پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

59. باب الخوف والرجاء وحسن الظن بالله تعالى

ج ۶۷، ص ۳۲۲–۳۵۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۷

وقال سبحانه: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله.

آل عمران: ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير.

وقال: ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد.

وقال سبحانه: يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية.

وقال سبحانه: إنما ذلكم الشيطان يخوف أوليائه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين.

النساء: وترجون من الله ما لا يرجون.

المائدة: وقال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب.

وقال تعالى حاكيا عن ابن آدم عليه السلام: إني أخاف الله رب العالمين.

وقال تعالى: ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شئ قدير.

وقال تعالى: فلا تخشوا الناس واخشون.

وقال: ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين.

وقال سبحانه: اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم * ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون.

الأنعام: قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين.

وقال: وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون.

وقال حاكيا عن إبراهيم عليه السلام: وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون.

الأعراف: أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون * أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون * أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون.

وقال: وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون.

وقال تعالى: قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون * الذين يتبعون الرسول النبي الأمي إلى قوله: أولئك هم المفلحون.

الأنفال: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب.

التوبة: أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين.

وقال تعالى: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين.

هود: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد * إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة.

يوسف: أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون.

الرعد: وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب.

وقال تعالى: ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب.

وقال تعالى: أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب.

إبراهيم: ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد.

الحجر: نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي لهو العذاب الأليم.

وقال سبحانه: وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين * فأخذتهم الصيحة مصبحين * فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون.

النحل: أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين * أو يأخذهم على تخوف فان ربكم لرؤف رحيم.

وقال تعالى: ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون * يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون * وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون * وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون.

اسرى: عسى ربكم أن يرحكم وان عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا * إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا * وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة اعتدنا لهم عذابا أليما.

وقال تعالى: ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم وإن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا - إلى قوله تعالى: ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا.

طه: إلا تذكرة لمن يخشى.

وقال تعالى: أولم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى.

الأنبياء: وهم من خشيته مشفقون.

وقال تعالى: قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون - إلى قوله تعالى: أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون.

وقال سبحانه: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين * الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون.

وقال تعالى: وكانوا لنا خاشعين.

الحج: وبشر المخبتين * الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم.

المؤمنون: إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون إلى قوله تعالى: والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون.

النور: يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار.

وقال تعالى: ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون.

الشعراء: إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين.

وقال تعالى: والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين.

النمل: يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدى المرسلون * إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فاني غفور رحيم القصص: يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين.

العنكبوت: من كان يرجو لقاء الله فان أجل الله لآت وهو السميع العليم.

وقال تعالى: يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون * وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير * والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم.

لقمان: يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق.

الأحزاب: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا.

وقال تعالى: وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه.

وقال سبحانه: الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا.

فاطر: إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة.

وقال تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء.

يس: إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة

وأجر كريم.

ص: إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار.

الزمر: أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه.

وقال تعالى: قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم إلى قوله تعالى:

ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون إلى قوله تعالى: مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.

السجدة: إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم.

حمعسق: تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم.

وقال تعالى: وما يدريك لعل الساعة قريب * يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق.

الفتح: الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جنهم وساءت مصيرا.

ق: من خشي الرحمن بالغيب وقال تعالى: فذكر بالقرآن من يخاف وعيد.

الذاريات: وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم.

الطور: قالوا إنا كنا من قبل في أهلنا مشفقين * فمن الله علينا ووقانا

عذاب السموم.

الرحمن: سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان إلى قوله تعالى: ولمن خاف مقام ربه جنتان.

الحشر: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله.

الملك: إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير إلى قوله تعالى: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير * ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير * أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شئ بصير * أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور * أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور.

المعارج: والذين هم من عذاب ربهم مشفقون * إن عذاب ربهم غير مأمون.

نوح: مالكم لا ترجون لله وقارا * وقد خلقكم أطوار.

المدثر: كلا بل لا يخافون الآخرة - إلى قوله تعالى: هو أهل التقوى وأهل المغفرة.

الدهر: ويخافون يوما كان شره مستطيرا إلى قوله تعالى: إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا * فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقيهم نضرة وسرورا إلى قوله تعالى: نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا إلى قوله تعالى: يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما.

النازعات: وأهديك إلى ربك فتخشى إلى قوله تعالى: إن في ذلك لعبرة لمن يخشى.

وقال تعالى: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فان الجنة هي المأوى.

الانفطار: علمت نفس ما قدمت وأخرت * يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك * فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك.

البروج: إن بطش ربك لشديد إلى قوله تعالى: وهو الغفور الودود.

الاعلى: سيذكر من يخشى * ويتجنبها الأشقى * الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا يحيى.

البينة: رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه.

تفسير: " وإياي فارهبون " قيل: الرهبة خوف معه تحرز ويدل على أن المؤمن ينبغي أن لا يخاف أحدا إلا الله " وإياي فاتقون " أي بالايمان واتباع

الحق والاعراض عن الدنيا وقيل: الرهبة مقدمة التقوى.

" أولئك يرجون رحمة الله " أقول كأن فيه دلالة على أن الرجاء لا يكون إلا مع العمل، وبدونه غرة، وقيل: أثبت لهم الرجاء إشعارا بأن العمل غير موجب و لا قاطع في الدلالة سيما والعبرة بالخواتيم.

" ويحذركم الله نفسه " قيل: هو تهديد عظيم مشعر بتناهي المنهي في القبح وذكر النفس ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه فلا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة وكرره ثانيا للتوكيد والتذكير " والله رؤوف بالعباد " إشارة إلى أنه تعالى إنما نهاهم وحذرهم رأفة بهم، ومراعاة لصلاحهم، أو أنه لذو مغفرة وذو عقاب فترجى رحمته ويخشى عذابه.

" يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية " هذا وصف لحال المنافقين في غزوة أحد، قيل أي يظنون بالله غير الظن الحق الذي يحق أن يظن به، وظن الجاهلية بدله، وهو الظن المختص بالملة الجاهلية وأهلها، أقول: ويدل على حرمة سوء الظن بالله واليأس من رحمته.

" إنما ذلكم الشيطان " يعني من يعوقهم عن العود إلى قتال الكفار بعد غزوة أحد، وهو نعيم بن مسعود " وخافون " أي في مخالفة أمري " إن كنتم مؤمنين " فان الايمان يقتضي إيثار خوف الله على خوف الناس.

" وترجون " أي أيها المؤمنون " من الله " الرحمة والنصرة " مالا يرجون " أي الكفار فيدل على فضل الرجاء وأنه من صفات المؤمنين.

