بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
116 باب الرياء
ج ۶۹، ص ۲۶۴–۲۹۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
النساء: والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس.
وقال تعالى في وصف المنافقين: يراؤن الناس.
وقال تعالى: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط.
الماعون: الذين هم يرائون ويمنعون الماعون.
1 - الكافي: عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري عن ابن القداح، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لعباد بن كثير البصري في المسجد: ويلك يا عباد إياك والرياء فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل له.
بيان: " وكله الله إلى من عمل له " أي في الآخرة كما سيأتي أو الأعم منها ومن الدنيا وقيل: وكل ذلك العمل إلى الغير ولا يقبله أصلا وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قيل:
وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، قال: يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤن في الدنيا، هل تجدون عندهم ثواب أعمالكم.
وقال بعض المحققين: علم أن الرياء مشتق من الرؤية، والسمعة مشتق من السماع، وإنما الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإراءتهم خصال الخير، إلا أن الجاه والمنزلة يطلب في القلب بأعمال سوى العبادات ويطلب بالعبادات، واسم الرياء مخصوص بحكم العادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادات وإظهارها فحد الرياء هو إرادة المنزلة بطاعة الله تعالى فالمرائي هو العابد، والمرائي هو الناس المطلوب رؤيتهم لطلب المنزلة في قلوبهم والمرائي به هو الخصال التي قصد المرائي إظهارها، والرياء هو قصد إظهار ذلك، والمرائي به كثيرة ويجمعها خمسة أقسام وهي مجامع ما يتزين العبد به للناس. وهو البدن والزي والقول والعمل والاتباع والأشياء الخارجة.
ولذلك أهل الدنيا يراؤن بهذه الأسباب الخمسة إلا أن طلب الجاه وقصد الرياء بأعمال ليست من جملة الطاعات أهون من الرياء بالطاعات.
و [الأول] الرياء في الدين من جهة البدن، وذلك باظهار النحول والصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد، وعظم الحزن على أمر الدين، وغلبة خوف الآخرة، وليدل
بالنحول على قلة الاكل، وبالصفار على سهر الليل وكثرة الارق في الدين وكذلك يرائي بتشعث الشعر ليدل به على استغراق الهم بالدين، وعدم التفرغ لتسريح الشعر، ويقرب من هذا خفض الصوت وإغارة العينين وذبول الشفتين فهذه مرائاة أهل الدين في البدن.
وأما أهل الدنيا فيراؤن باظهار السمن وصفاء اللون واعتدال القامة وحسن الوجه ونظافة البدن وقوة الأعضاء.
وثانيها الرئاء بالزي والهيئة، أما الهيئة فتشعث شعر الرأس، وحلق الشارب وإطراق الرأس في المشي والهدوء في الحركة، وإبقاء أثر السجود على الوجه، وغلظ الثياب ولبس الصوف وتشميرها إلى قريب من نصف الساق، وتقصير الأكمام، وترك تنظيف الثوب وتركه مخرقا كل ذلك يرائي به ليظهر من نفسه أنه يتبع السنة فيه ومقتد فيه بعباد الله الصالحين.
وأما أهل الدنيا فمرائاتهم بالثياب النفيسة، والمراكب الرفيعة، وأنواع التوسع والتجمل.
الثالث: الرياء بالقول ورياء أهل الدين بالوعظ والتذكير والنطق بالحكمة وحفظ الاخبار والآثار لأجل الاستعمال في المحاورة إظهارا لغزارة العلم، ولدلالته على شدة العناية بأقوال السلف الصالحين، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الخلق، وإظهار الغضب للمنكرات وإظهار الأسف على مقارفة الناس بالمعاصي وتضعيف الصوت في الكلام.
وأما أهل الدنيا فمرائاتهم بالقول بحفظ الأمثال والاشعار والتفاصح في العبارات، وحفظ النحو الغريب للأغراب على أهل الفضل وإظهار التودد إلى الناس لاستمالة القلوب.
الرابع: الرياء في العمل كمراءات المصلي بطول القيام ومده وتطويل الركوع والسجود وإطراق الرأس وترك الالتفات وإظهار الهدو والسكون، وتسوية القدمين واليدين، وكذلك بالصوم وبالحج وبالصدقة وباطعام الطعام وبالاخبات
بالشئ عند اللقاء كارخاء الجفون وتنكيس الرأس والوقار في الكلام حتى أن المرائي قد يسرع في المشي إلى حاجته فإذا اطلع عليه واحد من أهل الدين رجع إلى الوقار وإطراق الرأس خوفا من أن ينسبه إلى العجلة وقلة الوقار، فان غاب الرجل عاد إلى عجلته فإذا رآه عاد إلى خشوعه، ومنهم من يستحيي أن يخالف مشيته في الخلوة لمشيته بمرئي من الناس، فيكلف نفسه المشية الحسنة في الخلوة، حتى إذا رآه الناس لم يفتقر إلى التغيير ويظن أنه تخلص به من الرياء وقد تضاعف به رياؤه فإنه صار في خلواته أيضا مرائيا.
وأما أهل الدنيا فمرائاتهم بالتبختر والاختيال، وتحريك اليدين، وتقريب الخطأ، والاخذ بأطراف الذيل وإدارة العطفين ليدلوا بذلك على الجاه والحشمة.
الخامس: المراءاة بالأصحاب والزائرين والمخالطين كالذي يتكلف أن يزور عالما من العلماء ليقال إن فلانا قد زار فلانا أو عابدا من العباد لذلك أو ملكا من الملوك وأشباهه ليقال إنهم يتبركون به، وكالذي يكثر ذكر الشيوخ ليرى أنه لقي شيوخا كثيرا واستفاد منهم فيباهي بشيوخه ومنهم من يريد انتشار الصيت في البلاد لتكثر الرحلة إليه، ومنهم من يريد الاشتهار عند الملوك لتقبل شفاعته ومنهم من يقصد التوصل بذلك إلى جمع حطام وكسب مال ولو من الأوقاف وأموال اليتامى وغير ذلك.
وأما حكم الرياء فهل هو حرام أو مكروه أو مباح أو فيه تفصيل فأقول: فيه تفصيل، فان الرياء هو طلب الجاه. وهو إما أن يكون بالعبادات أو بغير العبادات، فإن كان بغير العبادات فهو كطلب المال فلا يحرم من حيث أنه طلب منزلة في قلوب العباد، ولكن كما يمكن كسب المال بتلبيسات وأسباب محظورة، فكذلك الجاه وكما أن كسب قليل من المال وهو ما يحتاج إليه الانسان محمود فكسب قليل من الجاه وهو ما يسلم به عن الآفات محمود وهو الذي طلبه يوسف عليه السلام حيث قال: " إني حفيظ عليم " وكما أن المال فيه سم ناقع وترياق نافع، فكذلك الجاه.
وأما انصراف الهم إلى سعة الجاه فهو مبدأ الشرور كانصراف الهم إلى كثرة المال، ولا يقدر محب الجاه والمال على ترك معاصي القلب واللسان وغيرها.
وأما سعة الجاه من غير حرص منك على طلبه، ومن غير اهتمام بزواله إن زال فلا ضرر فيه، فلا جاه أوسع من جاه رسول الله صلى الله عليه وآله ومن بعده من علماء الدين ولكن انصراف الهم إلى طلب الجاه نقصان في الدين، ولا يوصف بالتحريم.
