.
وقال الطبرسي - ره -: روي عن الرضا، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليهم السلام قال:
لو علم الله لفظة أوجز في ترك عقوق الوالدين من " أف " لاتى به، وفي رواية أخرى عنه عليه السلام قال: أدنى العقوق أف ولو علم الله شيئا أيسر منه وأهون منه لنهى عنه فالمعنى لا تؤذهما بقليل ولا كثير.
" ولا تنهرهما " أي لا تزجرهما باغلاظ وصياح، وقيل معناه لا تمتنع من شئ أراداه منك كما قال " وأما السائل فلا تنهر ".
" وقل لهما قولا كريما ": وخاطبهما بقول رفيق لطيف حسن جميل، بعيد عن اللغو والقبيح يكون فيه كرامة لهما " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " أي وبالغ في التواضع والخضوع لهما قولا وفعلا، برا بهما وشفقة لهما، والمراد بالذل ههنا اللين والتواضع، دون الهوان من " خفض الطائر جناحه " إذا ضم فرخه إليه فكأنه سبحانه قال: ضم أبويك إلى نفسك كما كانا يفعلان بك وأنت صغير، وإذا وصفت العرب إنسانا بالسهولة وترك الاباء، قالوا: هو خافض الجناح انتهى.
وقال البيضاوي " واخفض لهما " أي تذلل لهما وتواضع فيهما، جعل للذل جناحا وأمر بخفضها مبالغة وأراد جناحه كقوله " واخفض جناحك للمؤمنين " وإضافته إلى الذل للبيان والمبالغة كما أضيف حاتم إلى الجود، والمعنى: واخفض لهما جناحك الذليل وقرئ الذل بالكسر وهو الانقياد انتهى.
والضجر والتضجر التبرم، قوله " لا تمل " الظاهر لا تملأ بالهمز كما في مجمع البيان وتفسير العياشي وأما على نسخ الكتاب فلعله أبدلت الهمزة حرف علة ثم حذفت بالجازم فهو بفتح اللام المخففة. ولعل الاستثناء في قوله الا برحمة منقطع ، والمراد بملء العينين حدة النظر والرقة رقة القلب، وعدم رفع الصوت نوع من الأدب كما قال تعالى " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ".
و " لا يدك فوق أيديهما " الظاهر أن المراد أن عند التكلم معهما لا ترفع يدك فوق أيديهما كما هو الشائع عند العرب أن عند التكلم يبسطون أيديهم ويحركونها.
وقال الوالد قدس الله روحه: المراد أنه إذا أنلتهما شيئا فلا تجعل يدك فوق أيديهما وتضع شيئا في يدهما، بل ابسط يدك حتى يأخذا منها فإنه أقرب إلى الأدب وقيل المعنى لا تأخذ أيديهما إذا أرادا ضربك.
" ولا تقدم قدامهما " أي في المشي أو في المجالس أيضا.
ثم اعلم أنه لا ريب في أن رعاية تلك الأمور من الآداب الراجحة، لكن
الكلام في أنها هل هي واجبة أو مستحبة؟ وعلى الأول هل تركها موجب للعقوق أم لا، بحيث إذا قال لهما أف خرج من العدالة واستحق العقاب فالظاهر أنه بمحض إيقاع هذه الأمور نادرا لا يسمى عاقا ما لم يستمر زمان ترك برهما، ولم يكونا راضيين عنه، لسوء أفعاله وقلة احترامه لهما، بل لا يبعد القول بأن هذه الأمور إذا لم يصر سببا لحزنهما، ولم يكن الباعث عليها قلة اعتنائه بشأنهما، واستخفافهما لم تكن حراما بل هي من الآداب المستحبة، وإذا صارت سبب غيظهما واستمر على ذلك يكون عاقا وإذا رجع قريبا وتداركهما بالاحسان وأرضاهما، لم تكن في حد العقوق ولا تعد من الكبائر.
ويؤيده ما رواه الصدوق في الصحيح قال: سأل عمر بن يزيد أبا عبد الله عليه السلام عن إمام لا بأس به، في جميع أموره عارف، غير أنه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما أقرأ خلفه؟ قال: لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقا قاطعا، والأحوط ترك الجميع وسيأتي الاخبار في ذلك إنشاء الله.
4 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن سيف، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يأتي يوم القيامة شئ مثل الكبة فيدفع في ظهر المؤمن فيدخله الجنة، فيقال:
هذا البر.
