پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

130 - باب الكبر الآيات البقرة: أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى

ج ۷۰، ص ۱۷۸–۲۰۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۷۰

وقال تعالى: وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد.

النساء: لن الله لا يحب من كان مختالا فخورا.

المائدة: ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون.

الأعراف: فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين.

وقال تعالى: والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [إلى قوله تعالى:] إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط.

وقال سبحانه: ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون.

وقال: قال الملا الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما ارسل به مؤمنون * قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون.

وقال تعالى: قال الملا الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب.

وقال: فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين.

وقال تعالى: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق.

يونس: فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين.

هود: حاكيا عن قوم نوح: فقال الملا الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نريك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين - إلى قوله -: وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أريكم قوما تجهلون * ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون * ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين.

وقال حاكيا عن قوم شعيب: قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنريك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز * قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه ورائكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط.

إبراهيم: واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد.

وقال تعالى: وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شئ قالوا لو هدينا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص.

النحل: فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون * لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين.

وقال تعالى: فلبئس مثوى المتكبرين.

وقال تعالى: وهم لا يستكبرون.

اسرى: ولا تمش في الأرض مرحا * إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا.

المؤمنون: ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وملائه فاستكبروا وكانوا قوما عالين * فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون.

الفرقان: لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا.

الشعراء: وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين.

القصص: واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون.

لقمان: ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور.

التنزيل: وهم لا يستكبرون.

فاطر: استكبارا في الأرض.

الصافات: إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون.

ص: إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين - إلى قوله تعالى: استكبرت أم كنت من العالمين * قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين.

الزمر: بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين إلى قوله تعالى: أليس في جهنم مثوى للمتكبرين.

المؤمن: وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب.

وقال تعالى: كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار.

وقال تعالى: وإذا يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار * قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد.

وقال تعالى: إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير.

وقال تعالى: إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين.

وقال تعالى: فبئس مثوى المتكبرين.

السجدة: فأما عاد فاستكبروا في الأرض وقالوا من أشد منا قوة أو لم

يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون.

نوح: وأصروا واستكبروا استكبارا.

المدثر: ثم أدبر واستكبر * فقال إن هذا إلا سحر يؤثر.

تفسير: " أفكلما جائكم " الخطاب لليهود " رسول بما لا تهوى أنفسكم " في تفسير الإمام عليه السلام اي أخذ عهودكم ومواثيقكم بما لا تحبون من اتباع النبي صلى الله عليه وآله وبذل الطاعة لأولياء الله " استكبرتم " عن الايمان والاتباع " ففريقا كذبتم " كموسى وعيسى " وفريقا تقتلون " اي قتل أسلافكم كزكريا ويحيى، وأنتم رمتم قتل محمد وعلي فخيب الله سعيكم.

" وإذا قيل له اتق الله " ودع سوء صنيعك " أخذته العزة بالاثم " اي حملته الانفة وحمية الجاهلية على الاثم الذي يؤمر باتقائه، وألزمته ارتكابه لجاجا، من قولك أخذته بكذا إذا حملته عليه، وألزمته إياه، فيزداد إلى شره شرا، ويضيف إلى ظلمه ظلما " فحسبه جهنم " أي كفاه جزاء وعذابا على سوء فعله " ولبئس المهاد " أي الفراش يمهدها ويكون دائما فيها، كذا في تفسير الإمام عليه السلام.

" من كان مختالا " اي متكبرا يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه ولا يكتنف إليهم " فخورا " يتفاخر عليهم.

" وأنهم لا يستكبرون " أي عن قبول الحق إذا فهموه، ويتواضعون.

" فما يكون لك " أي فما يصح لك " أن تتكبر فيها " وتعصي، فإنها

مكان الخاشع المطيع، قيل: فيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة، وأنه تعالى إنما طرده وأهبطه للتكبر لا بمجرد عصيانه " إنك من الصاغرين " أي ممن أهانه الله تعالى لكبره.

" واستكبروا عنها " أي عن الايمان بها " لا تفتح لهم أبواب السماء " لادعيتهم وأعمالهم، ولنزول البركة عليهم، ولصعود أرواحهم إذا ماتوا. وفي المجمع عن الباقر عليه السلام: أما المؤمنون فترفع أعمالهم وأرواحهم إلى السماء فتفتح لهم أبوابها، وأما الكافر فيصعد بعمله وروحه حتى إذا بلغ إلى السماء نادى مناد: اهبطوا به إلى سجين، وهو واد بحضرموت، يقال له: برهوت " ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " أي لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون ابدا.

" الذين استكبروا " اي أنفوا من اتباعه " للذين استضعفوا " اي للذين استضعفوهم وأذلوهم " لمن آمن منهم " بدل الذين " أتعلمون " قالوه على سبيل الاستهزاء. " فاستكبروا " اي من الايمان " سأصرف عن آياتي " أي المنصوبة في الآفاق والأنفس، أو معجزات الأنبياء، وفي المجمع ذكر في معناه وجوه أحدها أنه أراد سأصرف عن نيل الكرامة المتعلقة بآياتي والاعتزاز بها، كما يناله المؤمنون في الدنيا والآخرة المستكبرين، وثانيها أن معناه سأصرفهم عن زيادة المعجزات التي أظهرها على الأنبياء بعد قيام الحجة بما تقدم من المعجزات، وثالثها أن معناه سأمنع من الكذابين والمتكبرين آياتي ومعجزاتي وأصرفهم عنها، وأخص بها الأنبياء ورابعها أن يكون الصرف معناه المنع من إبطال الآيات والحجج، والقدح فيها

وخامسها أن المراد سأصرف عن إبطال آياتي والمنع من تبليغها هؤلاء المتكبرين.

" فاستكبروا " اي عن اتباعها " وكانوا قوما مجرمين " اي معتادين الاجرام، فلذلك تهاونوا في رسالة ربهم، واجترؤا على ردها.

" ما نريك إلا بشرا مثلنا " اي لا مزية لك علينا تخصك بالنبوة ووجوب الطاعة " إلا الذين هم أراذلنا " اي أخساؤنا وقال علي بن إبراهيم: يعني المساكين والفقراء " بادي الرأي " اي ظاهر الرأي من غير تعمق من البدو أو أول الرأي من البدء، وإنما استرذلوهم لفقرهم، فإنهم لما لم يعلموا إلا ظاهرا من الحياة الدنيا كان الاحظ بها أشرف عندهم، والمحروم أرذل " وما نرى لكم " أي لك ولمتبعيك " علينا من فضل " يؤهلكم للنبوة، واستحقاق المتابعة " بل نظنكم كاذبين " أنت في دعوى النبوة وإياهم في دعوى العلم بصدقك.

" وما أنا بطارد الذين آمنوا " يعني الفقراء، وهو جواب لهم حين سألوا طردهم " إنهم ملاقوا ربهم " يلاقونه ويفوزون بقربه فيخاصمون طاردهم فكيف أطردهم " ولكني أريكم قوما تجهلون " الحق وأهله، وتتسفهون عليهم بأن تدعوهم أراذل " من ينصرني من الله " يدفع انتقامه " إن طردتهم " وهم بتلك المثابة، " أفلا تذكرون " لتعرفوا أن التماس طردهم وتوفيق الايمان عليه ليس بصواب.