وبالجملة المراءات بما ليس هو من العبادات قد يكون مباحا وقد يكون طاعة. وقد يكون مذموما، وذلك بحسب الغرض المطلوب به، وأما العبادات كالصدقة والصلاة والغزو والحج، فللمرائي فيه حالتان إحداهما أن لا يكون له قصد إلا الرياء المحض دون الاجر، وهذا يبطل عبادته لان الأعمال بالنيات وهذا ليس يقصد العبادة، ثم لا يقتصر على إحباط عبادته، حتى يقال: صار كما كان قبل العبادة، بل يعصي بذلك ويأثم، لما دلت عليه الأخبار والآيات.
والمعنى فيه أمران أحدهما يتعلق بالعبادة، وهو التلبيس والمكر لأنه خيل إليهم أنه مخلص مطيع لله، وأنه من أهل الدين وليس كذلك، والتلبيس في أمر الدنيا أيضا حرام حتى لو قضى دين جماعة وخيل إلى الناس أنه متبرع عليهم ليعتقدوا سخاوته أثم بذلك، لما فيه من التلبيس وتملك القلوب بالخداع والمكر.
والثاني يتعلق بالله وهو أنه مهما قصد بعبادة الله خلق الله فهو مستهزئ بالله، فهذا من كبائر المهلكات، ولهذا سماه رسول الله صلى الله عليه وآله الشرك الأصغر فلو لم يكن في الرياء إلا أنه يسجد ويركع لغير الله، لكان فيه كفاية، فإنه إذا لم يقصد التقرب إلى الله فقد قصد غير الله، لعمري لو قصد غير الله بالسجود لكفر كفرا جليا إلا أن الرياء هو الكفر الخفي.
واعلم أن بعض أبواب الرياء أشد وأغلظ من بعض، واختلافه باختلاف أركانه وتفاوت الدرجات فيه، وأركانه ثلاثة: المرائا به والمرائا [له]، ونفس قصد الرياء.
الركن الأول: نفس قصد الرياء، وذلك لا يخلو إما أن يكون مجردا
دون إرادة الله والثواب، وإما أن يكون مع إرادة الثواب فإن كان كذلك فلا يخلو إما أن يكون إرادة الثواب أقوى وأغلب أو أضعف أو مساويا لإراءة العباد، فيكون الدرجات أربعا.
الأولى: وهي أغلظها أن لا يكون مراده الثواب أصلا كالذي يصلي بين أظهر الناس ولو انفرد لكان لا يصلي، فهذه الدرجة العليا من الرياء.
الثانية أن يكون له قصد الثواب أيضا ولكن قصدا ضعيفا بحيث لو كان في الخلوة لكان لا يفعله ولا يحمله ذلك القصد على العمل. ولو لم يكن الثواب لكان قصد الرياء يحمله على العمل. فهذا قريب مما قبله.
الثالثة أن يكون قصد الرياء وقصد الثواب متساويين بحيث لو كان كل واحد خاليا عن الاخر لم يبعثه على العمل، فلما اجتمعا انبعثت الرغبة فكان كل واحد لو انفرد لا يستقل بحمله على العمل، فهذا قد أفسد مثل ما أصلح فنرجو أن يسلم رأسا برأس لا له ولا عليه، أو يكون له من الثواب مثل ما عليه من العقاب، وظواهر الاخبار تدل على أنه لا يسلم.
الرابعة أن يكون اطلاع الناس مرجحا ومقويا لنشاطه، ولو لم يكن لكان لا يترك العبادة، ولو كان قصد الرياء وحده لما أقدم والذي نظنه والعلم عند الله أنه لا يحبط أصل الثواب ولكنه ينقص منه أو يعاقب على مقدار قصد الرياء، ويثاب على مقدار قصد الثواب. وأما قوله تعالى: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فهو محمول على ما إذا تساوى القصدان أو كان قصد الرياء أرجح.
الركن الثاني: المرائا به، وهي الطاعات وذلك ينقسم إلى الرياء بأصول العبادات وإلى الرياء بأوصافها.
القسم الأول: وهو الأغلظ الرياء بالأصول وهو على ثلاث درجات:
الأولى الرياء بأصل الايمان وهو أغلظ أبواب الرياء، وصاحبه مخلد في النار، وهو الذي يظهر كلمتي الشهادة وباطنه مشحون بالتكذيب، ولكنه يرائي بظاهر الاسلام، وهم المنافقون الذين ذمهم الله سبحانه في مواضع كثيرة، وقد قال:
" يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ".
وكان النفاق في ابتداء الاسلام ممن يدخل في ظاهر الاسلام ابتداء لغرض وذلك مما يقل في زماننا ولكن يكثر نفاق من ينسل من الدين باطنا فيجحد الجنة والنار والدار الآخرة، ميلا إلى قول الملحدة أو يعتقد طي بساط الشرع والاحكام، ميلا إلى أهل الإباحة، ويعتقد كفرا أو بدعة وهو يظهر خلافه فهؤلاء من المرائين المنافقين المخلدين في النار، وحال هؤلاء أشد من حال الكفار المجاهرين لأنهم جمعوا بين كفر الباطن ونفاق الظاهر.
الثانية الرياء بأصول العبادات مع التصديق بأصل الدين وهذا أيضا عظيم عند الله، ولكنه دون الأول بكثير، ومثاله أن يكون مال الرجل في يد غيره فيأمره باخراج الزكاة خوفا من ذمه، والله يعلم منه أنه لو كان في يده لما أخرجها أو يدخل وقت الصلاة وهو في جمع فيصلي معهم وعادته ترك الصلاة في الخلوة وكذا ساير العبادات، فهو مراء معه أصل الايمان بالله يعتقد أنه لا معبود سواه، ولو كلف أن يعبد غير الله أو يسجد لغير الله لم يفعل، ولكنه يترك العبادات للكسل وينشط عند اطلاع الناس فتكون منزلته عند الخلق أحب إليه من منزلته عند الخالق، وخوفه من مذمة الناس أعظم من خوفه من عقاب الله، ورغبته في محمدتهم أشد من رغبته في ثواب الله، وهذا غاية الجهل، وما أجدر صاحبه بالمقت، وإن كان غير منسل عن أصل الايمان من حيث الاعتقاد.
الثالثة: أن لا يرائي بالايمان ولا بالفرائض، ولكن يرائي بالنوافل والسنن التي لو تركها لا يعصي، ولكن يكسل عنها في الخلوة لفتور رغبته في ثوابها، ولا يثار لذة الكسل على ما يرجى من الثواب، ثم يبعثه الرياء على فعله، وذلك كحضور الجماعة في الصلاة، وعيادة المريض، واتباع الجنايز، وكالتهجد بالليل وصيام السنة والتطوع ونحو ذلك، فقد يفعل المرائي جملة ذلك خوفا من المذمة أو طلبا للمحمدة، ويعلم الله تعالى منه لو خلى بنفسه لما زاد على أداء الفرائض، فهذا أيضا
عظيم، ولكن دون ما قبله، وكأنه على الشطر من الأول وعقابه نصف عقابه.
القسم الثاني: الرياء بأوصاف العبادات لا بأصولها وهي أيضا على ثلاث درجات.
الأولى أن يرائي بفعل ما في تركه نقصان العبادة، كالذي غرضه أن يخفف الركوع والسجود ولا يطول القراءة فإذا رآه الناس أحسن الركوع، وترك الالتفات، وتمم القعود بين السجدتين، وقد قال ابن مسعود: من فعل ذلك فهو استهانة يستهين بها ربه.
