بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
باب فضل الفقر والفقراء وحبهم
ج ۶۸، ص ۴۲۸–۲۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
الفرقان: تبارك الذي ان شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا.
الزخرف: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤن * وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين.
الفجر: فاما الانسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه وقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن.
تفسير: " واصبر نفسك " أي احبسها وثبتها قال الطبرسي رحمه الله في نزولها: انها نزلت في سلمان وأبي ذر وصهيب وعمار وخباب وغيرهم من فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وذلك أن المؤلفة قلوبهم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وذووهم فقالوا يا رسول الله إن جلست في صدر المجلس ونحيت عنا هؤلاء وروائح صنانهم وكانت عليهم جباب الصوف - جلسنا نحن إليك وأخذنا عنك، فما يمنعنا من الدخول عليك الا هؤلاء، فلما نزلت الآية قام النبي صلى الله عليه وآله فأصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله فقال:
الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات.
" مع الذين يدعون " الخ أي يداومون على الصلوات والدعاء عند الصباح والمساء لا شغل لهم غيره، فيستفتحون يومهم بالدعاء، ويختمونه بالدعاء " يريدون وجهه " أي رضوانه وقيل: يريدون تعظيمه والقربة إليه دون الرئاء والسمعة " ولا تعد عيناك عنهم " أي ولا تتجاوز عيناك عنهم بالنظر إلى غيرهم من أبناء الدنيا " تريد زينة الحياة الدنيا " تريد في موضع الحال أي مريدا مجالسة أهل الشرف والغنا وكان النبي صلى الله عليه وآله حريصا على إيمان العظماء من المشركين طمعا في إيمان أتباعهم ولم يمل إلى الدنيا وزينتها قط ولا إلى أهلها، وإنما كان يلين في بعض الأحايين للرؤساء طمعا في إيمانهم، فعوتب بهذه الآية، وامر بالاقبال على فقراء المؤمنين
وأن لا يرفع بصره عنهم إلى مجالسة الاشراف.
" ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا " قيل: فيه أقوال: أحدها أن معناه ولا تطع من جعلنا قلبه غافلا عن ذكرنا بتعريضه للغفلة، ولهذا قال: " واتبع هواه " ومثله " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم " وثانيها: نسبنا قلبه إلى الغفلة كما يقال: أكفره إذا نسبه إلى الكفر، وثالثها صادفناه غافلا، ورابعها جعلناه غفلا لم نسمه بسمة قلوب المؤمنين، ولم نعلم فيه علامة لتعرفه الملائكة بتلك السمة، وخامسها تركنا قلبه وخذلناه، وخلينا بينه وبين الشيطان بتركه أمرنا " واتبع هواه " أي في شهواته وأفعاله " وكان أمره فرطا " أي سرفا وإفراطا وتجاوزا عن الحد أو ضياعا وهلاكا.
وأقول: فيها مدح عظيم للفقراء، وحث على مصاحبتهم ومجالستهم، إذا كانوا زاهدين في الدنيا، مواظبين على ذكر الله والصلوات، ومنع عن مجالسة الأغنياء المتكبرين اللاهين عن الله.
قوله تعالى: " تبارك " أي تقدس " الذي إن شاء جعل لك " أي في الدنيا " خيرا من ذلك " أي مما قالوا " ويجعل لك قصورا " في الدنيا أو في الآخرة على القراءتين ومعلوم من السياق أن الآخرة خير من الدنيا، واختارها الله لأحب خلقه.
" ولولا أن يكون الناس " قد مر تفسيره مرارا.
قوله سبحانه: " فأما الانسان إذا ما ابتلاه ربه " أي اختبره وامتحنه بالنعمة " فأكرمه " بالمال " ونعمه " بما وسع عليه من أنواع الافضال " فيقول ربي أكرمن " أي فيفرح بذلك ويسر.
1 - المؤمن: باسناده عن الأصبغ قال: كنت عند أمير المؤمنين عليه السلام قاعدا فجاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين والله إني لأحبك في الله، فقال: صدقت إن
طينتنا مخزونة أخذ الله ميثاقها من صلب آدم عليه السلام فاتخذ للفقر جلبابا فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: والله يا علي إن الفقر لأسرع إلى محبيك من السيل إلى بطن الوادي.
2 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبان بن عبد الملك قال: حدثني بكر الأرقط، عن أبي عبد الله عليه السلام أو عن شعيب، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه دخل عليه واحد، فقال له، أصلحك الله إني رجل منقطع إليكم بمودتي وقد أصابتني حاجة شديدة، وقد تقربت بذلك إلى أهل بيتي وقومي، فلم يزدني بذلك منهم إلا بعدا قال: فما آتاك الله خير مما أخذ منك قال: جعلت فداك ادع الله أن يغنيني عن خلقه، قال: إن الله قسم رزق من شاء على يدي من شاء، ولكن اسأل الله أن يغنيك عن الحاجة التي تضطرك إلى لئام خلقه.
بيان: " أصلحك الله " مشتمل على سوء أدب الا أن يكون المراد إصلاح أحوالهم في الدنيا، وتمكينهم في الأرض ودفع أعدائهم، أو أنه جرى ذلك على لسانهم لالفهم به، فيما يجري بينهم من غير تحقيق لمعناه، ومورده " إني رجل منقطع إليكم " كأنه ضمن الانقطاع معنى التوجه أي منقطع عن الخلق متوجها إليكم بسبب مودتي لكم أو مودتي مختصة بكم " وقد تقربت بذلك " الإشارة إما إلى مصدر أصابتني أو إلى الحاجة والمستتر في قوله: " فلم يزدني " راجع إلى مصدر تقربت، ومرجع الإشارة ما تقدم، وقوله: " إلا بعدا " استثناء مفرغ، وهو مفعول لم يزدني أي لم يزدني التقرب منهم بسبب فقري شيئا إلا بعدا منهم.
" فما آتاك الله " قيل: الفاء للتفريع على قوله: " إني رجل منقطع إليكم " فقوله: " ما آتاك الله " المودة، وقيل: هو الفقر والأول أظهر " مما أخذ منك " أي المال " إلى لئام خلقه " اللئام جمع اللئيم، وفي المصباح لؤم بضم الهمزة لؤما فهو لئيم يقال ذلك للشحيح والدني النفس والمهين ونحوهم، لان اللؤم ضد الكرم ويومي الحديث إلى أن الفقر المذموم ما يصير سببا لذلك، وغيره ممدوح وذمه لان اللئيم لا يقضي حاجة أحد وربما يلومه في رفع الحاجة إليه، وإذا قضاه لا يخلو من منة، ويمكن أن يشمل الظالم والفاسق المعلن بفسقه، وفي كثير من الأدعية اللهم لا تجعل لظالم ولا فاسق على يدا ولا منة، وذلك لان القلب مجبول على حب من أحسن إليه، وفي حب الظالم معاصي كثيرة كما قال تعالى: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ".
3 - الكافي: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الفقر الموت الأحمر، فقلت لأبي عبد الله عليه السلام: الفقر من الدينار والدرهم؟ فقال: لا، ولكن من الدين.
