پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

131 - باب الحسد 5

ج ۷۰، ص ۲۳۶–۲۶۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۷۰

- 131 - [باب الحسد (5)] 1 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إن الرجل ليأتي بأي بادرة فيكفر وإن الحسد ليأكل الايمان كما تأكل النار الحطب.

بيان: في القاموس: البادرة ما يبدر من حدتك في الغضب من قول أو فعل وفي النهاية: البادرة من الكلام الذي يسبق من الانسان في الغضب، وإذا عرفت هذا فهذه الفقرة تحتمل وجوها:

الأول: أن يكون المعنى أن عدم منع النفس عن البوادر وعدم إزالة مواد

الغضب عن النفس، وإرخاء عنان النفس فيها، ينجر إلى الكفر أحيانا، أو غالبا كما نرى من كثير من الناس يصدر منهم عند الغضب التلفظ بما يوجب الكفر من سب الله سبحانه وسب الأنبياء والأئمة عليهم السلام أو ارتكاب أعمال يوجب الارتداد كوطي المصحف الكريم بالرجل ورميه.

الثاني أن يراد به الحث على ترك البوادر مطلقا، فان كل بادرة تصير سببا لنوع من أنواع الكفر المقابل للايمان الكامل.

الثالث: أن يقرء " فتكفر " على بناء المجهول من باب التفعيل، اي البوادر عند الغضب مكفرة غالبا لعذر الانسان فيه في الجملة، لا سيما إذا تعقبها ندامة وقلما لم تتعقبها، بخلاف الحسد فإنها صفة راسخة في النفس تأكل الايمان، ويمكن حملها حينئذ على ما إذا غلب عليه الغضب بحيث ارتفع عنه القصد].

ويمكن أن يقرء بالياء كما في النسخ على هذا البناء أيضا اي ينسب إلى الكفر، وإن كان معذورا عند الله، لرفع الاختيار، فيكون ذكرا لبعض مفاسد البادرة.

وفي النهاية: الحسد ان يرى الرجل لأخيه نعمة فيتمنى زوالها عنه، وتكون له دونه، والغبطة أن يتمنى أن يكون له مثلها، ولا يتمنى زوالها عنه انتهى.

واعلم أنه لا حسد إلا على نعمة، فإذا أنعم الله على أخيك بنعمة فلك فيها حالتان إحداهما أن تكره تلك النعمة وتحب زوالها، سواء أردت وصولها إليك أم لا، فهذه الحالة تسمى حسدا والثانية أن لا تحب زوالها، ولا تكره وجودها ودوامها، ولكنك تشتهي لنفسك مثلها، وهذه يسمى غبطة، وقد يخص باسم المنافسة فأما الأول فهو حرام مطلقا كما هو المشهور، أو إظهاره كما يظهر من بعض الأخبار ، إلا نعمة أصابها كافر أو فاجر، وهو يستعين على تهييج الفتنة، وإفساد ذات البين، وإيذاء الخلق فلا يضرك كراهتك لها، ومحبتك لزوالها، فإنك لا تحب

زوالها من حيث إنها نعمة، بل من حيث هي آلة الفساد، ولو أمنت فساده لم تغمك تنعمه.

ويظهر من كلام الشيخ كون الحسد من جملة المكروهات لا من المحرمات قال العلامة في كتاب صوم المختلف: مسألة جعل الشيخ رحمه الله التحاسد من باب ما الأولى تركه والامساك عنه، وقال ابن إدريس: إنه واجب وهو الأقرب، لعموم النهي عن الحسد، والنهي يقتضي التحريم انتهى.

أقول: نظر الشيخ بها إلى ما أومأنا إليه آنفا أن بعض الأخبار يدل على أن الحسد المحرم إنما هو إظهاره، لا مع عدم الاظهار، وأما أصل الحسد فهو مكروه، ولذلك قد يصدر عن بعض الأنبياء أيضا كما نطق به الآثار والاخبار فتأمل.

وبالجملة الحسد المذموم لا شك أنه مع قطع النظر عن الآيات الكثيرة والأخبار المتواترة الواردة في ذمه والنهي عنه، صريح العقل أيضا يحكم بقبحه فإنه سخط لقضاء الله في تفضيل بعض عباده على بعض، وأي معصية تزيد على كراهتك لراحة مسلم من غير أن يكون لك فيها مضرة، وسيأتي ذكر بعض مفاسدها.

وأما المنافسة فليست بحرام بل هي إما واجبة أو مندوبة كما قال الله تعالى:

" وفي ذلك فليتنافس المتنافسون " وقال سبحانه " سابقوا إلى مغفرة من ربكم ".

فأما الواجبة فهي ما إذا كانت في نعمة وبنية واجبة، كالايمان والصلاة والزكاة، فإنه إن لم يحب أن يكون له مثل ذلك يكون راضيا بالمعصية وهو حرام والمندوبة فيما إذا كانت لغيره نعمة مباحة يتنعم فيها على وجه مباح، فيتمنى أن يكون له مثلها يتنعم بها، من غير أن يريد زوالها عنه في الجميع.

وأقول: يمكن أن يفرض فيها فرد حرام كأن يتمنى منصبا حراما أو مالا حلالا ليصرفه في الحرام، بل مكروه أيضا كأن يتمنى مال شبهة أو مالا حلالا ليصرفها في المصارف المكروهة.

وقيل: للحسد أسباب كثيرة يحصر جملتها سبعة: العداوة، والتعزز، والكبر والتعجب ، والخوف من فوت المقاصد المحبوبة، وحب الرياسة، وخبث النفس وبخلها فإنه إنما يكره النعمة عليها إما لأنه عدوه، فلا يريد له الخير، وإما أن يكون من حيث يعلم أنه يستكبر بالنعمة عليه وهو لا يطيق احتمال كبره وتفاخره لعزة نفسه، وهو المراد بالتعزز، وإما أن يكون في طبعه أن يتكبر على المحسود ويمتنع ذلك عليه بنعمته، وهو المراد بالتكبر.