" ولا أقول لكم عندي خزائن الله " اي خزائن رزقه حتى جحدتم فضلي " ولا أعلم الغيب " أي ولا أقول: أنا أعلم الغيب، حتى تكذبوني استبعادا أو

حتى أعلم أن هؤلاء اتبعوني بادي الرأي من غير بصيرة وعقد قلب " ولا أقول إني ملك " حتى تقولوا: ما أنت إلا بشر مثلنا " ولا أقول للذين تزدري أعينكم " اي ولا أقول في شأن من استرذلتموهم لفقرهم من زرى عليه إذا عابه، وإسناده إلى الأعين للمبالغة، والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادي الرأي من غير رؤية " لن يؤتيهم الله خيرا " فان ما أعد الله لهم في الآخرة خير مما آتاكم في الدنيا " إني إذا لمن الظالمين " إن قلت: شيئا من ذلك.

" ما نفقه " اي ما نفهم " ضعيفا " اي لا قوة لك ولا عز وقال علي بن إبراهيم: قد كان ضعف بصره " ولولا رهطك " أي قومك وعزتهم عندنا لكونهم على ملتنا " لرجمناك " أي لقتلناك شر قتلة " وما أنت علينا بعزيز " فتمنعنا عزتك عن القتل، بل رهطك هم الأعزة علينا " واتخذتموه ورائكم ظهريا " وجعلتموه كالمنسي المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به.

" واستفتحوا " اي سألوا من الله الفتح على أعدائهم، أو القضاء بينهم وبين أعاديهم، من الفتاحة بمعنى الحكومة " وخاب كل جبار عنيد " في التوحيد عن النبي صلى الله عليه وآله من أبي أن يقول: لا إله إلا الله، وروى علي بن إبراهيم عن الباقر عليه السلام قال: العنيد المعرض عن الحق " وبرزوا لله جميعا " يعني يبرزون يوم القيامة " فقال الضعفاء " اي ضعفاء الرأي وهم الاتباع " للذين استكبروا " اي لرؤسائهم، وفي المتهجد في خطبة الغدير لأمير المؤمنين عليه السلام بعد تلاوته لها أفتدرون الاستكبار ما هو؟ هو ترك الطاعة لمن أمروا بطاعته، والترفع على من

ندبوا إلى متابعته " إنا كنا لكم تبعا " في تكذيب الرسل، والاعراض عن نصائحهم " فهل أنتم مغنون عنا " اي دافعون عنا " من عذاب الله من شئ قالوا لو هدينا الله " للايمان والنجاة من العذاب، وقال علي بن إبراهيم: الهدى هنا الثواب " من محيص " اي منجى ومهرب من العذاب.

" قلوبهم منكرة " في المجمع أي جاحدة للحق يستبعد ما يرد عليها من المواعظ " وهم مستكبرون " عن الانقياد للحق دافعون له من غير حجة والاستكبار طلب الترفع بترك الاذعان للحق " إنه لا يحب المستكبرين " أي المتعظمين الذين يأنفون أن يكونوا أتباعا للأنبياء، أي لا يريد ثوابهم وتعظيمهم.

وأقول: روى العياشي أنه مر الحسين بن علي عليه السلام على مساكين قد بسطوا كساءهم والقوا كسرا، فقالوا: هلم يا ابن رسول الله! فثنى وركه فأكل معهم ثم تلا " إن الله لا يحب المستكبرين ".

" فلبئس مثوى المتكبرين " أي جهنم " وهم لا يستكبرون " اي عن عبادته " مرحا " أي ذا مرح، وفي المجمع معناه لا تمش على وجه الأشر والبطر والخيلاء والتكبر قال الزجاج: معناه لا تمش في الأرض مختالا فخورا وقيل: المرح شدة الفرح بالباطل " إنك لن تخرق " الخ هذا مثل ضربه الله قال: إنك أيها الانسان لن تشق الأرض من تحت قدمك بكبرك، ولن تبلغ الجبال بتطاولك، والمعنى أنك لن تبلغ مما تريد كثير مبلغ، كما لا يمكنك أن تبلغ هذا، فما وجه المثابرة على ما هذا سبيله؟ مع أن الحكمة زاجرة عنه، وإنما

قال ذلك، لان من الناس من يمشي في الأرض بطرا يدق قدميه عليها، ليري بذلك قدرته وقوته، ويرفع رأسه وعنقه، فبين الله سبحانه أنه ضعيف مهين، لا يقدر أن يخرق الأرض بدق قدميه عليها، حتى ينتهي إلى آخرها، وأن طوله لا يبلغ الجبال، وإن كان طويلا، علم سبحانه عباده التواضع والمروءة والوقار.

" فاستكبروا " أي عن الايمان والمتابعة " وكانوا قوما عالين " أي متكبرين " وقومهما لنا عابدون " يعني أن بني إسرائيل لنا خادمون منقادون.

" لقد استكبروا في أنفسهم " اي في شأنهم " وعتوا " أي تجاوزوا الحد في الظلم " عتوا كبيرا " بالغا أقصى مراتبه، حيث عاينوا المعجزات القاهرة، فأعرضوا عنها، واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ما سدت دونه مطامح النفوس القدسية.

" بغير الحق " اي بغير الاستحقاق، فان الكبرياء رداء الله " لا يرجعون " اي بالنشور.

" ولا تصعر خدك للناس " قيل: اي لا تمله عنهم، ولا تولهم صفحة خدك كما يفعله المتكبرون، من الصعر وهو داء يعتري البعير فيلوي عنقه، وفي المجمع أي ولا تمل وجهك من الناس تكبرا ولا تعرض عمن يكلمك استخفافا به، وهذا معنى قول ابن عباس وأبي عبد الله عليه السلام، وقيل: هو أن يسلم عليك فتلوي عنقك تكبرا " ولا تمش في الأرض مرحا " أي بطرا وخيلاء " إن الله لا يحب كل مختال " أي كل متكبر " فخور " على الناس، وقال علي بن إبراهيم " ولا تصعر خدك " أي لا تذل للناس طمعا فيما عندهم " ولا تمش في الأرض مرحا " أي فرحا وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام اي بالعظمة.

" وهم يستكبرون " قيل أي عن الايمان والطاعة.

" يستكبرون " أي عن كلمة التوحيد أو على من يدعوهم إليه.

" استكبر " قيل اي تعظم وصار من الكافرين باستنكاره أمر الله تعالى واستكباره عن المطاوعة " استكبرت أم كنت من العالين " قيل اي تكبرت من غير استحقاق، أو كنت ممن علا واستحق التفوق؟ وقيل: استكبرت الان أم لم تزل كنت من المستكبرين.

وأقول في بعض الروايات أن المراد بالعالين أنوار الحجج عليهم السلام.

