پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

132 - باب ذم الغضب، ومدح التنمر في ذات الله

ج ۷۰، ص ۲۶۱–۲۸۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۷۰

الشعراء: وإذا بطشتم بطشتم جبارين.

1 - عيون أخبار الرضا (ع) أمالي الصدوق: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن عبد العظيم الحسني، عن أبي جعفر الثاني، عن أبيه عليهما السلام قال: دخل موسى بن جعفر عليه السلام على هارون الرشيد وقد استخفه الغضب على رجل، فقال له: إنما تغضب لله عز وجل، فلا تغضب له بأكثر مما غضب لنفسه.

2 - أمالي الصدوق: عن أمير المؤمنين عليه السلام: لا نسب أوضع من الغضب.

أقول: قد مضى الاخبار في باب الحلم وكظم الغيظ.

3 - أمالي الصدوق: سئل أمير المؤمنين عليه السلام من أحلم الناس؟ قال: الذي لا يغضب.

4 - الخصال: عن ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن يونس، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الغضب مفتاح كل شر.

5 - الخصال: أبي، عن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت، عن البرقي، عن أبيه عن يونس، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الحواريون لعيسى بن مريم: يا معلم الخير أعلمنا أي الأشياء أشد؟ فقال: أشد الأشياء غضب الله عز وجل، قالوا: فبم يتقى غضب الله، قال: بأن لا تغضبوا، قالوا: وما بدؤ الغضب؟ قال: الكبر والتجبر ومحقرة الناس.

كتاب الغايات: عن أبي عبد الله عليه السلام وذكر نحوه.

6 - الخصال: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن الأشعري، عن موسى بن جعفر، عن ابن معبد، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتعوذ في كل يوم من ست: من الشك، والشرك والحمية، والغضب، والبغي، والحسد.

7 - عيون أخبار الرضا (ع): عن محمد بن أحمد بن الحسين البغدادي، عن علي بن محمد بن عنبسة عن بكر بن أحمد بن محمد بن إبراهيم، عن فاطمة بنت الرضا، عن أبيها، عن أبيه عن جعفر بن محمد، عن أبيه وعمه زيد ، عن أبيهما علي بن الحسين، عن أبيه وعمه، عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

من كف غضبه كف الله عنه عذابه، ومن حسن خلقه بلغه الله درجة الصائم القائم.

8 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن عيسى القيسي، عن محمد بن الفضيل، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وآله: يا رسول الله علمني عملا لا يحال بينه وبين الجنة، قال: لا تغضب ولا تسأل الناس شيئا، وارض للناس ما ترضى لنفسك، الخبر.

9 - أمالي الصدوق: عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام أنه ذكر عنده الغضب فقال: إن الرجل ليغضب حتى ما يرى أبدا، ويدخل بذلك النار، فأيما رجل غضب وهو قائم فليجلس، فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان، وإن كان جالسا فليقم وأيما رجل غضب على ذي رحمه فليقم إليه، وليدن منه وليمسه، فان الرحم إذا مست الرحم سكنت.

10 - أمالي الطوسي: عن الفحام، عن المنصوري، عن عم أبيه، عن أبي الحسن الثالث عن آبائه، عن الكاظم عليهم السلام قال: من لم يغضب في الجفوة، لم يشكر في النعمة.

11 - ثواب الأعمال: عن أبيه، عن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت، عن البرقي عن ابن مهران، عن ابن عميرة، عمن سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: من كف غضبه ستر الله عورته.

12 - ثواب الأعمال: عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سيف عن أخيه، عن أبيه، عن عاصم، عن الثمالي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: من كف نفسه عن أعراض الناس كف الله عنه عذاب يوم القيامة، ومن كف غضبه عن الناس أقاله الله نفسه يوم القيامة.

الاختصاص: عن الباقر عليه السلام مثله.

13 - فقه الرضا (ع): أروي أن رجلا سأل العالم أن يعلمه ما ينال به خير الدنيا والآخرة ولا يطول عليه، فقال: لا تغضب.

14 - تفسير العياشي: عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول:

إن أحدكم ليغضب فما يرضى حتى يدخل به النار، فأيما رجل منكم غضب على ذي رحمه فليدن منه، فان الرحم إذا مستها الرحم استقرت، وإنها متعلقة بالعرش ينتقضه انتقاض الحديد، فينادي اللهم صل من وصلني، واقطع من قطعني، وذلك قول الله في كتابه: " واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا " وأيما رجل غضب وهو قائم فليلزم الأرض من فوره، فإنه يذهب رجز الشيطان.

15 - جامع الأخبار: قال النبي صلى الله عليه وآله: الغضب جمرة من الشيطان وقال صلى الله عليه وآله:

الغضب يفسد الايمان كما يفسد الصبر العسل وكما يفسد الخل العسل.

