بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
137 - باب الذنوب وآثارها والنهي عن استصغارها
ج ۷۰، ص ۳۰۷–۳۳۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
وقال تعالى: ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.
وقال تعالى: بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
النساء: فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم.
وقال: ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما.
المائدة: مخاطبا لموسى عليه السلام: فلا تأس على القوم الفاسقين.
وقال: فان تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا
من الناس لفاسقون.
وقال: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون.
وقال تعالى: ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين.
وقال تعالى: وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين.
وقال تعالى: والله لا يهدي القوم الفاسقين.
الانعام: أو لم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين.
وقال تعالى: وذروا ظاهر الاثم وباطنه إن الذين يكسبون الاثم سيجزون بما كانوا يقترفون.
وقال تعالى: ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين.
وقال تعالى: ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
الأعراف: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون.
وقال: وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
وقال سبحانه: فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا
عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون.
وقال تعالى في قصة أصحاب السبت: كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون إلى قوله تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون * فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين.
الأنفال: كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب * ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإن الله سميع عليم.
التوبة: والله لا يهدي القوم الفاسقين.
هود: فمن ينصرني من الله إن عصيته.
وقال تعالى حاكيا عن شعيب عليه السلام: ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب.
الرعد: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له وما لهم من دونه من وال.
النحل: وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.
أسرى: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا * وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا.
الكهف: وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا.
النور: يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر.
وقال تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.
الفرقان: وكفى به بذنوب عباده خبيرا.
الشعراء: فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك وأورثناها بني إسرائيل.
النمل: فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لاية لقوم يعلمون.
وقال تعالى: ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون.
العنكبوت: أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون.
فاطر: والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور.
الزمر: قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم.
حمعسق: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير إلى قوله تعالى: أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير.
الحجرات: بئس الاسم الفسوق بعد الايمان.
الحشر: وليجزي الفاسقين.
الصف: والله لا يهدي القوم الفاسقين.
المعارج: يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته وأخيه * وفصيلته التي تؤويه * ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه.
نوح: مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا.
الجن: ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبدا.
الشمس: فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسويها * ولا يخاف عقبيها.
1 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أبي يقول: ما من شئ أفسد للقلب من خطيئته، إن القلب ليواقع الخطيئة فلا تزال به حتى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله.
بيان: " أفسد للقلب من خطيئته " فان قلت: ما يفسد القلب فهو خطيئة فما معنى التفضيل؟ قلت: لا نسلم ذلك، فان كثيرا من المباحات تفسد القلب، بل بعض الأمراض والآلام والأحزان والهموم والوساوس أيضا تفسدها، وإن لم تكن مما يستحق عليه العذاب وهي أعم من الخطايا الظاهرة إذ للظاهر تأثير في الباطن بل عند المتكلمين الواجبات البدنية لطف في الطاعات القلبية ، ومن الخطايا القلبية كالعقائد الفاسدة والهم بالمعصية، والصفات الذميمة، كالحقد والحسد والعجب وأمثالها.
" ليواقع الخطيئة " اي يباشرها ويخالطها ويرتكبها خطيئة بعد خطيئة أو يقابل ويدافع الخطيئة الواحدة أو جنس الخطيئة، " فلا تزال به " هو من الافعال الناقصة
واسمه الضمير الراجع إلى الخطيئة و " به " خبره اي ملتبسا به وقيل: متعلق بفعل محذوف أي تفعل به والمراد إما جنس الخطيئة أو الخطيئة المخصوصة التي ارتكبها ولم يتب منها فتؤثر في القلب بحلاوتها، حتى تغلب على القلب بالرين والطبع أو يدافعها ويحاربها فتغلب عليه حتى يرتكبها لعدم قلع مراد الشهوات عن قلبه على الاحتمال الثاني.
" فيصير أعلاه أسفله " أي يصير منكوسا كالإناء المقلوب المكبوب لا يستقر فيه شئ من الحق ولا يؤثر فيه شئ من [المواعظ كما روي: القلوب ثلاثة: قلب منكوس لا يعي شيئا من الخير وهو قلب الكافر، الخبر والحاصل أن الخطيئة تلتبس بالقلب وتؤثر فيه حتى تصيره مقلوبا لا يستقر فيه شئ من] الخير بمنزلة الكافر، فان الاصرار على المعاصي طريق إلى الكفر كما قال سبحانه: " ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوء أن كذبوا بآيات الله " وهذا أظهر الوجوه المذكورة في تلك الآية، وهذا الذي خطر بالبال أظهر الأقوال من جهة الاخبار، وقيل فيه وجوه أخر:
الأول ما ذكره بعض المحققين يعني فما تزال تفعل تلك الخطيئة بالقلب و تؤثر فيه بحلاوتها حتى يجعل وجهه الذي إلى جانب الحق والآخرة، إلى جانب الباطل والدنيا الثاني أن المعنى ما تزال تفعل وتؤثر بالقلب بميله إلى أمثالها من المعاصي حتى تنقلب أحواله، ويتزلزل وترتفع نظامه، وحاصله يرجع إلى ما ذكرنا لكن الفرق بين. الثالث ما قيل: فلا تزال به حتى تغلب عليه، فإن لم ترتفع بالتوبة الخالصة فتصير أعلاه أسفله اي تكدره وتسوده، لان الاعلى صاف، والأسفل ردي من باب التمثيل.
2 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن ابن عيسى، عن ابن مسكان، عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: " فما أصبرهم على النار ". فقال:
ما أصبرهم على فعل ما يعلمون أنه يصيرهم إلى النار.
بيان: الآية في سورة البقرة هكذا " إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيمة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم * أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار ".
وذكر البيضاوي قريبا مما ورد في الخبر قال: تعجب من حالهم في الالتباس بموجبات النار من غير مبالاة و " ما " تامة مرفوعة بالابتداء، وتخصيصها كتخصيص شر أهر ذا ناب، أو استفهامية وما بعدها الخبر أو موصولة وما بعدها صلة والخبر محذوف.
وأقول: يعضده قوله تعالى في الآية السابقة: " ما يأكلون في بطونهم إلا النار " وقال البيضاوي فيه: إما في الحال لأنهم أكلوا ما يلتبس بالنار، لكونها عقوبة عليه، فكأنهم أكلوا النار، أو في المآل أي لا يأكلون يوم القيامة إلا النار انتهى.
وأقول: مثله قوله صلى الله عليه وآله: قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على ظهوركم فاطفئوها بصلاتكم.