" من الذين يخافون " أي يخافون الله ويتقونه، ويدل على مدح الخوف " ألم تعلم " الخطاب للنبي أو لكل أحد، وفيها تخويف وتبشير " فلا تخشو الناس واخشون " قيل: نهي للحكام أن يخشوا غير الله في حكوماتهم.

" وأنذر " أي عظ وخوف " به " أي بالقرآن أو بالله " الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم " في المجمع يريد المؤمنين يخافون يوم القيامة وما فيها من شدة الأهوال، وقيل: معناه يعلمون، وقال الصادق عليه السلام: أنذر بالقرآن من يرجون الوصول إلى ربهم برغبتهم فيما عنده فان القرآن شافع مشفع " ليس لهم من دونه " أي غير الله " لعلهم يتقون " أي كي يخافوا في الدنيا وينتهوا عما نهيتهم عنه.

" وكيف أخاف ما أشركتم " ولا يتعلق به ضرر " ولا تخافون أنكم أشركتم بالله " وهو حقيق بأن يخاف منه كل الخوف لأنه إشراك للمصنوع بالصانع وتسوية بين المقدور العاجز والقادر الضار النافع، " سلطانا " أي حجة والحاصل أن الكفر والخطايا مظنة الخوف فلا ينبغي معه الامن.

" أفأمن أهل القرى " أي المكذبون لنبينا " أن يأتيهم بأسنا ضحى " أي ضحوة النهار، وهو في الأصل اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت " وهم يلعبون " أي يشتغلون بما لا ينفعهم " أفأمنوا مكر الله " مكر الله استعارة لاستدراجه العبد والاخذ من حيث لا يحتسب وقال علي بن إبراهيم: المكر من الله العذاب.

وقال الطبرسي رحمه الله: أي أفبعد هذا كله أمنوا عذاب الله أن يأتيهم من حيث لا يشعرون، وسمى العذاب مكرا لنزوله بهم من حيث لا يعلمون كما أن المكر ينزل بالممكور به من جهة الماكر من حيث لا يعلمه، وقيل إن مكر الله استدراجه إياهم بالصحة والسلامة، وطول العمر وتظاهر النعمة، " فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ".

يسئل عن هذا فيقال إن الأنبياء والمعصومين أمنوا مكر الله وليسوا بخاسرين وجوابه من وجوه أحدها أن معناه لا يأمن مكر الله من المذنبين إلا القوم الخاسرون بدلالة قوله سبحانه " إن المتقين في مقام أمين " وثانيها أن معناه لا يأمن عذاب الله للعصاة إلا الخاسرون، والمعصومون لا يؤمنون عذاب الله للعصاة، ولهذا سلموا من مواقعة الذنوب، وثالثها لا يأمن عقاب الله جهلا بحكمته إلا الخاسرون ومعنى الآية الإبانة عما يجب أن يكون عليه المكلف من الخوف لعقاب الله ليسارع إلى طاعته واجتناب معاصيه، ولا يستشعر الامن من ذلك فيكون قد خسر في دنياه وآخرته بالتهالك في القبائح.

" أو لم يهد للذين يرثون الأرض " أي يخلفون من خلا قبلهم في ديارهم وإنما عدى يهد باللام لأنه بمعنى يبين " أن لو نشاء " أي أنه لو نشاء " أصبناهم بذنوبهم " أي بجزاء ذنوبهم كما أصبنا من قبلهم " ونطبع على قلوبهم " مستأنف يعني ونحن نطبع على قلوبهم " فهم لا يسمعون " سماع تفهم واعتبار.

" للذين هم لربهم يرهبون " أي يخشون ربهم فلا يعصونه ويعملون بما فيها.

" عذابي أصيب به من أشاء " قال في المجمع: أي ممن عصاني واستحقه بعصيانه، وإنما علقه بالمشية لجواز الغفران " ورحمتي وسعت كل شئ " قال

الحسن وقتادة إن رحمته في الدنيا وسعت البر والفاجر وهي يوم القيامة للمتقين خاصة، وقال العوفي وسعت كل شئ ولكن لا تجب إلا للذين يتقون، وذلك أن الكافر يرزق ويدفع عنه بالمؤمن لسعة رحمة الله للمؤمن، فيعيش فيها، فإذا صار في الآخرة وجب للمؤمنين خاصة كالمستضئ بنار غيره، إذا ذهب صاحب السراج بسراجه، وقيل: معناه أنها تسع كل شئ إن دخلوها، فلو دخل الجميع فيها لوسعتهم إلا أن فيهم من لا يدخل فيها لضلاله " فسأكتبها للذين يتقون " أي فسأوجب رحمتي للذين يتقون الشرك أي يجتنبونه، وقيل: يجتنبون الكبائر والمعاصي.

" لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " قيل: بل يعمهم وغيرهم كالمداهنة في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وافتراق الكلمة وظهور البدع، وروى العياشي في هذه الآية قال: أصابت الناس فتنة بعد ما قبض الله نبيه حتى تركوا عليا وبايعوا غيره وهي الفتنة التي فتنوا بها، وقد أمرهم رسول الله باتباع علي والأوصياء من آل محمد عليهم السلام وفي المجمع عن علي والباقر عليهما السلام أنهما قرءا " لتصيبن ".

" فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين " بعقاب الله وثوابه ويدل على أن خشية الله تعالى من لوازم الايمان " ولم يخش إلا الله " قيل يعني في أبواب الدين، وأن لا يختار على رضا الله رضا غيره، فان الخشية عن المحاذير جبلية لا يكاد العاقل يتمالك عنها، وفي المجمع: أي لم يخف سوى الله أحدا من المخلوقين وهذا راجع إلى قوله " أتخشونهم " أي إن خشيتموهم فقد ساويتموهم في الاشراك

كما قال " فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله " الآية.

" وكذلك " أي ومثل ذلك الاخذ " أخذ ربك إذا أخذ القرى " أي أهلها " وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد " أي وجيع صعب، وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله أن الله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم تلا هذه الآية " إن في ذلك " أي فيما نزل بالأمم الهالكة " لآية " أي لعبرة " لمن خاف عذاب الآخرة " لعلمه بأنه أنموذج منه.

" غاشية من عذاب الله " أي عقوبة تغشاهم وتشملهم " بغتة " أي فجاءة من غير سابقة علامة " وهم لا يشعرون " باتيانها غير مستعدين لها.