بيان: قال في النهاية، وفيه: تعلمون ما في هذه الأمة من الموت الأحمر يعنى القتل لما فيه من حمرة الدم أو لشدته يقال: موت أحمر أي شديد، ومنه حديث علي عليه السلام: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله أي إذا اشتدت الحرب استقبلنا العدو به وجعلناه لنا وقاية، وقيل: أراد إذا اضطرمت نار الحرب وتسعرت كما يقال في الشر بين القوم اضطرمت نارهم تشبيها بجمرة النار، وكثيرا ما يطلقون الحمرة على الشدة.
" ولكن من الدين " نظيره قول أمير المؤمنين عليه السلام: الفقر والغنى بعد العرض على الله والمعنى أنهما يظهر ان بعد الحساب وهو ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وآله
بقوله: أتدرون ما المفلس؟ فقيل: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع له، فقال:
المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فان فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار، بل قد يقال: إن المفلس حقيقة هو هذا.
ويحتمل أن يراد بقوله عليه السلام: " ولكن من الدين " الفقر القلبي وضده الغنى القلبي فالفقير على هذا من ليس له في الدين معرفة وعلم بأحكامه ولا تقوى ولا ورع وغيرها من الصفات الحسنة كذا قيل، وأقول يحتمل أن يكون المعنى الذي يضر بالدين ولا يصبر عليه ويتوسل بالظالمين والفاسقين كما مر.
4 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن سنان عن العلا، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن فقراء المؤمنين يتقلبون في رياض الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا ثم قال: سأضرب لك مثل ذلك إنما مثل ذلك مثل سفينتين مر بهما على عاشر فنظر في إحداهما فلم ير فيها شيئا فقال: أسربوها، ونظر في الأخرى فإذا هي موقرة فقال: احبسوها.
بيان: في القاموس: تقلب في الأمور تصرف كيف شاء، وقال في النهاية:
فيه: فقراء أمتي يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا: الخريف الزمان المعروف من فصول السنة ما بين الصيف والشتاء، ويريد به أربعين سنة لان الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، فإذا انقضى أربعون خريفا فقد مضت أربعون سنة انتهى.
وروى في معاني الأخبار بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن عبدا مكث في النار سبعين خريفا والخريف سبعون سنة إلى آخر الخبر، وفسره صاحب المعالم بأكثر من ذلك وفي بعض الروايات أنه ألف عام، والعام ألف سنة، وقيل:
إن التفاوت بهذه المدة إذا كان الأغنياء من أهل الصلاح والسداد وأدوا الحقوق الواجبة، ولم يكتسبوا من وجه الحرام، فيكون حبسهم بمجرد خروجهم من عهدة الحساب والسؤال عن مكسب المال ومخرجه، وإلا فهم على خطر عظيم.
" مر بهما " على بناء المجهول والباء للتعدية والظرف نائب الفاعل، والعاشر من يأخذ العشر على الطريق، في المصباح: عشرت المال عشرا من باب قتل وعشورا أخذت عشره، واسم الفاعل عاشر وعشار " فقال: أسربوها " على بناء الافعال أي أرسلوها وخلوها تذهب، والسارب الذاهب على وجهه في الأرض " فإذا هي موقرة " بفتح القاف أو كسرها، في القاموس: الوقر بالكسر: الحمل الثقيل أو أعم وأوقر الدابة إيقارا وقرة ودابة وقرى: موقرة، ورجل موقر ذو وقر ونخلة موقرة وموقره وموقر وموقرة.
" فقال احبسوها " بالامر من باب ضرب والتشبيه في غاية الحسن والكمال والحديث يدل على أن الفقر أفضل من الغنى، ومن الكفاف للصابر، وما وقع في بعض الروايات من استعاذتهم عليهم السلام من الفقر يمكن حمله على الاستعاذة من الفقر الذي لا يكون معه صبر، ولا ورع يحجزه عما لا يليق بأهل الدين أو على فقر القلب أو على فقر الآخرة، وقد صرح به بعض العلماء ودل عليه بعض الروايات.
وللعامة في تفضيل الفقر على الغنى والكفاف أو العكس أربعة أقوال: ثالثها الكفاف أفضل ورابعها الوقف، ومعنى الكفاف ان لا يحتاج ولا يفضل، ولا ريب أن الفقر أسلم وأحسن بالنسبة إلى أكثر الناس، والغنى أحسن بالنسبة إلى بعضهم فينبغي أن يكون المؤمن راضيا بكل ما أعطاه الله وعلم صلاحه فيه وسؤال الفقر لم يرد في الأدعية بل ورد في أكثرها الاستعاذة عن الفقر الذي يشقى به، وعن الغنى الذي يصير سببا لطغيانه.
5 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن سعدان قال: قال
أبو عبد الله عليه السلام: المصائب منح من الله، والفقر مخزون عند الله.
بيان: " منح من الله " المنح بكسر الميم وفتح النون جمع منحة بالكسر وهي العطية، في القاموس: منحة كمنعه وضربه أعطاه، والاسم المنحة بالكسر وأقول: الخبر يحتمل وجهين.
أحدهما أن ثواب المصائب منح وعطايا يبذلها الله في الدنيا، وثواب الفقر مخزون عند الله لا يعطيه إلا في الآخرة لعظمه وشرافته والدنيا لا يصلح أن يكون عوضا عنه.
وثانيهما أن المصائب عطايا من الله عز وجل يعطيها من يشاء من عباده والفقر من جملتها مخزون عنده، عزيز لا يعطيه إلا من خصه بمزيد العناية، ولا يعترض أحد بكثرة الفقراء، وذلك لان الفقير هنا من لا يجد الا القوت من التعفف ولا يوجد من هذه صفته في ألف ألف واحد.
أقول: أو المراد به الفقر الذي يصير سببا لشدة الافتقار إلى الله، ولا يتوسل معه إلى المخلوقين، ويكون معه أعلا مراتب الرضا، وفيه تنبيه على أنه ينبغي أن يفرح صاحب المصيبة بها كما يفرح صاحب العطية بها.
6 - الكافي: عن العدة، عن البرقي رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي إن الله جعل الفقر أمانة عند خلقه فمن سره أعطاه الله مثل أجر الصائم القائم، ومن أفشاه إلى من يقدر على قضاء حاجته فلم يفعل فقد قتله، أما إنه ما قتله بسيف ولا رمح ولكنه قتله بما نكى من قلبه.
بيان: " فقد قتله " أي قتل المسؤول السائل، والعكس كما زعم بعيد جدا في المصباح نكأت القرحة انكأها مهموز بفتحتين قشرتها ونكيت في العدو نكأ من باب نفع أيضا لغة في نكيت فيه أنكى من باب رمى والاسم النكاية بالكسر إذا قتلت وأثخنت.
7 الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن محمد بن علي، عن داود الحذاء
عن محمد بن صغير، عن جده شعيب، عن مفضل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كلما ازداد العبد إيمانا ازداد ضيقا في معيشته.
وبإسناده قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لولا الحاح المؤمنين على الله في طلب الرزق لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى حال أضيق منها.