وإما أن يكون النعمة عظيمة والمنصب كبيرا فيتعجب من فوز مثله بمثل تلك النعمة كما أخبر الله تعالى عن الأمم الماضية إذ قالوا: " ما أنتم إلا بشر مثلنا " " وقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا " وأمثال، ذلك كثيرة فتعجبوا من أن يفوز برتبة الرسالة والوحي والقرب، مع أنهم بشر مثلهم فحسدوهم وهو المراد بالتعجب.

وإما أن يخاف من فوات مقاصده بسبب نعمة بأن يتوصل بها إلى مزاحمته في أغراضه وإما أن يكون بحب الرياسة التي يبتني على الاختصاص بنعمة لا يساوى فيها، وإما أن لا يكون بسبب من هذه الأسباب، بل لخبث النفس وشحها بالخير لعباد الله.

فهذه أسباب الحسد وقد يجتمع بعض هذه الأسباب أو أكثرها أو جميعها في شخص واحد، فيعظم الحسد لذلك، ويقوى قوة لا يقدر معها على الاخفاء والمجاملة بل يهتك حجاب المجاملة، ويظهر العداوة بالمكاشفة، وأكثر المحاسدات يجتمع فيها جملة من هذه الأسباب.

واعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب، ولا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل، والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقا أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين، وأنه لا ضرر به على المحسود في الدين والدنيا، بل ينتفع بها في الدنيا والدين، ومهما عرفت هذا عن بصيرة، ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك، فارقت الحسد لا محالة.

أما كونه ضررا عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى وكرهت نعمته التي قسمها لعباده، وعدله الذي أقامه في ملكه بخفي حكمته واستنكرت ذلك واستبشعته، وهذا جناية على حدقة التوحيد، وقذى في عين الايمان وناهيك بها جناية على الدين وقد انضاف إليه أنك غششت رجلا من المؤمنين وتركت نصيحته، وفارقت أولياء الله وأنبياءه في حبهم الخير لعباد الله، وشاركت إبليس وساير الكفار في حبهم للمؤمنين البلايا وزوال النعم، وهذه خبائث في القلب تأكل حسنات القلب والايمان فيه.

والحاصل أن الحسد مع كونه في نفسه صفة منافية للايمان، يستلزم عقائد فاسدة كلها منافية لكمال الايمان، وأيضا لاشتغال النفس بالتفكر في أمر المحسود والتدبير لدفعه يمنعها عن تحصيل الكمالات، والتوجه إلى العبادات، وحضور القلب فيها، وتولد في النفس صفاتا ذميمة كلها توجب نقص الايمان، وأيضا يوجب عللا في البدن وضعفا فيها يمنع الاتيان بالطاعات على وجهها، فينقص بل يفسد الايمان على أي معنى كان ولذا قال عليه السلام: يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب.

وأما كونه ضررا في الدنيا عليك فهو أنه تتألم بحسدك وتتعذب به، ولا تزال في كدر وغم إذ أعداؤك لا يخليهم الله عن نعم يفيضها عليهم، فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها عليهم، وتتأذى وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم، فتبقى مغموما محزونا متشعب القلب، ضيق النفس، كما تشتهيه لأعدائك، وكما يشتهي أعداؤك لك، فقد كنت تريد المحنة لعدوك، فتنجزت في الحال محنتك وغمك نقدا كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: لله در الحسد حيث بدأ بصاحبه فقتله.

ولا تزول النعمة عن المحسود بحسدك ولو لم تكن تؤمن بالبعث والحساب لكان مقتضى الفطنة لن كنت عاقلا أن تحذر من الحسد، لما فيه من ألم القلب ومساءته مع عدم النفع فكيف وأنت عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الآخرة.

وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح لان النعمة لا تزول عنه بحسدك بل ما قدره الله من إقبال ونعمة فلا بد من أن يدوم إلى أجل قدره الله، فلا حيلة في دفعه، بل كل شئ عنده بمقدار، ولكل أجل كتاب.

وأما أن المحسود ينتفع به في الدين والدنيا فواضح، أما منفعته في الدين، فهو أنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجك الحسد إلى القول والفعل بالغيبة، والقدح فيه ، وهتك ستره، وذكر مساويه، فهذه هدايا تهديها إليه أعني أنك بذلك تهدي إليه حسناتك حتى تلقاه يوم القيامة مفلسا محروما عن النعمة كما حرمت في الدنيا عن النعمة، فأضعفت له نعمة إلى نعمة، ولنفسك شقاوة إلى شقاوتك.

وأما منفعته في الدنيا فهو أن أهم أغراض الخلق مساءة الأعداء وغمهم وشقاوتهم وكونهم معذبين مغمومين، ولا عذاب أعظم مما أنت فيه من ألم الحسد وغاية أماني أعدائك أن يكونوا في نعمة، وأن تكون في غم وحسرة بسببهم وقد فعلت بنفسك ما هو مرادهم.

ثم اعلم أن الموذي ممقوت بالطبع، ومن آذاك لا يمكنك أن لا تبغضه غالبا، وإذا تيسرت له نعمة فلا يمكنك أن لا تكرهها له، حتى يستوي عندك حسن حال عدوك، وسوء حاله، بل لا تزال تدرك في النفس بينهما فرقا، ولا يزال الشيطان ينازعك في الحسد له، ولكن إن قوي ذلك فيك حتى يبعثك على إظهار الحسد بقول أو فعل، بحيث يعرف ذلك من ظاهرك بأفعالك الاختيارية فأنت إذا حسود عاص بحسدك، وإن كففت ظاهرك بالكلية إلا أنك بباطنك تحب زوال النعمة، وليس في نفسك كراهة لهذه الحالة، فأنت أيضا حسود عاص لان الحسد صفة القلب لا صفة الفعل.

قال الله تعالى: " ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا " وقال:

" ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء " وقال: " إن تمسسكم حسنة تسوءهم " أما بالفعل فهو غيبة وكذب، وهو عمل صادر عن الحسد وليس هو عين الحسد، بل محل الحسد القلب دون الجوارح.