وقال إبليس عليه اللعنة: الغضب وهقي ومصيادي، وبه أصد خيار الخلق عن الجنة وطريقها.

وعن جعفر بن محمد عليه السلام قال: من لم يغتب فله الجنة، ومن لم يغضب فله الجنة، ومن لم يحسد فله الجنة.

16 - الاختصاص: قال الصادق عليه السلام: كان أبي محمد عليه السلام يقول: أي شئ أشر من الغضب؟ إن الرجل إذا غضب يقتل النفس، ويقذف المحصنة.

17 - الحسين بن سعيد أو النوادر: فضالة، عن ابن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء أعرابي

إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله علمني شيئا واحدا فاني رجل أسافر فأكون في البادية، فقال له رسول الله: لا تغضب، فاستيسرها الاعرابي فرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله علمني شيئا واحدا فاني أسافر فأكون في البادية فقال له النبي صلى الله عليه وآله: لا تغضب فاستيسرها الاعرابي فرجع فأعاد السؤال فأجابه رسول الله فرجع الرجل إلى نفسه وقال: لا أسأل عن شئ بعد هذا إني وجدته قد نصحني وحذرني لئلا أفتري حين أغضب، ولئلا أقتل حين اغضب.

وقال أبو عبد الله عليه السلام: الغضب مفتاح كل شر، وقال : إن إبليس كان مع الملائكة وكانت الملائكة تحسب أنه منهم، وكان في علم الله أنه ليس منهم، فلما أمر بالسجود لآدم، حمي وغضب، فأخرج الله ما كان في نفسه بالحمية والغضب.

18 - الحسين بن سعيد أو النوادر: عن النضر، عن القاسم بن سليمان، عن الصباح، عن زيد بن علي قال:

أوحى الله عز وجل إلى نبيه داود عليه السلام: إذا ذكرني عبدي حين يغضب ذكرته يوم القيامة في جميع خلقي ولا أمحقه فيمن أمحق.

19 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الغضب يفسد الايمان كما يفسد الخل العسل، أو كما يفسد الصبر العسل.

كتاب الإمامة والتبصرة: عن أحمد بن علي، عن محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه مثله.

20 - نهج البلاغة: قال عليه السلام: الحدة ضرب من الجنون، لان صاحبها يندم فإن لم يندم فجنونه مستحكم.

21 - منية المريد: سئل النبي صلى الله عليه وآله: ما يبعد من غضب الله تعالى؟ قال لا تغضب.

وعنه صلى الله عليه وآله: من كف غضبه ستر الله عورته.

وقال أبو الدرداء: قلت: يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة قال:

لا تغضب.

وقال صلى الله عليه وآله: الغضب يفسد الايمان كما يفسد الصبر العسل.

وقال صلى الله عليه وآله: ما غضب أحد إلا أشفى على جهنم.

وذكر الغضب عند أبي جعفر الباقر عليه السلام فقال: إن الرجل ليغضب فما يرضى ابدا حتى يدخل النار.

وعنه عليه السلام قال: مكتوب في التوراة فيما ناجى الله عز وجل به موسى عليه السلام:

يا موسى أمسك غضبك عمن ملكتك عليه، أكف عنك غضبي.

وعن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إن هذا الغضب جمرة من الشيطان تتوقد في قلب ابن آدم، وإن أحدكم إذا غضب احمرت عيناه، وانتفخت أوداجه، ودخل الشيطان فيه.

22 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الغضب يفسد الايمان كما يفسد الخل العسل.

بيان: " كما يفسد الخل العسل " اي إذا ادخل الخل العسل، ذهبت حلاوته وخاصيته، وصار المجموع شيئا آخر، فكذا الايمان إذا دخله الغضب فسد ولم يبق على صرافته، وتغيرت آثاره، فلا يسمى إيمانا حقيقة، أو المعنى أنه إذا كان طعم العسل في الذائقة، فشرب الخل ذهبت تلك الحلاوة بالكلية، فلا يجد طعم العسل فكذا الغضب إذا ورد على صاحب الايمان لم يجد حلاوته، وذهبت فوائده.

قال بعض المحققين: الغضب شعلة نار اقتسبت من نار الله الموقدة إلا أنها لا تطلع على الأفئدة، وإنها لمستكنة في طي الفؤاد، استكنان الجمر تحت الرماد ويستخرجها الكبر الدفين من قلب كل جبار عنيد، كما يستخرج الحجر النار من الحديد، وقد انكشف للناظرين بنور اليقين، أن الانسان ينزع منه عرق إلى

الشيطان اللعين، فمن أسعرته نار الغضب، فقد قويت فيه قرابة الشيطان، حيث قال:

" خلقتني من نار وخلقته من طين " فمن شأن الطين السكون والوقار، وشأن النار التلظي والاستعار، والحركة والاضطراب والإصطهار، ومنه قوله تعالى:

" يصهر به ما في بطونهم والجلود " ومن نتائج الغضب الحقد والحسد، وبهما هلك من هلك، وفسد من فسد.