فهذا أيضا من الرياء المحظور لكنه دون الرياء بأصول التطوعات، فان قال المرائي: إنما فعلت ذلك صيانة لألسنتهم عن الغيبة، فإنهم إذا رأوا تخفيف الركوع والسجود وكثرة الالتفات أطلقوا اللسان بالذم والغيبة، فإنما قصدت صيانتهم عن هذه المعصية، فيقال له: هذه مكيدة للشيطان وتلبيس، وليس الامر كذلك، فان ضررك من نقصان صلاتك وهي خدمة منك لمولاك، أعظم من ضررك من غيبة غيرك. فلو كان باعثك الدين لكان شفقتك على نفسك أكثر.
نعم للمرائي فيه حالتان إحداهما أن يطلب بذلك المنزلة والمحمدة عند الناس، وذلك حرام قطعا، والثانية أن يقول: ليس يحضرني الاخلاص في تحسين الركوع والسجود، ولو خففت كان صلاتي عند الله ناقصة، وآذاني الناس بذمهم وغيبتهم، وأستفيد بتحسين الهيئة دفع مذمتهم ولا أرجو عليه ثوابا فهو خير من أن أترك تحسين الصلاة فيفوت الثواب، وتحصل المذمة، فهذا فيه أدنى نظر فالصحيح أن الواجب عليه أن يحسن ويخلص، فإن لم يحضره النية فينبغي أن يستمر على عبادته في الخلوة وليس له أن يدفع الذم بالمراءات بطاعة الله فان ذلك استهزاء.
الثانية أن يرائي بفعل ما لا نقصان في تركه، ولكن فعله في حكم التكملة والتتمة لعبادته، كالتطويل في الركوع والسجود، ومد القيام وتحسين الهيئة في رفع اليدين، والزيادة في القراءة على السورة المعتادة، وأمثال ذلك، وكل
ذلك مما لو خلي ونفسه لكان لا يقدم عليه.
الثالثة أن يرائي بزيادات خارجة عن نفس النوافل، كحضوره الجماعة قبل القوم، وقصده الصف الأول، وتوجهه إلى يمين الامام، وما يجري مجراه، وكل ذلك مما يعلم الله منه أنه لو حلي بنفسه لكان لا يبالي من أين وقف ومتى يحرم بالصلاة، فهذه درجات الرياء بالنسبة إلى ما يرائي به وبعضه أشد من بعض، والكل مذموم.
الركن الثالث المرايا لأجله فان للمرائي مقصودا لا محالة، فإنما يرائي لادراك مال أو جاه أو غرض من الأغراض لا محالة وله أيضا ثلاث درجات:
الأولى وهي أشدها وأعظمها أن يكون مقصده التمكن من معصيته كالذي يرائي بعباداته ليعرف بالأمانة فيولى القضاء أو الأوقاف أو أمول الأيتام، فيحكم بغير الحق ويتصرف في الأموال بالباطل، وأمثال ذلك كثيرة.
الثانية أن يكون غرضه نيل حظ مباح من مال أو نكاح امرأة جميلة أو شريفة. فهذا رياء محظور لأنه طلب بطاعة الله متاع الدنيا ولكنه دون الأول.
الثالثة أن لا يقصد نيل حظ وإدراك مال أو شبهه، ولكن يظهر عبادته خيفة من أن ينظر إليه بعين النقص، ولا يعد من الخاصة والزهاد، كأن يسبق إلى الضحك أو يبدر منه المزاح، فيخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار، فيتبع ذلك بالاستغفار وتنفس الصعداء، وإظهار الحزن، ويقول: ما أعظم غفلة الانسان عن نفسه، والله يعلم منه أنه لو كان في الخلوة لما كان يثقل عليه ذلك.
فهذه درجات الرياء ومراتب أصناف المرائين، وجميعهم تحت مقت الله وغضبه وهي من أشد المهلكات.
وأما ما يحبط العمل من الرياء الخفي والجلي وما لا يحبط فنقول: إذا عقد العبد العبادة على الاخلاص ثم ورد وارد الرياء، فلا يخلو إما أن ورد عليه بعد فراغه من العمل أو قبل الفراغ، فان ورد بعد الفراغ سرور من غير إظهار فلا يحبط العمل، إذ العمل قد تم على نعت الاخلاص سالما من الرياء، فما يطرء بعده فنرجو
أن لا ينعطف عليه أثره لا سيما إذا لم يتكلف هو إظهاره والتحدث به، ولم يتمن ذكره وإظهاره، ولكن اتفق ظهوره باظهار الله إياه، ولم يكن منه إلا ما دخل من السرور والارتياح على قبله، ويدل على هذا ما سيأتي، وقد روي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول الله أسر العمل لا أحب أن يطلع عليه أحد فيطلع عليه فيسرني قال: لك أجران أجر السر وأجر العلانية.
وقال الغزالي: نعم لو تم العمل على الاخلاص من غير عقد رياء، ولكن ظهرت له بعده رغبة في الاظهار فتحدث به وأظهره فهذا مخوف، وفي الاخبار والآثار ما يدل على أنه محبط، ويمكن حملها على أن هذا دليل على أن قلبه عند العبادة لم يخل عن عقد الرياء وقصده، لما أن ظهر منه التحدث به، إذ يبعد أن يكون ما يطرء بعد العمل مبطلا للثواب بل الأقيس أن يقال إنه مثاب على عمله الذي مضى ومعاقب على مراءاته بطاعة الله بعد الفراغ منها، بخلاف ما لو تغير عقده إلى الرياء قبل الفراغ فإنه مبطل.
ثم قال المحقق المذكور: وأما إذا ورد وارد الرياء قبل الفراغ من الصلاة مثلا وكان قد عقد على الاخلاص ولكن ورد في أثنائها وارد الرياء، فلا يخلو إما أن يكون مجرد سرور لا يؤثر في العمل فهو لا يبطله وإما أن يكون رياء باعثا على العمل فختم وختم به العمل فإذا كان كذلك حبط أجره.
ومثاله أن يكون في تطوع فتجددت له نظارة أو حضر ملك من الملوك وهو يشتهي أن ينظر إليه، أو يذكر شيئا نسيه من ماله، وهو يريد أن يطلبه، ولولا الناس لقطع الصلاة فاستتمها خوفا من مذمة الناس فقد حبط أجره، وعليه الإعادة إن كان في فريضة وقد قال صلى الله عليه وآله: العمل كالوعاء إذا طاب آخره طاب أوله أي النظر إلى خاتمته، وروي من رائا بعمله ساعة حبط عمله الذي كان قبله، وهو منزل على الصلاة في هذه الصورة، لا على الصدقة، ولا على القراءة، فإن كان جزء منها منفرد فما يطرء يفسد الباقي دون الماضي والصوم والحج من قبيل الصلاة.
فأما إذا كان وارد الرياء بحيث لا يمنعه من قصد الاستتمام لأجل الثواب
كما لو حضر جماعة في أثناء صلاته ففرح بحضورهم واعتقد الرياء، وقصد تحسين الصلاة لأجل نظرهم، وكان لولا حضورهم لكان يتمها أيضا، فهذا رياء قد أثر في العمل وانتهض باعثا على الحركات، فان غلب حتى انمحق معه الاحساس بقصد العبادة والثواب وصار قصد العبادة مغمورا، فهذا أيضا ينبغي أن يفسد العبادة مهما مضى ركن من أركانها على هذا الوجه، لأنا نكتفي بالنية السابقة عند الاحرام بشرط أن لا يطرء ما يغلبها ويغمرها.