نعم هذا الحسد ليست مظلمة يجب الاستحلال منها، بل هو معصية بينك وبين الله وإنما تجب الاستحلال من الأسباب الظاهرة على الجوارح، وأما إدا كففت ظاهرك، وألزمت مع ذلك قلبك كراهية ما يترشح منه بالطبع من حب زوال النعمة، حتى كأنك تمقت نفسك على ما في طبعها، فتكون تلك الكراهية من جهة العقل في مقابلة الميل من جهة الطبع، فقد أديت الواجب عليك، ولا مدخل تحت اختيارك في أغلب الأحوال أكثر من هذا.

فأما تغيير الطبع ليستوي عنده الموذي والمحسن، فيكون فرحة أو غمه بما تيسر لهما من نعمة وتصب عليهما من بلية، سواء، فهذا مما لا يطاوع الطبع عليه، ما دام ملتفتا إلى حظوظ الدنيا إلا أن يصير مستغرقا بحب الله تعالى مثل السكران الواله، فقد ينتهي أمره إلى أن لا يلتفت قلبه إلى تفاصيل أحوال العباد بل ينظر إلى الكل بعين واحدة، وهو عين الرحمة، ويرى الكل عباد الله، وذلك إن كان فهو كالبرق الخاطف لا يدوم، ويرجع القلب بعد ذلك إلى طبعه، ويعود العدو إلى منازعته أعني الشيطان، فإنه ينازع بالوسوسة، فمهما قابل ذلك بكراهة ألزم قلبه، فقد أدى ما كلفه.

وذهب الذاهبون إلى أنه لا يأثم إذا لم يظهر الحسد على جوارحه وروي مرفوعا أنه ثلاثة في المؤمن له منهن مخرج ومخرجه من الحسد أن لا يبغي، والأولى أن يحمل هذا على ما ذكرنا، من أن يكون فيه كراهة من جهة الدين والعقل

في مقابلة حب الطبع لزوال النعمة عن العدو، وتلك الكراهة تمنعه من البغي ومن الايذاء، فان جميع ما ورد في الاخبار في ذم الحسد يدل ظاهرها على أن كل حاسد آثم، والحسد عبارة عن صفة القلب لا عن الافعال فكل محب لمساءة المسلمين فهو حاسد، فأما كونه حاسدا بمجرد حسد القلب من غير فعل فهو في محل النظر والاشكال.

وقد عرفت من هذا أن لك في أعدائك ثلاثة أحوال:

أحدها أن تحب مساءتهم بطبعك، وتكره حبك لذلك وميل قلبك إليه بعقلك، وتمقت نفسك عليه، وتود لو كانت لك حيلة في إزالة ذلك الميل منك وهذا معفو عنه قطعا لأنه لا يدخل تحت الاختيار أكثر منه.

الثانية أن تحب ذلك وتظهر الفرح بمساءته إما بلسانك أو بجوارحك فهذا هو الحسد المحظور قطعا.

الثالثة وهي بين الطرفين أن تحسد بالقلب من غير مقتك لنفسك على حسدك ومن غير إنكار منك على قلبك، ولكن تحفظ جوارحك عن طاعة الحسد في مقتضاها وهذا محل الخلاف، وقيل: إنه لا يخلو عن إثم بقدر قوة ذلك الحب وضعفه.

2 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد والحسين بن سعيد عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جراح المدايني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب.

3 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن محبوب، عن داود الرقي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: اتقوا الله، ولا يحسد بعضكم بعضا إن عيسى بن مريم كان من شرايعه السيح في البلاد، فخرج في بعض سيحه ومعه رجل من أصحابه قصير، وكان كثير اللزوم لعيسى بن مريم فلما انتهى عيسى إلى البحر قال: بسم الله، بصحة يقين منه، فمشى [على ظهر الماء، فقال الرجل القصير

حين نظر إلى عيسى عليه السلام جازه: بسم الله، بصحه يقين منه فمشى] على الماء ولحق بعيسى عليه السلام.

فدخله العجب بنفسه، فقال: هذا عيسى روح الله يمشي على الماء وأنا أمشي على الماء، فما فضله علي؟ قال: فرمس في الماء فاستغاث بعيسى فتناوله من الماء فأخرجه ثم قال له: ما قلت يا قصير؟ قال: قلت: هذا روح الله يمشي على الماء وانا أمشي فدخلني من ذلك عجب، فقال له عيسى: لقد وضعت نفسك في غير الموضع الذي وضعك الله فيه، فمقتك الله على ما قلت، فتب إلى الله عز وجل مما قلت قال: فتاب الرجل وعاد إلى المرتبة التي وضعه الله فيها، فاتقوا الله ولا يحسدن بعضكم بعضا.

بيان: في القاموس ساح الماء يسيح سيحا وسيحانا جرى على وجه الأرض والسياحة بالكسر والسيح الذهاب في الأرض للعبادة ومنه المسيح انتهى.

وأقول: كان من شرايع عيسى عليه السلام: السياحة في الأرض للاطلاع على عجائب قدرة الله وهداية عباد الله، والفرار من أعدائه، وملاقاة أوليائه، فنسخ ذلك في شرعنا وقد روي لا سياحة في الاسلام، وسياحة هذه الأمة الصيام.

" فدخله العجب " فإن قيل: هذا إما عجب كما صرح به أو غبطة حيث تمنى منزلة عيسى عليه السلام لكنه تجاوز عن حد نفسه حيث لم يكن له أن يتمنى تلك الدرجة الرفيعة التي لا يمكن حصولها له، فكيف فرعه عليه السلام على النهي عن الحسد؟ قلت الظاهر أنه كان الحامل له على الجرأة على هذا التمني الحسد بمنزلة عيسى واختصاصه بالنبوة حيث قال: فما فضله علي؟ أو أنه لما رأى مساواته لعيسى عليه السلام في فضيلة واحدة، حسد عيسى عليه السلام على نبوته وأنكر فضله عليه، كما قال بعض الكفار " أنؤمن لبشرين مثلنا ".