وقال الطبرسي رحمه الله: فيه أقوال: أحدها أن معناه ما أجرأهم على النار ذهب إليه الحسن وقتادة ورواه علي بن إبراهيم باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام والثاني ما أعملهم بأعمال أهل النار، عن مجاهد وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام والثالث ما أبقاهم على النار [كما يقال: ما أصبر فلانا على الحبس، عن الزجاج والرابع ما أدومهم على النار اي ما أدومهم على عمل أهل النار] كما يقال: ما أشبه سخاءك بحاتم أي بسخاء حاتم وعلى هذا الوجه، فظاهر الكلام التعجب، والتعجب لا يجوز على القديم سبحانه، لأنه عالم بجميع الأشياء لا يخفى عليه شئ، والتعجب إنما يكون
مما لا يعرف سببه وإذا ثبت ذلك فالغرض أن يدلنا على أن الكفار حلوا محل من يتعجب منه، فهو تعجب لنا منهم والخامس ما روي عن ابن عباس أن المراد أي شئ أصبرهم على النار اي حبسهم عليها، فتكون للاستفهام.
ويجوز حمل الوجوه الثلاثة المتقدمة [على الاستفهام أيضا فيكون المعنى اي شئ أجرأهم على النار وأعملهم بأعمال أهل النار وأبقاهم على النار، وقال الكسائي: هو] استفهام على وجه التعجب وقال المبرد: هذا حسن لأنه كالتوبيخ لهم، والتعجب لنا كما يقال لمن وقع في ورطة: ما اضطرك إلى هذا إذا كان غنيا عن التعرض للوقوع في مثلها، والمراد به الانكار والتقريع على اكتساب سبب الهلاك وتعجب الغير منه، ومن قال: معناه ما أجرأهم على النار، فإنه عنده من الصبر الذي هو الحبس أيضا لان بالجرأة يصبر على الشدة.
3 - الكافي: عنه، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أما إنه ليس من عرق يضرب ولا نكبة ولا صداع ولا مرض إلا بذنب، وذلك قول الله عز وجل في كتابه: " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير " قال: ثم قال: وما يعفو الله أكثر مما يؤاخذ به.
بيان: النكبة وقوع الرجل على الحجارة عند المشي أو المصيبة، والأول أظهر كما مر، وقد وقع التصريح في بعض الأخبار التي وردت في هذا المعنى بنكبة قدم والمخاطب في هذه الآية من يقع منهم الخطايا والذنوب، لا المعصومون من الأنبياء والأوصياء عليهم السلام كأنهم فيهم لرفع درجاتهم، كما روي عن الصادق عليه السلام أنه لما دخل علي بن الحسين عليه السلام على يزيد نظر إليه ثم قال: يا علي " ما أصابكم
من مصيبة فبما كسبت أيديكم " فقال عليه السلام: كلا ما هذه فينا، إنما نزل فينا " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ان ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم " فنحن الذين لا ناس على ما فاتنا، ولا نفرح بما أوتينا.
وروى الحميري في قرب الإسناد عن ابن بكير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول عز وجل: " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم " فقال هو:
" ويعفو عن كثير " قال: قلت: ما أصاب عليا وأشياعه من أهل بيته من ذلك؟ قال:
فقال: [إن] رسول الله صلى الله عليه وآله كان يتوب إلى الله عز وجل كل يوم سبعين مرة من غير ذنب.
وقال الطبرسي رحمه الله: " وما أصابكم " معاشر الخلق " من مصيبة " من بلوى في نفس أو مال " فبما كسبت أيديكم " من المعاصي " ويعفو عن كثير " منها فلا يعاقب بها قال الحسن: الآية خاصة بالحدود التي تستحق على وجه العقوبة وقال قتادة: هي عامة، وروي عن علي عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
خير آية في كتاب الله هذه الآية يا علي ما من خدش عود ولا نكبة قدم إلا بذنب وما عفى الله عنه في الدنيا فهو أكرم من أن يعود فيه، وما عاقب عليه في الدنيا فهو أعدل من أن يثني على عبده، وقال أهل التحقيق: إن ذلك خاص وإن خرج مخرج العموم، لما يلحق من مصائب الأطفال والمجانين، ومن لا ذنب له من المؤمنين، ولان الأنبياء والأئمة يمتحنون بالمصائب، وإن كانوا معصومين من الذنوب، لما يحصل لهم في الصبر عليها من الثواب انتهى.
وقيل: الذنوب متفاوتة بالذات، وبالنسبة إلى الاشخاص، وترك الأولى ذنب بالنسبة إليهم، فلذلك قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، ويؤيده ما
أصاب آدم ويونس وغيرهما بسبب تركهم ما هو أولى بهم، ولئن سلم فقد يصاب البري بذنب الجري، وما ذكرنا أظهر وأصوب، ومؤيد بالاخبار.
4 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: لا تبدين عن واضحة، وقد عملت الأعمال الفاضحة، ولا يأمن البيات من عمل السيئات.
بيان: " لا تبدين عن واضحة " الابداء الاظهار وتعديته بعن لتضمين معنى الكشف، وفي الصحاح والقاموس والمصباح الواضحة الأسنان تبدو عند الضحك وفي القاموس فضحه كمنعه كشف مساويه، اي لا تضحك ضحكا يبدو به أسنانك ويكشف عن سرور قلبك، وقد عملت أعمالا قبيحة افتضحت بها عند الله، وعند ملائكته، وعند الرسول والأئمة عليهم السلام، ولا تدري أغفر الله لك أم يعذبك عليها؟
ولذا كان من علامة المؤمنين أن ضحكهم التبسم ويؤيده ما روي عنه عليه السلام لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، لكن البشر في الجملة مطلوب كما مر أن بشره في وجهه وحزنه في في قلبه، وقوله: " وقد عملت " جملة حالية " ولا يأمن البيات " بكسر النون ليكون نهيا والكسرة لالتقاء الساكنين أو بالرفع خبرا بمعنى النهي، وما قيل: إنه معطوف على الجملة الحالية بعيد، والمراد بالبيات نزول الحوادث عليه ليلا، أو غفلة وإن كان بالنهار، في المصباح: البيات بالفتح الإغارة ليلا وهو اسم من بيته تبييتا وبيت الامر دبره ليلا.
5 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن سليمان الجعفري عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: الذنوب كلها شديدة وأشدها ما نبت عليه اللحم والدم، لأنه إما مرحوم أو معذب والجنة لا يدخلها إلا طيب.
بيان: " كلها شديدة " لان معصية الجليل جليلة أو استيجاب غضب الله
وعقوبته مع عدم العلم بالعفو عظيم أو لان التوبة المقبولة نادرة مشكلة وشرائطها كثيرة، والتوفيق لها عزيزة " وأشدها ما نبت عليه اللحم والدم " كأن المراد به ماله دخل في قوام البدن من المأكول والمشروب الحرامين، ويحتمل أن يكون المراد به ذنبا أصر وداوم عليه مدة نبت فيه اللحم والعظم، وإطلاق هذه العبارة في الدوام والاستمرار شائع في عرف العرب والعجم، بل أخبار الرضاع أيضا ظاهرة في ذلك.