" بلى قد جائتك آياتي " قال علي بن إبراهيم: المراد بالآيات الأئمة عليهم السلام " مثوى للمتكبرين " أي عن الايمان والطاعة، وروى علي بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام قال: إن في جهنم لواديا للمتكبرين يقال له سقر، شكى إلى الله تعالى شدة حره وسأله أن يتنفس فأذن له فتنفس فأحرق جهنم " إن في صدورهم إلا كبر " قال البيضاوي اي إلا تكبر عن الحق، وتعظم عن التفكر والتعلم أو إرادة الرياسة، أو أن النبوة والملك لا يكون إلا لهم " ما هم ببالغيه " اي ببالغي دفع الآيات أو المراد، " فاستعذ بالله " اي فالتجئ إليه " إنه هو السميع البصير " لأقوالكم وافعالكم.

" عن عبادتي " فسرت في الاخبار بالدعاء " داخرين " اي صاغرين وفي الكافي عن الباقر عليه السلام: في هذه الآية قال: هو الدعاء وأفضل العبادة الدعاء والاخبار في ذلك كثيرة سيأتي في كتاب الدعاء إنشاء الله، وفي الصحيفة السجادية

بعد ذكر هذه الآية: فسميت دعاءك عبادة، وتركه استكبارا، وتوعدت على تركه دخول جهنم داخرين.

" فبئس مثوى المتكبرين ".

" فاستكبروا " اي فتعظموا فيها على أهلها بغير استحقاق، واغتروا بقوتهم وشوكتهم " هو أشد نهم قوة " أي قدرة " وكانوا بآياتنا يجحدون " اي يعرفون أنها حق وينكرونها.

" ثم أدبر " [أي] عن الحق " واستكبر " عن اتباعه و " يؤثر " أي يروى ويتعلم.

1 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبان، عن حكيم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أدنى الالحاد، قال: إن الكبر أدناه.

بيان: قال الراغب: ألحد فلان مال عن الحق، والالحاد ضربان: إلحاد إلى الشرك بالله، وإلحاد إلى الشرك بالأسباب، فالأول ينافي الايمان ويبطله والثاني يوهن عراه ولا يبطله، ومن هذا النحو قوله عز وجل " ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ".

وقال: الكبر الحالة التي يتخصص بها الانسان من إعجابه بنفسه وذلك أن يرى الانسان نفسه أكبر من غيره، وأعظم التكبر التكبر على الله عز وجل بالامتناع من قبول الحق، والاذعان له بالعبادة، والاستكبار يقال على وجهين: أحدهما أن يتحرى الانسان ويطلب أن يصير كبيرا وذلك متى كان على ما يجب وفي المكان الذي يجب وفي الوقت الذي يجب فمحمود، والثاني أن يتشبع فيظهر من نفسه ما ليس له، وهذا

هو المذموم.

وعلى هذا ما ورد في القرآن وهو ما قال تعالى: " أبى واستكبر، أفكلما جائكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم، وأصروا واستكبروا استكبارا " وقال تعالى: " فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين " وقال تعالى: " الذين يستكبرون في الأرض بغير الحق " وقال تعالى: " إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء - قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون ".

وقوله تعالى: " فيقول الضعفاء للذين استكبروا " قابل المستكبرين بالضعفاء تنبيها على أن استكبارهم كان بما لهم من القوة في البدن والمال، وقال تعالى:

" قال الملا الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا " فقابل بالمستكبرين المستضعفين، وقال عز وجل: " ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملائه فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ". نبه تعالى بقوله: " فاستكبروا " على تكبرهم وإعجابهم بأنفسهم وتعظمهم عن الاصغاء إليه، ونبه بقوله " وكانوا قوما مجرمين " على أن الذي حملهم على ذلك هو ما تقدم من جرمهم، فان ذلك لم يكن شيئا حدث منهم، بل كان ذلك دأبهم.

قال: " فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون " وقال بعده " إنه لا يحب المستكبرين ".

والتكبر يقال على وجهين: أحدهما أن تكون الأفعال الحسنة كثيرة في الحقيقة، وزائدة على محاسن غيره، وعلى هذا وصف الله تعالى بالمتكبر وقال تعالى: " العزيز الجبار المتكبر " الثاني أن يكون متكلفا لذلك متشبعا وذلك في وصف عامة الناس نحو قوله عز وجل: " فبئس مثوى المتكبرين " وقوله تعالى: " كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار " ومن وصف بالتكبر على الوجه الأول فمحمود، ومن وصف به على الوجه الثاني فمذموم.

ويدل على أنه قد يصح أن يوصف الانسان بذلك، ولا يكون مذموما قوله تعالى: " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق " فجعل المتكبرين بغير الحق مصروفا.

والكبرياء هي الترفع عن الانقياد، وذلك لا يستحقه غير الله قال تعالى " وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم " ولما قلنا روي عنه عليه السلام يقول عن الله تعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني في شئ منهما قصمته " قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آبائنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض، وما نحن لكما بمؤمنين " انتهى.

وأقول: الآيات والاخبار في ذم الكبر ومدح التواضع، أكثر من أن تحصى قال الشهيد قدس الله روحه: الكبر معصية والاخبار كثيرة في ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لن يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من الكبر. فقالوا: يا رسول الله إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنا وفعله حسنا فقال: إن الله جميل يحب الجمال ولكن الكبر بطر الحق وغمص الناس.

بطر الحق رده على قائله، والغمص بالصاد المهملة الاحتقار والحديث مؤول بما يؤدي إلى الكفر، أو يراد أنه لا يدخل الجنة مع دخول غير المتكبر بل بعده

وبعد العذاب في النار، وقد علم منه أن التجمل ليس من التكبر في شئ انتهى.

وقيل: الكبر ينقسم إلى باطن وظاهر، والباطن هو خلق في النفس والظاهر هو أعمال تصدر من الجوارح، واسم الكبر بالخلق الباطن أحق وأما الأعمال فإنها ثمرات لذلك الخلق، ولذلك إذا ظهر على الجوارح يقال له تكبر وإذا لم يظهر يقال له: في نفسه كبر، فالأصل هو الخلق الذي في النفس وهو الاسترواح إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه فان الكبر يستدعي متكبرا عليه ومتكبرا به، وبه ينفصل الكبر عن العجب، فان العجب لا يستدعي غير المعجب.

بل لو لم يخلق الانسان إلا وحده تصور أن يكون معجبا، ولا يتصور أن يكون متكبرا إلا أن يكون مع غيره، وهو يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال بأن يرى لنفسه مرتبة ولغيره مرتبة، ثم يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره فعند هذه الاعتقادات الثلاثة يحصل فيه خلق الكبر لا أن هذه الرؤية هي الكبر، بل هذه الرؤية وهذه العقيدة تنفخ فيه، فيحصل في قلبه اغترار، وهزة وفرح، وركون إلى ما اعتقده، وعز في نفسه بسبب ذلك، فتلك العزة والهزة والركون إلى المعتقد هو خلق الكبر، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله: أعوذ بك من نفخة الكبرياء.

فالكبر عبارة عن الحالة الحاصلة في النفس من هذه الاعتقادات ويسمى أيضا عزا وتعظما، ولذلك قال ابن عباس في قوله تعالى " إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه " فقال: عظمة لا يبلغوها، ثم هذه العزة تقتضي أعمالا في الظاهر والباطن وهي ثمراته، ويسمى ذلك تكبرا، فإنه مهما عظم عنده قدر نفسه بالإضافة إلى غيره، حقر من دونه وازدراه، وأقصاه من نفسه وأبعده، وترفع عن مجالسته ومواكلته، ورأي أن حقه أن يقوم ماثلا بين يديه إن اشتد كبره.