ثم قال: اعلم أن الله تعالى لما خلق الانسان معرضا للفساد والموتان، بأسباب في داخل بدنه، وأسباب خارجة منه، أنعم عليه بما يحميه الفساد، ويدفع عنه الهلاك إلى أجل معلوم، سماه في كتابه.

أما السبب الداخل فإنه ركبه من الرطوبة، والحرارة، وجعل بين الرطوبة والحرارة عداوة ومضادة، فلا تزال الحرارة تحلل الرطوبة، وتجففها وتبخرها حتى يتفشى أجزاؤها بخارا يتصاعد منها، فلو لم يتصل بالرطوبة مدد من الغذاء يجبر ما انحل وتبخر من أجزائها لفسد الحيوان، فخلق الله الغذاء الموافق لبدن الحيوان، وخلق للحيوان شهوة تبعثه على تناول الغذاء كالموكل به في جبر ما انكسر وسد ما انثلم، ليكون حافظا له من الهلاك، بهذه الأسباب.

وأما الأسباب الخارجة التي يتعرض لها الانسان فكالسيف والسنان، وسائر المهلكات التي يقصد بها، فافتقر إلى قوة وحمية تثور من باطنه، فيدفع المهلكات عنه فخلق الله الغضب من النار، وغرزه في الانسان، وعجنه بطينته، فمهما قصد في غرض من أغراضه، ومقصود من مقاصده، اشتعلت نار الغضب، وثارت ثورانا يغلى به دم القلب، وينتشر في العروق، ويرتفع إلى أعالي البدن كما ترتفع النار وكما يرتفع الماء الذي يغلى في القدر.

ولذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين، والبشرة بصفائها تحكي لون ما وراءها من حمرة الدم، كما تحكي الزجاجة لون ما فيها، وإنما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه، واستشعر القدرة عليه، فان صدر الغضب على من هو فوقه

وكان معه يأس من الانتقام تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب وصار حزنا ولذلك يصفر اللون، وإن كان الغضب على نظير يشك فيه تولد منه تردد بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر، ويضطرب.

وبالجملة فقوة الغضب محلها القلب ومعناها غليان دم القلب، لطلب الانتقام وإنما يتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات، قبل وقوعها، وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها، والانتقام قوت هذه القوة وشهوتها، وفيه لذتها، ولا تسكن إلا به.

ثم الناس في هذه القوة على درجات ثلاث في أول الفطرة وبحسب ما يطرأ عليها من الأمور الخارجة من التفريط والافراط والاعتدال، اما التفريط فبفقد هذه القوة أو ضعفها بان لا يستعملها فيما هو محمود عقلا وشرعا مثل دفع الضرر عن نفسه على وجه سائغ، والجهاد مع أعدائه والبطش عليهم، وإقامة الحدود على الوجه المعتبر، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فتحصل فيه ملكة الجبن بل ينتهي إلى عدم الغيرة على حرمه وأشباه ذلك.

وهذا مذموم معدود من الرذايل النفسانية، وقد وصف الله تعالى الصحابة بالشدة والحمية، فقال ﴿أشداء على الكفار﴾ وقال تعالى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم) وإنما الغلظة والشدة من آثار قوة الحمية وهو الغضب، واما الافراط فهو الاقدام على ما ليس بالجميل، واستعمالها فيما هو مذموم عقلا وشرعا مثل الضرب والبطش والشتم والنهب والقتل والقذف وأمثال ذلك مما لا يجوزه العقل والشرع.

واما الاعتدال فهو غضب ينتظر إشارة العقل والدين، فينبعث حيث تجب الحمية، وينطفئ حيث يحسن الحلم، وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله تعالى به عباده، وهو الوسط الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال:

خير الأمور أوساطها، فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه ضعف الغيرة وخسة النفس واحتمال الذل والضيم في غير محله فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه ومن ماله غضبه إلى الافراط حتى جره إلى التهور واقتحام الفواحش، فينبغي أن يعالج نفسه ليسكن من سورة الغضب، ويقف على الوسط الحق بين الطرفين، فهو الصراط المستقيم، وهو أدق من الشعر، وأحد من السيف فينبغي أن يسعى في ذلك بحسب جهده، ويتوسل إلى الله تعالى في أن يوفقه لذلك.

23 - الكافي: أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبيه، عن ميسر قال: ذكر الغضب عند أبي جعفر عليه السلام فقال:

إن الرجل ليغضب فما يرضى ابدا حتى يدخل النار، فأيما رجل غضب على قوم وهو قائم فليجلس من فوره ذلك، فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان، وأيما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه، فليمسه، فان الرحم إذا مست سكنت.