" لأنه إما مرحوم وإما معذب " اي آخرا أو في الجنة والنار، لكن لا بد أن يعذب في البرزخ أو المحشر قدر ما يطيب جسمه الذي نبت على الذنوب، لان الجنة لا يدخلها إلا الطيب ويؤيده ما رويناه من النهج وقيل: المرحوم من كفرت ذنوبه بالتوبة أو البلايا أو العفو، والمعذب من لم تكفر ذنوبه بأحد هذه الوجوه.
وأقول: هذا الخبر ينافي ظاهرا عموم الشفاعة وعفو الله وتكفير السيئات بالحسنات على القول به، وأجيب بوجوه الأول أن يقال: يعني أن صاحب الذنب الذي نبت عليه اللحم والدم أمره في مشية الله، لأنه ليس بطيب، ولا يدخل الجنة قطعا وحتما إلا طيب، الثاني أن يخص هذا بغير تلك الصور اي لا يدخلها بدون الشفاعة والعفو والتكفير، الثالث ما قيل: إنه تعالى ينزع عنهم الذنوب فيدخلونها وهم طيبون من الذنوب، ويؤيده قوله تعالى: " ونزعنا ما في صدورهم من غل " الآية وهو بعيد.
6 - الكافي: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن ابان، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن العبد ليذنب الذنب فيزوى عنه الرزق.
بيان: " فيزوى عنه الرزق " اي يقبض أو يصرف وينحى عنه، اي قد يكون تقتير الرزق بسبب الذنب عقوبة أو لتكفير ذنبه، وليس هذا كليا بل هو
بالنسبة إلى غير المستدرجين فان كثيرا من أصحاب الكبائر يوسع عليهم الرزق وفي النهاية زويت الأرض أي جمعت، وفي حديث الدعاء: وما زويت عني مما أحب اي صرفته عني وقبضته.
7 - الكافي: عن علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن محمد بن إبراهيم النوفلي، عن الحسين بن مختار، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ملعون ملعون من عبد الدينار والدرهم، ملعون ملعون من كمه أعمى ملعون ملعون من نكح بهيمة.
بيان: قال الصدوق رضي الله عنه في كتاب معاني الأخبار: بعد إيراد هذه الرواية قال مصنف هذا الكتاب: معنى قوله: ملعون من كمه أعمى يعني من أرشد متحيرا في دينه إلى الكفر وقرره في نفسه حتى اعتقده وقوله: من عبد الدينار والدرهم يعني به من يمنع زكاة ماله، ويبخل بمواساة إخوانه، فيكون قد آثر عبادة الدينار والدرهم على عبادة الله، وأما نكاح البهيمة فمعلوم انتهى.
وأقول: اللعن الطرد والابعاد عن الخير من الله تعالى [ومن الخلق السب والدعاء وطلب البعد من الخير، وكل من أطاع من يأمره الله بطاعته فقد عبده كما قال تعالى:] " أن لا تعبدوا الشيطان " وقال سبحانه: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " وكذا من آثر حب شئ على رضا الله وطاعته فقد عبده كعبادة الدينار والدرهم.
قال الراغب: العبودية إظهار التذلل والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل ولا يستحقها إلا من له غاية الافضال وهو الله تعالى، والعبد على أربعة أضرب الأول عبد بحكم الشرع وهو الانسان الذي يصح بيعه وابتياعه، والثاني عبد
بالايجاد وذلك ليس إلا لله تعالى وإياه قصد بقوله: " إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا " الثالث عبد بالعبادة والخدمة، والناس في هذا ضربان عبد لله مخلصا وهو المقصود بقوله عز وجل " واذكر عبدنا أيوب " وأمثاله وعبد للدنيا وأعراضها وهو المعتكف على خدمتها ومراعاتها، وإياه قصد النبي صلى الله عليه وآله بقوله: تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، وعلى هذا النحو يصح أن يقال: ليس كل إنسان عبدا لله، فان العبد على هذا المعنى العابد لكن العبد أبلغ من العابد انتهى.
وأما قوله " من كمه أعمى " ففي القاموس الكمه محركة العمى يولد به الانسان أو عام كمه كفرح عمي وصار أعشى وبصره اعترته ظلمة تطمس عليه، والمكمه العينين كمعظم من لم تنفتح عيناه، والكامه من يركب رأسه ولا يدري أين يتوجه كالمتكمه وقال الجوهري: الأكمه الذي يولد أعمى وقد كمه بالكسر كمها واستعاره سويد فجعله عارضا بقوله:
كمهت عيناه حتى ابيضتا وأبو سعيد: الكامه الذي يركب رأسه لا يدري أين يتوجه، يقال: خرج يتكمه في الأرض انتهى.
وقال الراغب: العمى يقال في افتقاد البصر، وافتقاد البصيرة، ويقال في الأول أعمى وفي الثاني أعمى وعم.
وإذا عرفت هذا فاعلم أن هذه الفقرة تحتمل وجوها: الأول ما مر من الصدوق رحمه الله وكأنه أظهرها الثاني أن يكون المعنى أضل أعمى البصر عن الطريق وحيره أولا يهديه إليها، الثالث أن يقول للأعمى يا أعمي أو يا أكمه معيرا له بذلك، الرابع أن يكون المعنى من يذهب طريقا ويختار مذهبا لا يدري هو أحق أم لا كأكثر الناس. فيكون كمه بكسر الميم المخففة مأخوذا من الكامه الذي ذكره الجوهري
والفيروز آبادي، فيكون أعمى حالا عن المستتر في كمه أي أعمى القلب، وهذا وجه وجيه مما خطر بالبال إن كان فعل المجرد استعمل بهذا المعنى، كما هو الظاهر.
ولقد أعجب بعض من كان في عصرنا حيث نقل عبارة القاموس من يركب فرسه، فقال: ويحتمل كمه بالتخفيف والمعنى من ركب أعمى فهو كناية عمن لم يسلك الطريق الواضح، الخامس أن يقرء بالتخفيف أيضا ويكون المعنى من كان أعمى مولودا على العمى لم يهتد إلى الخير سبيلا قط بخلاف من يكون لواما يتنبه أحيانا ويغفل أحيانا، السادس أن يقرء بضم الكاف وتشديد الميم اسما، ويكون عمى الكم كناية عن البخل.
وأقول: الأظهر على هذا الوجه أن يكون كناية عن أنه لا يبالي أن يأخذ المال من حرام أو شبهة أو حلال، أو يعطي المال كيف ما اتفق ويبذر، ولا يعلم مصارفه الشرعية.