" ويخافون سوء الحساب " خصوصا فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا وروي علي بن إبراهيم والكليني والصدوق والعياشي عن الصادق عليه السلام: أنه تلا هذه الآية حين وافى رجلا استقصى حقه من أخيه وقال أتراهم يخافون أن يظلمهم أو يجور عليهم، ولكنهم خافوا الاستقصاء والمداقة فسماه الله سوء الحساب، فمن استقصى فقد أساء، وفي المجمع والعياشي عنه عليه السلام أن تحسب عليهم السيئات، وتحسب لهم الحسنات، وهو الاستقصاء.

" ننقصها من أطرافها " قيل: أي بذهاب أهلها، وفي الاحتجاج عن

أمير المؤمنين عليه السلام: يعني بذلك ما يهلك من القرون فسماه إتيانا، وفي الفقيه عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية فقال: فقد العلماء، وقال علي بن إبراهيم هو موت علمائها وفي الكافي عن الباقر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول: إنه يسخي نفسي في سرعة الموت والقتل فينا قول الله تعالى " أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها " وهو ذهاب العلماء " لا معقب لحكمه " أي لا راد له، والمعقب الذي يعقب الشئ فيبطله " وهو سريع الحساب " فيحاسبهم عما قليل.

" ذلك " أي إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين " لمن خاف مقامي " أي موقفي للحساب " وخاف وعيد " أي وعيدي بالعذاب.

" نبئ عبادي " الآية فيها حث على الرجاء والخوف معا لكن في توصيف ذاته بالغفران والرحمة دون التعذيب ترجيح الرجاء.

" آمنين " من الانهدام، ونقب اللصوص، وتخريب الأعداء لوثاقتها أو من العذاب لفرط غفلتهم " ما كانوا يكسبون " أي من بناء البيوت الوثيقة، واستكثار الأموال والعدد.

" مكروا السيئات " أي المكرات السيئات قيل: هم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء والذين مكروا رسول الله صلى الله عليه وآله وراموا صد أصحابه عن الايمان " أن يخسف الله بهم الأرض " كما خسف بقارون " أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون " بغتة من جانب السماء، كما فعل بقوم لوط " أو يأخذهم في تقلبهم " إذا جاؤوا وذهبوا في

متاجرهم وأعمالهم " فما هم بمعجزين " أي فليسوا بفائتين وما يريده الله بهم من الهلاك لا يمتنع عليه " أو يأخذهم على تخوف " قيل أي على مخافة بأن يهلك قوما قبلهم فيتخوفوا فيأتيهم العذاب وهم متخوفون، أو على تنقص بأن ينقصهم شيئا بعد شئ في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا، من تخوفته إذا تنقصته، وقال علي بن إبراهيم: أي على تيقظ وبالجملة هو خلاف قوله " من حيث لا يشعرون ".

وروى العياشي عن الصادق عليه السلام أنه قال: هم أعداء الله وهم يمسخون ويقذفون ويسيخون في الأرض وفي الكافي عن السجاد عليه السلام في كلام له في الوعظ والزهد في الدنيا ولا تكونوا من الغافلين المائلين إلى زهرة الدنيا الذين مكروا السيئات، فان الله يقول: في محكم كتابه " أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض " الآية فاحذروا ما حذركم الله بما فعل بالظلمة في كتابه لئلا تأمنوا أن ينزل بكم بعض ما توعد به القوم الظالمين في الكتاب، والله لقد وعظكم الله في كتابه بغيركم، فان السعيد من وعظ بغيره.

" وهم لا يستكبرون " أي عن عبادته " يخافون ربهم من فوقهم " أي يخافونه وهو فوقهم بالقهر " وهو القاهر فوق عباده " " ويفعلون ما يؤمرون " في المجمع قد صح عن النبي صلى الله عليه وآله أن لله ملائكة في السماء السابعة سجودا منذ خلقهم إلى يوم القيامة، ترعد فرائصهم من مخافة الله، لا تقطر من دموعهم قطرة إلا صار ملكا فإذا كان يوم القيامة، رفعوا رؤوسهم وقالوا: ما عبدناك حق عبادتك.

قال بعض أهل المعرفة: إن أمثال هذه الآيات تدل على أن العالم كله في مقام الشهود والعبادة إلا كل مخلوق له قوة التفكر، وليس إلا النفوس الناطقة الانسانية والحيوانية خاصة من حيث أعيان أنفسهم لا من حيث هياكلهم فان هياكلهم كسائر العالم في التسبيح له والسجود، فأعضاء البدن كلها مسبحة ناطقة ألا تراها تشهد على النفوس المسخرة لها يوم القيامة من الجلود والأيدي والأرجل، والألسنة، والسمع والبصر، وجميع القوى فالحكم لله العلي الكبير.

" إنما هو إله واحد " أكد العدد في الموضعين دلالة على العناية به فإنك لو قلت إنما هو إله لخيل أنك أثبت الإلهية لا الوحدانية " فإياي فارهبون " كأنه قيل وأنا هو فإياي فارهبون لا غير " وله ما في السماوات والأرض " خلقا وملكا " وله الدين " أي الطاعة " واصبا " قيل أي لازما وروى العياشي عن الصادق عليه السلام قال: واجبا " أفغير الله تتقون " ولا ضار سواه كما لا نافع غيره كما قال: " وما بكم من نعمة فمن الله ".

" حصيرا " أي محبسا لا يقدرون على الخروج منها أبدا " للتي هي أقوم " أي للطريقة التي هي أقوم الطرق، وأشد استقامة، وفي الكافي عن الصادق عليه السلام أي يدعو وعنه عليه السلام يهدي إلى الامام وروى العياشي عن الباقر عليه السلام يهدي إلى الولاية " وأن الذين " أي يبشر المؤمنين ببشارتين ثوابهم وعقاب أعدائهم.

" وما أرسلناك عليهم وكيلا " أي موكولا إليك أمرهم، تجبرهم على

الايمان، وإنما أرسلناك مبشرا ونذيرا فدارهم ومر أصحابك بالاحتمال منهم " كان محذورا " أي حقيقا بأن يحذره كل أحد حتى الملائكة والرسل.

" لمن يخشى " أي لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالانذار.

" أفلم يهد لهم " قال علي بن إبراهيم: أي يبين لهم " يمشون في مساكنهم " أي يشاهدون آثار هلاكهم " لأولي النهى " أي لذوي العقول الناهية عن التغافل والتعامي.

" وهم من خشيته " أي من عظمته ومهابته " مشفقون " أي مرتعدون وأصل الخشية خوف مع تعظيم، ولذلك خص بها العلماء والاشفاق خوف مع اعتناء فان عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإن عدي بعلى فبالعكس.

" قل من يكلؤكم " أي يحفظكم " من الرحمن " أي من بأسه " إن أراد بكم " وفي لفظ الرحمن تنبيه على أن لا كالئ غير رحمته العامة وأن اندفاعه بها مهلة " بل هم عن ذكر ربهم معرضون " لا يخطرونه ببالهم فضلا أن يخافوا بأسه.