" فرمس في الماء " أي غمس فيه على بناء المجهول فيهما، لا يقال: سيأتي عدم المؤاخذة بالخطورات القلبية [وقصد المعصية، وهنا أخذ بها، لأن الظاهر أن قوله " فقال " المراد به الكلام النفسي، لأنا نقول: الافعال القلبية] التي لا مؤاخذة بها هي التي تتعلق بإرادة المعاصي أو كان محض خطور من غير أن يصير سببا لشكه في العقايد الايمانية، أو حدث خلل فيها، وههنا ليس كذلك، مع أنه لا يدل ما سيأتي إلا على أنه لا يعاقب بها، وهو لا ينافي حط منزلته عن صدر مثل هذه الغرائب منه.

وقوله عليه السلام: يا قصير! دل على جواز مخاطبة الانسان ببعض أوصافه المشهورة لا على وجه الاستهزاء والظاهر أن ذلك كان تأديبا له، قوله عليه السلام " وعاد " أي في نفسه واعتقاده " إلى مرتبته " أي الاقرار بحط نفسه عن الارتقاء إلى درجة النبوة وسلم لعيسى عليه السلام فضله ونبوته، وترك الحسد له.

4 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كاد الفقر أن يكون كفرا وكاد الحسد أن يغلب القدر.

بيان: قوله: كاد الفقر أن يكون كفرا أقول: هذه الفقرة تحتمل وجوها الأول ما خطر بالبال أن المراد به الفقر إلى الناس، وهذا هو الفقر المذموم فان سؤال الخلق، وعدم التوجه إلى خالقه، ومن ضمن رزقه، في طلب الرزق وسائر الحوائج نوع من الكفر والشرك، لعدم الاعتماد على الله سبحانه وضمانه، وظنه أن المخلوق العاجز قادر على إنجاح حوائجه وسوق الرزق إليه، بدون تقديره وتيسيره وتسبيبه، فبعضها يقرب من الكفر، وبعضها من الشرك.

الثاني أن المراد به الفقر القاطع لعنان الاصطبار، وقد وقعت الاستعاذة منه.

وأما الفقر الممدوح، فهو المقرون بالصبر، قال الغزالي: سبب ذلك أن

الفقير إذا نظر إلى شدة حاجته، وحاجة عياله، ورأي نعمة جزيلة مع الظلمة والفسقة وغيرهم، ربما يقول: ما هذا الانصاف من الله، وما هذه القسمة التي لم تقع على العدل، فإن لم يعلم شدة حاجتي ففي علمه نقص، وإن علم ومنع مع القدرة على الاعطاء ففي جوده نقص، وإن منع لثواب الآخرة، فان قدر على إعطاء الثواب بدون هذه المشقة الشديدة فلم منع؟ وإن لم يقدر ففي قدرته نقص.

ومع هذا يضعف اعتقاده بكونه عدلا جوادا كريما مالكا لخزائن السماوات والأرض، وحينئذ يتسلط عليه الشيطان، ويذكر له شبهات حتى يسب الفلك والدهر وغيرهما، وكل ذلك كفر أو قريب منه، وإنما يتخلص من هذه الأمور من امتحن الله قلبه للايمان، ورضي عن الله سبحانه في المنع والاعطاء، وعلم أن كل ما فعله بالنسبة إليه فهو خير له، وقليل ما هم.

الثالث ما ذكره الراوندي قدس سره في كتاب شرح الشهاب كما سيأتي حيث قال: معنى الحديث والله أعلم أنه إشارة إلى أن الفقير يسف إلى المآكل الدنية والمطاعم الوبية، وإذا وجد أولاده يتضورون من الجوع والعرى، ورأي نفسه لا يقدر على تقويم أودهم، وإصلاح حالهم، والتنفيس عنهم، كان بالحري أن يسرق ويخون، ويغصب وينهب، ويستحل أموال الناس، ويقطع الطريق ويقتل المسلم، أو يخدم بعض الظلمة، فيأكل مما يغصبه ويظلمه، وهذا كله من أفعال من لا يحاسب نفسه ولا يؤمن بيوم الحساب، فهو قريب إلى أن يكون كافرا بحتا وفي الأثر: عجبت لمن له عيال وليس له مال كيف لا يخرج على الناس بالسيف انتهى.

وأقول: المعاني متقاربة، والمال واحد، وأما قوله عليه السلام: " وكاد الحسد أن يغلب القدر " فيه أيضا وجوه: الأول ما ذكره الراوندي ره في الكتاب المذكور على ما سيجئ أيضا حيث قال: المعنى أن للحسد تأثيرا قويا في النظر في إزالة النعمة عن المحسود، أو التمني لذلك، فإنه ربما يحمله حسده على قتل المحسود وإهلاك ماله، وإبطال معاشه، فكأنه سعى في غلبة المقدور، لان الله تعالى

قد قدر للمحسود الخير والنعمة، وهو يسعى في إزالة ذلك عنه وقيل: الحسد منصف لأنه يبدء بصاحبه، وقيل الحسود لا يسود. وقيل: الحسد يأكل الجسد.

و " كاد " يعطي أنه قرب الفعل ولم يكن، ويفيد في الحديث شدة تأثير الفقر والحسد وإن لم يكونا يغلبان القدر، ويقال: إن " كاد " إذا أوجب به الفعل دل على النفي وإذا نفي دل على الوقوع انتهى.

وقريب منه ما قيل: فيه مبالغة في تأثير الحسد في فساد النظام المقدر للعالم فإنه كثيرا ما يبعث صاحبه على قتل النفوس، ونهب الأموال، وسبي الأولاد وإزالة النعم، حتى أنه غير راض بقضاء الله وقدره، ويطلب الغلبة عليهما، وهو في حد الشرك بالله.

الثاني ما قيل: إن المعنى أن الحسد قد يغلب القدر، بأن يزيد في المحسود ما قدر له من النعمة.

الثالث أن يكون المراد غلبة القدر بتغيير نعمة الحاسد، وزوال ما قدر له من الخير.

