بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
54 باب الاخلاص ومعنى قربه تعالى
ج ۶۷، ص ۲۱۲–۲۴۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
البقرة: بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وقال تعالى: ونحن له مخلصون وقال: وأتموا الحج والعمرة لله وقال: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد وقال تعالى: وقوموا لله قانتين وقال تعالى: ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله الآية.
آل عمران: فان حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن.
وقال تعالى: ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين.
النساء: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وقال: ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما وقال: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا وقال: إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين.
الأنعام: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين وقال تعالى: قل إن صلوتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين وقال تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.
الأعراف: وادعوه مخلصين له الدين.
يوسف: إنه من عبادنا المخلصين.
اسرى: وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه.
الكهف: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وقال تعالى: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا.
مريم: واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا إلى قوله تعالى: وقربناه نجيا.
الحج: حنفاء لله غير مشركين به.
الروم: فلت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون.
لقمان: ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور.
الصافات: إلا عباد الله المخلصين * أولئك لهم رزق معلوم * فواكه وهم
مكرمون * في جنات النعيم إلى قوله تعالى: لمثل هذا فليعمل العاملون.
ص: وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب.
الزمر: فأعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص.
وقال تعالى: قل إني أمرت أن أ عبد الله مخلصا له الدين وأمرت لان أكون أول المسلمين إلى قوله تعالى: قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه.
وقال: ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون.
المؤمن: فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
حمعسق: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب.
الجن: وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا إلى قوله تعالى: قل إنما ادعوا ربي ولا أشرك به أحدا.
الدهر: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا * إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا.
الليل: وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى * وما لاحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى.
البينة: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء.
تفسير: " إياك نعبد وإياك نستعين " أي نخصك بالعبادة والاستعانة والمراد طلب المعونة في المهمات كلها أو في أداء العبادات والضمير المستكن في الفعلين للقاري ومن معه من الحفظة وحاضري صلاة الجماعة أوله ولسائر الموحدين أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها ويجاب إليها ولهذا شرعت الجماعة، وقدم المفعول للتعظيم والاهتمام به، والدلالة على الحصر وقيل: لما نسب العبادة إلى نفسه أوهم ذلك تبجحا واعتدادا منه بما يصدر عنه فعقبه بقوله " وإياك نستعين " ليدل على أن العبادة أيضا مما لا تتم ولا تستتب له إلا بمعونة منه وتوفيق، وقيل: الواو للحال والمعنى نعبدك مستعينين بك.
وفي تفسير الإمام عليه السلام في تفسيرها قال الله تعالى: قولوا أيها الخلق المنعم عليهم " إياك نعبد " إيها المنعم علينا نطيعك مخلصين مع التذلل والخضوع بلا رئاء ولا سمعة " وإياك نستعين " منك نسأل المعونة على طاعتك لنؤديها كما أمرت، و نتقي من دنيانا ما عنه نهيت، ونعتصم من الشيطان ومن سائر مردة الانس من المضلين ومن المؤذين الظالمين بعصمتك " بلى من أسلم وجهه لله " قيل أي نفسه أو قصده فيدل على الاخلاص، وقال الطبرسي: قيل: معناه من أخلص نفسه لله بأن سلك طريق مرضاته عن ابن عباس، وقيل: وجه وجهه لطاعة الله وقيل: فوض أمره إلى الله وقيل: استسلم لأمر الله وخضع وتواضع لله " وهو محسن " في عمله وقيل:
وهو مؤمن، وقيل مخلص: " فله أجره عند ربه " أي فله جزاء عمله عند الله تعالى.
وفي تفسير الإمام عليه السلام " بلى من أسلم وجهه لله " كما فعل الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله لما سمعوا براهينه وحججه " وهو محسن " في عمله لله " فله أجره " أي ثوابه عند ربه يوم فصل القضاء " ولا خوف عليهم " حين يخاف الكافرون ما يشاهدونه من العذاب " ولا هم يحزنون " عند الموت لان البشارة بالجنان تأتيهم انتهى.
" ونحن له مخلصون " أي في الايمان والطاعة لا نشرك به شركا جليا ولا خفيا.