بيان: الازدياد هنا لازم بمعنى الزيادة " وإيمانا وضيقا " تميزان وفي المصباح ازداد الشئ زاد وازددت مالا زدته لنفسي زيادة على ما كان، ويؤيده ما نسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام:
وكم من أديب عالم فطن * مستكمل العقل مقل عديم وكم من جهول يكثر ماله * ذاك تقدير العزيز العليم والسر ما مر من فوائد الابتلاء من المثوبات التي ليس لها انتهاء وأيضا الاكثار موجب للتكبر والخيلاء، واحتقار الفقراء، والخشونة والقسوة والجفاء والغفلة عن الله سبحانه، بسبب اشتغالهم بحفظ أموالهم وتنميتها، مع كثرة ما يجب عليهم من الحقوق التي قل من يؤديها، وبذلك يتعرضون لسخط الله تعالى والفقراء مبرؤون من ذلك، مع توسلهم بربهم وتضرعهم إليه وتوكلهم عليه، وقربهم عنده بذلك مع سائر الخلال الحميدة التي لا تنفك عن الفقر إذا صبر على الشدائد التي هي من قواصم الظهر.
8 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن بعض أصحابه رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما اعطى عبد من الدنيا إلا اعتبارا، ولا زوي عنه إلا اختبارا.
بيان: " إلا اعتبارا " مفعول له، وكذا " اختبارا " وكأن المعنى لا يعطيه إلا ليعتبر به غيره، فيعلم أنه لا خير فيه، لما يظهر للناس من مفاسده الدنيوية والأخروية أو ليعتبر بحال الفقراء، فيشكر الله على الغنا، ويعين الفقراء كما مر في حديث آدم عليه السلام حيث سأل عن سبب اختلاف ذريته فقال تعالى في سياق جوابه:
وينظر الغني إلى الفقير فيحمدني ويشكرني وينظر الفقير إلى الغني فيدعوني ويسألني
لكن الأول في هذا المقام أنسب.
وقوله " إلا اختبارا " في بعض النسخ بالياء المثناة التحتانية أي لأنه اختاره وفضله وأكرمه بذلك، وفي بعضها بالموحدة أي امتحانا فإذا صبر كان خيرا له والابتلاء والاختبار في حقه تعالى مجاز باعتبار أن فعل ذلك مع عباده ليترتب عليه الجزاء شبيه بفعل المختبر منا مع صاحبه والا فهو سبحانه عالم بما يصدر عن العباد قبل صدوره عنهم و " زوي " على بناء المجهول، في القاموس: زواه زيا وزويا نحاه فانزوى، وسيره عنه: طواه والشئ جمعه وقبضه وأقول نائب الفاعل ضمير الدنيا وقيل: هذا مخصوص بزمان دولة الباطل، لئلا ينافي ما سيأتي من الاخبار في كتاب المعيشة.
9 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الأشعري، عن بعض مشايخه، عن إدريس بن عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي الحاجة أمانة الله عند خلقه، فمن كتمها على نفسه أعطاه الله ثواب من صلى، ومن كشفها إلى من يقدر أن يفرج عنه ولم يفعل فقد قتله، أما إنه لم يقتله بسيف ولا سنان ولا سهم ولكن قتله بما نكا من قلبه.
بيان: من صلى أي في الليل كله أو واظب عليها.
10 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن نوح بن شعيب وأبي إسحاق الخفاف عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليس لمصاص شيعتنا في دولة الباطل إلا القوت شرقوا إن شئتم أو غربوا لم ترزقوا إلا القوت.
بيان: قال الجوهري: المصاص خالص كل شئ، يقال: فلان مصاص قومه إذا كان أخلصهم نسبا يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمؤنث، وفي النهاية ومنه الحديث: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا أي بقدر ما يمسك الرمق من المطعم وفي المصباح: القوت ما يؤكل ليمسك الرمق، قاله ابن فارس والأزهري انتهى وقيل: هو البلغة يعني قدر ما يتبلغ به من العيش ويسمى ذلك أيضا كفافا لأنه
قدر يكفه عن الناس ويغنيه عن سؤالهم ثم بالغ عليه السلام في أن نصيبهم القوت بقوله شرقوا - الخ وهو كناية عن الجد في الطلب والسير في أطراف الأرض.
11 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن أحمد، عن علي بن الحكم، عن سعدان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام إن الله عز وجل يلتفت يوم القيامة إلى فقراء المؤمنين شبيها بالمعتذر إليهم، فيقول: وعزتي وجلالي ما أفقرتكم في الدنيا من هوان بكم علي ولترون ما أصنع بكم اليوم فمن زود أحدا منكم في دار الدنيا معروفا فخذوا بيده فأدخلوه الجنة، قال: فيقول رجل منهم: يا رب أهل الدنيا تنافسوا في دنياهم فنكحوا النساء، ولبسوا الثياب اللينة، وأكلوا الطعام، وسكنوا الدور ، وركبوا المشهور من الدواب، فأعطني مثل ما أعطيتهم فيقول تبارك وتعالى لك ولكل عبد منكم مثل ما أعطيت أهل الدنيا منذ كانت إلى أن انقضت الدنيا سبعون ضعفا.
بيان: " ولترون " بسكون الواو وتخفيف النون أو بضم الواو وتشديد النون المؤكدة " ما أصنع " ما موصولة أو استفهامية " فمن زود " على بناء التفعيل أي أعطى الزاد للسفر، كما ذكره الأكثر أو مطلقا فيشمل الحضر في المصباح زاد المسافر: طعامه المتخذ لسفره وتزود لسفره وزودته أعطيته زادا، ونحوه قال الجوهري وغيره لكن قال الراغب: الزاد المدخر الزائد على ما يحتاج إليه في الوقت " منكم " أي أحدا منكم كما في بعض النسخ، وقيل: " من " هنا اسم بمعنى البعض، وقيل: معروفا صفة للمفعول المطلق المحذوف أي تزويدا معروفا وفي النهاية التنافس من المنافسة وهي الرغبة في الشئ والانفراد به وهو من الشئ النفيس الجيد في نوعه ونافست في الشئ منافسة ونفاسا إذا رغبت فيه، ونفس بالضم نفاسة أي صار مرغوبا فيه ونفست به بالكسر أي بخلت ونفست عليه الشئ نفاسة إذا لم تره له أهلا.
والمشهور من الدواب التي اشتهرت بالنفاسة والحسن، في القاموس المشهور
المعروف المكان المذكور والنبيه وفي النهاية فيه: الضعف في المعاد أي مثلي الاجر يقال إن أعطيتني درهما فلك ضعفه أي درهمان، وربما قالوا تلك ضعفاه، وقيل: ضعف الشئ مثله، وضعفاه مثلاه وقال الأزهري: الضعف في كلام العرب المثل فما زاد وليس بمقصور على مثلين فأقل الضعف محصور في الواحد وأكثره غير محصور.
12 - الكافي: عن العدة، عن سهل، عن إبراهيم بن عقبة، عن إسماعيل بن سهل وإسماعيل بن عباد جميعا، يرفعانه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: ما كان من ولد آدم مؤمن إلا فقيرا ولا كافر إلا غنيا حتى جاء إبراهيم عليه السلام فقال: " ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا " فصير الله في هؤلاء أموالا وحاجة وفي هؤلاء أموالا وحاجة.
بيان: " ربنا لا تجعلنا " أقول هذا تتمة قول إبراهيم حيث قال في سورة الممتحنة " قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شئ ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير * ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ".