بيان: " مثل الكبة " أي الدفعة والصدمة، أو مثل كبة الغزل في الصغر، أو مثل البعير في الكبر. قال الفيروزآبادي الكبة الدفعة في القتال والجري، والحملة في الحرب والزحام، والصدمة بين الجبلين ومن الشتاء شدته ودفعته والرمي في الهوة وبالضم الجماعة، والجروهق من الغزل والإبل العظيمة والثقل.
وقال الجزري: الكبة بالضم الجماعة من الناس وغيرهم فيه وإياكم و كبة السوق أي جماعة السوق، والكبة بالفتح شدة الشئ ومعظمه، وكبة النار صدمتها، وكأن فيه تصحيفا ولم أجده في غير الكتاب، والبر يحتمل الأعم من بر الوالدين.
5 - الكافي: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين والجهاد في سبيل الله.
بيان: " لوقتها " أي لوقت فضلها.
6 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن درست، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وآله: ما حق الوالد على ولده؟
قال: لا يسميه باسمه، ولا يمشي بين يديه، ولا يجلس قبله، ولا يستسب له.
تبيان: " أن لا يسميه باسمه " لما فيه من التحقير، وترك التعظيم والتوقير عرفا بل يسميه بالكنية لما فيها من التعظيم عند العرب، أو الألقاب المشتملة على التعظيم أو اللطف والاكرام كقوله: يا أبه وقال أبي أو والدي ونحو ذلك " ولا يجلس قبله " أي زمانا أو رتبة، والأول أظهر، ويحتمل التعميم وإن كان بعيدا.
" ولا يستسب له " أي لا يفعل ما يصير سببا لسب الناس له، كأن يسبهم أو آباءهم، وقد يسب الناس والد من يفعل فعلا شنيعا قبيحا.
وفي روضة الكافي في حديث عرض الخيل أن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن جماعة إلى أن قال: " ومن لعن أبويه؟ فقال رجل: يا رسول الله أيوجد رجل
يلعن أبويه؟ فقال: نعم يلعن آباء الرجال وأمهاتهم فيلعنون أبويه " وهذان الحديثان مرويان في طرق العامة أيضا.
قال في النهاية في حديث أبي هريرة لا تمشين أمام أبيك، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه، ولا تستسب له: أي لا تعرضه للسب وتجره إليه بأن تسب أبا غيرك فيسب أباك مجازاة لك، وقد جاء مفسرا في الحديث الاخر: إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه، قيل: وكيف يسب والديه؟ قال: يسب الرجل فيسب أباه وأمه انتهى.
وأقول: مع قطع النظر عن هذا الخبر العامي، هل يمكن الحكم بأن من فعل ذلك فعل كبيرة باعتبار أن سب الأب كبيرة؟ الظاهر العدم لان سب الغير إذا لم ينته إلى الفحش لا يعلم كونه كبيرة، وليس هذا سب الأب حقيقة، بل الظاهر أن الاسناد على المبالغة والمجاز، وفعل السبب ليس حكمه حكم المسبب إلا إذا كان السبب بحيث لا يتخلف عنه المسبب كضرب العنق بالنسبة إلى القتل مع أن الرواية ضعيفة يشكل الاستدلال بها على مثل هذا الحكم، وكذا خبر الروضة ضعيفة على المشهور مع أن الاستدلال باللعن على كونه كبيرة مشكل، نعم ظاهره التحريم وإن ورد في المكروهات أيضا.
7 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن محمد بن علي، عن الحكم بن مسكين، عن محمد ابن مروان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيين أو ميتين: يصلي عنهما، ويتصدق عنهما، ويحج عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما، وله مثل ذلك; فيزيده الله عز وجل ببره وصلاته خيرا كثيرا.
ايضاح: " يصلي عنهما " بيان للبر بعد الوفاة، فكأنه قيل: كيف يبرهما بعد موتهما؟ قال: يصلي عنهما قضاء أو نافلة، وكذا الحج والصوم، ويمكن
شموله لاستيجارها من مال الميت أو من ماله، فيجب قضاء الصلاة والصوم على أكبر الأولاد، وستأتي تفاصيل ذلك إنشاء الله في محله.
ويدل على أن ثواب هذه الأعمال وغيرها يصل إلى الميت وهو مذهب علمائنا.