" لله " أي لوجه الله خالصا ويدل على وجوب نية القربة فيهما " من يشري " أي يبيع " نفسه " ببذلها " ابتغاء مرضاة الله " أي طلبا لرضاه سبحانه، ويدل على أن طلب الرضا أيضا أحد وجوه القربة وروت العامة والخاصة بأسانيد جمة أنها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام حين بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وفي تفسير الإمام عليه السلام " ومن الناس من يشري نفسه " يبيعها " ابتغاء مرضات الله " فيعمل بطاعته ويأمر الناس بها، ويصبر على ما يلحقه من الأذى فيها يكون كمن باع نفسه وسلمها وتسلم مرضاة الله عوضا منها فلا يبالي ماحل بها بعد أن يحصل لها رضا ربها " والله رؤوف بالعباد " كلهم أما الطالبون لرضا ربهم فيبلغهم أقصى أمانيهم، ويزيدهم عليها ما لم تبلغه آمالهم ، وأما الفاجرون في دينه فيتأناهم ويرفق بهم يدعوهم إلى طاعته ولا يقطع ممن علم أنه سيتوب عن ذنبه التوبة الموجبة له عظيم كرامته.
" وقوموا لله " يدل على وجوب نية القربة في القيام للصلاة بل فيها.
" مثل الذين ينفقون " أي يخرجون " أموالهم " في وجوه البر " ابتغاء مرضاة الله " أي لطلب رضاه فيدل [على] ظ اشتراط ترتب الثواب على الصدقات وسائر الخيرات بالقربة.
" فقل أسلمت وجهي لله " أي أخلصت نفسي وجملتي له لا أشرك فيها غيره، قيل: عبر عن النفس بالوجه لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة، ومظهر القوى
والحواس " ومن اتبعن " أي وأسلم من اتبعني.
" ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها " قال في المجمع: قيل في معناه أقوال: أحدها أن المراد من عمل للدنيا لم نحرمه ما قسمنا له فيها من غير حظ في الآخرة عن أبي إسحاق أي فلا تغتر بحاله في الدنيا، وثانيها من أراد بجهاده ثواب الدنيا وهو النصيب من الغنيمة نؤته منها، فبين أن حصول الدنيا للانسان ليس بموضع غبطة لأنها مبذولة للبر والفاجر عن أبي علي الجبائي، وثالثها من تعرض لثواب الدنيا بعمل النوافل مع مواقعة الكبائر جوزي بها في الدنيا دون الآخرة لاحباط عمله بفسقه، وهذا على مذهب من يقول بالاحباط.
" ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها " أي من يرد بالجهاد وأعماله ثواب الآخرة نؤته منها، فلا ينبغي لاحد أن يطلب بطاعاته غير ثواب الله تعالى ومثله قوله تعالى: " من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه " الآية، وقريب منه قول النبي صلى الله عليه وآله: من طلب الدنيا بعمل الآخرة فماله في الآخرة من نصيب " وسنجزي الشاكرين " أي نعطيهم جزاء الشكر، وقيل: معناه سنجزي الشاكرين من الرزق في الدنيا لئلا يتوهم أن الشاكر يحرم ما يعطى الكافر من نعيم الدنيا انتهى.
وأقول: الآية على أظهر الوجوه تدل على اشتراط ثواب الآخرة بقصد القربة، وأما على بطلان العمل ففيه إشكال إلا أن يظهر التلازم بين الصحة واستحقاق الثواب الأخروي، ويدل على أن قصد الثواب لا ينافي القربة كما زعمه جماعة وعلى أن الثواب الدنيوي قد يترتب على العبادات الفاسدة كعبادة إبليس وبعض الكفار.
" ولا تشركوا به شيئا " أي لا تشركوا في عبادته غيره، وهو يشمل الشرك
الجلي والخفي.
" ومن يفعل ذلك " أي الصدقة أو المعروف أو الاصلاح بين الناس أو الامر بها، ويدل على اشتراط القربة في ترتب الثواب عليه.