قال في مجمع البيان: معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا ببلاء من عندك، فيقولوا لو كان هؤلاء على حق لما أصابهم هذا البلاء، وقيل: معناه لا تسلطهم علينا فيفتنونا عن دينك، وقيل: معناه الطف لنا حتى نصبر على أذاهم ولا نتبعهم فنصير فتنة لهم، وقيل: معناه اعصمنا من موالاة الكفار فانا إذا واليناهم ظنوا أنا صوبناهم وقيل: معناه لا تخذلنا إذا حاربناهم، فلو خذلتنا لقالوا لو كان هؤلاء على الحق لما خذلوا، انتهى.
وأقول: المعنى المستفاد من الخبر قريب من المعنى الأول لان الفقر أيضا بلاء يصير سببا لافتتان الكفار إما بأن يقولوا لو كان هؤلاء على الحق لما ابتلوا بعموم الفقر فيهم، أو بأن يفروا من الاسلام خوفا من الفقر في هؤلاء.
" أموالا وحاجة " أي صار بعضهم ذوي مال وبعضهم محتاجين مفتاقين، ولا ينافي هذا كون الأموال في الكفار أو غير الخلص من المؤمنين أكثر، والفاقة في خلص المؤمنين أو كلهم أكثر وأشد.
13 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء رجل موسر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله نقي الثوب فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فجاء رجل معسر درن الثوب فجلس إلى جنب الموسر فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أخفت أن يمسك من فقره شئ؟ قال: لا، قال: فخفت أن يصيبه من غناك شئ؟ قال: لا، قال: فخفت أن يوسخ ثيابك؟ قال: لا؟ قال: فما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله إن لي قرينا يزين لي كل قبيح ويقبح لي كل حسن، وقد جعلت له نصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للمعسر: أتقبل؟ قال: لا، فقال له الرجل: لم؟ قال:
أخاف أن يدخلني ما دخلك.
بيان: " فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله " قال الشيخ البهائي قدس سره:
" إلى " إما بمعنى " مع " كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: " من أنصاري إلى الله " أو بمعنى عندكما في قول الشاعر: * أشهى إلي من الرحيق السلسل * ويجوز أن يضمن جلس معنى توجه أو نحوه " درن الثوب " بفتح الدال وكسر الراء صفة مشبهة من الدرن بفتحهما، وهو الوسخ، وأقول: في المصباح درن الثوب درنا فهو درن، مثل وسخ وسخا فهو وسخ وزنا ومعنى.
" فقبض الموسر ثيابه " قيل: أي أطراف ثوبه " من تحت فخذيه " كأن الظاهر
إرجاع ضمير فخذيه إلى المعسر، ولو كان راجعا إلى الموسر لما كان لجمع الطرف الآخر وجه إلا أن يكون لموافقة الطرف الآخر وفيه تكلفات اخر.
وقال الشيخ المتقدم رحمه الله: ضمير " فخذيه " يعود إلى الموسر أي جمع الموسر ثيابه وضمها تحت فخذي نفسه لئلا تلاصق ثياب المعسر، ويحتمل عوده إلى المعسر، و " من " على الأول إما بمعنى " في " أو زائدة على القول بجواز زيادتها في الاثبات، وعلى الثاني لابتداء الغاية، والعود إلى الموسر أولى كما يرشد إليه قوله عليه السلام " فخفت أن يوسخ ثيابك " لان قوله عليه السلام: فخفت أن يوسخ ثيابك الغرض منه مجرد التقريع للموسر كما هو الغرض من التقريعين السابقين أعني قوله: " خفت أن يمسك من فقره شئ " " خفت أن يصيبه من غناك شئ " وهذه التفريعات الثلاث منخرطة في سلك واحد، ولو كان ثياب الموسر تحت فخذي المعسر، لا يمكن أن يكون قبضها من تحت فخذيه خوفا من أن يوسخها.
أقول: ما ذكره قدس سره وإن كان التقريع فيه أظهر وبالأولين أنسب لكن لا يصير هذا مجوزا لارتكاب بعض التكلفات إذ يمكن أن يكون التقريع لان سراية الوسخ في الملاصقة في المدة القليلة نادرة أو لأن هذه مفسدة قليلة لا يحسن لأجلها ارتكاب إيذاء مؤمن.
" إن لي قرينا يزين لي كل قبيح " قال رحمه الله: أي إن لي شيطانا يغويني ويجعل القبيح حسنا والحسن قبيحا، وهذا الفعل الشنيع الذي صدر مني من جملة إغوائه لي.
أقول: ويمكن أيضا أن يراد بالقرين النفس الامارة التي طغت وبغت بالمال، أو المال أو الأعم كما قال تعالى: " إن الانسان ليطغى * أن رآه استغنى " وقال في النهاية ومنه الحديث ما من أحد إلا وكل به قرينه أي مصاحبه من الملائكة أو الشياطين، وكل إنسان فان معه قرينا منهما فقرينه من الملائكة يأمره بالخير ويحثه عليه، وقرينه من الشياطين يأمره بالشر ويحثه عليه.
" وجعلت له نصف مالي " أي في مقابلة ما صدر مني إليه من كسر قلبه وزجرا للنفس عن العود إلى مثل هذه الزلة " قال أخاف أن يدخلني ما دخلك " أي مما ذكرت أو من الكبر والغرور والترفع على الناس واحتقارهم وسائر الأخلاق الذميمة التي هي من لوازم التمول والغنى.
14 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن علي بن محمد القاساني، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال في مناجاة موسى عليه السلام: يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين وإذا رأيت الغنا مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته.
بيان: الشعار بالكسر ما ولي الجسد من الثياب لأنه يلي شعره، ويستعار للصفات المختصة، وفي حديث الأنصار: أنتم الشعار دون الدثار، والشعار أيضا علامة يتعارفون بها في الحرب، والفقر من خصائص الصالحين، ومرحبا أي لقيت رحبا وسعة، وقيل: معناه رحب الله بك مرحبا، والقول كناية عن غاية الرضا والتسليم.
" ذنب عجلت عقوبته " أي أذنبت ذنبا صار سببا لان أخرجني الله من أوليائه واتصفت بصفات أعدائه أو ابتلاني بالمشقة التي ابتلا بها أصحاب الأموال كما قال تعالى: " إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا " وما قيل من أن الذنب من الغنا فهو بعيد جدا.
15 - الكافي : عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: طوبى للمساكين بالصبر، وهم الذين يرون ملكوت السماوات والأرض.
بيان: قد مر تفسير طوبى وقوله: " بالصبر " إما للسببية أي طوبى لهم بسبب الصبر أو للملابسة فيكون حالا عن المساكين، ولا يبعد أن يقرء المساكين بالتشديد للمبالغة أي المتمسكين كثيرا بالصبر.
ورؤية ملكوت السماوات والأرض للكمل منهم، وهم الأنبياء والأوصياء ومن يقرب منهم من الأولياء، ويمكن أن يكون لرؤية ملكوت السماوات والأرض مراتب يحصل لكل منهم مرتبة يليق بهم، فمنهم من يتفكر في خلق السماوات والأرض ونظام العالم، فيعلم بذلك قدرته تعالى وحكمته، وأنه لم يخلقها عبثا بل خلقها لأمر عظيم، وهو عبادة الله سبحانه ومعرفته، كما قال تعالى: " يتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا ".