فإن كان كبره أشد من ذلك ، استنكف عن استخدامه، ولم يجعله أهلا للقيام بين يديه، فإن كان دون ذلك، يأنف عن مواساته ويتقدم عليه في مضايق الطرق، وارتفع عليه في المحافل وانتظر أن يبدأه بالسلام، وإن حاج أو ناظر

استنكف أن يرد عليه، وإن وعظ أنف من القبول، وإن وعظ عنف في النصح وإن رد عليه شئ من قوله غضب، وإن علم لم يرفق بالمتعلمين واستذلهم وانتهرهم وامتن عليهم واستخدمهم وينظر إلى العامة كما ينظر إلى الحمير استجهالا لهم، واستحقارا.

والأعمال الصادرة من الكبر أكثر من أن تحصى، فهذا هو الكبر وآفته عظيمة، وفيه يهلك الخواص والعوام وكيف لا تعظم آفته، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر.

وإنما صار حجابا عن الجنة لأنه يحول بين المرء وبين أخلاق المؤمنين كلها، وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة، والكبر وعز النفس تغلق تلك الأبواب كلها لأنه مع تلك الحالة لا يقدر على حبه للمؤمنين ما يحب لنفسه، ولا على التواضع وهو رأس أخلاق المتقين، ولا على كظم الغيظ، ولا على ترك الحقد ولا على الصدق ولا على ترك الحسد والغضب، ولا على النصح اللطيف، ولا على قبوله ولا يسلم من الازراء بالناس واغتيابهم، فما من خلق ذميم إلا وصاحب الكبر والعز مضطر إليه ليحفظ به عزه، وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه، خوفا من أن يفوته عزه، فعن هذا لم يدخل الجنة.

وشر أنواع الكبر ما يمنع من استفادة العلم وقبول الحق والانقياد له وفيه وردت الآيات التي فيها ذم المتكبرين كقوله سبحانه: " وكنتم عن آياته تستكبرون " وأمثالها كثيرة، ولذلك ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله جحود الحق في حد الكبر، والكشف عن حقيقته وقال: من سفه الحق وغمص الناس.

ثم اعلم أن المتكبر عليه هو الله أو رسله أو ساير الخلق، فهو بهذه الجهة ثلاثة أقسام الأول التكبر على الله، وهو أفحش أنواعه ولا مثار له إلا الجهل المحض والطغيان، مثل ما كان لنمرود وفرعون.

الثاني التكبر على الرسل والأوصياء عليهم السلام كقولهم: " أنؤمن لبشرين

مثلنا " " ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون " " وقالوا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا " وهذا قريب من التكبر على الله عز وجل، وإن كان دونه، ولكنه تكبر عن قبول أمر الله.

الثالث التكبر على العباد، وذلك بأن يستعظم نفسه، ويستحقر غيره فتأبى نفسه عن الانقياد لهم، وتدعوه إلى الترفع عليهم، فيزدريهم ويستصغرهم ويأنف عن مساواتهم، وهذا وإن كان دون الأول والثاني فهو أيضا عظيم من وجهين:

أحدهما أن الكبر [والعزة والعظمة لا يليق إلا بالمالك القادر فأما العبد الضعيف الذليل المملوك العاجز الذي لا يقدر على شئ، فمن أين يليق به الكبر] فمهما تكبر العبد فقد نازع الله تعالى في صفة لا تليق إلا بجلاله، وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى " العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما قصمته " اي أنه خاص صفتي ولا يليق إلا بي، والمنازع فيه منازع في صفة من صفاتي، فإذا كان التكبر على عباده لا يليق إلا به، فمن تكبر على عباده فقد جنى عليه، إذ الذي استرذل خواص غلمان الملك، ويستخدمهم ويترفع عليهم، ويستأثر بما حق الملك أن يستأثر به منهم، فهو منازع له في بعض أمره وإن لم يبلغ درجته درجة من أراد الجلوس على سريره، والاستبداد بملكه، كمدعي الربوبية.

والوجه الثاني أنه يدعو إلى مخالفة الله تعالى في أوامره، لان المتكبر إذا سمع الحق من عبد من عباد الله، استنكف عن قبوله، ويتشمر بجحده، و لذلك ترى المناظرين في مسائل الدين يزعمون أنهم يتباحثون عن اسرار الدين

ثم إنهم يتجاحدون تجاحد المتكبرين، ومهما اتضح الحق على لسان أحدهم أنف الاخر من قبوله، ويتشمر بجحده، ويحتال لدفعه، بما يقدر عليه من التلبيس، وذلك من أخلاق الكافرين والمنافقين، إذ وصفهم الله تعالى فقال:

" وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون " وكذلك يحمل ذلك على الانفة من قبول الوعظ كما قال تعالى: " و إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم " وتكبر إبليس من ذلك.

فهذه آفة من آفات الكبر عظيمة، ولذلك شرح رسول الله صلى الله عليه وآله الكبر بهاتين الأفتين إذ سأله ثابت بن قيس فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إني امرؤ حبب إلي من الجمال ما ترى أفمن الكبر هو؟ فقال صلى الله عليه وآله: لا ولكن الكبر من بطر الحق وغمص الناس، وفي حديث آخر من سفه الحق، وقوله: " غمص الناس " أي ازدراهم واستحقرهم، وهم عباد الله أمثاله، وخير منه، وهذه الآفة الأولى، وقوله سفه الحق هو رده به وهذه الآفة الثانية.

ثم اعلم أنه لا يتكبر إلا من استعظم نفسه، ولا يستعظمها إلا وهو يعتقد لها صفة من صفات الكمال، ومجامع ذلك يرجع إلى كمال ديني أو دنيوي والديني هو العلم والعمل، والدنيوي هو النسب والجمال والقوة والمال وكثرة الأنصار. فهذه سبعة.

الأول: العلم وما أسرع الكبر إلى العلماء، ولذلك قال صلى الله عليه وآله: آفة العلم الخيلاء فهو يتعزز بعز العلم، ويستعظم نفسه، ويستحقر الناس وينظر إليهم نظره إلى البهايم، ويتوقع منهم الاكرام والابتداء بالسلام، ويستخدمهم ولا يعتني بشأنهم، هذا فيما يتعلق بالدنيا وأما في الآخرة، فبأن يرى نفسه عند الله أعلى وأفضل منهم، فيخاف عليهم أكثر مما يخافه على نفسه، ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم، وهذا بأن يسمى جاهلا أولى من أن يسمى عالما، بل العلم الحقيقي

هو الذي يعرف الانسان به نفسه وربه، وخطر الخاتمة، وحجة الله على العلماء وعظم خطر العمل فيه، وهذه العلوم تزيد خوفا وتواضعا وتخشعا ويقتضي أن يرى أن كل الناس خير منه، لعظم حجة الله عليه بالعلم، وتقصيره في القيام بشكر نعمة العلم.

فان قلت: فما بالبعض الناس يزداد بالعلم كبرا وأمنا.