ويحتمل أن يقال لا تفسد العبادة نظرا إلى حالة العقد وإلى بقاء أصل قصد الثواب، وإن ضعف بهجوم قصد هو أغلب منه، والاقيس أن هذا القدر إذا لم يظهر أثره في العمل، بل بقي العمل صادرا عن باعث لدين وإنما انضاف إليه سرور بالاطلاع فلا يفسد العمل لأنه لا ينعدم به أصل نيته، وبقيت تلك النية باعثة على العمل، وحاملة على الاتمام، وروي في الكافي، عن أبي جعفر عليه السلام ما يدل عليه وأما الاخبار التي وردت في الرياء فهي محمولة على ما إذا لم يرد به إلا الخلق، وأما ما ورد في الشركة فهو محمول على ما إذا كان قصد الرياء مساويا لقصد الثواب أو أغلب منه، أما إذا كان ضعيفا بالإضافة إليه فلا يحبط بالكلية ثواب الصدقة وساير الأعمال وينبغي أن يفسد الصلاة ولا يبعد أيضا أن يقال إن الذي أوجب عليه صلاة خالصة لوجه الله، والخالصة ما لا يشوبه شئ فلا يكون مؤديا للواجب مع هذا الشوب والعلم عند الله فيه، فهذا حكم الرياء الطاري بعد عقد العبادة إما قبل الفراغ أو بعده.
القسم الثالث الذي يقارن حال العقد بأن يبتدئ في الصلاة على قصد الرياء فان تم عليه حتى يسلم فلا خلاف في أنه يعصي ولا يعتد بصلاته، وإن ندم عليه في أثناء ذلك واستغفر ورجع قبل التمام ففيما يلزمه ثلاثة أوجه:
قالت فرقة: لم تنعقد صلاته مع قصد الرياء فليستأنف.
وقالت فرقة: تلزمه إعادة الافعال كالركوع والسجود، وتفسد أعماله دون تحريمة الصلاة، لان التحريم عقد والرياء خاطر في قلبه لا يخرج التحريم عن كونه عقدا.
وقالت فرقة: لا تلزمه إعادة شئ بل يستغفر الله بقلبه ويتم العبادة على الاخلاص والنظر إلى خاتمة العبادة كما لو ابتدأها بالاخلاص وختم بالرياء، لكان يفسد عمله، وشبهوا ذلك بثوب أبيض لطخ بنجاسة عارضة فإذا أزيل العارض عاد إلى الأصل فقالوا: إن الصلاة والركوع والسجود لا يكون إلا لله ولو سجد لغير الله لكان كافرا ولكن قد اقترن به عارض الرياء ثم إن زال بالندم والتوبة وصار إلى حالة لا يبالي بحمد الناس وذمهم فتصح صلاته.
ومذهب الفريقين الآخرين خارج عن قياس الفقه جدا خصوصا من قال يلزمه إعادة الركوع والسجود دون الافتتاح، لان الركوع والسجود إن لم يصح صارت أفعالا زائدة في الصلاة فتبطل الصلاة، وكذلك قول من يقول لو ختم بالاخلاص صح نظرا إلى الخاتمة فهو أيضا ضعيف لان الرياء يقدح بالنية، وأولى الأوقات بمراعاة الاحكام النية حالة الافتتاح.
فالذي يستقيم على قياس الفقه هو أن يقال إن كان باعثه مجرد الرياء في ابتداء العقد دون طلب الثواب وامتثال الامر لم ينعقد افتتاحه، ولم يصح ما بعده وذلك من إذا خلا بنفسه لم يصل ولما رآه الناس يحرم بالصلاة، وكان بحيث لو كان ثوبه أيضا نجسا كان يصلي لأجل الناس، فهذه صلاة لا نية فيها إذ النية عبارة عن إجابة باعث الدين، وههنا لا باعث ولا إجابة.
فأما إذا كان بحيث لولا الناس. أيضا لكان يصلي إلا أنه ظهرت له الرغبة في المحمدة أيضا فاجتمع الباعثان فهذا إما أن يكون في صدقه أو قراءة وما ليس فيه تحريم وتحليل أو في عقد صلاة وحج، فإن كان في صدقة فقد عصى بإجابة باعث الرياء وأطاع بإجابة باعث الثواب " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " وله ثواب بقدر قصده الصحيح وعقاب بقدر قصده الفاسد ولا يحبط أحدهما الاخر.
وإن كان في صلاة يقبل الفساد بتطرق خلل إلى النية، فلا يخلو إما أن
يكون نفلا أو فرضا فإن كان نفلا فحكمها أيضا حكم الصدقة، فقد عصى من وجه وأطاع من وجه إذا اجتمع في قلبه الباعثان، وأما إذا كان في فرض واجتمع الباعثان وكان كل واحد منهما لا يستقل وإنما يحصل الانبعاث بمجموعهما فهذا لا يسقط الواجب عنه لان الايجاب لم ينتهض باعثا في حقه بمجرده واستقلاله وإن كان كل باعث مستقلا حتى لو لم يكن باعث الرياء لأدى الفرض، ولو لم يكن باعث الفرض لانشاء صلاة تطوعا لأجل الرياء، فهذا في محل النظر وهو محتمل جدا.
فيحتمل أن يقال: إن الواجب صلاة خالصة لوجه الله، ولم يؤد الواجب الخالص، ويحتمل أن يقال: إن الواجب امتثال الامر الواجب بواجب مستقل بنفسه وقد وجد، فاقتران غيره به لا يمنع سقوط الفرض عنه، كما لو صلى في دار مغصوبة فإنه وإن كان عاصيا بايقاع الصلاة في الدار المغصوبة، فإنه مطيع بأصل الصلاة، ومسقط للفرض عن نفسه، وتعارض الاحتمال في تعارض البواعث في أصل الصلاة، أما إذا كان الرياء في المبادرة مثلا دون أصل الصلاة، مثل من بادر في الصلاة في أول الوقت لحضور جماعة. ولو خلا لاخرها إلى وسط الوقت ولولا الفرض لكان لا يبتدي صلاة لأجل الرياء، فهذا مما يقطع بصحة صلاته وسقوط الفرض به، لان باعث أصل الصلاة من حيث إنها صلاة لم يعارضها غيره، بل من حيث تعيين الوقت فهذا أبعد من القدح في النية.
هذا في رياء يكون باعثا على العمل وحاملا عليه فأما مجرد السرور باطلاع الناس إذا لم يبلغ أثره حيث يؤثر في العمل فبعيد أن يفسد الصلاة، فهذا ما نراه لائقا بقانون الفقه، والمسألة غامضة من حيث إن الفقهاء لم يتعرضوا لها في فن الفقه، والذين خاضوا فيه وتصرفوا لم يلاحظوا قوانين الفقه، ومقتضى فتاوى العلماء في صحة الصلاة وفسادها، بل حملهم الحرص على تصفية القلوب وطلب الاخلاص على إفساد العبادات بأدنى الخواطر، وما ذكرناه هو الاقصد فيما نواه والعلم عند الله تعالى انتهى كلامه.
وقال الشهيد قدس الله روحه في قواعده: النية يعتبر فيها القربة، ودل عليها الكتاب والسنة، قال تعالى: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " والاخلاص فعل الطاعة خالصة لله وحده وهنا غايات ثمان الأول الرياء ولا ريب في أنه مخل بالاخلاص فيتحقق الرياء بقصد مدح الرائي أو الانتفاع به أو دفع ضرره.