ومنهم من يتفكر في أن خالق السماوات والأرض لا يكون عاجزا ولا بخيلا فلم يفقرهم ويحوجهم الا لمصلحة عظيمة فيصبر على بلاء الله ويرضى بقضائه
وكأن تفسير المساكين هنا بالأنبياء والأوصياء عليهم السلام أظهر، وقد ورد في بعض الأخبار تفسيره بهم عليهم السلام فان المسكنة والخضوع والخشوع، والتوسل بجناب الحق سبحانه، والاعراض عن غيره، قال في النهاية: قد تكرر في الحديث ذكر المسكين والمساكين والمسكنة والتمسكن وكلها يدور معناها على الخضوع والذلة وقلة المال والحال السيئة، واستكان إذا خضع، والمسكنة فقر النفس وتمسكن إذا تشبه بالمساكين، وهو جمع المسكين، وهو الذي لا شئ له، وقيل: هو الذي له بعض الشئ، وقد تقع المسكنة على الضعف، ومنه حديث قيلة صدقت المسكنة أراد الضعف ولم يرد الفقر وفيه: اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين: أراد به التواضع والاخبات وأن لا يكون من الجبارين المتكبرين وفيه أنه قال للمصلي تبأس وتمسكن أي تذل وتخضع، وهو تمفعل من السكون.
16 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا معشر المساكين طيبوا نفسا، وأعطوا الله الرضا من قلوبكم، يثبكم الله عز وجل على فقركم: فإن لم تفعلوا فلا ثواب لكم.
بيان: " نفسا " تميز، ويدل على أن الثواب إنما هو على الرضا بالفقر لا على أصل الفقر، وحمل على أصول المتكلمين وهي أن الثواب هو الجزاء الدائم في الآخرة، وهو لا يكون إلا على الفعل الاختياري، وأما ما يعطيه الله على الآلام التي يوردها على العبد في الدنيا بغير اختياره، فإنما هو الجزاء المنقطع في الدنيا أو في الآخرة أيضا، على قول بعضهم، حيث جوزوا أن يكون انقطاعها على وجه لا يشعر به، فلا يصير سببا لالمه، ومنهم من جوز كون العوض دائما في الآخرة.
قال العلامة قدس الله روحه في الباب الحادي عشر: السادسة في أنه تعالى يجب عليه فعل عوض الآلام الصادرة عنه، ومعنى العوض هو النفع المستحق الخالي
عن التعظيم والاجلال، وإلا لكان ظالما تعالى الله عن ذلك، ويجب زيادته على الآلام، والا لكان عبثا.
وقال بعض الأفاضل في شرحه: الألم الحاصل للحيوان إما أن يعلم فيه وجه من وجوه القبح، فذلك يصدر عنا خاصة، أو لا يعلم فيه ذلك فيكون حسنا وقد ذكر لحسن الألم وجوه: الأول كونه مستحقا، الثاني كونه مشتملا على النفع الزائد، الثالث كونه مشتملا على دفع الضرر الزائد عنه، الرابع كونه بمجرى العادة، الخامس، كونه متصلا على وجه الدفع، وذلك الحسن قد يكون صادرا عنه تعالى وقد يكون صادرا عنا.
فأما ما كان صادرا عنه تعالى على وجه النفع فيجب فيه أمران: أحدهما العوض، وإلا لكان ظالما تعالى الله عنه، ويجب أن يكون زائدا على الألم إلى حد يرضى عنه كل عاقل لأنه يقبح في الشاهد إيلام شخص لتعويضه ألمه من غير زيادة لاشتماله على العبث، وثانيهما اشتماله على اللطف إما للمتألم أو لغيره ليخرج عن العبث فاما ما كان صادرا عنا مما فيه وجه من وجوه القبح، فيجب عليه تعالى الانتصاف للمتألم من المؤلم لعدله، ولدلالة الأدلة السمعية عليه ويكون العوض هنا مساويا للألم، وإلا لكان ظلما.
وهنا فوائد: الأول العوض هو النفع المستحق الخالي عن تعظيم واجلال فبقيد المستحق خرج التفضل، وبقيد الخلو عن تعظيم خرج الثواب.
الثاني لا يجب دوام العوض لأنه يحسن في الشاهد ركوب الأهوال العظيمة لنفع منقطع قليل.
الثالث العوض لا يجب حصوله في الدنيا لجواز أن يعلم الله تعالى المصلحة في تأخره، بل قد يكون حاصلا في الدنيا، وقد لا يكون.
الرابع الذي يصل إليه عوض ألمه في الآخرة إما أن يكون من أهل الثواب أو من أهل العقاب؟ فإن كان من أهل الثواب فكيفية إيصال أعواضه إليه بأن
يفرقها الله على الأوقات أو يتفضل الله عليه بمثلها، وإن كان من أهل العقاب أسقط بها جزءا من عقابه، بحيث لا يظهر له التخفيف بأن يفرق القدر على الأوقات.
الخامس الألم الصادر عنا بأمره أو إباحته والصادر عن غير العاقل كالعجماوات وكذا ما يصدر عنه تعالى من تفويت المنفعة لمصلحة الغير وإنزال الغموم الحاصلة من غير فعل العبد عوض ذلك كله على الله تعالى لعدله وكرمه.
وأقول: كون أعواض الآلام الغير الاختيارية منقطعة مما لم يدل عليه برهان قاطع، وبعض الروايات تدل على خلافه كالروايات الدالة على أن حمى ليلة تعدل عبادة سنة، وأن من مات له ولد يدخله الله الجنة صبر أم لم يصبر جزع أم لم يجزع، وإن من سلب الله كريمته وجبت له الجنة، وأمثال ذلك كثيرة، وإن أمكن تأويل بعضها مع الحاجة إليه.
وقيل: للفقير ثلاثة أحوال: أحدها الرضا بالفقر، والفرح به، وهو شأن الأصفياء، وثانيها الرضا به دون الفرح وله أيضا ثواب دون الأول، وثالثها عدم الرضا به والكراهة في القسمة، وهذا مما لا ثواب له أصلا.
وهو كلام على التشهي لكن روى السيد الرضي رضي الله عنه في نهج البلاغة أنه قال أمير المؤمنين عليه السلام لبعض أصحابه في علة اعتلها: جعل الله ما كان من شكواك حطا لسيئاتك، فان المرض لا أجر فيه ولكنه يحط السيئات ويحتها حت الأوراق وإنما الاجر في القول باللسان، والعمل بالأيدي والاقدام، وإن الله سبحانه يدخل بصدق النية والسريرة الصالحة من يشاء من عباده الجنة.
ثم قال السيد رحمه الله: وأقول: صدق عليه السلام إن المرض لا أجر فيه لأنه من قبيل ما يستحق عليه العوض، لان العوض يستحق على ما كان في مقابلة فعل الله تعالى بالعبد من الآلام والأمراض، وما يجري مجرى ذلك، والاجر والثواب يستحقان على ما كان في مقابلة فعل العبد فبينهما فرق قد بينه عليه السلام كما
يقضيه علمه الثاقب، ورأيه الصائب، انتهى.
وقوله عليه السلام: اعتلها أي اعتل بها، والشكوى المرض، والحط الوضع والحدر من علو إلى سفل، وحت الورق كمد سقطت فانحتت وتحاتت، وحت فلان الشئ أي حطه يتعدى ولا يتعدى والسريرة ما يكتم كالسر ولو كانت الرواية صحيحة يؤيد مذهب القوم في الجملة.