فاعلم أن له سببين أحدهما أن يكون اشتغاله بما يسمى علما وليس بعلم حقيقي، وإنما العلم الحقيقي ما يعرف العبد به نفسه وربه، وخطر أمره في لقاء الله، والحجاب عنه ، وهذا يورث الخشية والتواضع دون الكبر والامن، قال الله تعالى: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " فأما ما وراء ذلك كعلم الطب والحساب واللغة والشعر والنحو وفصل الخصومات وطرق المجادلات فإذا تجرد الانسان لها حتى امتلاء بها امتلأ كبرا ونفاقا، وهذه بأن تسمى صناعات أولى بأن تسمى علوما، بل العلم هو معرفة العبودية والربوبية، وطريق العبادة، وهذا يورث التواضع غالبا.

السبب الثاني أن يخوض العبد في العلم وهو خبيث الدخلة، ردي النفس سيئ الأخلاق، فلم يشتغل أولا بتهذيب نفسه وتزكية قلبه، بأنواع المجاهدات ولم يرض نفسه في عبادة ربه، فبقي خبيث الجوهر، فإذا خاض في العلم أي علم كان، صادف العلم من قلبه منزلا خبيثا فلم يطب ثمره، ولم يظهر في الخير أثره.

وقد ضرب وهب لهذا مثلا، فقال: العلم كالغيث ينزل من السماء حلوا صافيا فتشربه الأشجار بعروقها، فتحوله على قدر طعومها، فيزداد المر مرارة والحلو حلاوة، وكذلك العلم يحفظه الرجال، فيحوله على قدر هممهم وأهوائهم فيزيد المتكبر تكبرا والمتواضع تواضعا، وهذا لان من كانت همته الكبر وهو جاهل، فإذا حفظ العلم وجد ما يتكبر به فازداد كبرا، وإذا كان الرجل خائفا مع جهله، فإذا ازداد علما علم أن الحجة قد أكدت عليه، فيزداد خوفا وإشفاقا وتواضعا، فالعلم من أعظم ما به يتكبر.

الثاني: العمل والعبادة، وليس يخلو عن رذيلة العز والكبر، واستمالة قلوب الناس الزهاد والعباد ويترشح الكبر منهم في الدنيا والدين أما الدنيا فهو أنهم يرون غيرهم بزيارتهم أولى من أنفسهم بزيادة غيرهم، ويتوقعون قيام الناس بحوائجهم وتوقيرهم والتوسيع لهم في المجالس، وذكرهم بالورع والتقوى وتقديمهم على سائر الناس في الحظوظ إلى غير ذلك مما مر في حق العلماء وكأنهم يرون عبادتهم منة على الخلق.

وأما في الدين فهو أن يرى الناس هالكين، ويرى نفسه ناجيا وهو الهالك تحقيقا مهما رأى ذلك، قال النبي صلى الله عليه وآله: إذا سمعتم الرجل يقول: هلك الناس فهو أهلكهم، وروي أن رجلا في بني إسرائيل يقال له: خليع بني إسرائيل لكثرة فساده، مر برجل يقال له: عابد بني إسرائيل، وكانت على رأس العابد غمامة تظله لما مر الخليع به فقال الخليع في نفسه: أنا خليع بني إسرائيل كيف أجلس بجنبه وقال العابد: هو خليع بني إسرائيل كيف يجلس إلي، فأنف منه وقال له: قم عني فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمان: مرهما فليستأنفا العمل، فقد غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد، وفي حديث آخر فتحولت الغمامة إلى رأس الخليع.

وهذه آفة لا ينفك عنها أحد من العباد إلا من عصمه الله، لكن العلماء والعباد في آفة الكبر على ثلاث درجات:

الدرجة الأولى أن يكون الكبر مستقرا في قلبه، يرى نفسه خيرا من غيره إلا أنه يجتهد ويتواضع ويفعل فعل من يرى غيره خيرا من نفسه وهذا قد رسخت في قلبه شجرة الكبر، ولكنه قطع أغصانها بالكلية.

الثانية أن يظهر ذلك على أفعاله بالترفع في المجالس والتقدم على الاقران وإظهار الانكار على من يقصر في حقه، وأدنى ذلك في العالم أن يصعر خده للناس كأنه معرض عنهم، وفي العابد أن يعبس وجهه ويقطب جبينه كأنه متنزه عن الناس، مستقذر لهم أو غضبان عليهم، وليس يعلم المسكين أن الورع ليس في الجبهة حتى يقبطها ولا في الوجه حتى يعبس، ولا في الخد حتى يصعر، ولا

في الرقبة حتى يطأطي، ولا في الذيل حتى يضم، إنما الورع في القلوب قال صلى الله عليه وآله:

التقوى ههنا، وأشار إلى صدره.

وهؤلاء أخف حالا ممن هو في المرتبة الثالثة وهو الذي يظهر الكبر على لسانه حتى يدعوه إلى الدعوى والمفاخرة والمباهاة وتزكية النفس أما العابد فإنه يقول في معرض التفاخر لغيره من العباد: من هو؟ وما عمله؟ ومن أين زهده؟

فيطيل اللسان فيهم بالتنقص ثم يثني على نفسه ويقول: إني لم أفطر منذ كذا وكذا ولا أنام بالليل، وفلان ليس كذلك، وقد يزكي نفسه ضمنا فيقول: قصدني فلان فهلك ولده وأخذ ماله أو مرض، وما يجري مجراه هذا يدعي الكرامة لنفسه.

وأما العالم فإنه يتفاخر ويقول : أنا متفنن في العلوم، ومطلع على الحقائق رأيت من الشيوخ فلانا وفلانا، ومن أنت؟ وما فضلك؟ ومن لقيته؟ ومن ذا الذي سمعت من الحديث؟ كل ذلك ليصغره ويعظم نفسه، فهذا كله أخلاق الكبر، وآثاره التي يثمرها التعزز بالعلم والعمل، وأين من يخلو عن جميع ذلك أو عن بعضه؟ يا ليت شعري من عرف هذه الأخلاق من نفسه وسمع قول رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، كيف يستعظم نفسه، ويتكبر على غيره، وهو بقول رسول الله صلى الله عليه وآله من أهل النار، و إنما العظيم من خلا عن هذا، ومن خلا عنه لم يكن فيه تعظم وتكبر.

الثالث التكبر بالنسب والحسب، فالذي له نسب شريف، يستحقر من ليس له ذلك النسب، وإن كان ارفع منه عملا وعلما، وثمرته على اللسان التفاخر به، وذلك عرق رقيق في النفس لا ينفك عنه نسيب وإن كان صالحا أو عاقلا إلا أنه قد لا يترشح منه عند اعتدال الأحوال، فان غلب غضب اطفأ ذلك نور بصيرته وترشح منه.

الرابع التفاخر بالجمال وذلك يجري أكثره بين النساء ويدعو ذلك إلى التنقص والتسبب والغيبة وذكر عيوب الناس.

الخامس الكبر بالمال، وذلك يجري بين الملوك في الخزائن وبين التجار

في بضائعهم، وبين الدهاقين في أراضيهم، وبين المتجملين في لباسهم وخيولهم ومراكبهم، فيستحقر الغني الفقير ويتكبر عليه، ومن ذلك تكبر قارون.

السادس الكبر بالقوة وشدة البطش والتكبر به على أهل الضعف.