بيان: فما يرضى أبدا فيه تنبيه على أنه ينبغي أن لا يغضب وإن غضب لا يستمر عليه، بل يعالجه قريبا بالسعي في الرضا عنه، إذ لو استمر عليه اشتد غضبه آنا فآنا وشيئا فشيئا إلى أن يصدر عنه ما يوجب دخوله النار، كالقتل والجرح وأمثالهما، أو يصير الغضب له عادة وخلقا، فلا يمكنه تركه، حتى يدخل بسببه النار.

واعلم أن علاج الغضب أمران: علمي وفعلي أما العلمي فبأن يتفكر في الآيات والروايات التي وردت في ذم الغضب، ومدح كظم الغيظ والعفو والحلم ويتفكر في توقعه عفو الله عن ذنبه، وكف غضبه عنه، وأما الفعلي فذكر عليه السلام هنا أمران:

الأول قوله: " فأيما رجل " " ما " زائدة " من فوره " كأن " من " بمعنى " في " وقال الراغب: الفور شدة الغليان، ويقال ذلك في النار نفسها إذا هاجت، وفي القدر وفي الغضب، ويقال: فعلت كذا من فوري أي في غليان

الحال، وقبل سكون الامر.

وقال البيضاوي في قوله تعالى: " ويأتوكم من فورهم هذا " أي من ساعتهم هذه، وهو في الأصل مصدر فارت القدر إذا غلت، فاستعير للسرعة ثم أطلق للحال التي لا ريث فيها ولا تراخي، والمعنى أن يأتوكم في الحال وقال في المصباح: فار الماء يفور فورا نبع وجرى، وفارت القدر فورا وفورانا، وقولهم الشفعة على الفور من هذا أي على الوقت الحاضر الذي لا تأخير فيه، ثم استعمل في الحالة التي لا بطء فيها، يقال: جاء فلان في حاجته، ثم رجع من فوره اي من حركته التي وصل فيها، ولم يسكن بعدها، وحقيقته أن يصل ما بعد المجئ بما قبله من غير لبث انتهى.

وضمير " فوره " للرجل وقيل: للغضب: والأول أنسب بالآية، و " ذلك " صفة فوره " فإنه سيذهب " كيمنع والرجز فاعله أو علي بناء الافعال، والضمير المستتر فاعله، وراجع إلى مصدر " فليجلس " و " الرجز " مفعوله، وفي النهاية الرجز بكسر الراء العذاب والاثم والذنب ورجز الشيطان وساوسه انتهى.

وذهاب ذلك بالجلوس مجرب كما أن من جلس عند حملة الكلب وجده ساكنا لا يحوم حوله، وفيه سر لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، وربما يقال: السر فيه هو الاشعار بأنه من التراب، وعبد ذليل لا يليق به الغضب، أو التوسل بسكون الأرض وثبوتها.

وأقول: كأنه لقلة دواعيه إلى المشي للقتل والضرب وأشباههما، أو للانتقال من حال إلى حال أخرى، والاشتغال بأمر آخر فإنهما مما يذهل عن الغضب في الجملة، ولذا ألحق بعض العلماء الاضطجاع والقيام إذا كان جالسا، والوضوء بالماء البارد وشربه بالجلوس في ذهاب الرجز.

وأقول: يؤيده ما رواه الصدوق في مجالسه عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة [عن أبيه]، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام أنه ذكر عنده الغضب فقال: إن الرجل ليغضب حتى ما يرضى ابدا، ويدخل بذلك النار، وأيما رجل غضب وهو قائم فليجلس فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان، وإن كان جالسا فليقم، وأيما رجل غضب على ذي رحمه فليقم إليه وليدن منه، وليمسه، فان الرحم إذا مست الرحم سكنت.

وما رواه العامة عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا غضب وهو قائم جلس، وإذا غضب وهو جالس اضطجع، فيذهب غيظه.

وقال بعضهم: علاج الغضب أن تقول بلسانك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقال عند الغيظ، وكان صلى الله عليه وآله إذا غضبت عائشة أخذ بأنفها، وقال: يا عويش قولي: اللهم رب النبي محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن، ويستحب أن تقول ذلك، وإن لم يزل بذلك فاجلس إن كنت قائما، واضطجع إن كنت جالسا، وأقرب من الأرض التي منها خلقت لتعرف بذلك، واطلب بالجلوس والاضطجاع السكون، فان سبب الغضب الحرارة، وسبب الحرارة الحركة إذ قال صلى الله عليه وآله إن الغضب جمرة تتوقد ألم تر إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه؟.

فان وجد أحدكم من ذلك شيئا فإن كان قائما فليجلس، وإن كان جالسا فلينم، فإن لم يزل ذلك فليتوضأ بالماء البارد، وليغتسل، فان النار لا يطفئها إلا الماء، وقد قال صلى الله عليه وآله: إذا غضب أحدكم فليتوضأ وليغتسل، فان الغضب من النار، وفي رواية: إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما يطفي النار الماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ.