الرابع أن يكون المراد كاد أن يغلب الحسد في الوزر والاثم القول بالقدر مع شدة عذاب القدرية.

الخامس أن يكون إشارة إلى تأثير العين، فان الباعث عليه الحسد كما فسر جماعة من المفسرين قوله تعالى: " ومن شر حاسد إذا حسد " بإصابة العين.

5 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن معاوية بن وهب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: آفة الدين الحسد والعجب والفخر.

بيان: الحسد والعجب من معاصي القلب والفخر من معاصي اللسان، وهو

التفاخر بالإباء والأجداد والأنساب الشريفة، وبالعلم والزهد والعبادة والأموال والمساكن والقبايل وأمثال ذلك، فبعض تلك كذب، وبعضها رياء، وبعضها عجب وبعضها تكبر وتعزز وتعظم، وكل ذلك من ذمائم الأخلاق. ومن صفات الشيطان، حيث تعزز بأصله، فاستكبر عن طاعة ربه.

قال الراغب: الفخر المباهات في الأشياء الخارجة عن الانسان كالمال والجاه ويقال له: الفخر، ورجل فاخر وفخور وفخير على التكثير قال تعالى: " إن الله لا يحب كل مختال فخور " وقال في النهاية: الفخر ادعاء العظم والكبر والشرف، وفي المصباح فخرت به فخرا من باب نفع، وافتخرت مثله، والاسم الفخار بالفتح وهو المباهاة بالمكارم والمناقب من حسب ونسب وغير ذلك إما في المتكلم أو في آبائه.

6 - الكافي: عن يونس، عن داود الرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله عز وجل لموسى بن عمران، يا ابن عمران لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضلي ولا تمدن عينيك إلى ذلك، ولا تتبعه نفسك، فان الحاسد ساخط لنعمي، صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي، ومن يك كذلك فلست منه وليس مني.

بيان: " لا تحسدن الناس " إشارة إلى قوله تعالى: " أم يحسدون الناس على ما آتيهم الله من فضله " " ولا تمدن " إشارة إلى قوله سبحانه: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ".

قال البيضاوي: اي لا تمدن نظر عينيك إلى ما متعنا به استحسانا له

وتمنيا أن يكون لك مثله وقال الطبرسي رحمه الله: اي لا ترفعن عينيك من هؤلاء الكفار إلى ما متعناهم وأنعمنا عليهم به أمثالا في النعم من الأولاد والأموال وغير ذلك. وقيل: لا تنظرن إلى ما في أيديهم من النعم، وقيل: ولا تنظرن ولا يعظمن في عينيك ولا تمدهما إلى ما متعنا به أصنافا من المشركين نهى الله رسوله عن الرغبة في الدنيا، فحظر عليه أن يمد عينيه إليها وكان عليه السلام لا ينظر إلى ما يستحسن من الدنيا.

7 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن الفضيل ابن عياض، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط.

بيان: هو بحسب الظاهر إخبار بأن الحاسد منافق كما مر، وبحسب المعنى أمر بطلب الغبطة وترك الحسد، وقد مر معناهما. لا يقال: المغتبط يتمنى فوق مرتبته، والأفضل من نعمته، فهو ساخط بالنعمة، غير راض بالقسمة، كالحاسد وإلا فما الفرق؟ لأنا نقول: الفرق أن الحاسد غير راض بالقسمة، حيث تمنى أن يكون قسمته ونصيبه للغير، ونصيب الغير له، فهو راد للقسمة قطعا، وأما المغتبط فقد رضي أن يكون مثل نصيب الغير له، ورضي أيضا بنصيبه إلا أنه لما جوز أن يكون له أيضا مثل نصيب ذلك الغير، وكان ذلك ممكنا في نفسه، ولم يعلم امتناعه بحسب التقدير الأزلي، ولم يدل عدم حصوله على امتناعه، لجواز أن يكون حصوله مشروطا بشرط كالتمني والدعاء ونحوهما، وهذا مثل من وجد درجة من الكمال يسأل الله تعالى ويطلب منه التوفيق لما فوقها.

8 - معاني الأخبار أمالي الصدوق: عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أقل الناس لذة الحسود.

9 - أمالي الصدوق: عن الفامي، عن محمد الحميري، عن أبيه، عن محمد بن عبد الجبار عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن الصادق عليه السلام قال: كاد الفقر أن يكون كفرا، وكاد الحسد أن يغلب القدر.

الخصال: عن حمزة العلوي، عن علي، عن أبيه، عن ابن المغيرة، عن السكوني عن جعفر، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليهم مثله.

أقول: قد مضى بعض الأخبار في باب الحرص، وبعضها في باب البخل وبعضها في باب أصول الكفر، وبعضها في باب ما أعطى الله أمة نبينا صلى الله عليه وآله.

10 - الخصال: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن النضر عن الجازي، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: لا يؤمن رجل فيه الشح والحسد والجبن، الخبر.

11 - الخصال: عن أبيه، عن سعد، عن الأصبهاني، عن المنقري، عن حماد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لقمان لابنه: للحاسد ثلاث علامات: يغتاب إذا غاب، ويتملق إذا شهد، ويشمت بالمصيبة .

أقول: أثبتنا في باب وصايا النبي صلى الله عليه وآله إلى علي بأسانيد كثيرة أنه قال: يا علي أنهاك عن ثلاث خصال عظام: الحسد والحرص والكذب.

12 - الخصال: فيما أوصى به الصادق عليه السلام: لا راحة لحسود.

أقول: قد مضى في باب الكذب وغيره عن الصادق عليه السلام: ليست لبخيل راحة ولا لحسود لذة.

13 - الخصال: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: إن الله عز وجل يعذب ستة بست:

العرب بالعصبية، والدهاقنة بالكبر، والامراء بالجور، والفقهاء بالحسد، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهل.

14 - الخصال: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن الأشعري، عن موسى بن جعفر البغدادي، عن ابن معبد، عن إبراهيم بن إسحاق، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتعوذ في كل يوم من ست: من الشك، والشرك والحمية، و الغضب، والبغي، والحسد.