السابع التكبر بالاتباع والأنصار والتلاميذ والغلمان والعشيرة والأقارب والبنين، ويجري ذلك بين الملوك في المكاثرة في الجنود، وبين العلماء بالمكاثرة بالمستفيدين، وبالجملة فكل ما هو نعمة وأمكن أن يعتقد كمالا وإن لم يكن في نفسه كمالا أمكن أن يتكبر به، حتى أن المخنث ليتكبر على أقرانه بزيادة قدرته ومعرفته في صفة المخنثين لأنه يرى ذلك كمالا فيفتخر به، وإن لم يكن فعله إلا نكالا.

وأما بيان البواعث على التكبر، فاعلم أن الكبر خلق باطن ، وأما ما يظهر من الأخلاق والأعمال، فهو ثمرتها ونتيجتها، وينبغي أن يسمى تكبرا و يخص اسم الكبر بالمعنى الباطن الذي هو استعظام النفس ورؤية قدر لها فوق قدر الغير، وهذا الباب [الباطن] له موجب واحد، وهو العجب، فإنه إذا أعجب بنفسه وبعلمه وعمله أو بشئ من أسبابه، استعظم نفسه وتكبر، وأما الكبر الظاهر فأسبابه ثلاثة، سبب في المتكبر وسبب في المتكبر عليه، وسبب يتعلق بغيرهما، أما السبب الذي في المتكبر فهو العجب، والذي يتعلق بالمتكبر عليه فهو الحقد والحسد، والذي يتعلق بغيرهما هو الرياء، فالأسباب بهذا الاعتبار أربعة العجب والحقد والحسد والرياء.

أما العجب فقد ذكرنا أنه يورث الكبر الباطن، والكبر الباطن يثمر التكبر الظاهر، في الأعمال والأقوال والافعال.

وأما الحقد فإنه قد يحمل على التكبر من غير عجب، ويحمله ذلك على رد الحق إذا جاء من جهته، وعلى الانفة من قبول نصحه، وعلى ان يجتهد في التقدم عليه، وإن علم أنه لا يستحق ذلك.

وأما الحسد فإنه يوجب البغض للمحسود، وإن لم يكن من جهته إيذاء

وسبب يقتضي الغضب والحقد، ويدعو الحسد أيضا إلى جحد الحق حتى يمتنع من قبول النصح، وتعلم العلم، فكم من جاهل يشتاق إلى العلم وقد بقي في الجهل لاستنكافه أن يستفيد من واحد من أهل بلده وأقاربه حسدا وبغيا عليه.

وأما الرياء فهو أيضا يدعو إلى أخلاق المتكبرين حتى أن الرجل ليناظر من يعلم أنه أفضل منه، وليس بينه وبينه معرفة ولا محاسدة ولا حقد. ولكن يمتنع من قبول الحق منه خيفة من أن يقول الناس: إنه أفضل منه.

وأما معالجة الكبر واكتساب التواضع فهو علمي وعملي أما العلمي فهو أن يعرف نفسه وربه، ويكفيه ذلك في إزالته، فإنه مهما عرف نفسه حق المعرفة علم أنه أذل من كل ذليل، وأقل من كل قليل بذاته، وأنه لا يليق به إلا التواضع والذلة والمهانة، وإذا عرف ربه علم أنه لا يليق العظمة والكبرياء إلا بالله.

أما معرفة ربه وعظمته ومجده، فالقول فيه يطول، وهو منتهى علم الصديقين، وأما معرفة نفسه فكذلك أيضا يطول، ويكفيه أن يعرف معنى آية واحدة من كتاب الله تعالى فإنه في القرآن علم الأولين والآخرين لمن فتحت بصيرته، وقد قال تعالى: " قتل الانسان ما أكفره * من اي شئ خلقه * من نطفة خلقه فقدره * ثم السبيل يسره * ثم أماته فأقبره * ثم إذا شاء أنشره " فقد أشار الآية إلى أول خلق الانسان، وإلى آخر أمره، وإلى وسطه، فلينظر الانسان ذلك ليفهم معنى هذه الآية، أما أول الانسان فهو أنه لم يكن شيئا مذكورا، وقد كان ذلك في كتم العدم، دهورا، بل لم يكن لعدمه أول فأي شئ أخس وأقل من المحو والعدم وقد كان كذلك في القدم، ثم خلقه الله تعالى من أذل الأشياء ثم من أقذرها إذ خلقه من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم جعله عظاما، ثم كسى العظام لحما.

فقد كان هذا بداية وجوده، حيث صار شيئا مذكورا، فما صار مذكورا إلا

وهو على أخس الأوصاف والنعوت، إذ لم يخلق في ابتدائه كاملا، بل خلقه جمادا ميتا لا يسمع ولا يبصر ولا يحس ولا يتحرك، ولا ينطق ولا يبطش، ولا يدرك ولا يعلم، فبدأ بموته قبل حياته، وبضعفه قبل قوته، وبجهله قبل علمه، وبعماه قبل بصره، وبصممه قبل سمعه، وببكمه قبل نطقه، وبضلالته قبل هداه، بفقره قبل غناه، وبعجزه قبل قدرته.

فهذا معنى قوله تعالى: " هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا * إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه " كذلك خلقه أولا ثم أمتن عليه فقال: " ثم السبيل يسره " وهذه إشارة إلى ما تيسر له في مدة حياته إلى الموت، ولذلك قال: " من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل " ومعناه أنه أحياه بعد أن كان جمادا ميتا ترابا أولا، ونطفة ثانيا وأبصره بعد ما كان فاقد البصر، وقواه بعد الضعف، وعلمه بعد الجهل، وخلق له الأعضاء بما فيها من العجائب والآيات بعد الفقد لها، وأغناه بعد الفقر، واشبعه بعد الجوع، وكساه بعد العرى، وهداه بعد الضلال.

فانظر كيف دبره وصوره، وإلى السبيل كيف يسره، وإلى طغيان الانسان ما أكفره، وإلى جهل الانسان كيف أظهره؟ فقال تعالى: " أو لم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين " " ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون " فانظر إلى نعمة الله عليه، كيف نقله من تلك القلة والذلة والخسة والقذارة، إلى هذه الرفعة والكرامة، فصار موجودا بعد العدم، وحيا بعد الموت، وناطقا بعد البكم، وبصيرا بعد العمى، وقويا بعد الضعف، وعالما بعد الجهل، ومهديا بعد الضلالة، وقادرا بعد العجز وغنيا بعد الفقر فكان في ذاته لا شئ - وأي شئ اخس من لا شئ؟ وأي قلة أقل من العدم المحض - ثم صار بالله شيئا، وإنما خلقه من التراب الذليل والنطفة القذرة بعد العدم المحض، ليعرفه خسة ذاته، فيعرف به نفسه، وإنما أكمل

النعمة عليه ليعرف بها ربه، ويعلم بها عظمته وجلاله، وأنه لا يليق الكبرياء إلا به عز وجل.

فلذلك أمتن عليه، فقال تعالى: ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين " وعرف خسته أولا فقال: ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة " ثم ذكر مننه فقال: فخلق فسوى * فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى " ليدوم وجوده بالتناسل كما حصل وجوده ابتداء بالاختراع فمن كان هذا بدؤه، وهذا أحواله، فمن أين له البطر والكبرياء؟ والفخر والخيلاء؟

وهو على التحقيق أخس الأخساء، وأضعف الضعفاء.