فان قلت فما تقول: في العبادة المشوبة بالتقية؟ قلت: أصل العبادة واقع على وجه الاخلاص، وما فعل منها تقية فان له اعتبارين بالنظر إلى أصله وهو قربة وبالنظر إلى ما طرء من استدفاع الضرر، وهو لازم لذلك، فلا يقدح في اعتباره أما لو فرض إحداث صلاة مثلا تقية فإنها من باب الرياء، الثاني قصد الثواب أو الخلاص من العقاب أو قصدهما معا الثالث فعلها شكرا لنعم الله تعالى واستجلابا لمزيده، الرابع فعلها حياء من الله تعالى الخامس فعلها حبا لله تعالى السادس فعلها تعظيما لله تعالى ومهابة وانقيادا وإجابة السابع فعلها موافقة لإرادته وطاعة لامره الثامن فعلها لكونه أهلا للعبادة. وهذه الغاية مجمع كل كون العبادة تقع بها معتبرة وهي أكمل مراتب الاخلاص وإليه أشار الإمام الحق أمير المؤمنين عليه السلام ما عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك.
وأما غاية الثواب والعقاب فقد قطع الأصحاب بكون العبادة فاسدة بقصدها وكذلك ينبغي أن يكون غاية الحياء والشكر، وباقي الغايات الظاهر أن قصدها مجزء لان الغرض بها الله في الجملة، ولا يقدح كون تلك الغايات باعثة على العبادة أعني الطمع والرجاء والشكر والحياء لان الكتاب والسنة مشتملة على المرهبات من الحدود، والتعزيرات والذم والايعاد بالعقوبات، وعلى المرغبات من المدح والثناء في العاجل، والجنة ونعيمها في الاجل، وأما الحياء فغرض
مقصود، وقد جاء في الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله استحيوا من الله حق الحياء، ا عبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فإنه إذا تخيل الرؤية انبعث على الحياء والتعظيم والمهابة.
وعن أمير المؤمنين عليه السلام وقد قال له ذعلب اليماني - بالذال المعجمة المكسورة والعين المهملة الساكنة واللام المكسورة: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام: أفأعبد ما لا أرى، فقال: وكيف تراه؟ فقال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقايق الايمان، قريب من الأشياء غير ملامس، بعيد منها غير مبائن، متكلم بلا روية، مريد بلا همة، صانع لا بجارحة. لطيف لا يوصف بالخفاء، بعيد لا يوصف بالجفاء، بصير لا يوصف بالحاسة رحيم لا يوصف بالرقة، تعنو الوجوه لعظمته، وتوجل القلوب من مخافته.
وقد اشتمل هذا الكلام الشريف على أصول صفات الجلال والاكرام التي عليها مدار علم الكلام، وأفاد أن العبادة تابعة للرؤية، ويفسر معنى الرؤية وأفاد الإشارة إلى أن قصد التعظيم بالعباد حسن وإن لم يكن تمام الغاية، وكذلك الخوف منه تعالى.
ثم لما كان الركن الأعظم في النية هو الاخلاص، وكان انضمام تلك الأربعة غير قادح فيه فخليق أن يذكر ضمائم اخر، وهي أقسام:
الأول: ما يكون منافية له كضم الرياء ويوصف بسببه العبادة بالبطلان بمعنى عدم استحقاق الثواب، وهل يقع مجزيا بمعنى سقوط التعبد به والخلاص من العقاب؟ الأصح أنه لا يقع مجزيا ولم أعلم فيه خلافا إلا من السيد الإمام المرتضى قدس الله لطيفه فان ظاهره الحكم بالاجزاء في العبادة المنوي بها الرياء.
الثاني من الضمائم ما يكون لازما للفعل كضم التبرد والتسخن أو التنظيف
إلى نية القربة، وفيه وجهان ينظران إلى عدم تحقق معنى الاخلاص، فلا يكون الفعل مجزيا وإلى أنه حاصل لا محالة فنيته كتحصيل الحاصل الذي لا فائدة فيه وهذا الوجه ظاهر أكثر الأصحاب والأول أشبه ولا يلزم من حصوله نية حصوله ويحتمل أن يقال [إن كان الباعث الأصلي هو القربة، ثم طرء التبرد عند الابتداء في الفعل لم يضر، وإن] كان الباعث الأصلي هو التبرد فلما اراده ضم القربة لم يجزئ، وكذا إذا كان الباعث مجموع الامرين، لأنه لا أولوية فتدافعا فتساقطا فكأنه غير ناو، ومن هذا الباب ضم نية الحمية إلى القربة في الصوم، وضم ملازمة الغريم إلى القربة في الطواف والسعي والوقوف بالمشعرين.
الثالث ضم ما ليس بمناف ولا لازم، كما لو ضم إرادة دخول السوق مع نية التقرب في الطهارة أو أراد الاكل ولم يرد بذلك الكون على طهارة في هذه الأشياء فإنه لو أراد الكون على طهارة كان مؤكدا غير مناف، وهذه الأشياء وإن لم يستحب لها الطهارة بخصوصياتها إلا أنها داخلة فيما يستحب لعمومه وفي هذه الضميمة وجهان مرتبان على القسم الثاني، وأولى بالبطلان، لان ذلك تشاغل عما يحتاج إليه بما لا يحتاج إليه.
ثم قال - ره - يجب التحرز من الرياء فإنه يلحق العمل بالمعاصي وهو قسمان جلي وخفي، فالجلي ظاهر والخفي إنما يطلع عليه أولوا المكاشفة والمعاينة لله كما يروي عن بعضهم أنه طلب الغزو فتاقت نفسه إليه، فتفقدها فإذا هو يحب المدح بقولهم فلان غاز، فتركه فتاقت نفسه إليه فأقبل يعرض على ذلك الرياء، حتى أزاله، ولم يزل يتفقدها شيئا بعد شئ حتى وجد الاخلاص بعد بقاء الانبعاث فاتهم نفسه وتفقد أحوالها فإذا هي يحب أن يقال: مات فلان شهيدا لتحسن سمعته في الناس بعد موته.
وقد يكون في ابتداء النية إخلاصا وفي الأثناء يحصل الرياء فيجب التحرز منه فإنه مفسد للعمل نعم لا يتكلف بضبط هواجس النفس وخواطرها بعد إيقاع
النية في الابتداء خالصة، فان ذلك معفو عنه كما جاء في الحديث إن الله تجاوز لامتي عما حدثت به أنفسها.
2 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبيه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: اجعلوا أمركم هذا لله ولا تجعلوه للناس، فإنه ما كان لله فهو لله، وما كان للناس فلا يصعد إلى الله .
بيان: " اجعلوا أمركم هذا " أي التشيع " لله " أي خالصا له " ولا تجعلوه للناس " لا بالانفراد ولا بالاشتراك " فإنه ما كان لله " أي خالصا له " فهو لله " أي يصعد إليه ويقبله وعليه أجره " وما كان للناس " ولو بالشركة " فلا يصعد إلى الله " أي لا يرفعه الملائكة ولا يثبتونه في ديوان الأبرار، كما قال تعالى:
" إن كتاب الأبرار لفي عليين " والصعود إليه كناية عن القبول.
3 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي المغرا عن يزيد بن خليفة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كل رياء شرك إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، ومن عمل لله كان ثوابه على الله.