وأما نكاح البهيمة فالظاهر أن المراد به الوطي كما فهمه الصدوق رحمه الله وغيره وربما يحتمل العقد فيكون المراد بالبهيمة المرأة المخالفة أو تزويج البنت للمخالف كما مر أن الناس كلهم بهائم إلا قليلا من المؤمنين، وكما قيل في قولهم عليهم السلام:
لا تنزى حمارا على عتيقة، وربما يقرء نكح بالتشديد على بعض الوجوه ولا يخفى ما في الجميع من التكلف.
8 - الكافي: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشا، عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: اتقوا المحقرات من الذنوب فان لها طالبا، يقول أحدكم أذنب وأستغفر الله إن الله عز وجل يقول: " سنكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين " وقال عز وجل " إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ".
بيان: " المحقرات " على بناء المفعول من الافعال أو التفعيل عدها حقيرة في القاموس الحقر الذلة كالحقرية بالضم والحقارة مثلثة والمحقرة والفعل كضرب وكرم والاذلال كالتحقير والاحتقار والاستحقار والفعل كضرب، وحقر الكلام تحقيرا صغره، والمحقرات الصغاير وتحاقر: تصاغر، وفي المصباح حقر الشئ بالضم حقارة هان قدره فلا يعبأ به، فهو حقير، ويعدى بالحركة فيقال: حقرته من باب ضرب وأحقرته وقال: الذنب الاثم والجمع ذنوب وأذنب صار ذا ذنب بمعنى تحمله.
" فإن لها طالبا " اي إن للذنوب طالبا يعلمها ويكتبها وقرر عليها عقابا وإذا حقرها فهو يصر عليها وتصير كبيرة، فيمكن أن لا يعفو عنها، مع أنه قد ورد أنها لا تغفر، ولا ينبغي الاتكال على التوبة والاستغفار، فإنه يمكن أن لا يوفق لها وتدركه المنية، فيذهب بلا توبة.
وقيل: يستفاد من الحديث أن الجرأة على الذنب اتكالا على الاستغفار بعده تحقير له، وهو كذلك، كيف لا؟ وهذا محقق معجل نقد، وذاك موهوم مؤجل نسيئة " إن الله عز وجل يقول " بيان لقوله: " إن لها طالبا " والآية في سورة يس هكذا " إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا " وكأنه من النساخ أو الرواة وقيل هذا نقل للآية بالمعنى لبيان أن هذه الكتابة، تكون بعد إحياء الموتى على أجسادهم لفضيحتهم.
وقال في مجمع البيان: " ونكتب ما قدموا " من طاعاتهم ومعاصيهم في دار الدنيا، وقيل نكتب ما قدموه من عمل ليس له اثر " وآثارهم " أي ما يكون له اثر، وقيل يعني بآثارهم أعمالهم التي صارت سنة بعدهم، يقتدى فيها بهم حسنة كانت أم قبيحة، وقيل: معناه ونكتب خطاهم إلى المساجد، وسبب ذلك ما رواه الخدري أن بني سلمة كانوا في ناحية المدينة فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بعد منازلهم من المسجد والصلاة معه، فنزلت الآية.
" وكل شئ أحصيناه في إمام مبين " اي وأحصينا وعددنا كل شئ من
الحوادث في كتاب ظاهر وهو اللوح المحفوظ، والوجه في إحصاء ذلك فيه اعتبار الملائكة به، إذا قابلوا به ما يحدث من الأمور، ويكون فيه دلالة على معلومات الله سبحانه على التفصيل وقيل: أراد به صحائف الأعمال، وسمى ذلك مبينا لأنه لا يدرس اثره انتهى.
وقد ورد في كثير من الاخبار أن الامام المبين أمير المؤمنين عليه السلام وقيل:
أراد بالآثار الأعمال وبما قدموا النيات المقدمة عليها.
وقال رحمه الله، في قوله تعالى: " يا بنى إنها إن تك مثقال حبة من خردل " معناه أن ما فعله الانسان من خير أو شر إن كانت مقدار حبة من خردل في الوزن، ويجوز أن يكون الها في " إنها " ضمير القصة " فتكن في صخرة " أي فتكن تلك الحبة في جبل اي في حجرة عظيمة لان الحبة فيها أخفى وأبعد من الاستخراج " أو في السماوات أو في الأرض " ذكر السماوات والأرض بعد ذكر الصخرة وإن كان لا بد أن تكون الصخرة في الأرض على وجه التأكيد.
وقال السدي: هذه الصخرة ليست في السماوات ولا في الأرض وهي تحت سبع أرضين، وهذا قول مرغوب عنه " يأت بها الله " اي يحضرها الله يوم القيامة ويجازي عليها، أي يأت بجزاء ما وازنها منه خير أو شر، وقيل: معناه يعلمها الله فيأتي بها إذا شاء كذلك قليل العمل من خير أو شر يعلمه الله فيجازي عليه فهو مثل قوله تعالى: " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " " إن الله لطيف " باستخراجها " خبير " بمستقرها انتهى.
وقال بعض المحققين: خفاء الشئ إما لغاية صغره. وإما لاحتجابه وإما لكونه بعيدا وإما لكونه في ظلمة، فأشار إلى الأول بقوله: " مثقال حبة " وإلى الثاني بقوله: " فتكن في صخرة " وإلى الثالث بقوله: " أو في السماوات " وإلى
الرابع بقوله: " أو في الأرض ".
وأقول: قد ورد في بعض الأخبار أن المراد بالصخرة هي التي تحت الأرضين والاستشهاد بالآيتين، لان يعلم أن الله سبحانه عالم بجميع أعمال العباد وأحصاها وكتبها وأوعد عليها العقاب، فلا ينبغي تحقير المعاصي، لان الوعيد معلوم، والموعد عالم قادر، والعفو غير معلوم.
9 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن الفضيل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الرجل ليذنب الذنب فيدرأ عنه الرزق وتلا هذه الآية " إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * فطاف عليهم طائف من ربك وهم نائمون ".
بيان: في القاموس درأه كجعله درأ ودرأة: دفعه والفعل هنا على بناء المجهول ويحتمل المعلوم بارجاع المستتر إلى الذنب واللام في الذنب للعهد الذهني اي أي ذنب كان، بل يمكن شموله للمكروهات وترك المستحبات كما تشعر به الآية وإن أمكن حملها على أنهم لم يؤدوا الزكاة الواجبة أو كانا لزكاة عندهم حق الجداد والصرام، أو كان هذا أيضا واجبا في شرعهم كما قيل بوجوبه في شرعنا أيضا.
قال الطبرسي قدس سره في جامع الجوامع: " إنا بلوناهم " اي أهل مكة بالجوع والقحط بدعاء الرسول صلى الله عليه وآله " كما بلونا أصحاب الجنة " وهم إخوة كانت لأبيهم هذه الجنة دون صنعاء اليمن بفرسخين، فكان يأخذ منها قوت سنة ويتصدق بالباقي، وكان يترك للمساكين ما أخطأه المنجل وما في أسفل الأكداس وما أخطأه القطاف من العنب وما بعد من البساط الذي يبسط تحت النخلة إذا صرمت، فكان يجتمع لهم شئ كثير.