وقال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا غضبت فاسكت، وقال أبو سعيد الخدري: قال النبي صلى الله عليه وآله: إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم الا ترون إلى حمرة

عينيه وانتفاخ أوداجه؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليلصق خده بالأرض وكأن هذا إشارة إلى السجود، وهو تمكين أعز الأعضاء من أذل المواضع، وهو التراب لتستشعر به النفس الذل، وتزايل به العزة والزهو الذي هو سبب الغضب.

وأما العلاج الثاني فهو خاص بذي الرحم، حيث قال: " وأيما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه " أي الغاضب من ذي رحمه " إذا مست " على بناء المجهول أي بمثلها، ويحتمل المعلوم أي مثلها، وما في رواية المجالس المتقدم ذكره أظهر ويظهر منها أنه سقط من رواية الكتاب بعض الفقرات متنا وسندا فتفطن إذ هي عين هذه الرواية، والظاهر أن " سكنت " على بناء المعلوم المجرد، ويحتمل المجهول من بناء التفعيل.

وقيل: ضمير " فليدن " راجع إلى ذي الرحم، وضمير " منه " إلى الرجل وهو بعيد هنا، وإن كان له شواهد من بعض الأخبار منها ما رواه الصدوق رحمه الله في عيون أخبار الرضا باسناده عن موسى بن جعفر عليه السلام قال: لما دخلت على الرشيد سلمت عليه فرد علي السلام ثم قال: يا موسى بن جعفر خليفتين يجبى إليهما الخراج؟

فقلت: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تبوء بإثمي وإثمك، وتقبل الباطل من أعدائنا علينا، فقد علمت أنه قد كب علينا منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله بما علم ذلك عندك فان رأيت بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله أن تأذن لي أحدثك بحديث أخبرني به أبي عن آبائه، عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: إن الرحم إذا مست الرحم تحركت واضطربت فناولني يدك جعلني الله فداك، فقال: ادن فدنوت منه فأخذ بيدي ثم جذبني إلى نفسه وعانقني طويلا ثم تركني، وقال: اجلس يا موسى، فليس عليك بأس فنظرت إليه فإذا إنه قد دمعت عيناه، فرجعت إلي نفسي، فقال: صدقت وصدق جدك لقد تحرك دمي واضطربت عروقي حتى غلبت علي الرقة، وفاضت عيناي إلى آخر الخبر.

وأقول هذا لا يعين حمل خبر المتن على دنو الغاضب، فإنه يدنو كل من

يريد تسكين الغضب، فإنه إذا أراد الغاضب تسكين غضبه يدنو من المغضوب [عليه] وإذا أراد المغضوب [عليه] تسكين غضب الغاضب يدنو منه.

24 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن داود بن فرقد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الغضب مفتاح كل شر.

بيان: " مفتاح كل شر " إذ يتولد منه الحقد والحسد والشماتة والتحقير والأقوال الفاحشة، وهتك الأستار، والسخرية والطرد والضرب والقتل والنهب ومنع الحقوق إلى غير ذلك مما لا يحصى.

25 - الكافي: عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعت أبي عليه السلام يقول:

أتى رسول الله صلى الله عليه وآله رجل بدوي فقال: إني أسكن البادية فعلمني جوامع الكلام فقال: آمرك أن لا تغضب فأعاد عليه الاعرابي المسألة ثلاث مرات حتى رجع الرجل إلى نفسه فقال: لا أسأل عن شئ بعد هذا، ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله إلا بالخير قال: وكان أبي يقول: اي شئ أشد من الغضب؟ إن الرجل يغضب فيقتل النفس التي حرم الله ويقذف المحصنة.

بيان: قال في النهاية: فيه أوتيت جوامع الكلم، يعني القرآن جمع الله بلطفه في الألفاظ اليسيرة منه معاني كثيرة، واحدها جامعة أي كلمة جامعة، ومنه الحديث في صفته إنه كان يتكلم بجوامع الكلم أي إنه كان كثير المعاني قليل الألفاظ.

" فأعاد عليه الاعرابي المسألة ثلاث مرات " كأن أصل السؤال كان ثلاث مرات، فالإعادة مرتان أطلقت على الثلاث تغليبا، والمعنى أنه صلى الله عليه وآله في كل ذلك يجيبه بمثل الجواب الأول " حتى رجع الرجل " أي تفكر في أن تكرار السؤال بعد اكتفائه صلى الله عليه وآله بجواب واحد غير مستحسن، فأمسك وعلم أنه صلى الله عليه وآله لم يجبه بما أجابه إلا لعلمه بفوائد هذه النصيحة، وأنها تكفيه، أو تفكر في مفاسد الغضب فعلم أن تخصيصه صلى الله عليه وآله الغضب بالذكر لتلك الأمور.