بيان: " كل رياء شرك " هذا هو الشرك الخفي فإنه لما أشرك في قصد العبادة غيره تعالى فهو بمنزلة من أثبت معبودا غيره سبحانه كالصنم " كان ثوابه على الناس " أي لو كان ثوابه لازما على أحد كان لازما عليهم، فإنه تعالى قد شرط في الثواب الاخلاص، فهو لا يستحق منه تعالى شيئا أو أنه تعالى يحيله يوم القيامة على الناس.
4 - الكافي: محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جراح المدايني، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا
ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " قال: الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه الله إنما يطلب تزكية الناس، يشتهي أن يسمع به الناس، فهذا الذي أشرك بعبادة ربه، ثم قال: ما من عبد أسر خيرا فذهبت الأيام أبدا حتى يظهر الله له خيرا، وما من عبد يسر شرا فذهبت الأيام حتى يظهر الله له شرا.
بيان: " فمن كان يرجو لقاء ربه " قال الطبرسي رحمه الله: أي فمن كان يطمع في لقاء ثواب ربه ويأمله، ويقر بالبعث إليه، والوقوف بين يديه، وقيل:
معناه فمن كان يخشى لقاء عقاب ربه، وقيل: إن الرجاء يشتمل على كلا المعنيين الخوف والأمل " ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " غيره من ملك أو بشر أو حجر أو شجر، وقيل: معناه لا يرائي عبادته أحدا عن ابن جبير.
وقال مجاهد: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: إني أتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله، فيذكر ذلك مني وأحمد عليه، فيسرني ذلك واعجب به، فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يقل شيئا فنزلت الآية قال عطا عن ابن عباس إن الله تعالى قال: ولا يشرك به لأنه أراد العمل الذي يعمل الله، ويحب أن يحمد عليه، قال: ولذلك يستحب للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسمها كيلا يعظمه من يصل بها.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ، فهو للذي أشرك، أو رده مسلم في الصحيح، وروي عن عبادة بن الصامت وشداد بن الأوس قالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من صلى صلاة يرائي بها فقد أشرك، ومن صام صوما يرائي به، فقد أشرك ثم قرء هذه الآية.
وروي أن أبا الحسن الرضا عليه السلام دخل يوما على المأمون فرآه يتوضأ للصلاة والغلام يصب على يده الماء فقال: لا تشرك بعبادة ربك أحدا، فصرف
المأمون الغلام، وتولى إتمام وضوئه بنفسه انتهى.
وأقول: الرواية الأخيرة تدل على أن المراد بالشرك هنا الاستعانة في العبادة، وهو مخالف لسائر الاخبار، ويمكن الجمع بحملها على الأعم منها فان الاخلاص التام هو أن لا يشرك لا في القصد ولا في العمل غيره سبحانه.
" تزكية الناس " أي مدحهم " أن يسمع به " على بناء الافعال " ما من عبد أسر خيرا " أي عملا صالحا بأن أخفاه عن الناس لئلا يشوب بالرياء أو أخفى في قلبه نية حسنة خالصة " فذهبت الأيام أبدا " قوله: " أبدا " متعلق بالنفي في قوله:
" ما من عبد " حتى يظهر الله له خيرا " " حتى " للاستثناء أي يظهر الله ذلك العمل الخفي للناس أو تلك النية الحسنة، وصرف قلوبهم إليه ليمدحوه ويوقروه فيحصل له مع ثناء الله ثناء الناس.
وعلى الاحتمال الأول يدل على أن إسرار الخير أحسن من إظهاره، ولكل فايدة أما فائدة الاسرار فالتحرز من الرياء، وأما فائدة الاظهار فترغيب الناس في الاقتداء به وتحريكهم إلى فعل الخير، وقد مدح الله كليهما، وفضل الاسرار في قوله سبحانه: " إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ".
ويظهر من بعض الأخبار أن الاخفاء في النافلة أفضل، والابداء في الفريضة أحسن، ويمكن القول باختلاف ذلك بحسب اختلاف أحوال الناس، فمن كان آمنا من الرياء، فالاظهار منه أفضل، ومن لم يكن آمنا فالاخفاء أفضل، والأول أظهر لتأييده بالخبر.
قال المحقق الأردبيلي رحمه الله: المشهور بين الأصحاب أن الاظهار في الفريضة أولى سيما في المال الظاهر، ولمن هو محل التهمة لرفع تهمة عدم الدفع وبعده عن الرياء، ولان يتبعه الناس في ذلك، والاخفاء في غيرها ليسلم من الرياء
والمروي عن ابن عباس أن صدقة التطوع إخفاؤها أفضل، وأما المفروضة فلا يدخلها الرياء، ويلحقها تهمة المنع باخفائها فاظهارها أفضل، وما رواه في مجمع البيان عن علي بن إبراهيم باسناده إلى الصادق عليه السلام قال الزكاة المفروضة تخرج علانية، وتدفع علانية، وغير الزكاة إن دفعها سرا فهو أفضل، فان ثبت صحته أو صحة مثله، فتخصص الآية وتفصل به، وإلا فهي على عمومها، ومعلوم دخول الرياء في الزكاة المفروضة كما في ساير العبادات المفروضة، ولهذا اشترط في النية عدمه، ولو تمت التهمة لكانت مختصة بمن يتهم انتهى.
" وما من عبد يسر شرا " أي عملا قبيحا أو رياء في الأعمال الصالحة فان الله يفضحه بهذا العمل القبيح، إن داوم عليه ولم يتب، عند الناس، وكذا الرياء الذي أصر عليه، فيترتب على إخفائه نقيض مقصود على الوجهين.
5 - الكافي: علي ابن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن محمد بن عرفة قال: قال لي الرضا عليه السلام: ويحك يا ابن عرفة اعملوا لغير رياء ولا سمعة، فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل، ويحك ما عمل أحد عملا إلا رداه الله به إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
بيان: في النهاية ويح كلمة ترحم وتوجع، يقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد يقال بمعنى المدح والتعجب وهي منصوبة على المصدر، وقد ترفع وتضاف ولا تضاف انتهى والسمعة بالضم، وقد يفتح يكون على وجهين أحدهما أن يعمل عملا ويكون غرضه عند العمل سماع الناس له، كما أن الرياء هو أن يعمل ليراه الناس فهو قريب من الرياء، بل نوع منه، وثانيهما أن يسمع عمله الناس بعد الفعل، والمشهور أنه لا يبطل عمله، بل ينقص ثوابه أو يزيله كما سيأتي وكأن المراد هنا الأول.
في القاموس: وما فعله رياء ولا سمعة، ويضم ويحرك وهي ما نوه
بذكره ليرى ويسمع انتهى.
" إلى من عمل " أي إلى من عمل له، وفي بعض النسخ إلى ما عمل أي إلى عمله أي لا ثواب له إلا أصل عمله، وما قصده به، إذ ليس له إلا التعب " إلا رداه الله به " رداه تردية ألبسه الرداء أي يلبسه الله رداء بسبب ذلك العمل، فشبه عليه السلام الأثر الظاهر على الانسان بسب العمل بالرداء فإنه يلبس فوق الثياب ولا يكون مستورا بثوب آخر.