نعم لو أكمله وفوض إليه أمره، وادام له الوجود باختياره، لجاز أن يطغى وينسى المبدء والمنتهى، ولكنه سلط عليه في دوام وجوده الأمراض الهائلة، والأسقام العظيمة، والآفات المختلفة، والطبايع المتضادة: من المرة، والبلغم، والريح والدم، ليهدم البعض من أجزائه البعض، شاء أم أبى، رضي أم سخط، فيجوع كرها، ويعطش كرها، ويمرض كرها، ويموت كرها، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا خيرا ولا شرا، يريد أن يعلم الشئ فيجهله، ويريد أن يذكر الشئ فينساه ويريد أن ينسى الشئ فيغفل عنه فابغفل، ويريد أن يصرف قلبه إلى ما يهمه فيجول في أودية الوسواس والأفكار بالاضطرار، فلا يملك قلبه قلبه، ولا نفسه نفسه.

يشتهي الشئ، وربما يكون هلاكه فيه، ويكره الشئ، ويكون حياته فيه، يستلذ الأطعمة فتهلكه وترديه، ويستبشع الأدوية وهي تنفعه وتحييه، لا يأمن في لحظة من ليله ونهاره أن يسلب سمعه وبصره وعلمه وقدرته، وتفلج أعضاؤه ويختلس عقله، ويختطف روحه، ويسلب جميع ما يهواه في دنياه، وهو مضطر ذليل، إن ترك ما بقي، وإن اختطف فني، عبد مملوك لا يقدر علي شئ من نفسه ولا من غيره، فأي شئ أذل منه لو عرف نفسه؟ وأنى يليق الكبر به لولا جهله؟

فهذا أوسط أحواله فليتأمله، وأما آخره ومورده فهو الموت المشار إليه بقوله تعالى: " ثم أماته فأقبره * ثم إذا شاء انشره " ومعناه أنه يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحسه وإدراكه وحركته، فيعود جمادا كما كان أول مرة لا تبقى إلا شبه أعضائه ولا صورته لا حس فيها ولا حركة، ثم يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة كما كان في الأول نطفة قذرة، ثم تبلى أعضاؤه وصورته، وتفتت أجزاؤه، وتنخر عظامه، فتصير رميما ورفاتا، فتأكل الدود أجزاءه فيبتدئ بحدقتيه فيقلعهما، وبخديه فيقطعهما، وبساير أجزائه فتصير روثا في أجواف الديدان، وتكون جيفة تهرب منه الحيوان، ويستقذره كل إنسان ويهرب منه لشدة الانتان.

وأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان، فيصير ترابا يعمل منه الكيزان، أو يعمر به البنيان، ويصير مفقودا بعد ما كان موجودا، وصار كأن لم يغن بالأمس حصيدا كما كان أول مرة أمدا مديدا.

وليته بقي كذلك، فما أحسنه لو ترك ترابا، لا بل يحييه بعد طول البلى ليقاسي شدائد البلاء، فيخرج من قبره عد جمع أجزائه المتفرقة، ويخرج إلى أهوال القيامة، فينظر إلى قيامة قائمة، وسماء ممزقة مشققة، وأرض مبدلة وجبال مسيرة ونجوم منكدرة، وشمس منكسفة، وأحوال مظلمة، وملائكة غلاظ شداد، وجحيم تزفر، وجنة ينظر إليها المجرم فيتحسر.

ويرى صحائف منشورة، فيقال له: " اقرأ كتابك " فيقول: وما هو؟ فيقال:

كان قد وكل بك في حياتك التي كنت تفرح بها، وتتكبر بنعيمها، وتفتخر بأسبابها، ملكان رقيبان، يكتبان عليك ما تنطق به أو تعمله، من قليل وكثير، ونقير وقطمير، وأكل وشرب، وقيام وقعود، وقد نسيت ذلك وأحصاه الله فهلم إلى الحساب واستعد للجواب، أو يساق إلى دار العذاب، فينقطع قلبه هول هذا الخطاب، من قبل أن ينشر الصحف، ويشاهد ما فيها من مخازيه، فإذا شاهدها قال: " يا ويلتنا ما لهذا

الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ".

فهذا آخر أمره وهو معنى قوله عز وجل: " ثم إذا شاء أنشره " فما لمن هذا حاله والتكبر؟ بل ماله وللفرح في لحظة فضلا عن البطر والتجبر؟ فقد ظهر له أول حاله ووسطه، ولو ظهر آخره والعياذ بالله ربما اختار أن يكون كلبا وخنزيرا ليصير مع البهائم ترابا، ولا يكون إنسانا يسمع خطابا ويلقى عذابا، وإن كان عند الله مستحقا للنار فالخنزير أشرف منه وأطيب وأرفع إذ أوله التراب وآخره التراب، وهو بمعزل عن الحساب والعذاب، والكلب والخنزير لا يهرب منه الخلق.

ولو رأى أهل الدنيا العبد المذنب في النار لصعقوا من وحشة خلقته، وقبح صورته، ولو وجدوا ريحه لماتوا من نتنه، ولو وقعت قطرة من شرابه الذي يسقاه في بحار الدنيا لصارت أنتن من الجيف، فمن هذا حاله في العاقبة - إلا أن يعفى عنه، وهو على شك من العفو - فكيف يتكبر؟ وكيف يرى نفسه شيئا حتى يعتقد لها فضلا؟

وأي عبد لم يذنب ذنبا استحق به العقوبة، إلا أن يعفو الكريم بفضله.

أرأيت من جنى على بعض الملوك بما استحق به ألف سوط، فحبس في السجن وهو منتظر أن يخرج إلى العرض، ويقام عليه العقوبة، على ملا من الخلق وليس يدري أيعفى عنه أم لا؟ فكيف يكون ذله في السجن؟ وما من عبد مذنب إلا والدنيا سجنه، وقد استحق العقوبة من الله تعالى، ولا يدري كيف يكون أمره فيكفيه ذلك حزنا وخوفا وإشفاقا ومهانة وذلا.

فهذا هو العلاج العلمي القاطع لأصل الكبر، وأما العلاج العملي فهو التواضع بالفعل لله تعالى ولسائر الخلق، بالمواظبة على أخلاق المتواضعين، وما وصل إليه من أحوال الصالحين، ومن أحوال رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أنه كان يأكل على الأرض، ويقول: إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد.

وقيل لسلمان: لم لا تلبس ثوبا جيدا؟ فقال: إنما أنا عبد، فإذا أعتقت يوما لبست، أشار به إلى العتق في الآخرة.

ولا يتم التواضع بعد المعرفة إلا بالعمل، فمن عرف نفسه فلينظر إلى كل ما يتقاضاه الكبر من الافعال، فليواظب على نقيضها حتى يصير التواضع له خلقا، وقد ورد في الأخبار الكثيرة علاج الكبر بالاعمال، وبيان أخلاق المتواضعين.

قيل: اعلم أن التكبر يظهر في شمائل الرجل كصعر في وجهه، ونظره شزرا وإطراقه رأسه، وجلوسه متربعا ومتكئا وفي أقواله حتى في صوته ونغمته وصفته في الايراد، ويظهر في مشيته وتبختره وقيامه وجلوسه في حركاته وسكناته وفي تعاطيه لأفعاله وساير تقلباته في أقواله وافعاله وأعماله.