وأما العامة فقد اتفقوا على أن ثواب الصدقة يصل إليه واختلفوا في عمل الأبدان فقيل يصل قياسا على الصدقة، وقيل لا يصل لقوله تعالى " وأن ليس للانسان إلا ما سعى " إلا الحج لان فيه شائبة عمل البدن وإنفاق المال، فغلب المال.
قوله: " فيزيده الله " أي يعطى ثوابان: ثواب لأصل العمل، وثواب آخر كثير للبر في الدنيا والآخرة.
8 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن معمر بن خلاد قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: أدعو لوالدي إذا كانا لا يعرفان الحق؟ قال: ادع لهما وتصدق عنهما وإن كانا حيين لا يعرفان الحق فدارهما، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله بعثني بالرحمة لا بالعقوق.
تبيين: يدل على جواز الدعاء والتصدق للوالدين المخالفين للحق بعد موتهما والمداراة معهما في حياتهما والثاني قد مر الكلام فيه وأما الأول فيمكن انتفاعهما بتخفيف عذابهما.
وقد ورد الحج عن الوالد إن كان ناصبا وعمل به أكثر الأصحاب بحمل الناصب على المخالف، وأنكر ابن إدريس النيابة عن الأب أيضا ويمكن حمل الخبر على المستضعف لان الناصب المعلن لعداوة أهل البيت عليهم السلام كافر بلا ريب، والمخالف غير المستضعف أيضا مخلد في النار أطلق عليه الكافر والمشرك في الأخبار المستفيضة، واسم النفاق في كثير منها، وقد قال سبحانه في شأن المنافقين " لا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون " وقال المفسرون
" ولا تقم على قبره " أي لا تقف على قبره للدعاء، وقال في شأن المشركين " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا اولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم * وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين أنه عدو لله تبرأ منه " فان التعليل بقوله " من بعد ما تبين " يدل على عدم جواز الاستغفار لمن علم أنه من أهل النار، وإن لم يطلق عليهم المشرك وكون المخالفين من أهل النار معلوم بتواتر الاخبار وكذا قوله " فلما تبين أنه عدو لله " يدل على عدم جواز الاستغفار لهم، لأنه لا شك أنهم أعداء الله.
فإن قيل: استغفار إبراهيم لأبيه يدل على استثناء الأب، قلت: المشهور بين المفسرين أن استغفار إبراهيم عليه السلام كان بشرط الايمان، لأنه كان وعده أن يسلم فلما مات على الكفر وتبين عداوته لله تبرأ منه وقيل الموعدة كان من إبراهيم لأبيه قال له إني لأستغفر لك ما دمت حيا وكان يستغفر له مقيدا بشرط الايمان فلما أيس من إيمانه تبرأ منه.
وأما قوله عليه السلام في سورة مريم " سلام عليك سأستغفر لك ربي " فقال الطبرسي - ره -: سلام توديع وهجر على ألطف الوجوه، وهو سلام متاركة ومباعدة منه وقيل سلام إكرام وبر، تأدية لحق الأبوة. وقال في " سأستغفر لك " فيه أقوال:
أحدها أنه إنما وعده الاستغفار على مقتضى العقل ولم يكن قد استقر بعد قبح الاستغفار للمشركين وثانيها أنه قال " سأستغفر لك " على ما يصح ويجوز من تركك عبادة الأوثان وإخلاص العبادة لله وثالثها أن معناه أدعو الله أن لا يعذبك في الدنيا انتهى.
وأقول: لو تمت دلالة الآية لدلت على جواز الاستغفار والدعاء لغير الأب أيضا من الأقارب لأنه على المشهور بين الامامية لم يكن آزر أباه عليه السلام بل كان عمه و
الاخبار تدل على ذلك. ثم إن من جوز الصلاة على المخالف من أصحابنا صرح بأنه يلعنه في الرابعة أو يترك، ولم يذكروا الدعاء للوالدين.
وقال الصدوق رضي الله عنه: إن كان المستضعف منك بسبيل فاستغفر له على وجه الشفاعة لا على وجه الولاية، لرواية الحلبي عن الصادق عليه السلام، وفي مرسل ابن فضال عنه: الترحم على جهة الولاية والشفاعة كذا قال في الذكرى.