" فيقتل النفس " أي إحدى ثمرات الغضب قتل النفس مثلا وهو يوجب القصاص في الدنيا، والعذاب الشديد في الآخرة، والأخرى قذف المحصنة، وهي العفيفة وهو يوجب الحد في الدنيا والعقاب العظيم في الآخرة.

26 - الكافي: عنه، عن ابن فضال، عن إبراهيم بن محمد الأشعري، عن عبد الاعلى قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: علمني عظة أتعظ بها، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أتاه رجل فقال له: يا رسول الله علمني عظة أتعظ بها فقال له: انطلق فلا تغضب ثم عاد إليه فقال له: انطلق فلا تغضب ثلاث مرات.

بيان: قال في المصباح: وعظه يعظه عظة أمره بالطاعة ووصاه بها، فاتعظ اي ائتمر وكف نفسه، وقال بعض المتقدمين: الوعظ تذكير مشتمل على زجر وتخويف وحمل على طاعة الله بلفظ يرق له القلب والاسم الموعظة.

27 - الكافي: عنه، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عمن سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: من كف غضبه ستر الله عورته.

بيان: " ستر الله عورته " اي عيوبه وذنوبه في الدنيا، فلا يفضحه بها، أو في الآخرة فيكون كفارة عنها أو الأعم منهما وقيل: لأنه إذا لم يغضب لا يقول فيه الناس ما يفضحه، واختلفوا في أن من كان شديد الغضب وكف غضبه ومن لا يغضب أصلا لكونه حليما بحسب الخلقة أيهما أفضل؟ فقيل الأول لان الاجر على قدر المشقة، وفيه جهاد النفس، وهو أفضل من جهاد العدو.

وغضب النبي صلى الله عليه وآله مشهور إلا أن غضبه لم يكن من مس الشيطان ورجزه وإنما كان من بواعث الدين، وقيل: الثاني لان الأخلاق الحسنة من الفضائل النفسانية، وصاحب الخلق الحسن بمنزلة الصائم القائم.

28 - الكافي: عنه، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستاني عن أبي جعفر عليه السلام قال: مكتوب في التوراة فيما ناجى الله عز وجل به موسى:

يا موسى أمسك غضبك عمن ملكتك عليه أكف عنك غضبي.

بيان: يقال: ناجيته اي ساررته " عمن ملكتك عليه " أي من العبيد والإماء أو الرعية أو الأعم، وهو أولى، وغضب الخلق ثوران النفس وحركتها بسبب تصور المؤذي والضار إلى الانتقام والمدافعة، وغضب الخالق عقابه التابع لعلمه بمخالفة أوامره ونواهيه وغيرهما، وفيه إشارة إلى نوع من معالجة الغضب وهو أن يذكر الانسان عند غضبه على الغير غضبه تعالى عليه، فان ذلك يبعثه على الرضا والعفو طلبا لرضاه سبحانه وعفوه لنفسه.

29 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عبد الحميد، عن يحيى بن عمرو، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أوحى الله عز وجل إلى بعض أنبيائه: يا ابن آدم اذكرني في غضبك أذكرك في غضبي، لا أمحقك فيمن أمحق، وارض بي منتصرا فان انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك.

بيان: المراد بذكره له تعالى ذكر قدرته سبحانه عليه وعقابه وبذكر الله له ذكر عفوه عن أخيه، فيعفو عن زلاته ومعاصيه، جزاء بما صنع وقوله: " لا أمحقك " بالجزم بدل من أذكرك والمحق هنا إبطال عمله وتعذيبه، ومحو ذكره أو إحراقه، في القاموس محقه كمنعه أبطله ومحاه كمحقه فتمحق وامتحق وامحق كافتعل والله الشئ ذهب ببركته والحر الشئ أحرقه، وفي النهاية المحق النقص والمحو والابطال، والانتصار الانتقام، ولما كان الغرض من إمضاء الغضب غالبا هو الانتقام من الظالم، رغب سبحانه في تركه بأني منتقم من الظالم لك وانتقامي خير من انتقامك، والخيرية من وجوه شتى:

الأول أن انتقامه على قدر قدرته وانتقامه سبحانه أشد وأبقى، الثاني أن انتقامه يفوت ثوابه، وانتقامه تعالى لا يفوته، الثالث أن انتقامه يمكن أن يتعدى إلى مالا يستحقه فيعاقب عليه، الرابع أن انتقامه يؤدي غالبا إلى المفاسد الكلية والجزئية بانتهاض الخصم للمعادات بخلاف انتقامه تعالى.

30 - الكافي: أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن

علي بن عقبة، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله وزاد فيه: وإذا ظلمت بمظلة فارض بانتصاري لك، فان انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك.