" ومن أحسن دينا " قال الطبرسي رحمه الله: هو في صورة الاستفهام والمراد به التقرير، ومعناه من أصوب طريقة وأهدى سبيلا أي لا أحد أصدق اعتقادا ممن أسلم وجهه لله أي استسلم، والمراد بوجهه هنا ذاته ونفسه كما قال سبحانه: " كل شئ هالك إلا وجهه " والمعنى انقاد لله بالطاعة ولنبيه صلى الله عليه وآله بالتصديق وقيل: معنى أسلم وجهه لله قصده سبحانه بالعبادة وحده، كما أخبر عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: " وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض " وقيل: معناه أخلص أعماله لله أي أتى بها مخلصا لله " وهو محسن " أي فاعل للفعل الحسن الذي أمره الله سبحانه، وقيل: وهو محسن في جميع أقواله وأفعاله وقيل: إن المحسن هو الموحد وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل عن الاحسان فقال:
أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " واتبع ملة إبراهيم " أي اقتدى بدينه وسيرته وطريقته، يعني ما كان عليه إبراهيم عليه السلام وأمر به بنيه من بعده، وأوصاهم به من الاقرار بتوحيده وعدله وتنزيهه عما لا يليق به ومن ذلك الصلاة إلى الكعبة، والطواف حولها، وسائر المناسك " حنيفا " أي مستقيما على منهاجه وطريقه.
قوله تعالى: " إلا الذين تابوا " أي من النفاق " وأصلحوا " ما أفسدوا
من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق " واعتصموا بالله " وثقوا به وتمسكوا بدينه " وأخلصوا دينهم لله " لا يريدون بطاعته إلا وجهه " فأولئك مع المؤمنين " ومن عدادهم في الدارين.
" وجهت وجهي " أي نفسي أو وجه قلبي أو قصدي " حنيفا " أي مخلصا مائلا عن الشرك إلى الاخلاص " وما أنا من المشركين " لا بالشرك الجلي ولا بالشرك الخفي.
" قل إن صلوتي " الخطاب للرسول صلى الله عليه وآله " ونسكي " قال في المجمع:
قيل: أي ديني وقيل: عبادتي وقيل: ذبيحتي للحج والعمرة " ومحياي ومماتي " أي حياتي وموتي " لله رب العالمين " وإنما جمع بين صلاته وحياته وأحدهما من فعله والآخر من فعل الله، فإنهما جميعا بتدبير الله تعالى، وقيل: معناه صلاتي ونسكي له عبادة وحياتي ومماتي له ملكا وقدرة، وقيل: إن عبادتي له لأنها بهدايته ولطفه، ومحياي ومماتي له، لأنهما بتدبيره وخلقه، وقيل: معنى قوله: " محياي ومماتي لله " أن الأعمال الصالحة التي تتعلق بالحياة في فنون الطاعات وما يتعلق بالممات من الوصية والختم بالخيرات لله، وفيه تنبيه على أنه لا ينبغي أن يكون الانسان حياته لشهوته ومماته لورثته " لا شريك له " أي لا ثاني له في الإلهية، وقيل: لا شريك له في العبادة، وفي الاحياء والإماتة " وبذلك أمرت " أي وبهذا أمرني ربي " وأنا أول المسلمين " من هذه الأمة انتهى.
وأقول: يمكن أن يكون المراد بقوله: " محياي ومماتي لله " أني جعلت إرادتي ومحبتي موافقتين لإرادة الله ومحبته في جميع الأمور، حتى في الحياة والممات، فان أراد الله حياتي لا أطلب الموت، وإذا أراد موتي لا أكرهها ولا أشتهي الحياة.
" يريدون وجهه " قال الطبرسي رحمه الله: يعني يطلبون ثواب الله
ويعملون ابتغاء مرضاته، لا يعدلون بالله شيئا عن عطا، قال الزجاج: شهد الله لهم بصدق النيات وأنهم مخلصون في ذلك له، أي يقصدون الطريق الذي أمرهم بقصده، فكأنه ذهب في معنى الوجه إلى الجهة والطريق.
وقال في قوله تعالى: " وادعوه مخلصين له الدين ": هذا أمر بالدعاء والتضرع إليه سبحانه على وجه الاخلاص أي ارغبوا إليه في الدعاء بعد إخلاصكم له الدين، وقيل: معناه واعبدوه مخلصين له الايمان.
" من عبادنا المخلصين " قرئ بفتح اللام أي المصطفين المختارين للنبوة وبكسرها أي المخلصين في العبادة والتوحيد، أي من عبادنا الذين أخلصوا الطاعة لله وأخلصوا أنفسهم لله.
" أن لا تعبدوا إلا إياه " كأنه شامل للشرك الخفي أيضا.
" يريدون وجهه " في المجمع: أي رضوانه وقيل: تعظيمه والقربة إليه دون الرئاء والسمعة.