" أنا نأتي الأرض " قيل: أرض الكفرة " ننقصها من أطرافها " قيل:

أي بتسلط المسلمين عليها، وهو تصوير لما يجريه الله على أيدي المسلمين " أفهم الغالبون " رسول الله والمؤمنين، وفي الكافي والمجمع عن الصادق عليه السلام ننقصها يعني بموت العلماء ، قال: نقصانها ذهاب عالمها، وقد مر الكلام فيه.

" الفرقان " أي الكتاب الجامع لكونه فارقا بين الحق والباطل، وضياء يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة، وذكرا يتعظ به المتقون " بالغيب " حال من الفاعل أو المفعول " مشقون " أي خائفون.

" وكانوا لنا خاشعين " أي مخبتين أو دائمي الوجل.

" وبشر المخبتين " قيل: أي المتواضعين أو المخلصين فان الاخبات صفتهم، قال علي بن إبراهيم: أي العابد " وجلت قلوبهم " هيبة منه، لاشراق أشعة جلاله عليها.

" من خشية ربهم مشفقون " قيل: أي من خوف عذابه حذرون " والذين يؤتون ما آتوا " قيل: يعطون ما اعطوه من الصدقات وقال علي بن إبراهيم: من العبادة والطاعة، ويؤيده قراءة يأتون ما أتوا في الشواذ وما يأتي من الروايات " وقلوبهم وجلة " أي خائفة أن لا يقبل منهم، وأن لا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذ به " أنهم إلى ربهم راجعون " أي لان مرجعهم إليه أو من أن مرجعهم إليه، وهو يعلم ما يخفى عليهم، وقد روى الكليني في الروضة باسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة " قال: هي أشفاقهم ورجاؤهم، يخافون أن ترد عليهم أعمالهم إن لم يطيعوا الله عز ذكره، ويرجون أن تقبل منهم.

وفي الأصول باسناده عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال في حديث: ألا ومن عرف حقنا، ورجا الثواب فينا، ورضي بقوته نصف مد في كل يوم، وما ستر عورته، وما أكن رأسه، وهم والله في ذلك خائفون وجلون ودوا أنه حظهم من الدنيا وكذلك وصفهم الله تعالى فقال: " والذين يؤتون " الآية فقال: ما الذي أتوا أتوا والله الطاعة مع المحبة والولاية، وهم في ذلك خائفون ليس خوفهم خوف شك ولكنهم خافوا أن يكونوا مقصرين في محبتنا وطاعتنا.

وفي المجمع قال أبو عبد الله عليه السلام: معناه خائفة أن لا يقبل منهم وفي رواية أخرى يؤتي ما آتي وهو خائف راج.

" يخافون يوما " أي مع ما هم عليه من الذكر والطاعة " تتقلب فيه القلوب والابصار " قيل أي تضطرب وتتغير من الهول أو تتقلب أحوالها فتفقه القلوب ما لم تكن تفقه، وتبصر الابصار ما لم تكن تبصر، أو تتقلب القلوب من توقع النجاة وخوف الهلاك، والابصار من أي ناحية يؤخذ بهم ويؤتى كتابهم.

" ومن يطع الله ورسوله " فيما يأمرانه " ويخشى الله " على ما صدر عنه من الذنوب " ويتقه " فيما بقي من عمره " فأولئك هم الفائزون " بالنعيم المقيم.

" أن كنا " أي لان كنا " أول المؤمنين " من أتباع فرعون أو من أهل المشهد. " أن يغفر لي خطيئتي " قيل ذكر ذلك هضما لنفسه وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي ويكونوا على حذر، وطلب لان يغفر لهم ما يفرط منهم، و استغفارا لما عسى يندر منه من ترك الأولى.

" لا تخف " قيل أي من غيري ثقة بي أو مطلقا لقوله " إني لا يخاف لدي المرسلون " حين يوحى إليهم من فرط الاستغراق، فإنهم أخوف الناس أي من الله أولا يكون لهم عندي سوء عاقبة، فيخافون منه " إلا من ظلم " المشهور أن الاستثناء منقطع وقال علي بن إبراهيم: معنى " إلا من ظلم " لا من ظلم فوضع حرف مكان حرف، وقيل عاطفة قال في القاموس: وتكون عاطفة بمنزلة

الواو " لا يخاف لدى المرسلون إلا من ظلم " وقرئ في الشواذ " ألا " بالفتح والتخفيف.

" إنك من الآمنين " أي من المخاوف كما مر " من كان يرجو لقاء الله " قيل المراد بلقاء الله الوصول إلى ثوابه أو إلى العاقبة من الموت والبعث والحساب والجزاء على تمثيل حاله بحال عبد قدم على سيده بعد زمان مديد وقد اطلع السيد على أحواله فاما أن يلقاه ببشر لما رضي من أفعاله أو بسخط لما سخطه منها، وقال علي بن إبراهيم: قال: من أحب لقاء الله جاءه الاجل وفي التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام يعني من كان يؤمن بأنه مبعوث فان وعد الله لآت من الثواب والعقاب، قال: فاللقاء ههنا ليس بالرؤية، واللقاء هو البعث " وهو السميع " لأقوال العباد " العليم " بعقائدهم وأعمالهم.

" وإليه تقلبون " أي تردون " وما أنتم بمعجزين " ربكم عن إدراككم " في الأرض ولا في السماء " إن فررتم من قضائه بالتواري في إحداهما " من ولي ولا نصير " يحرسكم عن بلائه ولقائه بالبعث " أولئك يئسوا من رحمتي " لانكارهم البعث والجزاء " وأولئك لهم عذاب أليم " بكفرهم.

" لا يجزي والد عن ولده " أي لا يقضي عنه، وقرئ لا يجزئ من أجزأ أي لا يغني " إن وعد الله حق " بالثواب والعقاب.

" أسوة حسنة " قيل: أي خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى بها كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد " لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر " أي ثواب الله أو لقاءه ونعيم الآخرة أو أيام الله واليوم الآخر خصوصا والرجاء يحتمل الأصل

والخوف وقرن بالرجاء كثرة الذكر المؤدية إلى ملازمة الطاعة فان المؤتسي بالرسول من كان كذلك.

" وتخشى الناس " أي تعييرهم إياك " والله أحق أن تخشاه " إن كان فيه ما يخشى " وكفى بالله حسيبا " فينبغي أن لا يخشى إلا منه.