" إن خيرا فخيرا " أي إن كان العمل خيرا كان الرداء خيرا وإن كان العمل شرا كان الرداء شرا والحاصل أن من عمل شرا إما بكونه في نفسه أو بكونه مشوبا بالرياء يظهر الله أثر ذلك عليه ويفضحه بين الناس وكذا إذا عمل عملا خيرا وجعله لله خالصا ألبسه الله أثر ذلك العمل وأظهر حسنه للناس كما مر في الخبر السابق وقيل: شبه العمل بالرداء في الإحاطة والشمول إن خيرا فخيرا أي إن كان عمله خيرا فكان جزاؤه خيرا، وكذا الشرور، وربما يقرء رداءه بالتخفيف والهمزة يقال:
رداءه به أي جعله له رداءا وقوة وعمادا، ولا يخفى ما فيهما من الخبط والتصحيف وسيأتي ما يأبى عنهما.
6 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عمر بن يزيد قال: إني لأتعشى عند أبي عبد الله عليه السلام إذ تلا هذه الآية " بل الانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره " يا أبا حفص ما يصنع الانسان أن يتقرب
إلى الله عز وجل بخلاف ما يعلم الله، إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: من أسر سريرة رداه الله رداءها إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا.
بيان: التعشي أكل الطعام آخر النهار أو أول الليل في القاموس العشي والعشية آخر النهار، والعشاء كسماء طعام العشي، وتعشى: أكله.
" بل الانسان على نفسه بصيرة " قال البيضاوي: أي حجة بينة على أعمالها لأنه شاهد بها، وصفها بالبصارة على سبيل المجاز، أو عين بصيرة بها فلا يحتاج إلى الانباء " ولو ألقى معاذيره " أي ولو جاء بكل ما يمكن أن يعتذر به، جمع معذار وهو العذر أو جمع معذرة، على غير قياس كالمناكير في المنكر، فان قياسه معاذر انتهى والتوجيه الأول لبصيرة لأكثر المفسرين والثاني نقله النيسابوري ، عن الأخفش فإنه جعل الانسان بصيرة . كما يقال: فلان كرم لأنه يعلم بالضرورة متى رجع إلى عقله أن طاعة خالقه واجبة. وعصيانه منكر، فهو حجة على نفسه، بعقله السليم، ونقل عن أبي عبيدة أن التاء للمبالغة كعلامة، وقال في قوله تعالى:
" ولو ألقى معاذيره " هذا تأكيد أي ولو جاء بكل معذرة يحاج بها عن نفسه فإنها لا تنفعه، لأنها لا تخفي شيئا من أفعاله، فان نفسه وأعضاءه تشهد عليه قال: قال الواحدي والزمخشري: المعاذير اسم جمع للمعذرة كالمناكير للمنكر ولو كان جمعا لكان معاذر بغير ياء، ونقل عن الضحاك والسدي أن المعاذير جمع المعذار، وهو الستر والمعنى أنه وإن أسبل الستور أن يخفى شئ من عمله قال الزمخشري: إن صح هذا النقل في التسمية أن الستر يمنع رؤية المحتجب، كما يمنع المعذرة عقوبة المذنب انتهى.
" يا أبا حفص " أي قال ذلك " ما يصنع الانسان " استفهام على الانكار، والغرض التنبيه على أنه لا ينفعه في آخرته ولا في دنياه أيضا لما سيأتي " أن يتقرب إلى الله " أي يفعل ما يفعله المتقرب ويأتي بما يتقرب به، وإن كان ينوي به أمرا آخر
" بخلاف ما يعلم الله " أي من باطنه، فإنه يظهر ظاهرا أنه يعمل العمل لله، ويعلم الله من باطنه أنه يفعله لغير الله أو أنه ليس خالصا لله، وقيل: المعنى أن التقرب بهذا العمل المشترك إلى الله تعالى تقرب بخلاف ما يعلم الله أنه موجب للتقرب.
والسريرة ما يكتم: " رداه الله رداءها " كأنه جرد التردية عن معنى الرداء واستعمل بمعنى الالباس، وسيأتي " ألبسه الله ".
وقد مر أنه استعير الرداء للحالة التي تظهر على الانسان، وتكون علامة لصلاحه أو فساده.
7 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: إن الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجا به فإذا صعد بحسناته يقول الله عز وجل اجعلوها في سجين إنه ليس إياي أراد به.
بيان: الابتهاج السرور، والباء في قوله: " بعمل " و " بحسناته " للملابسة ويحتمل التعدية، وقوله " ليصعد " أي يشرع في الصعود وقوله " فإذا صعد " أي تم صعوده، ووصل إلى موضع يعرض فيه الأعمال على الله تعالى، وقوله: " بحسناته " من قبيل وضع المظهر موضع المضمر تصريحا بأن العمل من جنس الحسنات، أو هو منها بزعمه أي أثبتوا تلك الأعمال التي تزعمون أنها حسنات في ديوان الفجار الذي هو في سجين كما قال تعالى " إن كتاب الفجار لفي سجين ".
وفي القاموس سجين كسكين موضع فيه كتاب الفجار وواد في جهنم أعاذنا الله منها، أو حجر في الأرض السابعة، وقال البيضاوي " إن كتاب الفجار " ما يكتب من أعمالهم أو كتابة أعمالهم " لفي سجين " كتاب جامع لأعمال الفجرة من الثقلين كما قال تعالى: " وما أدريك ما سجين * كتاب مرقوم " أي مسطور بين الكتابة ثم قال: وقيل هو اسم المكان والتقدير ما كتاب السجين أو محل كتاب مرقوم فحذف المضاف.
" اجعلوها " الخطاب إلى الملائكة الصاعدين، فالمراد بالملك أولا الجنس أو إلى ملائكة الرد والقبول، والضمير المنصوب للحساب " ليس إياي أراد " تقديم الضمير للحصر أي لم يكن مراده أنا فقط بل أشرك معي غيري.
8 - الكافي: باسناده قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ثلاث علامات للمرائي، ينشط إذا رأى الناس، ويكسل إذا كان وحده، ويحب أن يحمد في جميع أموره.
بيان: في القاموس نشط كسمع نشاطا بالفتح: طابت نفسه للعمل وغيره وقال: الكسل محركة التثاقل عن الشئ والفتور فيه كسل كفرح انتهى والنشاط يكون قبل العمل وباعثا للشروع فيه، ويكون بعده وسببا لتطويله وتجويده، " في جميع أموره " أي في جميع طاعاته وتركه للمنهيات أو الأعم منهما ومن أمور الدنيا.
9 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى عن علي بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال الله عز وجل: أنا خير شريك من أشرك معي غيري في عمل عمله لم أقبله إلا ما كان لي خالصا.
بيان: " أنا خير شريك " لأنه سبحانه غني لا يحتاج إلى الشركة، وإنما يقبل الشركة من لم يكن غنيا بالذات، فلا يقبل العمل المخلوط لرفعته وغناه أو المراد أني محسن إلى الشركاء أدع إليهم ما كان مشتركا بيني وبينهم ولا أقبله وقيل: إن هذا الكلام مبني على التشبيه، والاستثناء في قوله: " إلا ما كان " منقطع.
10 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن داود، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أظهر للناس ما يحب الله، وبارز الله بما كرهه، لقى الله وهو ماقت له.
بيان: " بارز الله " كأن المراد به أبرز وأظهر الله بما كرهه الله من المعاصي
فان ما يفعله في الخلوة يراه الله ويعلمه، والمستفاد من اللغة أنه من المبارزة في الحرب، فان من يعصى الله سبحانه بمرئى منه ومسمع فكأنه يبارزه ويقاتله، في القاموس: بارز القرآن مبارزة وبرازا: برز إليه.