" فمن كان يرجو لقاء ربه " قال رحمه الله: أي فمن كان يطمع في لقاء ثواب ربه ويأمله ويقر بالبعث إليه والوقوف بين يديه، وقيل: معناه فمن كان يخشى لقاء عقاب ربه، وقيل: إن الرجاء يشتمل على كلام المعنيين الخوف والأمل " فليعمل عملا صالحا " أي خالصا لله تعالى يتقرب به إليه " ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " غيره من ملك أو بشر أو حجر أو شجر عن الحسن، وقيل: معناه لا يرائي عبادته أحدا وقال مجاهد: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: إني أتصدق وأصل
الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله فيذكر ذلك مني واحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به، فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يقل شيئا فنزلت الآية، قال عطا: عن ابن عباس إن الله تعالى قال: ولا يشرك [بعبادة ربه أحدا ولم يقل ولا يشرك] به لأنه أراد العمل الذي يعمل لله، ويحب أن يحمد عليه، قال: ولذلك يستحب للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسمها كيلا يعظمه من يصله بها.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ، فهو للذي أشرك، أورده مسلم في الصحيح وروي عن عبادة بن الصامت وشداد بن أوس قالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من صلى صلاة يرائي بها فقد أشرك، ومن صام صوما يرائي به، فقد أشرك، ثم قرأ هذه الآية، وروي أن أبا الحسن الرضا عليه السلام دخل يوما على المأمون فرآه يتوضأ للصلاة والغلام يصب على يده الماء، فقال:
لا تشرك بعبادة ربك أحدا، فصرف المأمون الغلام، وتولى إتمام وضوئه بنفسه وقيل: إن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن انتهى.
وأقول: الرواية الأخيرة تدل على أن المراد بالشرك هنا الاستعانة في العبادة، وهو مخالف لسائر الاخبار، ويمكن الجمع بحملها على الأعم منها فان الاخلاص التام هو أن لا يشرك في القصد ولا في العمل غيره سبحانه.
" إنه كان مخلصا " في المجمع أخلص العبادة لله أو أخلص نفسه لأداء الرسالة " وقربناه نجيا " أي مناجيا كليما قال ابن عباس: قربه الله وكلمه، ومعنى هذا التقريب أنه أسمعه كلامه وقيل: قربه حتى سمع صرير القلم الذي كتبت به التوراة، وقيل: وقربناه أي ورفعنا منزلته وأعلينا محله حتى صار محله منا في الكرامة والمنزلة محل من قربه مولاه في مجلس كرامته، فهو تقريب كرامة واصطفاء لا تقريب مسافة وإدناء، إذ هو سبحانه لا يوصف بالحلول في مكان فيقرب
عن بعد أو يبعد عن قرب، أو يكون أحد أقرب إليه من غيره.
" حنفاء لله " أي مستقيمي الطريقة على ما أمر الله، مائلين عن سائر الأديان " غير مشركين به " أي حجاجا مخلصين، وهم مسلمون موحدون كذا في المجمع وفي التفسير عن الصادق عليه السلام غير مشركين به في التوحيد، عن الباقر عليه السلام أنه سئل عنه وعن الحنيفية فقال: هي الفطرة التي فطر الناس عليها " لا تبديل لخلق الله " قال: فطرهم الله على المعرفة.
" للذين يريدون وجه الله " أي الذين يقصدون بمعروفهم إياه خالصا من دون رئاء وسمعة " وأولئك هم المفلحون " أي الفائزون بثواب الله.
" ومن يسلم وجهه إلى الله " في المجمع: أي ومن يخلص دينه لله ويقصد في أفعاله التقرب إلى الله " وهو محسن " فيها فيفعلها على موجب العلم ومقتضى الشرع، وقيل: إسلام الوجه إلى الله تعالى هو الانقياد إليه في أوامره ونواهيه وذلك يتضمن العلم والعمل " فقد استمسك " أي فقد تعلق بالعروة الوثيقة التي لا يخشى انفصامها " وإلى الله عاقبة الأمور " أي وعند الله ثواب ما صنع والمعنى وإلى الله يرجع أواخر الأمور، على وجه لا يكون لاحد التصرف فيها بالأمر والنهي انتهى.