" الذين يخشون ربهم بالغيب " قيل: أي غائبين عن عذابه أو عن الناس في خلواتهم، أو غائبا عنهم عذابه " إنما يخشى الله من عباده العلماء " إذ شرط الخشية معرفة المخشي، والعلم بصفاته وأفعاله، فمن كان أعلم به كان أخشى منه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله: إني أخشاكم لله وأتقاكم له، " إن الله عزيز غفور " تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصر على طغيانه، غفور للتائب عن عصيانه، وفي المجمع عن الصادق عليه السلام يعني بالعلماء من صدق قوله فعله، ومن لم يصدق قوله فعله فليس بعالم، وفي الحديث أعلمكم بالله أخوفكم لله وفي الكافي عن السجاد عليه السلام: وما العلم بالله والعمل إلا إلفان مؤتلفان، فمن عرف الله خافه، وحثه الخوف على العمل بطاعة الله، وإن أرباب العلم وأتباعهم الذين عرفوا الله فعملوا له ورغبوا إليه، وقد قال الله: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " وعن الصادق عليه السلام إن من العباد شدة الخوف من الله، ثم تلا هذه الآية، وفي مصباح الشريعة عنه عليه السلام: دليل الخشية التعظيم لله والتمسك بخالص الطاعة، وأوامره، والخوف والحذر، ودليلهما العلم ثم تلا هذه الآية.

" إنما تنذر " أي إنذارا يترتب عليه الأثر " من اتبع الذكر " قيل:

هو القرآن وفي الحديث أنه علي عليه السلام " وخشي الرحمن بالغيب " قيل: أي خاف عقابه قبل حلوله ومعاينة أهواله، أو في سريرية ولا يغتر برحمته، فإنه كما هو رحمن منتقم قهار.

" إنا أخلصناهم بخالصة " أي جعلناهم خالصين لنا بخصلة خالصة لا شوب فيها هي " ذكرى الدار " تذكرهم للآخرة دائما، فان خلوصهم في الطاعة بسببها وذلك لأنه كان مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون، جوار الله والفوز بلقائه، وإطلاق الدار للاشعار بأنها الدار الحقيقية والدنيا معبر.

" أم من هو قانت " أي قائم بوظائف الطاعات، " آناء الليل " أي ساعاته " يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه " يدل على مدح الجمع بين الخوف والرجاء.

" ذلك يخوف الله به عباده " أي ذلك العذاب هو الذي يخوفهم به ليجتنبوا ما يوقعهم فيه " يا عباد فاتقون " ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي.

" مثاني " في المجمع سمي بذلك لأنه يثنى فيه القصص والاخبار والاحكام والمواعظ، بتصريفها في ضروب البيان، ويثنى أيضا في التلاوة فلا يمل لحسن مسموعه " تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم " أي يأخذهم قشعريرة خوفا مما في القرآن من الوعيد " ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله " إذا سمعوا ما فيه من الوعد بالثواب والرحمة، والمعنى أن قلوبهم تطمئن وتسكن إلى ذكر الله الجنة والثواب فحذف مفعول الذكر للعلم به. وروي عن العباس بن

عبد المطلب أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه كما تتحات عن الشجرة اليابسة ورقها، وقال قتادة: هذا نعت لأولياء الله نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما ذلك في أهل البدع وهو من الشيطان.

" تكاد السماوات يتفطرن " أي يتشققن من عظمة الله وروى علي بن إبراهيم عن الباقر عليه السلام أي يتصد عن " من فوقهن " أي من جهتهن الفوقانية أو من فوق الأرضين " لمن في الأرض " قال: للمؤمنين من الشيعة التوابين خاصة ولفظ الآية عام والمعنى خاص وفي الجوامع عن الصادق عليه السلام: ويستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين.

" قريب " أي إتيانها " يستعجل بها " أي استهزاء " مشفقون " منها أي خائفون منها مع اعتناء بها لتوقع الثواب " ويعلمون أنها الحق " الكائن لا محالة.

" الظانين بالله ظن السوء " وهو أن لا ينصر رسوله والمؤمنين " عليهم دائرة السوء " أي دائرة ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين لا يتخطاهم.

" من يخاف وعيد " فإنه لا ينتفع به غيره.

" آية " أي علامة " للذين يخافون " فإنهم المعتبرون بها. " مشفقين " قال علي بن إبراهيم: أي خائفين من العذاب " فمن الله علينا " بالرحمة " عذاب السموم " أي عذاب النار النافذة في المسام نفوذ السموم، وقال علي بن إبراهيم:

السموم الحر الشديد.

" سنفرغ لكم " قيل أي سنتجرد لحسابكم وجزائكم وذلك يوم القيامة فإنه ينتهي يومئذ شؤون الخلق كلها فلا يبقى إلا شأن واحد وهو الجزاء، فجعل ذلك فراغا على سبيل التمثيل، وقيل تهديد مستعار من قولك لمن تهدده سأفرغ لك فان المتجرد للشئ كان أقوى عليه وأجد فيه، والثقلان الجن والإنس " إن استطعتم أن تنفذوا " أي إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والأرض هاربين من الله فارين من قضائه " فانفذوا " فاخرجوا " لا تنفذون " أي لا تقدرون على النفوذ " إلا بسلطان " قيل أي إلا بقوة وقهر، وأنى لكم ذلك أو إن قدرتم أن تنفذوا لتعلموا ما في السماوات والأرض فانفذوا لتعلموا، لكن لا تنفذون ولا تعلمون إلا ببينة نصبها الله فتعرجون عليها بأفكاركم.

وأقول: قد مرت الأخبار في ذلك في كتاب المعاد.

" ولمن خاف مقام ربه " قال البيضاوي أي موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب أو قيامه على أحواله من قام عليه إذا راقبه أو مقام الخائف عند ربه للحساب بأحد المعنيين، فأضاف إلى الرب تفخيما وتهويلا أو ربه ومقام مقحم للمبالغة " جنتان " جنة للخائف الانسي والأخرى للخائف الجني فان الخطاب للفريقين والمعنى لكل خائفين منكما، أو لكل واحد جنة لعقيدته وأخرى لعمله، أو جنة لفعل الطاعات، وأخرى لترك المعاصي، أو جنة يثاب بها، وأخرى يتفضل بها عليه، أو روحانية وجسمانية.

" لو أنزلنا هذا القرآن على جبل " الآية في المجمع: تقديره لو كان

الجبل مما ينزل عليه القرآن ويشعر به مع غلظه وجفاء طبعه وكبر جسمه لخشع لمنزله وانصدع من خشيته، تعظيما لشأنه، فالانسان أحق بهذا لو عقل الاحكام التي فيه، وقيل: معناه لو كان الكلام ببلاغته يصدع الجبل لكان هذا القرآن يصدعه وقيل إن المراد ما يقتضيه الظاهر بدلالة قوله " وإن منها لما يهبط من خشية الله " وهذا وصف للكافر بالقسوة، حيث لم يلن قلبه بمواعظ القرآن الذي لو نزل على جبل لتخشع ويدل على أن هذا تمثيل قوله " وتلك الأمثال " الخ.