فمن المتكبرين من يجمع ذلك كله، ومنهم من يتكبر في بعض، فمنها التكبر بأن يحب قيام الناس له، أو بين يديه، وقد قال علي صلوات الله عليه:

ومن أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى رجل قاعد وبين يديه قوم قيام، وقال أنس: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وكانوا إذا رأوه لا يقومون له، لما يعلمون من كراهته لذلك.

ومنها أن لا يمشي إلا ومعه غيره يمشي خلفه:

قال أبو الدرداء: لا يزال العبد يزداد من الله بعدا مامشى خلفه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض الأوقات يمشي مع الأصحاب فيأمرهم بالتقدم، ويمشي في غمارهم، ومنها أن لا يزور غيره. وإن كان يحصل من زيارته خير لغيره في الدين، وهو ضد التواضع.

ومنها أن يستنكف من جلوس غيره بالقرب منه إلا أن يجلس بين يديه والتواضع خلافه قال أنس: كانت الوليدة من ولائد المدينة تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وآله ولا ينزع منها يده، حتى تذهب به حيث شاءت.

ومنها أن يتوقى مجالسة المرضى والمعلولين، ويتحاشى عنهم، وهو كبر:

دخل رجل على رسول الله صلى الله عليه وآله وعليه جدري قد يقشر وعنده أصحابه يأكلون فما جلس عند أحد إلا قام من جنبه، فأجلسه النبي صلى الله عليه وآله بجنبه.

ومنها أن لا يتعاطى بيده شغلا في بيته، والتواضع خلافه، ومنها أن لا يأخذ

متاعا ويحمله إلى بيته، وهذا خلاف عادة المتواضعين، كان رسول الله يفعل ذلك وقال علي عليه السلام: لا ينقص الرجل من كماله ما حمل من شئ إلى عياله، وقال بعضهم: رأيت عليا اشترى لحما بدرهم فحمله في ملحفته، فقال: أحمل عنك يا أمير المؤمنين، قال: لا أبو العيال أحق أن يحمل.

ومنها اللباس إذ يظهر به التكبر والتواضع، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

البذاذة من الايمان، قيل: هي الدون من الثياب، وعوتب علي عليه السلام في إزار مرقوع، فقال: يقتدي به المؤمن، ويخشع له القلب. وقال عيسى عليه السلام: جودة الثياب خيلاء القلب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ترك زينة لله ووضع ثيابا حسنة تواضعا لله وابتغاء وجهه، كان حقا على الله أن يدخله عبقري الجنة.

فان قلت: فقد قال عيسى عليه السلام: جودة الثياب خيلاء القلب، وقد سئل نبينا صلى الله عليه وآله من الجمال في الثياب هل هو من الكبر؟ فقال: لا، ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس، فكيف طريق الجمع بينهما؟.

فاعلم أن الثوب الجيد ليس من ضرورته أن يكون من التكبر في حق كل أحد في كل حال، وهو الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو الذي عرفه رسول الله صلى الله عليه وآله من حال ثابت بن قيس إذ قال: إني امرؤ حبب إلي الجمال ما ترى؟ فعرفه أن ميله إلى النظافة وجودة الثياب لا ليتكبر على غيره، فإنه ليس من ضرورته أن يكون من الكبر، وقد يكون ذلك من الكبر كما أن الرضا بالثوب الدون قد يكون من التواضع، فإذا انقسمت الأحوال نزل قول عيسى عليه السلام على بعض الأحوال، على أن قوله: خيلاء القلب، يعني قد يورث خيلاء في القلب، وقول نبينا: أنه ليس من الكبر، يعني أن الكبر لا يوجبه ويجوز أن لا يوجبه الكبر، ثم يكون هو مورثا للكبر.

وبالجملة فالأحوال تختلف في مثل هذا، والمحمود الوسط من اللباس الذي لا يوجب شهرة بالجودة، ولا بالرذالة، وقد قال صلى الله عليه وآله: كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير سرف ولا بخل، إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.

وقال بكر بن عبد الله المزني: البسوا ثياب الملوك، وأميتوا قلوبكم بالخشية وإنما خاطب بهذا قوما يطلبون التكبر بثياب أهل الصلاح وقال عيسى عليه السلام:

مالكم تأتوني وعليكم ثياب الرهبان؟ وقلوبكم قلوب الذئاب الضواري؟ البسوا ثياب الملوك وألينوا قلوبكم بالخشية.

ومنها أن يتواضع بالاحتمال، إذا سب وأوذي وأخذ حقه، فذلك هو الأفضل.

وبالجملة فمجامع حسن الأخلاق والتواضع سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله: فبه ينبغي أن يقتدى، ومنه ينبغي أن يتعلم، وقد قال ابن أبي سلمة: قلت لأبي سعيد الخدري: ما ترى في ما أحدث الناس من الملبس والمشرب والمركب والمطعم؟ فقال:

يا ابن أخي كل لله، واشرب لله، وكل شئ من ذلك دخله زهو أو مباهاة أو رياء أو سمعة فهو معصية وسرف.

وعالج في بيتك من الخدمة ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعالج في بيته: كان يعلف الناضح، ويعقل البعير، ويقم البيت، ويحلب الشاة، ويخصف النعل، ويرقع الثوب، ويأكل مع خادمه، ويطحن عنه إذا أعيى، ويشتري الشئ من السوق ولا يمنعه الحياء أن يعلقه بيده أو يجعله في طرف ثوبه، فينقلب إلى أهله، يصافح الغني والفقير، والصغير والكبير، ويسلم مبتدئا على كل من استقبله من صغير أو كبير، أسود أو أحمر، حر أو عبد، من أهل الصلاة.

ليس له حلة لمدخله، وحلة لمخرجه، لا يستحيي من أن يجيب إذا دعي وإن كان أشعث أغبر، ولا يحقر ما دعي إليه، وإن لم يجد إلا حشف الدقل لا يرفع غداء لعشاء، ولا عشاء لغداء، هين المقولة، لين الخلقة، كريم الطبيعة جميل المعاشرة، طلق الوجه، بساما من غير ضحك، محزونا من غير عبوس شديدا من غير عنف، متواضعا من غير مذلة، جوادا من غير سرف، رحيما بكل

ذي قربى، قريبا من كل ذمي ومسلم، رقيق القلب، دائم الاطراق، لم يبشم قط من شبع، ولا يمد يده إلى طمع.

قال أبو سلمة: فدخلت على عائشة فحدثتها كل هذا من أبي سعيد، فقالت:

ما أخطأ فيه حرفا، ولقد قصر، إذ ما أخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يمتلئ قط شبعا، ولم يبث إلى أحد شكوى، وإن كانت الفاقة أحب إليه من اليسار والغنى وإن كان ليظل جائعا يتلوى ليلته حتى يصبح، فما يمنعه ذلك عن صيام يومه ولو شاء أن يسأل ربه فيؤتى كنوز الأرض وثمارها، ورغد عيشها من مشارقها ومغاربها، لفعل.

وربما بكيت رحمة له مما أوتي من الجوع فأمسح بطنه بيدي، فأقول:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.