فلما مات قال بنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الامر، ونحن أولوا عيال، فحلفوا " ليصرمنها مصبحين " داخلين في وقت الصباح خفية عن المساكين
" ولا يستثنون " اي لم يقولوا إنشاء الله في يمينهم، فأحرق الله جنتهم.
وقال البيضاوي: " ولا يستثنون ": ولا يقولون إنشاء الله، وإنما سماه استثناء لما فيه من الاخراج غير أن المخرج به خلاف المذكور، والمخرج بالاستثناء عينه، أو لان معنى لأخرج إنشاء الله ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد أو لا يستثنون حصة المساكين، كما كان يخرج أبوهم. " فطاف عليها " على الجنة " طائف " بلاء طائف " من ربك " مبتدء منه.
وقال في المجمع: اي أحاطت بها النار فاحترقت، أو طرقها طارق من أمر الله " وهم نائمون " قال مقاتل: بعث الله نارا بالليل إلى جنتهم فأحرقتها حتى صارت مسودة فذلك قوله: " فأصبحت كالصريم " أي كالليل المظلم، والصريمان الليل والنهار، لانصرام أحدهما عن الاخر، وقيل: كالمصروم ثماره اي المقطوع وقيل: اي الذي صرم عنه الخير، فليس فيه شئ منه، وقيل: أي كالرملة انصرمت من معظم الرمل، وقيل: كالرماد الأسود " فتنادوا مصبحين " اي نادى بعضهم بعضا وقت الصباح " أن اغدوا " اي بأن اغدوا " على حرثكم " الحرث الزرع والأعناب " إن كنتم صارمين " أي قاطعين النخل.
" فانطلقوا " أي مضوا إليها " وهم يتخافتون " يتسارون بينهم " أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين " هذا ما كانوا يتخافتون به " وغدوا على حرد " أي على قصد منع الفقراء " قادرين " عند أنفسهم وفي اعتقادهم على منعهم وإحراز ما في جنتهم وقيل: على حرد أي على جد وجهد من أمرهم وقيل: اي خنق وغضب من الفقراء، وقيل: قادرين مقدرين موافاتهم الجنة في الوقت الذي قدروا إصرامها فيه، وهو وقت الصبح.
" فلما رأوها " أي رأوا الجنة على تلك الصفة " قالوا إنا لضالون " ضللنا عن الطريق، فليس هذا بستاننا، أو لضالون عن الحق في أمرنا، فلذلك عوقبنا بذلك، ثم استدركوا فقالوا: " بل نحن محرومون " اي هذه جنتنا ولكن حرمنا
نفعها وخيرها، لمنعنا حقوق المساكين وتركنا الاستثناء " قال أوسطهم " أي أعدلهم قولا وأفضلهم وأعقلهم أو أوسطهم في السن " ألم أقل لكم لولا أن تسبحون " كأنه كان حذرهم سوء فعالهم فقال: لولا تستثنون، لان في الاستثناء التوكل على الله والتعظيم لله، والاقرار على أنه لا يقدر أحد على فعل شئ إلا بمشيئة الله فلذلك سماه تسبيحا، وقيل: معناه هلا تعظمون الله بعبادته واتباع أمره أو هلا تذكرون نعم الله عليكم فتؤدوا شكرها بان تخرجوا حق الفقراء من أموالكم أو هلا نزهتم الله عن الظلم واعترفتم بأنه لا يظلم ولا يرضى منكم بالظلم، وقيل: أي لم لا تصلون.
ثم حكى عنهم أنهم قالوا " سبحان ربنا إنا كنا ظالمين " في عزمنا على حرمان المساكين من حصتهم عند الصرام أو أنه تعالى منزه عن الظلم، فلم يفعل بنا ما فعله ظلما وإنما الظلم وقع منا حيث منعنا الحق " فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون " أي يلوم بعضهم بعضا على ما فرط منهم " قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين " قد علونا في الظلم وتجاوزنا الحد فيه، والويل غلظ المكروه الشاق على النفس " عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها " اي لما تابوا ورجعوا إلى الله قالوا: لعل الله يخلف علينا ويولينا خيرا من الجنة التي هلكت " إنا إلى ربنا راغبون " [أي نرغب إلى الله ونسأله ذلك ونتوب إليه مما فعلناه " كذلك العذاب " في الدنيا للعاصين " ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون "].
وروي عن ابن مسعود أنه قال: بلغني أن القوم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها: الحيوان، فيها عنب يحمل البغل منها عنقودا وقال أبو خالد اليمامي: رأيت الجنة ورأيت كل عنقود كالرجل الأسود القائم.
10 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء فان تاب انمحت وإن زاد زادت حتى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبدا.
بيان: " خرج في قلبه نكتة " النكتة النقطة، وكل نقطة في شئ بخلاف لونه فهو نكتة، وقيل: إن الله خلق قلب المؤمن نورانيا قابلا للصفات النورانية فان أذنب خرج فيه نقطة سوداء، فان تاب زالت تلك النقطة وعاد محلها إلى نورانيته، وإن زاد في الذنب سواء كان من نوع ذلك الذنب أم من غيره، زادت نقطة أخرى سوداء، وهكذا حتى تغلب النقاط السود على جميع قلبه " فلا يفلح بعدها أبدا " لان القلب حينئذ لا يقبل شيئا من الصفات النورانية، والظاهر أنه إن تاب من ذنب ثم عاد لم تبطل التوبة الأولى، وأنه إن تاب من بعض الذنوب دون بعض فهي صحيحة على أحد القولين فيها.
أقول: وقال بعض المحققين بعد أن حقق أن القلب هو اللطيفة الربانية الروحانية التي لها تعلق بالقلب الصنوبري كما مر ذكره: القلب في حكم مرآة قد اكتنفته هذه الأمور المؤثرة فيه، وهذه الآثار على التوالي واصلة إلى القلب، أما الآثار المحمودة فإنها تزيد مرآة القلب جلاء وإشراقا ونورا وضياء حتى يتلألؤ فيه جلية الحق، وتنكشف فيه حقيقة الامر المطلوب في الدين، وإلى مثل هذا القلب أشار بقوله صلى الله عليه وآله: " إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظا من قلبه " وبقوله صلى الله عليه وآله: " من كان له من قلبه واعظ كان عليه من الله حافظ " وهذا القلب هو الذي يستقر فيه الذكر قال الله تعالى: " الا بذكر الله تطمئن القلوب ".