11 - الكافي: أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن فضل أبي العباس، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا ويسر سيئا أليس يرجع إلى نفسه فيعلم أن ذلك ليس كذلك، والله عز وجل يقول: " بل الانسان على نفسه بصيرة " إن السريرة إذا صحت قويت العلانية.
الكافي: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن فضالة عن معاوية، عن الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.
بيان: " ويسر سيئا " أي نية سيئة ورئاء أو أعمالا قبيحة، والأول أظهر " فيعلم أن ذلك ليس كذلك " أي يعلم أن عمله ليس بمقبول لسوء سريرته، وعدم صحة نيته " إن السريرة إذا صحت " أي إن النية إذا صحت قويت الجوارح على العمل، كما ورد: لا يضعف بدن عما قويت عليه النية، وروى أن في ابن آدم مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، إلا وهي القلب، لكن هذا المعنى لا يناسب هذا المقام كما لا يخفى، ويمكن أن يكون المراد بالقوة القوة المعنوية أي صحة العمل، وكمالها، وقيل: المراد بالعلانية الرداء المذكور سابقا أي أثر العمل.
وأقول: يحتمل أن يكون المعنى قوة العلانية على العمل دائما لا بمحضر الناس فقط.
12 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما من عبد يسر خيرا إلا لم تذهب الأيام حتى يظهر الله تعالى له خيرا، وما من عبد يسر شرا إلا لم تذهب الأيام حتى يظهر له شرا.
13 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن يحيى بن بشير، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: من أراد الله عز وجل بالقليل من عمله، أظهر [ه] الله له أكثر مما أراد، ومن أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه، وسهر من ليله، أبى الله عز وجل إلا أن يقلله في عين من سمعه.
بيان: " أظهر الله له " في بعض النسخ: " أظهره الله له " فالضمير للقليل أو للعمل، و " أكثر " صفة للمفعول المطلق المحذوف " مما أراد " أي مما أراد الله به، والمراد إظهاره على الناس، ونسبة السهر إلى الليل على المجاز فضمير " يقلله " للكثير أو العمل، وقد يقال: الضمير للموصول، فالتقليل كناية عن التحقير كما وري أن رجلا من بني إسرائيل قال: لاعبدن الله عبادة أذكر بها فمكث مدة مبالغا في الطاعات وجعل لا يمر بملاء من الناس إلا قالوا: متصنع مراء، فأقبل على نفسه. وقال: قد أتعبت نفسك، وضيعت عمرك في لا شئ فينبغي أن تعمل لله سبحانه، فغير نيته، وأخلص عمله لله، فجعل لا يمر بملاء من الناس إلا قالوا: ورع تقي.
14 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم، وتحسن فيه علانيتهم، طمعا في الدنيا، لا يريدون به ما عند ربهم يكون دينهم، رياء لا يخالطهم خوف، يعمهم الله بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم.
بيان: " سيأتي " السين للتأكيد أو للاستقبال القريب " تخبث " كتحسن " سرائرهم " بالمعاصي أو بالنيات الخبيثة الريائية " طمعا " مفعول له لتحسن " لا يريدون به " الضمير لحسن العلانية أو للعمل المعلوم بقرينة المقام " يكون دينهم " أي عباداتهم الدينية أو أصل إظهار الدين " رياء " لطلب المنزلة في قلوب الناس والباء في قوله: " بعقاب " للتعدية " دعاء الغريق " أي كدعاء من أشرف على الغرق
فان الاخلاص والخضوع فيه أخلص من سائر الأدعية لانقطاع الرجاء عن غيره سبحانه، وما قيل: من أن المعنى من غرق في ماء دموعه فلا يخفى بعده، وعدم الإجابة لعدم عملهم بشرائطها وعدم وفائهم بعهوده تعالى كما قال تعالى: " أوفوا بعهدي أوف بعهدكم " وسيأتي الكلام فيه في كتاب الدعاء إنشاء الله تعالى ولا يبعد أن يكون العقاب إشارة إلى غيبة الإمام عليه السلام.
15 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عمر بن يزيد قال: إني لأتعشى مع أبي عبد الله عليه السلام إذ تلا هذه الآية " بل الانسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره " يا أبا حفص ما يصنع الانسان أن يعتذر إلى الناس بخلاف ما يعلم الله منه، إن رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من أسر سريرة ألبسه الله رداءها إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا.
بيان: قد مر بعينه سندا ومتنا ولا اختلاف إلا في قوله: " أن يعتذر إلى الناس " وقوله: ألبسه الله " وكأنه أعاده لاختلاف النسخ في ذلك وهو بعيد ولعله كان على السهو، وما هنا كأنه أظهر في الموضعين، والاعتذار إظهار العذر وطلب قبوله، وقيل: لعل المراد به هو الحث على التسوية بين السريرة والعلانية بحيث لا يفعل سر اما لو ظهر لاحتاج إلى العذر، ومن البين أن الخير لا يحتاج إلى العذر، وإنما المحتاج إليه هو الشر، ففيه ردع عن تعلق السر بالشر مخالفا للظاهر، وهذا كما قيل لبعضهم: عليك بعمل العلانية، قال: وما عمل العلانية؟
قال: ما إذا اطلع الناس عليك لم تستحي منه، وهذا مأخوذ من كلام أمير المؤمنين عليه السلام على ما ذكره صاحب العدة حيث يقول عليه السلام: إياك وما تعتذر منه فإنه لا تعتذر من خير، وإياك وكل عمل في السر تستحيي منه في العلانية، وإياك
وكل عمل إذا ذكر لصاحبه أنكره.
16 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي ابن أسباط، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: الابقاء على العمل أشد من العمل قال: وما الابقاء على العمل، قال: يصل الرجل بصلة وينفق نفقة لله وحده لا شريك له، فتكتب له سرا ثم يذكرها فتمحى فتكتب له علانية ثم يذكرها فتمحى وتكتب له رياء.
بيان: " الابقاء على العمل " أي حفظه ورعايته والشفقة عليه من ضياعه، في النهاية يقال: أبقيت عليه ابقي إبقاء إذا رحمته وأشفقت عليه، والاسم البقيا، وفي الصحاح أبقيت على فلان إذا رعيت عليه ورحمته، قوله صلى الله عليه وآله:
" يصل " هو بيان لترك الابقاء ليعرف الابقاء فان الأشياء تعرف باضدادها، " فتكتب " على بناء المجهول، والضمير المستتر راجع إلى كل من الصلة والنفقة، وسرا وعلانية، ورياء كل منها منصوب ومفعول ثان لتكتب، وقوله: " فتمحى " على بناء المفعول من باب الافعال، ويمكن أن يقرء على بناء المعلوم من باب الافتعال بقلب التاء ميما.
" فتكتب له علانية " أي يصير ثوابه أخف وأقل " وتكتب له رياء " أي يبطل ثوابه، بل يعاقب عليه، وقيل: كما يتحقق الرياء في أول العبادة ووسطها كذلك يتحقق بعد الفراغ منها، فيجعل ما فعل لله خالصا في حكم ما فعل لغيره فيبطلها كالأولين عند علمائنا، بل يوجب الاستحقاق للعقوبة أيضا عند الجميع وقال الغزالي، لا يبطلها لان ما وقع صحيحا فهو صحيح لا ينتقل من الصحة إلى
الفساد، نعم الرياء بعده حرام يوجب استحقاق العقوبة، وقد مر بسط القول فيه.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.