وقال قطب الدين الراوندي في شرحه على النهج: قول السيد: إن المرض لا أجر له ليس ذلك على الاطلاق، وذلك لان المريض إذا احتمل المشقة التي حملها الله عليه احتسابا كان له أجر الثواب على ذلك، والعوض على المرض، فعلى فعل العبد إذا كان مشروعا الثواب، وعلى فعل الله إذا كان ألما على سبيل الاختيار العوض.
وقال ابن أبي الحديد ينبغي أن يحمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الفصل على تأويل يطابق ما يدل عليه العقول وأن لا يحمل على ظاهره، وذلك لان المرض إذا استحق عليه الانسان العوض لم يجز أن يقال العوض يحط السيئات بنفسه لا على قول أصحابنا، ولا على قول الإمامية.
أما الامامية فإنهم مرجئة لا يذهبون إلى التحابط، وأما أصحابنا فإنهم لا تحابط عندهم إلا في الثواب والعقاب، فأما العقاب والعوض فلا تحابط بينهما لان التحابط بين الثواب والعقاب إنما كان باعتبار التنافي بينهما، من حيث كان أحدهما يتضمن الاجلال والاعظام، والاخر يتضمن الاستخفاف والإهانة، ومحال أن يكون الانسان الواحد مهانا معظما في حال واحد، ولما كان العوض لا يتضمن إجلالا وإعظاما، وإنما هو نفع خالص فقط، لم يكن منافيا للعقاب، وجاز أن يجتمع للانسان الواحد في الوقت الواحد كونه مستحقا للعقاب والعوض إما بأن يوفر العوض عليه في الدار الدنيا، وإما بأن يخفف عنه بعض عقابه، ويجعل ذلك بدلا من العوض الذي كان سبيله أن يوصل إليه.
وإذا ثبت ذلك وجب أن يحمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام على تأويل صحيح وهو الذي أراده عليه السلام لأنه كان أعرف الناس بهذه المعاني، ومنه تعلم المتكلمون علم الكلام، وهو أن المرض والألم يحط الله تعالى عن الانسان المبتلى به ما يستحقه من العقاب على معاصيه السالفة تفضلا منه سبحانه، فلما كان إسقاطه للعقاب متعقبا للمرض وواقعا بعده بلا فصل جاز أن يطلق اللفظ بأن المرض يحط السيئات ويحتها حت الورق، كما جاز أن يطلق اللفظ بأن الجماع يحبل المرأة وبأن سقي البذر الماء ينبته وإن كان الولد والزرع عند المتكلمين واقعا من الله تعالى على سبيل الاختيار لا على سبيل الايجاب، ولكنه أجرى العادة بأن يفعل ذلك عقيب الجماع وعقيب سقي البذر الماء.
فان قلت: يجوز أن يقال: إن الله تعالى يمرض الانسان المستحق للعقاب ويكون إنما أمرضه ليسقط عنه العقاب لا غير؟
قلت: لا، لأنه قادر على أن يسقط عنه العقاب ابتداء، ولا يجوز إنزال الألم الا حيث لا يمكن اقتناص العوض المجزي به إليه، إلا بطريق الألم وإلا كان فعل الألم عبثا ألا ترى أنه لا يجوز أن يستحق زيد على عمرو ألف درهم فيضربه ويقول: إنما أضربه لاجعل ما يناله من ألم الضرب مسقطا لما أستحقه من الدراهم عليه، ويذمه العقلاء ويسفهونه ويقولون له فهلا وهبتها له وأسقطتها عنه من غير حاجة إلى أن تضربه؟ وأيضا فان الآلام قد تنزل بالأنبياء وليسوا ذوي ذنوب ومعاص ليقال إنه يحطها عنهم.
فأما قوله عليه السلام: " وإنما الاجر في القول " إلى آخر الفصل فإنه عليه السلام قسم أسباب الثواب أقساما، فقال: لما كان المرض لا يقتضي الثواب لأنه ليس من فعل المكلف، إنما يستحق المكلف الثواب على ما كان من فعله، وجب أن نبين ما الذي يستحق به المكلف الثواب.
الذي يستحق المكلف به ذلك أن يفعل فعلا إما من أفعال الجوارح، وإما من أفعال القلوب، فأفعال الجوارح إما قول باللسان أو عمل ببعض الجوارح وعبر
عن سائر الجوارح عدا اللسان بالأيدي والاقدام، لان أكثر ما يفعل بها، وإن كان قد يفعل بغيرها، نحو مجامعة الرجل زوجته إذا قصد به تحصينها وتحصينه عن الزنا ونحو أن ينحي حجرا ثقيلا برأسه عن صدر إنسان قد كاد يقتله، وغير ذلك.
وأما أفعال القلوب فهي العزوم والإرادات والنظر والعلوم والظنون والندم فعبر عليه السلام عن جميع ذلك بصدق النية والسريرة الصالحة، واكتفى بذلك عن تعديد هذه الأجناس.
فان قلت: فان الانسان قد يستحق الثواب على أن لا يفعل القبيح، وهذا يخرم الحصر الذي حصره أمير المؤمنين عليه السلام.
قلت: يجوز أن يكون يذهب مذهب أبي علي في أن القادر بقدرة لا يخلو عن الفعل والترك، انتهى.
قال ابن ميثم قدس سره: دعا عليه السلام لصاحبه بما هو ممكن وهو حط السيئات بسبب المرض، ولم يدع له بالاجر عليه معللا ذلك بقوله " فان المرض لا أجر فيه " والسر فيه أن الأجر والثواب إنما يستحق بالافعال المعدة له كما أشار إليه بقوله: " وإنما الاجر في القول - إلى قوله بالاقدام " وكنى بالاقدام عن القيام بالعبادة، وكذلك ما يكون كالفعل من عدمات الملكات كالصوم ونحوه، فأما المرض فليس هو بفعل العبد، ولا عدم فعل من شأنه أن يفعله.
فأما حطه للسيئات فباعتبار أمرين: أحدهما أن المريض تنكسر شهوته وغضبه اللذين هما مبدءا الذنوب والمعاصي ومادتهما، الثاني أن من شأن المرض أن يرجع الانسان فيه إلى ربه بالتوبة والندم على المعصية والعزم على ترك مثلها، كما قال تعالى: " وإذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما " الآية.
فما كان من السيئات حالات غير متمكنة من جوهر النفس فإنه يسرع زوالها منها، وما صار ملكة فربما يزول على طول المرض ودوام الإنابة إلى الله تعالى
واستعار لزوالها لفظ الحت وشبهه في قوة الزوال والمفارقة بحت الأوراق.
ثم نبه عليه السلام بقوله: " وإن الله " إلى آخره على أن العبد إذا احتسب المشقة في مرضه لله بصدق نيته مع صلاح سريرته، فقد يكون ذلك معدا لإفاضة الأجر والثواب عليه، ودخوله الجنة، ويدخل ذلك في أعدام الملكات المقرونة بنية القربة إلى الله، وكلام السيد رحمه الله مقتضى مذهب المعتزلة. انتهى.