بيان: في هذا الخبر وقع قوله: " وإذا ظلمت بمظلة فارض بانتصاري لك " مكان قوله في الخبر السابق: " وارض بي منتصرا " ومفادهما واحد، ولما كان هذا في اللفظ أطول أطلق عليه لفظ الزيادة، وإنما ذكر ما بعدها مع كونه مشتركا بينهما للعلم بموضع الزيادة، وفي المصباح الظلم اسم من ظلمه ظلما من باب ضرب ومظلمة بفتح الميم وكسر اللام، ويجعل المظلمة اسما لما يطلبه عند الظالم، كالظلامة بالضم.

31 - الكافي: عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، وعلي بن محمد، عن صالح ابن أبي حماد جميعا، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن معلى بن خنيس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وآله: يا رسول الله علمني قال: اذهب ولا تغضب، فقال الرجل: قد اكتفيت بذلك، فمضى إلى أهله فإذا بين قومه حرب قد قاموا صفوفا ولبسوا السلاح، فلما رأى ذلك لبس سلاحه ثم قام معهم، ثم ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تغضب، فرمى السلاح ثم جاء يمشي إلى القوم الذين هم عدو قومه، فقال: يا هؤلاء ما كانت لكم من جراحة أو قتل أو ضرب ليس فيه اثر فعلي في مالي أنا أوفيكموه، فقال القوم: فما كان فهو لكم، نحن أولى بذلك منكم، قال: فاصطلح القوم، وذهب الغضب.

بيان: " ليس فيه اثر " اي علامة، جراحة لتصح مقابلته للجراحة والأثر بالتحريك بقية الشئ وعلامته وبالضم وبضمتين أثر الجراح، يبقى بعد البرء " فعلي في مالي " اي لا ابسطه على القبيلة ليكون فيه مضايقة أو تأخير و " أنا " إما تأكيد للضمير المجرور، لأنهم جوزوا تأكيده بالمرفوع المنفصل، أو مبتدأ خبره " أوفيكموه " على بناء الافعال أو التفعيل، والضمير راجع إلى الموصول اي على دية ما ذكر، والايفاء والتوفية إعطاء الحق تماما.

32 - الكافي: عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن هذا الغضب جمرة من الشيطان، توقد في قلب ابن آدم، وإن أحدكم إذا غضب احمرت عيناه وانتفخت أوداجه، ودخل الشيطان فيه، فإذا خاف أحدكم ذلك من نفسه فليلزم الأرض، فان رجز الشيطان ليذهب عنه عند ذلك.

بيان: الجمرة القطعة الملتهبة من النار، شبه بها الغضب في الاحراق والاهلاك ونسبها إلى الشيطان لان بنفخ نزغاته ووساوسه تحدث وتشتد، وتوقد في قلب ابن آدم، وتلتهب التهابا عظيما، ويغلى بها دم القلب غليانا شديدا كغلي الحميم فيحدث منه دخان بتحليل الرطوبات، وينتشر في العروق، ويرتفع إلى أعالي البدن والدماغ والوجه، كما يرتفع الماء والدخان في القدر، فلذلك تحمر العين والوجه والبشرة، وتنتفخ الأوداج والعروق وحينئذ يتسلط عليه الشيطان كمال التسلط ويدخل فيه ويحمله على ما يريد، فيصدر منه أفعال شبيهة بأفعال المجانين، ولزوم الأرض يشمل الجلوس والاضطجاع والسجود كما عرفت.

33 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن بعض أصحابه رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الغضب ممحقة لقلب الحكيم، وقال: من لم يملك غضبه لم يملك عقله.

بيان: الممحقة مفعلة من المحق، وهو النقص والمحو والابطال اي مظنة له، وإنما خص قلب الحكيم بالذكر لان المحق الذي هو إزالة النور إنما يتعلق بقلب له نور، وقلب غير الحكيم يعلم بالأولوية، وإذا عرفت أن الغضب يمحق قلب الحكيم يعني عقله، ظهر لك حقيقة قوله: " من لم يملك غضبه لم يملك عقله ".

قال بعض المحققين: مهما اشتدت نار الغضب وقوي اضطرامها. أعمى صاحبه وأصمه عن كل موعظة، فإذا وعظ لم يسمع بل تزيده الموعظة غيظا، وإن

أراد أن يستضئ بنور عقله، وراجع نفسه، لم يقدر على ذلك، إذ ينطفئ نور العقل وينمحي في الحال بدخان الغضب، فان معدن الفكر الدماغ، ويتصاعد عند شدة الغضب من غليان دم القلب دخان إلى الدماغ مظلم مستول على معادن الفكر.