15 - الخصال: عن الصادق عليه السلام: لا يطمعن الحسود في راحة القلب.

16 - معاني الأخبار عيون أخبار الرضا (ع): عن ابن الوليد، عن الحسن بن محمد بن إسماعيل العريشي عن ابن عيسى، عن ابن فضال، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: دب إليكم داء الأمم قبلكم: البغضاء والحسد.

17 - عيون أخبار الرضا (ع): عن محمد بن أحمد بن الحسين، عن علي بن محمد بن عنبسة، عن الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم قال: قال رسول صلى الله عليه وآله:

كاد الحسد أن يسبق القدر.

18 - معاني الأخبار: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن الأشعري، عن ابن يزيد عن ابن أبي عمير رفعه في قول الله عز وجل: " ومن شر حاسد إذا حسد " قال:

أما رأيته إذا فتح عينيه وهو ينظر إليك هو ذاك.

19 - معاني الأخبار: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن سعدان بن مسلم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن الحسد فقال: لحم ودم يدور في الناس حتى إذا انتهى إلينا يئس وهو الشيطان.

20 - مجالس المفيد أمالي الطوسي: عن المفيد، عن أبي نصر محمد بن الحسين، عن علي بن أحمد بن سيابة، عن عمر بن عبد الجبار، عن أبيه، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم لأصحابه: ألا إنه قد دب إليكم داء الأمم من قبلكم، وهو الحسد ليس بحالق الشعر، لكنه حالق الدين وينجى منه أن يكف الانسان يده، ويخزن لسانه، ولا يكون ذا غمز

على أخيه المؤمن.

21 - الخصال: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس ومحمد العطار معا، عن الأشعري رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاث لم يعر منها نبي فمن دونه: الطيرة، والحسد والتفكر في الوسوسة في الخلق.

قال الصدوق رحمه الله: معنى الطيرة في هذا الموضع هو أن يتطير منهم قومهم، فأما هم عليه السلام فلا يتطيرون، وذلك كما قال الله عز وجل عن قوم صالح:

" قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله " وكما قال آخرون لأنبيائهم: " إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم " الآية، وأما الحسد في هذا الموضع هو أن يحسدوا، لا أنهم يحسدن غيرهم، وذلك كما قال الله عز وجل " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما " وأما التفكر في الوسوسة في الخلق، فهو بلواهم عليهم السلام بأهل الوسوسة لا غير ذلك، وذلك كما حكى الله عنهم عن الوليد بن المغيرة المخزومي " أنه فكر وقدر * فقتل كيف قدر " يعني قال للقرآن " إن هذا إلا سحر يؤثر * إن هذا إلا قول البشر ".

22 - قرب الإسناد: عن هارون، عن ابن زياد، عن الصادق، عن أبيه عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تتحاسدوا، فان الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار

الحطب اليابس ".

23 - مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: الحاسد مضر بنفسه قبل أن يضر بالمحسود كإبليس أورث بحسده لنفسه اللعنة ولآدم عليه السلام الاجتباء والهدى والرفع إلى محل حقائق العهد والاصطفاء، فكن محسودا، ولا تكن حاسدا، فان ميزان الحاسد ابدا خفيف بثقل ميزان المحسود، والرزق مقسوم فماذا ينفع حسد الحاسد، فما يضر المحسود الحسد.

والحسد أصله من عمى القلب، وجحود فضل الله تعالى، وهما جناحان للكفر، وبالحسد وقع ابن آدم في حسرة الأبد، وهلك مهلكا لا ينجو منه ابدا ولا توبة للحاسد لأنه مصر عليه، معتقد به، مطبوع فيه، يبدو بلا معارض له ولا سبب، والطبع لا يتغير عن الأصل وإن عولج.

24 - تفسير العياشي: عن ابن أبي نجران، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض " قال: لا يتمني الرجل امرأة الرجل ولا ابنته، ولكن يتمنى مثلهما.

25 - تفسير العياشي: عن ابن ظبيان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: بينما موسى بن عمران يناجي ربه ويكلمه إذ رأى رجلا تحت ظل عرش الله فقال: يا رب من هذا الذي قد اظله عرشك؟ فقال: يا موسى هذا ممن لم يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله.

26 - جامع الأخبار: قال النبي صلى الله عليه وآله: إياكم والحسد، فان الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

وقال صلى الله عليه وآله: إن لنعم الله أعداء، قيل: وما أعداء نعم الله؟ يا رسول الله قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.

وقال صلى الله عليه وآله: عليكم بانجاح الحوائج بكتمانها، فان كل ذي نعمة محسود.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام لابنه في وصيته: إن من شر مفاضح المرء الحسد.

وقال عليه السلام: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له.

27 - الحسين بن سعيد أو النوادر: عن ابن أبي البلاد، عن أبيه، رفعه قال: رأى موسى بن عمران رجلا تحت ظل العرش فقال: يا رب من هذا الذي أدنيته حتى جعلته تحت ظل العرش؟ فقال الله تعالى: يا موسى هذا لم يكن يعق والديه، ولا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله.

28 - نهج البلاغة: قال عليه السلام: العجب لغفلة الحساد عن سلامة الأجساد.

وقال عليه السلام: صحة الجسد من قلة الحسد.

29 - كنز الكراجي: قال أمير المؤمنين عليه السلام: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد، نفس دائم، وقلب هائم، وحزن لازم.

وقال عليه السلام: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له إليه، بخيل بما لا يملكه.

وقال عليه السلام: الحسد آفة الدين، وحسب الحاسد ما يلقى.

وقال عليه السلام: لا مروة لكذوب، ولا راحة لحسود.

وقال عليه السلام: يكفيك من الحاسد أنه يغتم في وقت سرورك.

وقال عليه السلام: الحسد لا يجلب إلا مضرة وغيظا يوهن قلبك، ويمرض جسمك، وشر ما استشعر قلب المرء الحسد.

وقال عليه السلام: الحسود سريع الوثبة، بطئ العطفة.