وأقول: هذا يؤيد الحمل على المستضعف وأما الاستدلال بالآية المتقدمة على جواز السلام على الأب إذا كان مشركا فلا يخفى ما فيه:
أما أولا فلما عرفت أنه لم يكن أبا إلا أن يستدل بالطريق الأولى فيدل على الأعم من الوالدين، وأما ثانيا فلما عرفت من أن بعضهم بل أكثرهم حملوه على سلام المتاركة والمهاجرة، نعم يمكن إدخاله في المصاحبة بالمعروف مع ورود تجويز السلام على الكافر مطلقا كما سيأتي في بابه إنشاء الله.
9 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال:
أباك.
تبيان: استدل به على أن للام ثلاثة أرباع البر، وقيل لا يفهم منه إلا المبالغة في بر الام، ولا يظهر منه مقدار الفضل، ووجه الفضل ظاهر لكثرة مشقتها وزيادة تعبها وآيات لقمان أيضا تشعر بذلك كما عرفت.
واختلف العامة في ذلك فالمشهور عن مالك أن الام والأب سواء في ذلك و قال بعضهم تفضيل الام مجمع عليه، وقال بعضهم للام ثلثا البر لما رواه مسلم أنه قال رجل: يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال أمك، ثم أمك، ثم أبوك. وقال بعضهم ثلاثة أرباع البر لما رواه مسلم أيضا أنه قال رجل:
يا رسول الله من أحق بحسن الصحبة؟ قال أمك قال: ثم من؟ قال أمك؟ قال: ثم
من؟ قال أمك: قال ثم من؟ قال أبوك.
وقال الشهيد طيب الله رمسه بعد إيراد مضمون الروايتين فقال بعض العلماء:
هذا يدل على أن للام إما ثلثي الأب على الرواية الأولى أو ثلاثة أرباعه على الثانية وللأب إما الثلث أو الربع فاعترض بعض المستطيعين بأن هنا سؤالات.
الأول أن السؤال ب " أحق " عن أعلى رتب البر فعرف الرتبة العالية ثم سأل عن الرتبة التي تليها بصيغة " ثم " التي هي للتراخي الدالة على نقص رتبة الفريق الثاني عن الفريق الأول في البر، فلابد أن تكون رتبة الثانية أخفض من الأولى وكذا الثالثة أخفض من الثانية فلا تكون رتبة الأب مشتملة على ثلث البر وإلا لكانت الرتب مستوية، وقد ثبت أنها مختلفة، فتصيب الأب أقل من الثلث قطعا أو أقل من الربع قطعا فلا يكون ذلك الحكم صوابا.
الثاني: أن حرف العطف تقتضي المغايرة، لامتناع عطف الشئ على نفسه، وقد عطف الام على الام.
الثالث: أن السائل إنما سأل ثانيا عن غير الام فكيف يجاب بالأم؟
والجواب يشترط فيه المطابقة.
وأجاب - رحمه الله - عن هذين بأن العطف هنا محمول على المعنى كأنه لما أجيب أولا بالأم قال: فلمن أتوجه ببري بعد فراغي منها؟ فقيل له للام وهي مرتبة ثانية، دون الأولى كما ذكرنا أولا، فالأم المذكورة ثانيا هي المذكورة أولا بحسب الذات، وإن كانت غيرها بحسب الغرض، وهو كونها في الرتبة الثانية من البر، فإذا تغايرت الاعتبارات جاز العطف مثل زيد أخوك وصاحبك ومعلمك، وأعرض عن الأول كأنه يرى أن لا يجاب عنه، ثم يحتج به.
قلت: قوله " السؤال بأحق " ليس عن أكثر الناس استحقاقا بحسن الصحابة بل عن أعلى رتب الصحابة، فالعلو منسوب إلى المبرور على تفسيره حسن الصحابة بالبر لا إلى نفس البر، مع أن قوله بنقص الفريق الثاني عن الفريق الأول مناف لكلامه الأول إن أراد بالفريق المبرورين، وإن أراد بالفريق المبر، ورد عليه
الاعتراض الأول.
وقوله الرتبة الثانية أخفض من الأولى مبني على أمرين فيهما منع أحدهما أن أحق هنا للزيادة على من فضل عليه لا للزيادة مطلقا كما تقرر في العربية من احتمال المعنيين، والثاني أن " ثم " لما أتى بها السائل للتراخي كانت في كلام النبي صلى الله عليه وآله للتراخي.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.