" إلا عباد الله المخلصين " بالكسر أي الذين تنبهوا بانذارهم فأخلصوا دينهم لله، وبالفتح أي الذين أخلصهم الله لدينه، وعلى التقديرين الاستثناء منقطع وعن الباقر عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله " لهم رزق معلوم " قال يعلمه الخدام فيأتون به
أولياء الله قبل أن يسألوهم إياه وأما قوله " فواكه وهم مكرمون " قال: فإنهم لا يشتهون شيئا في الجنة إلا أكرموا به.
" مخلصين له الدين " من الشرك الجلي بل الخفي أيضا.
" فان عبد الله مخلصا له الدين " في المجمع من شرك الأوثان والأصنام والاخلاص أن يقصد العبد بنيته وعمله إلى خالقه لا يجعل ذلك لغرض الدنيا " ألا لله الدين الخالص " والخالص هو ما لا يشوبه الرئاء والسمعة، ولا وجه من وجوه الدنيا، وقيل معناه ألا لله الطاعة بالعبادة التي يستحق بها الجزاء، فهذا لله وحده، لا يجوز أن يكون لغيره، وقيل: هو الاعتقاد الواجب في التوحيد والعدل والنبوة والاقرار بها والعمل بموجبها والبراءة، من كل دين سواها.
وقال في قوله تعالى: " مخلصا له الدين " أي موحدا له لا أعبد معه سواه والعبادة الخالصة هي التي لا يشوبها شئ من المعاصي " وأمرت " أيضا " لان أكون أول المسلمين " فيكون لي فضل السبق. " مخلصا له ديني " وطاعتي انتهى " فاعبدوا ما شئتم من دونه " تهديد وخذلان.
" ضرب الله مثلا " أي للمشرك والموحد " متشاكسون " أي متنازعون مختلفون " ورجلا سلما لرجل " أي خالصا لواحد ليس لغيره عليه سبيل، قيل:
مثل المشرك على ما يقتضيه مذهبه من أن يدعي كل واحد من معبوديه عبوديته ويتنازعون فيه، بعبد يتشارك فيه جمع يتجاذبونه ويتعاورونه في مهامهم المختلفة، في تحيره وتوزع قلبه: والموحد بمن خلص لواحد ليس لغيره عليه سبيل.
وأقول: قد مرت الأخبار الكثيرة في أنها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام وغاصبي
حقه وعلى التقادير يشعر بذم الشرك الخفي فان من أشركه في عبادته له نصيب فيها ولذا يقول الله له يوم القيامة أنا أغنى الشركاء خذ ثواب عبادتك ممن أشركته معي.
" من كان يريد حرث الآخرة " أي ثوابها، شبهه بالزرع من حيث إنه فائدة تحصل بعمل الدنيا، ولذلك قيل: " الدنيا مزرعة الآخرة " " نزد له في حرثه " فنعطه بالواحد عشرا إلى سبعمائة فما فوقها " ومن كان يريد حرث الدنيا " أي بعمله نفع الدنيا " نؤته منها " أي شيئا منها على ما قسمنا له ، ويحتمل أن يصير سببا لزيادة المنافع الدنيوية " وما له في الآخرة من نصيب " لبطلانه وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى وفي التفسير عن الصادق عليه السلام المال والبنون حرث الدنيا والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله لأقوام.
وفي الكافي عنه عليه السلام من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب، ومن أراد به خير الآخرة أعطاه الله خير الدنيا والآخرة.
وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله: من كانت نيته الدنيا فرق الله عليه أمره وجعل الفقر بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت نيته الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: " من كان يريد حرث الآخرة ".
قال: معرفة أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة عليهم السلام، قيل: " نزد له في حرثه " قال:
نزيده منها يستوفي نصيبه من دولتهم " ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب " قال: ليس له في دولة الحق مع الامام نصيب.
" وأن المساجد لله " في الأخبار الكثيرة أنها المساجد التي يسجد عليها، وقيل: المساجد المعروفة، وقيل: كل الأرض " فلا تدعوا مع الله أحدا " أي لا تشركوا في دعائه وعبادته غيره.