" بالغيب " أي يخافون عذابه غائبا عنهم لم يعاينوه بعد، أو غائبين عنه أو عن أعين الناس، أو بالمخفي فيهم، وهو قلوبهم " لهم مغفرة " لذنوبهم " وأجر كبير " يصغر دونه لذائذ الدنيا " أأمنتم من في السماء " يعني الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم " أن يخسف بكم الأرض " فيغيبكم فيها كما فعل بقارون " فإذا هي تمور " أي تضطرب " أن يرسل عليكم حاصبا " أي يمطر عليكم حصباء " فستعلمون كيف نذير " أي كيف إنذاري إذا شاهدتم المنذر به، ولكن لا ينفعكم العلم حينئذ " فكيف كان نكير " أي إنكاري عليهم بانزال العذاب، وهو تسلية للرسول صلى الله عليه وآله وتهديد لقومه " صافات " أي باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها فإنهن إذا بسطتها صففن قوادمها " ويقبضن " أي وإذا ضربن بها جنوبهن وقتا بعد وقت للاستعانة به على التحريك " ما يمسكهن " في الجو على خلاف الطبع " إلا الرحمن " الواسع رحمته كل شئ " إنه بكل شئ بصير " يعلم كيف ينبغي أن يخلقه.

" أم من هذا الذي هو جند لكم " يعني أو لم تنظروا في أمثال هذه الصنايع، فتعلموا قدرتنا على تعذيبكم بنحو خسف وإرسال حاصب، أم هذا الذي تعبدونه من دون الله لكم جند ينصركم من دون الله أن يرسل عليكم عذابه، فهو

كقوله " أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا " وفيه إشعار بأنهم اعتقدوا القسم الثاني حيث أخرج مخرج الاستفهام عن تعيين من ينصرهم " إلا في غرور " أي لا معتمد لهم " إن أمسك رزقه " أي بامساك المطر وسائر الأسباب المحصلة و الموصلة له إليكم " بل لجوا " أي تمادوا " في عتو " أي عناد " ونفور " أي شراد عن الحق لتنفر طباعهم عنه.

" مشفقون " أي خائفون على أنفسهم " إن عذاب ربهم " اعتراض يدل على أنه لا ينبغي لاحد أن يأمن من عذاب الله، وإن بالغ في طاعته.

" لا ترجون لله وقارا " قال البيضاوي: أي لا تأملون له توقيرا أي تعظيما لمن عبده وأطاعه، فتكونون على حال تأملون فيها تعظيمه إياكم أولا تعتقدون له عظمة فتخافوا عصيانه، وإنما عبر عن الاعتقاد التابع لأدنى الظن مبالغة " وقد خلقكم أطوارا " حال مقدرة للانكار من حيث إنها موجبة للرجاء فان خلقهم أطوارا أي تارات إذ خلقهم أولا عناصر، ثم مركبات تغذي الانسان ثم أخلاطا ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما ولحوما ثم أنشأهم خلقا آخر يدل على أنه يمكن أن يعيدهم تارة أخرى فيعظمهم بالثواب وعلى أنه تعالى عظيم القدرة تام الحكمة.

وقال علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " لا ترجون لله وقارا " يقول لا تخافون لله عظمة، وقال علي بن إبراهيم في قوله " وقد خلقكم أطوارا " قال على اختلاف الأهواء والإرادات والمشيات " كلا " قيل ردع عن اقتراحهم الآيات " بل لا يخافون الآخرة " فلذلك

أعرضوا عن التذكرة " هو أهل التقوى " أي حقيق بأن يتقى عقابه " وأهل المغفرة " أي حقيق بأن يغفر عباده، وفي التوحيد عن الصادق عليه السلام في هذه الآية قال:

قال الله تعالى: أنا أهل أن اتقى ولا يشرك بي عبدي شيئا، وأنا أهل إن لم يشرك بي أن ادخله الجنة.

" كان شره " قيل: أي شدائده " مستطيرا " أي فاشيا منتشرا غاية الانتشار وفيه إشعار بحسن عقيدتهم، واجتنابهم عن المعاصي، وفي المجالس للصدوق عن الباقر عليه السلام يقول: كلوحا عابسا وقال علي بن إبراهيم : المستطير العظيم " يوما " أي عذاب يوم " عبوسا " أي يعبس فيه الوجوه أو يشبه الأسد العبوس في ضراوته " قمطريرا " شديد العبوس كالذي يجمع ما بين عينيه، وقال علي بن إبراهيم: القمطرير الشديد " ولقيهم نضرة وسرورا " عن الباقر عليه السلام نضرة في الوجوه وسرورا في القلوب " وشددنا أسرهم " أي وأحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب وقال علي بن إبراهيم: أي خلقهم " بدلنا أمثالهم تبديلا " أي أهلكناهم وبدلنا أمثالهم في الخلقة وشدة الأسر يعني النشأة الآخرة أو المراد تبديلهم بغيرهم ممن يطيع في الدنيا " في رحمته " بالهداية والتوفيق للطاعة وفي الكافي عن الكاظم عليه السلام في ولايتنا.

" وأهديك إلى ربك " قيل: أي وأرشدك إلى معرفته " فتخشى " بأداء الواجبات وترك المحرمات إذ الخشية إنما تكون بعد المعرفة " لمن يخشى " لمن كان شأنه الخشية " مقام ربه " أي مقامه بين يديه لعلمه بالمبدء والمعاد " ونهى النفس عن الهوى " لعلمه بأن الهوى يرديه قال علي بن إبراهيم: هو العبد إذا وقف

على معصية الله وقدر عليها ثم تركها مخافة الله ونهى النفس عنها فمكافأته الجنة.

" علمت نفس ما قدمت وأخرت " أي من خير وشر وقيل: وما أخرت من سنة حسنة استن بها بعده، أو سنة سيئة استن بها بعده " ما غرك بربك الكريم " أي أي شئ خدعك وجرأك على عصيانه قيل: ذكر الكريم للمبالغة في المنع عن الاغترار، والاشعار بما به يغره الشيطان، فإنه يقول: افعل ما شئت فان ربك كريم لا يعذب أحدا وقيل: إنما قال سبحانه: " الكريم " دون سائر أسمائه وصفاته، لأنه كأنه لقنه الجواب حتى يقول: غرني كرم الكريم، وفي المجمع روي أن النبي صلى الله عليه وآله لما تلا هذه الآية قال: غره جهله " فسواك " جعل أعضاءك سليمة مسواة معدة لمنافعها " فعدلك " جعل بنيتك معتدلة متناسبة الأعضاء " في أي صورة ما شاء ركبك " أي ركبك في أي صورة شاء، وما مزيدة وفي المجمع عن الصادق عليه السلام قال: لو شاء ركبك على غير هذه الصورة.