وأما الآثار المذمومة فإنها مثل دخان مظلم يتصاعد إلى مرآة القلب، ولا يزال يتراكم عليه مرة بعد أخرى إلى أن يسود ويظلم، ويصير بالكلية محجوبا
عن الله تعالى وهو الطبع والرين، قال الله تعالى: " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " وقال الله: " أن لو نشاء لأصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون " فربط عدم السماع والطبع بالذنوب كما ربط السماع بالتقوى حيث قال: " واتقوا الله واسمعوا " " واتقوا الله ويعلمكم الله ".
ومهما تراكمت الذنوب طبع على القلب، وعند ذلك يعمى القلب عن إدراك الحق، وصلاح الدين، ويستهين بالآخرة، ويستعظم أمر الدنيا ويصير مقصورا لهم عليه، فإذا قرع سمعه أمر الآخرة، وما فيها من الاخطار، دخل من اذن وخرج من الأخرى، ولم يستقر في القلب، ولم يحركه إلى التوبة والتدارك " أولئك الذين يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور ".
وهذا هو معنى اسوداد القلب بالذنوب كما نطق به القرآن والسنة، قال بعضهم: روي عن النبي صلى الله عليه وآله: قلب المؤمن أجرد فيه سراج يزهر وقلب الكافر أسود منكوس، فطاعة الله تعالى بمخالفة الشهوات مصقلات للقلب، ومعصيته مسودات له فمن اقبل على المعاصي اسود قلبه، ومن اتبع السيئة الحسنة ومحى اثرها لم يظلم قلبه، ولكن ينقص نوره، كالمرآة التي يتنفس فيها ثم يمسح، ثم يتنفس ثم يمسح، فإنها لم تخلو عن كدورة، قال الله تعالى " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ".
فأخبر أن جلاء القلب وإيضاءه يحصل بالذكر، وأنه لا يتمكن منه إلا الذين اتقوا، فالتقوى باب الذكر، والذكر باب الكشف، والكشف باب الفوز الأكبر
وهو الفوز بلقاء الله تعالى.
أقول: هذا من تحقيقات بعض الصوفية أوردناه استطرادا، وفيه حق وباطل والله الملهم للخير والصواب.
11 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن العبد يسأل الله الحاجة فيكون من شأنه قضاؤها إلى أجل قريب أو إلى وقت بطيئ فيذنب العبد ذنبا فيقول الله تبارك وتعالى للملك:
لا تقض حاجته واحرمه إياها، فإنه تعرض لسخطي واستوجب الحرمان مني.
بيان: " فيكون من شأنه " ضمير شأنه راجع إلى الله تعالى، ويحتمل رجوعه إلى مصدر يسأل أو العبد، ومآل الجميع واحد، اي له قابلية قضاء الحاجة، قيل لا يقال هذا ينافي ما في بعض الروايات من أن العاصي إذا دعاه أجابه بسرعة كراهة سماع صوته، لأنا نقول: لا منافاة بينهما، لان هناك شيئين أحدهما المعصية، وهي تناسب عدم الإجابة والثاني كراهة سماع صوته وهي تناسب سرعة الإجابة، فربما ينظر إلى الأول فلا يجيبه، وربما ينظر إلى الثاني فيجيبه، وليس في الاخبار ما يدل على أن العاصي يجاب دائما، ولو سلم لأمكن حمل هذا الخبر على أن المؤمن الصالح إن أذنب وتعرض لسخط ربه، استوجب الحرمان، ولا يقضي الله حاجته تأديبا له، لينزجر عما يفعله.
12 - الكافي: عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول إنه ما من سنة أقل مطرا من سنة، ولكن الله يضعه حيث يشاء، إن الله عز وجل إذا عمل قوم بالمعاصي صرف عنهم ما كان قدر لهم من المطر في تلك السنة إلى غيرهم، وإلى الفيافي والبحار والجبال، وإن الله ليعذب الجعل في جحرها فيحبس المطر عن الأرض التي هي بمحلها بخطايا من بحضرتها وقد جعل الله لها السبيل في مسلك سوى محلة أهل المعاصي قال: ثم قال أبو جعفر عليه السلام:
فاعتبروا يا أولي الابصار.
بيان: " إلى غيرهم " اي من المطيعين إن كانوا مستحقين للمطر، وإلا فإلى الفيافي ، وفي النهاية الفيافي البراري الواسعة جمع فيفاء وفي القاموس الفيف المكان المستوي أو المفازة لا ماء فيها كالفيفاة والفيفاء ويقصر، وقال: الجعل كصرد دويبة وفي المصباح الجعل وزان عمر الحرباء، وهو ذكر أم حبين وقال المحل بفتح الحاء والكسر لغة موضع الحلول، والمحلة بالفتح المكان الذي ينزله القوم " عن الأرض التي هي بمحلها " الظاهر أن الضمير في قوله " بمحلها " راجع إلى الجعل اي الأرض التي هي متلبسة بمحل الجعل أي مشتملة عليه، أو ضمير " هي " راجع إلى الجعل، وضمير " محلها " إلى الأرض فيكون إضافة المحل إلى الضمير من إضافة الجزء إلى الكل، والأول أظهر، وضمير " بحضرتها " للجعل.
" فاعتبروا يا أولي الابصار " الاعتبار الاتعاظ والتفكر في العواقب وقبول النصيحة وأولوا الابصار أصحاب البصائر والعقول، اي تفكروا في أنه إذا كان حال الحيوان الغير المكلف القليل الشعور أو عديمه هكذا في التضرر بمجاورة أهل المعاصي، فكيف تكون حالك في المعصية ومجاورة أهلها؟
وهذا الخبر مما يدل على أن للحيوانات شعورا وعلما ببعض التكاليف الشرعية، وافعال العباد وأعمالهم، وأن لهم نوعا من التكليف خلافا لأكثر الحكماء والمتكلمين، ويؤيده قصة الهدهد وسائر الأخبار التي أوردتها في المجلد الرابع عشر، وربما يأول الجعل بأن المراد بها ضعفاء بني آدم، ولا يخفى بعده، ثم إن الخبر يدل على وجوب المهاجرة عن بلاد أهل المعاصي إذا لم يمكن نهيهم عن المنكر.
13 - الكافي: عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال عن ابن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الرجل يذنب الذنب فيحرم صلاة الليل، وإن العمل السيئ أسرع في صاحبه من السكين في اللحم.
بيان: " الذنب " منصوب مفعول مطلق واللام للعهد الذهني " أسرع " اي نفوذا أو تأثيرا في صاحبه وكما أن كثرة نفوذ السكين في المرء يوجب هلاكه البدني
فكذا كثرة الخطايا يوجب هلاكه الروحاني.
14 - الكافي: عن أبي علي الأشعري، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من هم بسيئة فلا يعملها، فإنه ربما يعمل العبد السيئة فيراه الرب تبارك وتعالى فيقول: وعزتي وجلالي لا أغفر لك بعد ذلك أبدا.