وربما يتعدى إلى معادن الحس، فيظلم عينه، حتى لا يرى بعينه، ويسود عليه الدنيا بأسرها، ويكون دماغه على مثال كهف أضرمت فيه نار فاسود جوه وحمي مستقره، وامتلأ بالدخان جوانبه، وكان فيه سراج ضعيف فانطفى وانمحى نوره، فلا يثبت فيه قدم، ولا يسمع فيه كلام، ولا ترى فيه صورة، ولا يقدر على إطفائه لا من داخل ولا من خارج، بل ينبغي أن يصبر إلى أن يحترق جميع ما يقبل الاحتراق، فكذلك يفعل الغضب بالقلب والدماغ، وربما تقوى نار الغضب فتفني الرطوبة التي بها حياة القلب فيموت صاحبه غيظا، كما تقوى النار في الكهف فيتشقق وتنهد أعاليه على أسافله، وذلك لابطال النار ما في جوانبه من القوة الممسكة الجامعة لاجزائه، فهكذا حال القلب مع الغضب.

ومن آثار هذا الغضب في الظاهر تغير اللون وشدة الرعدة في الأطراف وخروج الافعال عن الترتيب والنظام، واضطراب الحركة والكلام حتى يظهر الزبد على الاشداق، وتحمر الأحداق، وتنقلب المناخر، وتستحيل الخلقة ولو رأى الغضبان في حال غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته، وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره، فان الظاهر عنوان الباطن وإنما قبحت صورة الباطن أولا ثم انتشر قبحها إلى الظاهر ثانيا.

فهذا أثره في الجسد وأما اثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش، وقبيح الكلام الذي يستحيي منه ذوو العقول، ويستحيي منه قائله عند فتور الغضب، وذلك مع تخبط النظم، واضطراب اللفظ، وأما أثره على الأعضاء فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن من غير مبالات، فان هرب منه المغضوب عليه أو فاته بسبب وعجز عن التشفي، رجع الغضب على صاحبه، فيمزق ثوب نفسه ويلطم وجهه، وقد يضرب يده على الأرض، ويعدو عدو الواله السكران، والمدهوش

المتحير، وربما سقط صريعا لا يطيق العدو والنهوض لشدة الغضب، ويعتريه مثل الغشية، وربما يضرب الجمادات والحيوانات، فيضرب القصعة على الأرض - وقد تكسر وتراق المائدة - إذا غضب عليها، وقد يتعاطى أفعال المجانين فيشتم البهيمة والجماد، ويخاطبه ويقول: إلى متى منك كذا، ويا: كيت وكيت، كأنه يخاطب عاقلا حتى ربما رفسته دابة فيرفسها ويقابلها به.

وأما أثره في القلب مع المغضوب عليه، فالحقد والحسد، وإظهار السوء والشماتة بالمساءة، والحزن بالسرور، والعزم على إفشاء السر و هتك الأستار والاستهزاء، وغير ذلك من القبايح. فهذه ثمرة الغضب المفرط وقد أشير إليها في تلك الأخبار.

34 - الكافي: عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

من كف نفسه عن أعراض الناس أقال الله نفسه يوم القيامة، ومن كف غضبه عن الناس كف الله تبارك وتعالى عنه عذاب يوم القيامة.

بيان: الاعراض جمع العرض بالكسر، وفي القاموس العرض بالكسر الجسد وكل موضع يعرق منه ورائحته [رائحة] طيبة كانت أو خبيثة، والنفس وجانب الرجل [الذي] يصونه من نفسه وحسبه أن يتنقص ويثلب، أو سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره، أو موضع المدح والذم منه، أو ما يفتخر به من حسب وشرف وقال: النفس الروح والدم والجسد والعظمة والعزة والهمة والأنفة والعيب والعقوبة.

وقوله عليه السلام: " من كف نفسه عن أعراض الناس " اي عن هتك عرضهم بالغيبة والبهتان والشتم وكشف عيوبهم وأمثال ذلك " أقال الله نفسه " قيل: المراد بالنفس هنا العيب.

وأقول: يمكن أن يكون المراد بالنفس هنا أيضا المعنى الشائع لان الإقالة وإن كان الغالب نسبتها إلى العثرات والذنوب، لكن يمكن نسبتها إلى النفس أيضا فان الإقالة في الأصل هو أن يشتري الرجل متاعا فيندم فيأتي البايع فيقول له:

أقلني! أي اترك ما جرى بيني وبينك، ورد علي ثمني، وخذ متاعك، واستعمل في غفران الذنوب لأنه بمنزلة معاوضة بينه وبين الرب تعالى فكأنه أعطى الذنب وأخذ العقوبة، والنفس مرهونة في تلك المعاملة يقتص منها، فكما يمكن نسبة الإقالة إلى الذنب يمكن نسبتها إلى النفس أيضا بل هو أنسب، لأنه يريد أن يفك نفسه عن العقوبة كما قال تعالى: " كل امرئ بما كسب رهين " وقال سبحانه:

" كل نفس بما كسبت رهينة " وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الا إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكوها باستغفاركم، مع أنه يمكن تقدير مضاف اي عثرة نفسه.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.