وقال الكيدري نور الله ضريحه: المرض لا أجر فيه للمريض بمجرد الألم بل فيه العوض وإذا احتمل المريض ما حمل احتسابا أثيب على ذلك. انتهى.
وأقول: إذا اطلعت على ما ذكره المخالف والمؤالف في هذا الباب فاعلم أنهم جروا في ذلك على ما نسجوه من قواعدهم الكلامية نسج العنكبوت ولا طائل في الخوض فيها، لكن لابد من الخوض في الآيات والأخبار الواردة في ذلك والجمع بينهما.
والذي يظهر منها أن الله تعالى بلطفه ورحمته يبتلي المؤمنين في الدنيا بأنواع البلايا على قدر إيمانهم، وسبب ذلك إما إصلاح نفوسهم، وردعها عن الشهوات أو تعريضهم بالصبر عليها لاجزل المثوبات، أو لحط ما صدر عنهم من السيئات إذا علم أن صلاحهم في العفو بعد الابتلاء، ليكون رادعا لهم عن ارتكاب مثلها ومع ذلك يعوضهم أو يثيبهم بأنواع الأعواض والمثوبات.
ولو صح قولهم: إن العوض لا يكون دائما، يمكن أن يقال: دخولهم الجنة وتنعمهم بنعيمه الدائم إنما هو بالايمان والأعمال الصالحة، لكن لما كانت معاصيهم حائلة بينهم وبين دخولهم الجنة ابتداء، قد يبتليهم في الدنيا ليطهرهم من لوثها وقد يؤخرهم إلى سكرات الموت أو عذاب البرزخ أو في القيامة ليدخلوا الجنة مطهرين من لوث المعاصي، وكل ذلك بحسب ما علم من صلاحهم في ذلك.
ثم إن جميع ذلك في غير الأنبياء والأوصياء والأولياء عليهم السلام وأما فيهم عليهم السلام فليس إلا لرفع الدرجات، وتكثير المثوبات، كما عرفت مما سبق من الروايات
فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين، ولا تصغ إلى شبهات المضلين، وقد سبق منا بعض القول فيه.
17 - الكافي : عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر، عن عيسى الفراء، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله تبارك وتعالى مناديا ينادي بين يديه: أين الفقراء؟ فيقوم عنق من الناس كثير فيقول:
عبادي! فيقولون: لبيك ربنا، فيقول: إني لم أفقركم لهوان بكم علي ولكن إنما اخترتكم لمثل هذا اليوم، تصفحوا وجوه الناس فمن صنع إليكم معروفا لم يصنعه إلا في فكافوه عني بالجنة.
بيان: كان تحتمل التامة والناقصة، كما مر " بين يديه " أي قدام عرشه وقيل: أي يصل نداؤه إلى كل أحد كما أنه حاضر عند كل أحد وفي النهاية فيه يخرج عنق من النار أي طائفة، وقال: عنق من الناس أي جماعة " لهوان بكم علي " أي لمذلة وهوان علي كان بكم " ولكن إنما اخترتكم " أي اصطفيتكم " لمثل هذا اليوم " أي لهذا اليوم فكلمة " مثل " زائدة نحو قولهم مثلك لا يبخل أو لهذا اليوم ومثله لاثيبكم قال في المصباح المثل يستعمل على ثلاثة أوجه: بمعنى التشبيه، وبمعنى نفس الشئ وزائدة، وقال: صفحت الكتاب قلبت صفحاته، وهي وجوه الأوراق وتصفحته كذلك وصفحت القوم صفحا رأيت صفحات وجوههم " لم يصنعه إلا في " الجملة جزاء الشرط أو صفة لقوله " معروفا " أي معروفا يكون خالصا والأول أظهر، ويومئ إليه قوله: " فكافوه عني ".
18 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن إبراهيم الحذاء، عن محمد بن صغير، عن جده شعيب، عن المفضل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:
لولا إلحاح هذه الشيعة على الله في طلب الرزق، لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى ما هو أضيق.
بيان: " هذه الشيعة " أي الامامية، فان الشيعة أعم منهم، أو إشارة
إلى غير الخلص منهم، فإنهم لا يلحون، وكأن الإشارة على الأول لبيان الاختصاص، وعلى الثاني للتحقير.
19 - الكافي: عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال عن محمد بن الحسين بن كثير الخزاز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: أما تدخل السوق؟ أما ترى الفاكهة تباع والشئ مما تشتهيه؟ فقلت: بلى، فقال: أما إن لك بكل ما تراه فلا تقدر على شراه حسنة.
بيان: " والشئ مما تشتهيه " أي من غير الفاكهة أعم من المأكول والملبوس وغيرهما، والظاهر من الحسنة المثوبة الأخروية، وحمل على العوض أو على أن الحسنة للصبر والرضا بالقضاء على الأصل المتقدم.
20 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان عن علي بن عثمان، عن مفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله جل ثناؤه ليعتذر إلى عبده المؤمن المحوج في الدنيا كما يعتذر الأخ إلى أخيه، فيقول:
وعزتي وجلالي ما أحوجتك في الدنيا من هوان كان بك علي فارفع هذا السجف فانظر إلى ما عوضتك من الدنيا قال: فيرفع فيقول: ما ضرني ما منعتني مع ما عوضتني.
بيان: " ليعتذر " كأنه مجاز كما يومئ إليه ما مر في التاسع " شبيها بالمعتذر " والمحوج يحتمل كسر الواو وفتحها، في المصباح: أحوج وزان أكرم من الحاجة، ويستعمل أيضا متعديا يقال: أحوجه الله إلى كذا، وفي القاموس:
السجف ويكسر وككتاب الستر " ما ضرني " ما نافية " ما منعتني " ما مصدرية " مع ما عوضتني " ما موصولة، وتحتمل المصدرية أيضا.
21 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة قام عنق من الناس حتى يأتوا باب الجنة
فيضربوا باب الجنة فيقال لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن الفقراء، فيقال لهم: أقبل الحساب؟ فيقولون: ما أعطيتمونا شيئا تحاسبونا عليه، فيقول الله عز وجل: صدقوا ادخلوا الجنة.
بيان: " أقبل الحساب " أي أتدخلون الجنة قبل الحساب على التعجب أو الانكار " ما أعطيتمونا " أي ما أعطانا الله شيئا وإضافته إلى الملائكة لأنهم مقربوا جنابه بمنزلة وكلائه " تحاسبونا " قيل: يجوز فيه تشديد النون كما قرئ في سورة الزمر " تأمروني " بالتخفيف وبالتشديد وبالنونين والمخاطب في " صدقوا " الملائكة وفي " ادخلوا " الفقراء إذا قرئ على بناء المجرد كما هو الظاهر، وأمرهم بالدخول يستلزم أمر الملائكة بفتح الباب ويمكن أن يقرأ على بناء الافعال فالمخاطب الملائكة أيضا وقيل: هو من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم، أي افتحوا الباب ولذا حذف المفعول بناء على أن فتح الباب سبب لدخول كل من يستحقه، وإن كان الباعث الفقراء، وكان هذا مبني على ما سيأتي من أن الله تعالى لا يحاسب المؤمنين على ما أكلوا ولبسوا ونكحوا وأمثال ذلك إذا كان من حلال.