وقال عليه السلام: الحسود مغموم، واللئيم مذموم.

وقال عليه السلام: لا غنى مع فجور، ولا راحة لحسود، ولا مودة لملوك.

وقال لقمان لابنه: إياك والحسد، فإنه يتبين فيك، ولا يتبين فيمن تحسده.

30 - المجازات النبوية: قال صلى الله عليه وآله: الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

بيان: قال السيد رضي الله عنه في شرح هذا الخبر: هذه استعارة والمراد أن الحسد مخرج لصاحبه إلى الاقدام على المعاصي، والارتكاس في المهاوي، فيقع في الدماء الحرام، ويحتطب في حمائل الآثام، ويشرع في نقل النعم من أماكنها وإزعاجها عن مواطنها، فيكون عقاب هذه المحظورات محبطا لحسناته، ومسقطا لثواب طاعاته، على المذهب الذي أشرنا إليه فيما تقدم، فيصير الحسد الذي هو السبب في استحقاق العقاب، وإحباط الثواب، كأنه يأكل تلك الحسنات، لأنه يذهبها ويفنيها، ويسقط أعيانها ويعفيها.

وإنما شبه عليه السلام في أكله الحسنات بالنار التي تأكل الحطب لان الحسد يجري في قلب الانسان مجرى النار، لإهتياجه واتقاده وإرماضه وإحراقه، ومن هناك قال بعضهم: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد نفس يتضور، وزفير يتردد، وحزن يتجدد.

31 - الشهاب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كاد الفقر أن يكون كفرا، وكاد الحسد أن يغلب القدر.

الضوء: كاد وعسى كلاهما من أفعال المقاربة، وكاد مشبه بعسى، وعسى مشبه بلعل، فلذلك لم يتصرف لأنه مشبه بحرف، والحرف لا يتصرف، وكاد أشد مقاربة من عسى، وإنما لم يأت من عسى الفعل المضارع، لان فيه معنى الطمع، والطمع لا يصح إلا في المستقبل فلو بني منه المضارع لصلح للحال والاستقبال معا، والطمع لا يصح في الحال، فلذلك اقتصر فيه على الماضي، وعسى ترفع الاسم وتنصب الخبر، إلا أن خبره لا يكون إلا فعلا مضارعا يدخله " أن "

وكذلك كاد ترفع الاسم وتنصب الخبر، ومن شروط كاد أن لا يدخل على خبره " أن " كقولك كاد زيد، وقال تعالى: " وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم " " وكادوا يكونون عليه لبدا " وهذا إذا كان للحال، وإن كان للاستقبال شبه بعسى، فادخل على خبره " أن " كما قال:

قد كاد من طول البلى أن يمصحا فهذا ما علقناه على شيخنا أبي الحسن النحوي رحمه الله ومعنى الحديث والله أعلم أنه إشارة إلى أن الفقير يسف إلى المآكل الدنيئة والمطاعم الوبيئة، وإذا وجد أولاده يتضورون من الجوع والعرى، ورأي نفسه لا يقدر على تقويم أودهم وإصلاح حالهم، والتنفيس عنهم، كان بالحري أن يسرق ويخون، ويغصب وينهب ويستحل أموال الناس، ويقطع الطريق، ويقتل المسلم، أو يخدم بعض الظلمة فيأكل مما يغصبه ويظلمه، وهذا كله من أفعال من لا يحاسب نفسه، ولا يؤمن بيوم الحساب، فهو قريب إلى أن يكون كافرا بحتا، وفي الأثر: عجبت لمن له عيال وليس له مال كيف لا يخرج على الناس بالسيف؟.

وقوله عليه السلام: " كاد الحسد أن يغلب القدر " المعنى أن للحسد تأثيرا قويا في النظر في إزالة النعمة عن المحسود، أو التمني لذلك، فإنه ربما يحمله حسده على قتل المحسود، وإهلاك ماله، وإبطال معاشه، فكأنه سعى في غلبة المقدور لان الله تعالى قد قدر للمحسود الخير والنعمة، وهو يسعى في إزالة ذلك عنه، وقيل:

الحسد منصف لأنه يبدأ بصاحبه، وقيل: الحسود لا يسود، وقيل: الحسد يأكل الجسد، وقال الشاعر:

اصبر على حسد الحسود فان صبرك قاتله النار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله " وكاد " تعطي أنه قرب الفعل ولم يكن، وتفيد في الحديث شدة تأثير

الفقر والحسد، وإن لم يكونا يغلبان القدر، ويقال: إن كاد إذا أوجب به الفعل دل على النفي، وإذا نفي دل على الوقوع، وقال شاعرهم:

أنحوي هذا الدهر ما هي لفظة * جرت بلساني جرهم وثمود إذا نفيت والله أعلم أوجبت * وإن أوجبت قامت مقام جحود وهذا كما قال عز وجل: " كادوا يكونون عليه لبدا " والمعنى أنهم لم يكونوا، وقال تعالى: " وما كادوا يفعلون " وقد ذبحوا.

وهذه من أعجب القصص في الحسد وهي من أعاجيب الدنيا، كان أيام موسى الهادي ببغداد رجل من أهل النعمة، وكان له جار في دون حاله، وكان يحسده ويسعى بكل مكروه يمكنه، ولا يقدر عليه، قال: فلما طال عليه أمره وجعلت الأيام لا تزيده فيه إلا غيظا، اشترى غلاما صغيرا فرباه وأحسن إليه فلما شب الغلام واشتدت وقوي غضبه، قال له مولاه: يا بني إني أريدك لأمر من الأمور جسيم، فليت شعري كيف لي أنت عند ذلك؟ قال: كيف يكون العبد لمولاه، والمنعم عليه المحسن إليه، والله يا مولاي لو علمت أن رضاك في أن أتقحم النار لرميت بنفسي فيها، ولو علمت أن رضاك في أن أغرق نفسي في لجة البحر لفعلت ذاك وعدد عليه أشياء، فسر بذلك من قوله، وضمه إلى صدره وأكب عليه يترشفه ويقبله، وقال: أرجو أن تكون ممن يصلح لما أريد، قال: يا مولاي إن رأيت أن تمن على عبدك فتخبره بعزمك هذا ليعرفه ويضم عليه جوانحه، قال: لم يأن لذلك بعد، وإذا كان ذلك فأنت موضع سري ومستودع أمانتي.