بيان: " السيئة " أي نوعا من السيئة تكون مع تحقيرها والاستهانة بها أو غير ذلك، والعزة القدرة والغلبة، والجلال الكبرياء والعظمة " لا أغفر لك " أي يستحق لمنع اللطف وعدم التوفيق للتوبة، ولا يستحق المغفرة، وفيه تحذير عن جميع السيئات، فان كل سيئة يمكن أن تكون هذه السيئة.
15 - الكافي: عن الحسين بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن عمرو بن عثمان، عن رجل، عن أبي الحسن عليه السلام قال: حق على الله أن لا يعصى في دار إلا أضحاها للشمس، حتى تطهرها.
بيان: " حق على الله " أي جعلها الله سبحانه واجبا لازما على نفسه " أن لا يعصى " كأن المراد كثرة وقوع المعاصي فيها " إلا أضحاها " اي خربها وأظهر أرضها للشمس " حتى " تشرق عليها و " تطهرها " من النجاسة المعنوية، وهي كناية عن أن المعاصي تخرب الديار، وفيه إشعار بأن الشمس تطهر الأرض وفي القاموس أضحى الشئ أظهره وضحا ضحوا برز للشمس وكسعى ورضي أصابته الشمس، وارض مضحاة لا تكاد تغيب عنها الشمس، وضحى الطريق ضحوا بدا وظهر.
16 - الكافي: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، عن مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مائة عام، وإنه لينظر إلى أزواجه في الجنة يتنعمن.
بيان: قد روي عن أمير المؤمنين أنه قال: لا تتكلوا بشفاعتنا، فان شفاعتنا
قد لا تلحق بأحدكم إلا بعد ثلاث مائة سنة، وفي الخبر دلالة على أن الذنب يمنع من دخول الجنة في تلك المدة، ولا دلالة فيه على أنه في تلك المدة في النار، أو في شدائد القيامة، وفي المصباح النعمة بالفتح اسم من التنعم والتمتع وهو النعيم ونعم عيشه كتعب اتسع ولان، ونعمه الله تنعيما جعله ذا رفاهية.
17 - الكافي: عن أبي علي الأشعري، عن عيسى بن أيوب، عن علي بن مهزيار عن القاسم بن عروة، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء، فان تاب ذهب تلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض، فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خيرا أبدا، وهو قول الله عز وجل: " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ".
بيان: روي مثله عن أمير المؤمنين عليه السلام في النهج وقال ابن ميثم: توضيح الكلام أن بأصل الايمان تظهر نكتة بيضاء في قلب من آمن أول مرة، ثم إذا أقر باللسان ازدادت تلك النكتة، وإذا عمل بالجوارح عملا صالحا ازدادت حتى يصير قلبه نورانيا كالنير الأعظم، ويعكس ذلك في العمل السيئ.
وتحقيق الكلام في هذا المقام أن المقصود بالقصد الأول [الأعمال الظاهرة والامر بمحاسنها والنهي عن مقابحها، هو ما تكتسب النفس منها من الأخلاق الفاضلة] والصفات الفاسدة فمن عمل عملا صالحا اثر في نفسه، وبازدياد العمل يزداد الضياء والصفاء، حتى تصير كمرآة مجلوة صافية، ومن أذنب ذنبا
اثر ذلك أيضا وأورث لها كدورة، فان تحقق عنده قبحه وتاب عنه، زال الأثر وصارت النفس مصقولة صافية، وإن أصر عليه زاد الأثر الميشوم، وفشا في النفس واستمر عليها، وصار من أهل الطبع، ولم يرجع إلى خير ابدا إذ دواء هذا الداء هو الانكسار، وهضم النفس، والاعتراف بالتقصير، والرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار، والانقلاع عن المعاصي، ولا محل لشئ من ذلك إلى هذا القلب المظلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثم أشار إلى أن ذلك هو الرين المذكور في الآية الكريمة بقوله: " وهو قول الله عز وجل: " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " قيل: أي غلب على قلوبهم ما كانوا يكسبون حتى قبلت الطبع والختم على وجه لا يدخل فيها شئ من الحق.
والمراد بما كانوا يكسبون الأعمال الظاهرة القبيحة والأخلاق الباطنة الخبيثة فان ذلك سبب لرين القلب وصداه، وموجب لظلمته وعماه، فلا يقدر أن ينظر إلى وجوه الخيرات، ولا يستطيع أن يشاهد صور المعقولات، كما أن المرآة إذا ألقيت في مواضع الندى ركبها الصدا، وأذهب صفاءها وأبطل جلاءها، فلا يتنقش فيها صور المحسوسات.
وبالجملة يشبه القلب في قسوته وغلظته وذهاب نوره، بما يعلوه من الذنوب والهوى، وما يكسوه من الغفلة والردى، بالمرآة المنكدرة من الندى، وكما أن هذه المرآة يمكن إزالة ظلمتها بالعمل المعلوم كذلك هذا القلب يمكن تصفيته من ظلمات الذنوب، وكدورات الأخلاق، بدوام الذكر، والتوبة الخالصة والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، حتى ينظر إلى عالم الغيب بنور الايمان ويشاهده مشاهدة العيان إلى أن يبلغ إلى أعلى درجات الاحسان، فيعبد الله كأنه يراه، ويرى الجنة وما أعد الله فيها لأوليائه ويرى النار وما أعد الله فيها لأعدائه.
وقال البيضاوي عند قوله تعالى: " وما يكذب به إلا كل معتد أثيم * إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين * كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا
يكسبون " رد لما قالوه، وبيان لما أدى بهم إلى هذا القول، بأن غلب عليهم حب المعاصي بالإنهماك فيه، حتى صار ذلك صداء على قلوبهم، فعمي عليهم معرفة الحق والباطل، فان كثرة الافعال سبب لحصول الملكات، كما قال صلى الله عليه وآله:
إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه، والرين الصداء.
18 - الكافي: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا تبدين عن واضحة وقد عملت الأعمال الفاضحة، ولا تأمن البيات وقد عملت السيئات.
19 - الكافي: عن محمد بن يحيى وأبي علي الأشعري، عن الحسين بن إسحاق عن علي بن مهزيار، عن حماد بن عيسى، عن أبي عمرو المدائني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن الله قضا قضاء حتما: لا ينعم على العبد بنعمة فيسلبها إياه حتى يحدث العبد ذنبا يستحق بذلك النقمة.
بيان: " لا ينعم " استيناف بياني [أو منصوب بتقدير " أن " وقوله:
" فيسلبها " معطوف على النفي لا على المنفي و " حتى " للاستثناء، والمشار إليه في قوله: " بذلك " إما مصدر] يحدث أو الذنب والمال واحد، وفي القاموس النقمة بالكسر والفتح وكفرحه المكافاة بالعقوبة، وفيه تلميح إلى قوله سبحانه:
" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ".