22 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن مبارك غلام شعيب قال: سمعت أبا الحسن موسى عليه السلام يقول: أن الله عز وجل يقول: إني لم اغن الغني لكرامة به علي ولم أفقر الفقير لهوان به علي، وهو مما ابتليت به الأغنياء بالفقراء ولولا الفقراء لم يستوجب الأغنياء الجنة.
بيان: " وهو مما ابتليت به الأغنياء " كأن ضمير هو راجع إلى التفاوت المفهوم من الكلام السابق، أقول: إذا كان من للتبعيض يدل على أن ابتلاء الناس بعضهم ببعض يكون على وجوه شتى منها ابتلاؤهم بالفقر والغنا، ويحتمل أن يكون من للتعليل " ولولا الفقراء " كأن المعنى أن عمدة عبادة الأغنياء إعانة الفقراء أو أنه يلزم الغنا أحوال لا يمكن تداركها إلا برعاية الفقراء فتأمل.
23 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن إسحاق بن عيسى، عن إسحاق بن عمار والمفضل بن عمر قالا: قال أبو عبد الله عليه السلام: مياسير شيعتنا أمناؤنا على محاويجهم، فاحفظونا فيهم يحفظكم الله.
بيان: المياسير والمحاويج جمعا الموسر والمحوج، لكن على غير القياس لان القياس جمع مفعال على مفاعيل، قال الفيروزآبادي: أيسر إيسارا ويسرا صار ذا غنى فهو موسر، والجمع مياسير، وقال صاحب مصباح اللغة: أحوج وزان أكرم من الحاجة فهو محوج، وقياس جمعه، بالواو والنون لأنه صفة عاقل والناس يقولون محاويج، مثل مفاطير ومفاليس، وبعضهم ينكره ويقول غير مسموع، انتهى.
وأقول: وروده في الحديث يدل على مجيئه لكن قال بعضهم: إنهما جمعا ميسار ومحواج اسمى آلة استعملا في الموسر والمحوج للمبالغة.
" أمناؤنا على محاويجهم " كونهم أمناءهم عليهم السلام إما مبنى على ما ذكره الكليني رحمه الله في آخر كتاب الحجة أن الأموال كلها للامام، وإنما رخص لشيعتهم التصرف فيها فتصرفهم مشروط برعاية فقراء الشيعة وضعفائهم أو على أنهم خلفاء الله ويلزمهم أخذ حقوق الله من الأغنياء، وصرفها في مصارفها، ولما لم يمكنهم في أزمنة التقية والغيبة أخذها منهم وصرفها في مصارفها وأمروا الأغنياء بذلك فهم أمناؤهم على ذلك، أو على أنه لما كان الخمس وسائر أموالهم من الفئ والأنفال بأيديهم، ولم يمكنهم إيصالها إليهم عليهم السلام فهم أمناؤهم في إيصال ذلك إلى فقراء الشيعة: فيدل على وجوب صرف حصة الإمام من الخمس وميراث من لا وارث له وغير ذلك من أموال الامام إلى فقراء الشيعة، ولا يخلو من قوة والأحوط صرفها إلى الفقيه المحدث العادل، ليصرفها في مصارفها نيابة عنهم عليهم السلام والله يعلم.
" فاحفظونا فيهم " أي ارعوا حقنا فيهم لكونهم شيعتنا وبمنزلة عيالنا " يحفظكم الله " أي يحفظكم الله في أنفسكم وأموالكم في الدنيا ومن عذابه في الآخرة، ويحتمل
أن تكون جملة دعائية، وقيل: يدل على أن الأغنياء إذا لم يراعوا الفقراء سلبت عنهم النعمة، لأنه إذا ظهرت الخيانة من الأمين يؤخذ ما في يده، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن لله تعالى عبادا يخصهم بالنعم لمنافع العباد، فيقرها في أيديهم، ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، ثم حولها إلى غيرهم.
24 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الفقر أزين للمؤمنين من العذار على خد الفرس.
بيان: " أزين للمؤمنين " اللام للتعدية، وفي النهاية: فيه الفقر أزين للمؤمن من عذار حسن على خد فرس، العذاران من الفرس كالعارضين من وجه الانسان، ثم سمى به السير الذي يكون عليه من اللجام عذارا باسم موضعه، انتهى.
وأقول: يمكن أن يقال لتكميل التشبيه أن الفقر يمنع الانسان من الطغيان كما يمنع اللجام الفرس عن العصيان.
وقال بعض شراح العامة: لان صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه، فطلبها شين والقلة زين.
25 - الكافي: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن غالب، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال: سألت علي بن الحسين عليهما السلام عن قول الله عز وجل: " ولولا أن يكون الناس أمة واحدة " قال: عنى بذلك أمة محمد صلى الله عليه وآله أن يكونوا على دين واحد كفارا كلهم " لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة " ولو فعل الله ذلك بأمة محمد لحزن المؤمنون وغمهم ذلك، ولم يناكحوهم ولم يوارثوهم.
بيان: قد مر تفسير الآية، وأما تأويله عليه السلام فلعل المعنى أن المراد بالناس
أمة محمد صلى الله عليه وآله بعد وفاته بقرينة المضارع في " يكون " و " يكفر "، والمراد بمن يكفر بالرحمن: المخالفون المنكرون للإمامة، والنص على الامام، ولذا عبر بالرحمن إشعارا بأن رحمانية الله يقتضي عدم إهمالهم في أمور دينهم، أو المراد أن المنكر للامام كافر برحمانية الملك العلام.
والحاصل أنه لولا أنه كان يصير سببا لكفر المؤمنين لحزنهم وغمهم وانكسار قلبهم، فيستولي عليهم الشيطان فيكفرون ويلحقون بالمخالفين إلا شاذ منهم لا يكفي وجودهم لنصرة الامام، أو يهلكون غما وحزنا، وأيضا لو كان جميع المخالفين بهذه الدرجة من الغنا والثروة، وجميع المؤمنين في غاية الفقر والمهانة والمذلة لم يناكحوهم أي المخالفون المؤمنين بأن يعطوهم بناتهم أو يأخذوا منهم بناتهم، فلم يكن يحصل فيهم نسب يصير سببا للتوارث فبذلك ينقطع نسل المؤمنين، ويصير سببا لانقراضهم، أو لمزيد غمهم الموجب لارتدادهم، وبتلك الأسباب يصير أمة محمد صلى الله عليه وآله كلهم كفرة ومخالفين، فيكونوا أمة واحدة كفرة إما مطلقا أو إلا من شذ منهم، ممن محض الايمان محضا، فعبر بالناس عن الأكثرين لقلة المؤمنين فكأنهم ليسوا منهم.
فالمراد بالأمة في قوله: " عنى بذلك أمة محمد صلى الله عليه وآله " أعم من أمة الدعوة والإجابة قاطبة، أو الأعم من المؤمنين والمنافقين والمخالفين وذلك إشارة إلى الناس، والمراد بالأمة في قوله: " ولو فعل ذلك بأمة محمد " المنافقون والمخالفون أو الأعم منهم ومن سائر الكفار، والأول أظهر بقرينة " ولم يناكحوهم " فان غيرهم من الكفار لا يناكحون الان أيضا، والضمير المرفوع راجع إلى المخالفين والمنصوب إلى المؤمنين، وكذا " ولم يوارثوهم ".
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.