" إن بطش ربك لشديد " مضاعف عنفه فان البطش أخذ بعنف " وهو الغفور الودود " لمن تاب وأطاع.

" سيذكر من يخشى " أي سيتعظ وينتفع بها من يخشى الله " ويتجنبها " أي يتجنب الذكرى " النار الكبرى " قال: نار يوم القيامة " ثم لا يموت فيها " فيستريح " ولا يحيى " حياة تنفعه، فيكون كما قال الله: " ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ".

" ورضوا عنه " لأنه بلغهم أقصى أمانيهم " ذلك لمن خشي ربه " فان

الخشية ملاك الامر والباعث على كل خير.

1 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن علي بن حديد، عن منصور بن يونس، عن الحارث بن المغيرة أو أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما كان في وصيه لقمان، قال: كان فيها الأعاجيب، وكان أعجب ما [كان] فيها أن قال لابنه:

خف الله عز وجل خيفة لو حبئته ببر الثقلين لعذبك، وارج الله رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك.

ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: كان أبي عليه السلام يقول: إنه ليس من عبد مؤمن إلا في قلبه نوران: نور خيفة، ونور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا ولو وزن هذا لم يزد على هذا.

بيان: الأعاجيب جمع الأعجوبة، وهي ما يعجبك حسنه أو قبحه، والمراد هنا الأول، ويدل على أنه ينبغي أن يكون الخوف والرجاء كلاهما كاملين في النفس ولا تنافي بينهما فان ملاحظة سعة رحمة الله وغنائه وجوده ولطفه على عباده سبب الرجاء، والنظر إلى شدة بأس الله وبطشه وما أوعد العاصين من عباده موجب للخوف، مع أن أسباب الخوف ترجع إلى نقص العبد وتقصيره وسوء أعماله وقصوره عن الوصول إلى مراتب القرب والوصال وانهماكه فيما يوجب الخسران والوبال، وأسباب الرجاء تؤول إلى لطف الله ورحمته وعفوه وغفرانه ووفور إحسانه وكل منهما في أعلا مدارج الكمال.

قال بعضهم: كلما يلاقيك من مكروه ومحبوب ينقسم إلى موجود في الحال وإلى موجود فيما مضى، وإلى منتظر في الاستقبال: فإذا خطر ببالك موجود فيما مضى سمي فكرا وتذكرا وإن كان ما خطر بقلبك موجودا في الحال سمي إدراكا وإن كان خطر ببالك وجود شئ في الاستقبال وغلب ذلك على قلبك سمي انتظارا وتوقعا، فإن كان المنتظر مكروها حصل منه ألم في القلب سمي خوفا وإشفاقا وإن كان محبوبا حصل من انتظاره وتعلق القلب به وإخطار وجوده بالبال لذة

في القلب وارتياح يسمى ذلك الارتياح رجاء.

فالرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب، ولكن ذلك المحبوب المتوقع لابد وأن يكون له سبب فإن كان انتظاره لأجل حصول أكثر أسبابه، فاسم الرجاء عليه صادق، وإن كان ذلك انتظارا مع عدم تهيئ أسبابه واضطرابها، فاسم الغرور والحمق عليه أصدق من اسم الرجاء، وإن لم تكن الأسباب معلومة الوجود ولا معلومة الانتفاء، فاسم التمني أصدق على انتظاره لأنه انتظار من غير سبب.

وعلى كل حال، فلا يطلق اسم الرجاء والخوف إلا على ما يتردد فيه، أما ما يقطع به فلا، إذ لا يقال: أرجو طلوع الشمس وقت الطلوع، وأخاف غروبها وقت الغروب، لان ذلك مقطوع به، نعم يقال: أرجو نزول المطر وأخاف انقطاعه.

وقد علم أرباب القلوب أن الدنيا مزرعة الآخرة، والقلب كالأرض، والايمان كالبذر فيه، والطاعات جارية مجرى تقليب الأرض وتطهيرها، ومجرى حفر الأنهار وسياقة الماء إليها، والقلب المستغرق بالدنيا كالأرض السبخة التي لا ينمو فيها البذر، ويوم القيامة الحصاد، ولا يحصد أحد إلا ما زرع، ولا ينمو زرع إلا من بذر الايمان، وقلما ينفع إيمان مع خبث القلب وسوء أخلاقه، كما لاينبو بذر في أرض سبخة.

فينبغي أن يقاس رجاء العبد للمغفرة برجاء صاحب الزرع، فكل من طلب أرضا طيبة وألقى فيها بذرا جيدا غير عفن ولا مسوس، ثم أمده بما يحتاج إليه وهو سياق الماء إليه في أوقاته ثم نقى الأرض عن الشوك والحشيش، وكل ما يمنع نبات البذر أو يفسده، ثم جلس منتظرا من فضل الله رفع الصواعق والآيات المفسدة إلى أن يثمر الزرع ويبلغ غايته، سمي انتظاره رجاء، وإن بث البذر في أرض صلبة سبخة مرتفعة لا ينصب الماء إليها، ولم يشغل بتعهد البذر أصلا ثم انتظر حصاد الزرع يسمى انتظاره حمقا وغرورا، لا رجاء، وإن بث البذر في أرض طيبة ولكن لا ماء لها، وينتظر مياه الأمطار حيث لا تغلب الأمطار ولا يمتنع، سمي انتظاره تمنيا لا رجاء.

فإذا اسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد، ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره، وهو فضل الله بصرف القواطع والمفسدات.

فالعبد إذا بث بذر الايمان، وسقاه بماء الطاعة، وطهر القلب عن شوك الأخلاق الردية، وانتظر من فضل الله تثبيته على ذلك إلى الموت، وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة، كان انتظاره رجاء حقيقيا محمودا في نفسه، باعثا له على المواظبة والقيام بمقتضى الايمان في إتمام أسباب المغفرة إلى الموت، وإن انقطع عن بذر الايمان تعهده بماء الطاعات، أو ترك القلب مشحونا برذائل الأخلاق وانهمك في طلب لذات الدنيا، ثم انتظر المغفرة فانتظاره حمق وغرور كما قال تعالى: " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا " وإنما الرجاء بعد تأكد الأسباب، ولذا قال تعالى: " إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله ".

وأما من ينهمك فيما يكرهه الله، ولا يذم نفسه عليه، ولا يعزم على التوبة والرجوع، فرجاؤه المغفرة حمق كرجاء من بث البذر في أرض سبخة وعزم أن لا يتعهدها بسقي ولا تنقية.