فتركه سنة فدعاه فقال: أي بني قد أردتك للامر الذي كنت أرشحك له قال له: يا مولاي مرني بما شئت، فوالله لا تزيدني الأيام إلا طاعة لك، قال:

إن جاري فلانا قد بلغ مني مبلغا أحب قتله، قال: فأنا افتك به الساعة، قال:

لا أريد هذا، وأخاف ألا يمكنك، وإن أمكنك أحالوا ذلك علي، ولكني دبرت أن تقتلني أنت وتطرحني على سطحه، فيؤخذ ويقتل بي.

فقال له الغلام: أتطيب نفسك بنفسك؟ وما في ذلك تشف من عدوك وأيضا فهل تطيب نفسي بقتلك، وأنت أبر من الوالد الحدب، والام الرفيقة؟ قال: دع عنك هذا، فإنما كنت أربيك لهذا، فلا تنقض علي أمري فإنه لا راحة لي إلا في هذا، قال: الله الله في نفسك يا مولاي، وأن تتلفها للامر الذي لا يدرى أيكون أم لا يكون، فإن كان لم تر منه ما أملت وأنت ميت، قال: أراك لي عاصيا، وما أرضى حتى تفعل ما أهوى.

قال: أما إذا صح عزمك على ذلك فشأنك وما هويت لأصير إليه بالكره لا بالرضى، فشكره على ذلك، وعمد إلى سكين فشحذها ودفعها إليه، وأشهد على نفسه أنه دبره ودفع إليه من صلب ماله ثلاثة آلاف درهم، وقال: إذا فعلت ذلك فخذ في اي بلاد الله شئت، فعزم الغلام على طاعة المولى بعد التمنع والالتواء.

فلما كان في آخر ليلة من عمره، قال له: تأهب لما أمرتك به، فاني موقظك في آخر الليل، فلما كان في وجه السحر، قام وأيقظ الغلام، فقام مذعورا وأعطاه المدية، فجاء حتى تسور حائط جاره برفق فاضطجع على سطحه، فاستقبل القبلة ببدنه، وقال للغلام: ها وعجل، فترك السكين على حلقه، وفرى أوداجه، ورجع إلى مضجعه وخلاه يتشحط في دمه.

فلما أصبح أهله خفي عليهم خبره، فلما كان في آخر النهار أصابوه على سطح جاره مقتولا فأخذ جاره، وأحضروا وجوه المحلة لينظروا إلى الصورة ورفعوه وحبسوه، وكتبوا بخبره إلى الهادي، فأحضره فأنكر أن يكون له علم بذلك وكان الرجل من أهل الصلاح، فأمر بحبسه، ومضى الغلام إلى إصبهان.

وكان هناك رجل من أولياء المحبوس وقرابته، وكان يتولى العطاء للجند بأصفهان، فرأى الغلام وكان عارفا به فسأله عن أمر مولاه، وقد كان وقع الخبر إليه، فأخبره الغلام حرفا حرفا، فأشهد على مقالته جماعة، وحمله إلى مدينة السلام وبلغ الخبر الهادي فأحضر الغلام فقص أمره كله عليه، فتعجب الهادي من ذلك وأمر باطلاق الرجل المحبوس، وإطلاق الغلام أيضا.

فايدة الحديث إعلام أن الفقر من أصعب الأشياء، ومكابرته من أهول الأمور، وأن الحسد أمره شديد، والحديث متضمن للنهي عنه.

32 - الشهاب: إن الحسد ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

الضوء: الحسد تمني زوال نعمة غيرك، يقول صلى الله عليه وآله: الحسد يفسد الحسنات وهي الأفعال الحسنة، ويلطخها ويغيرها ويغطي عليها ويسوؤها، ويجعلها بحيث لا يعتد بها كما تأكل النار الحطب، حيث تجعله رمادا أو فحما، وذلك أن الحسود ولو حصلت منه الافعال الصالحة، لكانت مشينة لمكان الحسد، ثم إن الحاسد يعارض ربه فيما يفعل، لان النعمة على المحسود من قبله، وهو يتمنى زواله وكأنه يخطئ الله تعالى فيما أولاه تعالى وتقدس.

وروي عن سفيان [قال:] بلغني أن الله تعالى يقول: الحاسد عدو نعمتي، غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي، وقال منصور الفقيه:

ألا قل لمن كان بي حاسدا * أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في فعله * إذا أنت لم ترض لي ما وهب جزاؤك منه الزيادات لي * وأن لا تنال الذي تطلب وقيل: الحاسد بارز ربه من ستة أوجه: أبغض كل نعمة تظهر على غيره وسخط القسمة، وضاد قضاء الله، وكابر مقدوره، وخذل وليه، وأعان عدوه وقيل: الحاسد جاحد لأنه لم يرض بحكم الواحد، وقيل في قوله تعالى: " إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن " يعني الحسد، وقيل: الحسد منصف لأنه يؤثر في الحاسد، ولا يؤثر في المحسود.

وقال:

اصبر على حسد الحسود فان صبرك قاتله فالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله

وقال:

إني لارحم حاسدي لحر ما * ضمنت صدورهم من الأسعار نظروا صنيع الله لي فعيونهم * في جنة وقلوبهم في نار وقيل: الحسود لا يسود، وروي أن في السماء الخامسة ملكا يمر به عمل عبد له ضوء كضوء الشمس، فيقول: قف فأنا ملك الحسد، اضرب به وجه صاحبه فإنه حاسد، ويقال: لا يوجد ظالم وهو مظلوم إلا الحاسد وأنشد:

قل للحسود إذا تنفس حسرة * يا ظالما وكأنه مظلوم وفائدة الحديث النهي عن الحسد والامر بتجنبه.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.