20 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن سدير قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: " قالوا
ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم " الآية فقال: هؤلاء قوم كانت لهم قرى متصلة ينظر بعضهم إلى بعض، وأنهار جارية، وأموال ظاهرة، فكفروا نعم الله عز وجل وغيروا ما بأنفسهم من عافية الله، فغير الله ما بهم من نعمة، و " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فأرسل الله عليهم سيل العرم فغرق قراهم وخرب ديارهم، وذهب بأموالهم، وأبدلهم مكان " جنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل " ثم قال: " ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور ".
بيان: الآيات في سورة سبأ هكذا " لقد كان لسبأ في مسكنهم آية " وقرء أكثر القراء في مساكنهم، قال الطبرسي قدس سره: ثم أخبر سبحانه عن قصة سبأ بما دل على حسن عاقبة الشكور، وسوء عاقبة الكفور، فقال: " لقد كان لسبأ " وهو أبو عرب اليمن كلها، وقد تسمى بها القبيلة، وفي الحديث عن فروة ابن مسيك أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن سبأ أرجل هو أم امرأة؟ فقال: هو رجل من العرب، ولد له عشرة تيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تيامنوا: فالأزد وكندة ومذحج والأشعرون والانمار وحمير، فقال رجل من القوم: ما أنمار؟ قال: الذين منهم خثعم وبجيلة وأما الذين تشاءموا: فعاملة وجذام ولحم وغسان فالمراد بسبأ ههنا القبيلة الذين هم أولاد سبأ بن يشحب بن يعرب ابن قحطان.
" في مسكنهم " أي في بلدهم " آية " أي حجة على وحدانية الله سبحانه وكمال قدرته، وعلامة على سبوغ نعمه، ثم فسر سبحانه الآية فقال: " جنتان عن يمين وشمال " اي بستانان عن يمين من آتاهما وشماله، وقيل عن يمين البلد وشماله وقيل إنه لم يرد جنتين اثنتين والمراد كانت ديارهم على وتيرة واحدة إذ كانت البساتين عن يمينهم وشمالهم
متصلة بعضها ببعض، وكان من كثرة النعم أن المرأة كانت تمشي والمكتل على رأسها فيمتلئ بالفواكه، من غير أن تمس بيدها شيئا.
وقيل: الآية المذكورة هي أنه لم تكن في قريتهم بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، وكان الغريب إذا دخل بلدهم وفي ثيابه قمل ودواب ماتت عن ابن زيد، وقيل: إن المراد بالآية خروج الأزهار والثمار من الأشجار على اختلاف ألوانها وطعومها.
وقيل: إنما كانت ثلاث عشرة قرية في كل قرية نبي يدعوهم إلى الله سبحانه يقولون لهم " كلوا من رزق ربكم واشكروا له " اي كلوا مما رزقكم الله في هذه الجنان، واشكروا له يزدكم من نعمه، واستغفروه يغفر لكم.
" بلدة طيبة " أي هذه بلدة مخصبة نزهة أرضها عذبة، تخرج النبات وليست بسبخة، وليس فيها شئ من الهوام المؤذية، وقيل: أراد به صحة هوائها، وعذوبة مائها، وسلامة تربتها، وأنه ليس فيها حر يؤذي، في القيظ، ولا برد يؤذي في الشتاء.
" ورب غفور " أي كثير المغفرة للذنوب، " فأعرضوا " عن الحق ولم يشكروا الله سبحانه ولم يقبلوا ممن دعاهم إلى الله من أنبيائه " فأرسلنا عليهم سيل العرم " وذلك أن الماء كان يأتي ارض سبأ من أودية اليمن، وكان هناك جبلان يجتمع ماء المطر والسيول بينهما، فسدوا ما بين الجبلين، فإذا احتاجوا إلى الماء نقبوا السد بقدر الحاجة، فكانوا يسقون زرعهم وبساتينهم فلما كذبوا رسلهم وتركوا أمر الله، بعث الله جرذا نقبت ذلك الردم وفاض الماء عليهم، فأغرقهم.
والعرم المسناة التي تحبس الماء واحدها عرمة، أخذ من عرامة الماء، وهو ذهابه كل مذهب، وقيل: العرم اسم واد كان يجتمع فيه سيول من أودية شتى وقيل: العرم هنا اسم الجرذ الذي نقب السكر عليهم، وهو الذي يقال له: الخلد
وقيل: العرم المطر الشديد.
وقال ابن الاعرابي: العرم السيل الذي لا يطاق " وبدلناهم بجنتيهم " اللتين فيهما أنواع الفواكه والخيرات " جنتين " أخراوين، سماهما جنتين لازدواج الكلام، كما قال تعالى: " ومكروا ومكر الله " " ذواتي أكل خمط واثل " أي صاحبي أكل وهو اسم لثمر كل شجرة وثمر الخمط هو الأراك، وقيل هو شجر الغضا، وقيل: هو شجر له شوك، والأثل الطرفا عن ابن عباس، وقيل: ضرب من الخشب، وقيل: هو السمر " وشئ من سدر قليل " يعني أن الخمط والأثل كانا أكثر فيهما من السدر وهو النبق، قال قتادة: كان شجرهم خير شجر، فصيره الله شر شجرة بسوء أعمالهم.
" ذلك " اي ما فعلنا بهم " جزيناهم بما كفروا " اي بكفرهم " وهل نجازي " بهذا الجزاء " إلا الكفور " الذي يكفر نعم الله، وقيل معناه هل نجازي بجميع سيئاته إلا الكافر، لان المؤمن قد كان يكفر عنه بعض سيئاته، وقيل: إن المجازاة من التجازي وهو التقاضي اي لا يقتضى ولا يرتجع ما أعطي إلا الكافر فإنهم لما كفروا النعمة اقتضوا ما أعطوا أي ارتجع منهم عن أبي مسلم.
" وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها [قرى ظاهرة " أي وقد
كان من قصتهم أنا جعلنا بينهم وبين قرى الشام التي باركنا فيها] بالماء والشجر قرى متواصلة، وكان متجرهم من أرض اليمن إلى الشام، وكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى، حتى يرجعوا، وكانوا لا يحتاجون إلى زاد من وادي سبأ إلى الشام، ومعنى الظاهرة أن الثانية كانت ترى من الأولى لقربها منها " وقدرنا فيها السير " أي جعلنا السير من القرية إلى القرية نصف يوم، وقلنا لهم " سيروا فيها " اي في تلك القرى " ليالي وأياما " اي ليلا شئتم المصير أو نهارا " آمنين " من الجوع والعطش والتعب، ومن السباع وكل المخاوف. وفي هذا إشارة إلى تكامل نعمه عليهم في السفر، كما أنه كذلك في الحضر.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.