فإذا عرفت حقيقة الرجاء ومظنته، فقد عرفت أنها حالة أثمرها العلم بجريان أكثر الأسباب، وهذه الحالة تثمر الجهد للقيام ببقية الأسباب على حسب الامكان فان من حسن بذره، وطابت أرضه، وغزر ماؤه، صدق رجاؤه فلا يزال يحمله صدق الرجاء على تفقد الأرض وتعهده، وتنقية كل حشيش ينبت فيه، ولا يفتر عن تعهده أصلا إلى وقت الحصاد، وهذا لان الرجاء يضاده اليأس، واليأس يمنع من التعهد، والخوف ليس بضد للرجاء، بل هو رفيق له وباعث آخر بطريق الرهبة، كما أن الرجاء باعث بطريق الرغبة انتهى.

ثم ظاهر الخبر أنه لابد أن يكون العبد دائما بين الخوف والرجاء، لا يغلب أحدهما على الآخر، إذ لو رجح الرجاء لزم الامن لا في موضعه وقال تعالى: " أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " ولو رجح الخوف لزم اليأس الموجب للهلاك، كما قال سبحانه: " ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ".

وقيل: يستحب أن يغلب في حال الصحة الخوف، فإذا انقضى الاجل يستحب أن يغلب الرجاء ليلقى الله على حالة هي أحب إليه، إذ هو سبحانه الرحمن الرحيم ويحب الرجاء.

وقيل: ثمرة الخوف الكف عن المعاصي، فعند دنو الاجل زالت تلك الثمرة، فينبغي غلبة الرجاء، وقال بعضهم: الخوف ليس من الفضائل والكمالات العقلية في النشأة الآخرة، وإنما هو من الأمور النافعة للنفس في الهرب عن المعاصي وفعل الطاعات ما دامت في دار العمل، وأما عند انقضاء الأجل والخروج من الدنيا فلا فائدة فيه، وأما الرجاء فإنه باق أبدا إلى يوم القيامة، لا ينقطع، لأنه كلما نال العبد من رحمة الله أكثر، كان ازدياد طمعه فيما عند الله أعظم وأشد، لان خزائن جوده وخيره ورحمته غير متناهية لا تبيد ولا تنقص، فثبت أن الخوف منقطع، والرجاء أبدا لا ينقطع انتهى.

والحق أن العبد ما دام في دار التكليف لابد له من الخوف والرجاء وبعد مشاهدة أمور الآخرة يغلب عليه أحدهما لا محالة بحسب ما يشاهده من أحوالها.

2 - الكافي: محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله ابن جبلة، عن إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا إسحاق! خف الله كأنك تراه وإن كنت لا تراه فإنه يراك، وإن كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت وإن كنت تعلم أنه يراك ثم برزت له بالمعصية، فقد جعلته من أهون الناظرين

عليك.

توضيح: اعلم أن الرؤية تطلق على الرؤية بالبصر وعلى الرؤية القلبية وهي كناية عن غاية الانكشاف والظهور، والمعنى الأول هنا أنسب، أي خف الله خوف من يشاهده بعينه وإن كان محالا، ويحتمل الثاني أيضا فان المخاطب لما لم يكن من أهل الرؤية القلبية ولم يرتق إلى تلك الدرجة العلية، فإنها مخصوصة بالأنبياء والأوصياء عليهم السلام قال: كأنك تراه، وهذه مرتبة عين اليقين وأعلى مراتب السالكين.

وقوله: " فإن لم تكن تراه " أي إن لم تحصل لك هذه المرتبة من الانكشاف والعيان فكن بحيث تتذكر دائما أنه يراك، وهذه مقام المراقبة كما قال تعالى:

" أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت إن الله كان عليكم رقيبا " والمراقبة مراعاة القلب للرقيب واشتغاله به، والمثمر لها هو تذكر أن الله تعالى مطلع على كل نفس بما كسبت، وأنه سبحانه عالم بسرائر القلوب وخطراتها، فإذا استقر هذا العلم في القلب جذبه إلى مراقبة الله سبحانه دائما، وترك معاصيه خوفا وحياء والمواظبة على طاعته وخدمته دائما.

وقوله " وإن كنت ترى " تعليم لطريق جعل المراقبة ملكة للنفس فتصير سببا لترك المعاصي والحق أن هذه شبهة عظيمة للحكم بكفر أرباب المعاصي ولا يمكن التقصي عنها إلا بالاتكال على عفوه وكرمه سبحانه، ومن هنا يظهر أنه لا يجتمع الايمان الحقيقي مع الاصرار على المعاصي، كما مرت الإشارة إليه.

" ثم برزت له بالمعصية " أي أظهرت له المعصية أو من البراز للمقاتلة كأنك عاديته وحاربته " و " عليك " متعلق بأهون.

3 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن حمزة بن عبد الله الجعفري

عن جميل بن دراج، عن أبي حمزة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من عرف الله خاف الله، ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا.

بيان: يقال سخي عن الشئ يسخى من باب تعب ترك، ويدل على أن الخوف من الله لازم لمعرفته كما قال تعالى: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " وذلك لان من عرف عظمته وغلبته على جميع الأشياء وقدرته على جميع الممكنات بالايجاد والافناء خاف منه وأيضا من علم احتياجه إليه في وجوده، وبقائه وسائر كمالاته في جميع أحواله خاف سلب ذلك منه، ومعلوم أن الخوف من الله سبب لترك ملاذ الدنيا وشهواتها الموجبة لسخط الله.

4 - الكافي : عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن أبي نجران، عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: قوم يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت؟ فقال: هؤلاء قوم يترجحون في الأماني كذبوا ليسوا براجين، إن من رجا شيئا طلبه ومن خاف من شئ هرب منه.

ورواه علي بن محمد رفعه قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن قوما من مواليك يلمون بالمعاصي ويقولون نرجو، فقال: كذبوا ليسوا لنا بموال أولئك قوم ترجحت بهم الأماني من رجا شيئا عمل له، ومن خاف من شئ هرب منه.

بيان: " ويقولون نرجو " أي رحمة الله وغفرانه " حتى يأتيهم الموت " أي بلا توبة ولا تدارك والترجح تذبذب الشئ المعلق في الهواء والتميل من جانب إلى جانب، وترجحت به الأرجوحة مالت، وهي حبل يعلق ويركبه الصبيان فكأنه عليه السلام شبه أمانيهم بأرجوحة يركبه الصبيان يتحرك بأدنى نسيم وحركة فكذا هؤلاء يميلون بسبب الأماني من الخوف إلى الرجاء بأدنى وهم، و " في " يحتمل الظرفية والسببية وكونه بمعنى " على "، ولما كان الخوف والرجاء متلازمين ذكر الخوف أيضا فان رجاء كل شئ مستلزم للخوف من فواته، وفي

القاموس: ألم: باشر اللمم، وبه: نزل كلم، واللمم: صغار الذنوب.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.