" إنما نطعمكم لوجه الله " أي لطلب رضاه خالصا له مخلصا من الرئاء وطلب الجزاء " لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " روى الصدوق رحمه الله في مجالسه باسناده عن الصادق عليه السلام في حديث طويل يذكر فيه سبب نزول سورة هل أتى في أصحاب الكساء عليهم السلام " ويطعمون الطعام على حبه " يقول: على شهوتهم للطعام وإيثارهم له " مسكينا " من مساكين المسلمين " ويتيما " من يتامى المسلمين " وأسيرا " من أسارى المشركين، ويقولون إذا أطعموهم " إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " قال: والله ما قالوا هذا لهم، ولكنهم أضمروه في أنفسهم فأخبر الله بأضمارهم، يقولون: لا نريد جزاء تكافؤننا به ولا شكورا تثنون علينا به، ولكنا إنما أطعمناكم لوجه الله وطلب ثوابه انتهى.
" إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا " أي تعبس فيه الوجوه " قمطريرا " أي شديد العبوس.
" يؤتي ماله " في المجمع أي ينفقه في سبيل الله " يتزكى " يطلب أن يكون عند الله زكيا لا يطلب بذلك رئاء ولا سمعة " وما لاحد عنده من نعمة تجزى " أي ولم يفعل الأتقى ما فعله من إيتاء المال وإنفاقه في سبيل الله ليد أسديت إليه يكافئ عليها ولا ليد يتخذها عند أحد من الخلق " إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى " أي ولكنه فعل ما فعل يبتغي به وجه الله ورضاه وثوابه " ولسوف يرضى " أي ولسوف يعطيه الله من الجزاء والثواب ما يرضى به فإنه يعطيه كل ما تمنى، وما
لم يخطر بباله فيرضى به لا محالة انتهى.
" مخلصين له الدين " أي لا يشركون به شيئا " حنفاء " مائلين عن العقائد الزائغة.
1 - المحاسن: عن أبيه، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " حنيفا مسلما " قال: خالصا مخلصا لا يشوبه شئ.
2 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس مثله إلا أن فيه ليس فيه شئ من عبادة الأوثان.
بيان: الحنيف المائل إلى الدين الحق وهو الدين الخالص، والمسلم المنقاد لله في جميع أوامره ونواهيه، ولما قال سبحانه: " ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين " وجعل الحنيف المسلم في مقابلة المشرك، فلذا فسر عليه السلام الحنيف أو الحنيف المسلم بمن كان خالصا لله، مخلصا عمله من الشرك الجلي والخفي، فالأوثان أعم من الأوثان الحقيقية والمجازية، فتشمل عبادة الشياطين في إغوائها، وعبادة النفس في أهوائها كما قال تعالى: " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان " وقال سبحانه: " أرأيت من اتخذ إلهه هواه " وقال عز وجل: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ملعون من عبد الدينار والدرهم.
3 - المحاسن: عن أبيه عمن رفعه إلى أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
يا أيها الناس إنما هو الله والشيطان، والحق والباطل، والهدى والضلال، والرشد والغي، والعاجلة والعاقبة، والحسنات والسيئات، فما كان من حسنات فلله، وما كان من سيئات فللشيطان.
4 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه مثله إلا أن فيه والضلالة والعاجلة والآجلة والعاقبة.
بيان: " إنما هو الله " الضمير راجع إلى المقصود في العبادة أو الأعم منه ومن الباعث عليها، أو الموجود في الدنيا والمقصود فيها، والغرض أن الحق والهدى والرشد والرعاية الآجلة والحسنات منسوب إلى الله، وأضدادها منسوبة إلى الشيطان، فما كان خالصا لله فهو من الحسنات، وما كان للشيطان فيه مدخل فهو من السيئات، ففي الكلام شبه قلب، أو المعنى أن الرب تعالى والحق والهدى والرشد والآجلة والحسنات في جانب وأضدادها في جانب آخر فالحسنات ما يكون موافقا للحق ومعلوما بهداية الله، ويكون سببا للرشد والمنظور فيه الدرجات الأخروية دون اللذات الدنيوية وقربه تعالى، فهو منسوب إلى الله، وإلا فهو من خطوات الشيطان ووساوسه.
والرشد ما يوصل إلى السعادة الأبدية والغي ما يؤدي إلى الشقاوة السرمدية والعاقبة عطف تفسير للآجلة على رواية الكافي، وكان المناسب لترتيب سائر الفقرات تقديم الآجلة على العاجلة، ولعله عليه السلام إنما غير الأسلوب لان الآجلة بعد العاجلة.
قال بعض المحققين: أريد بالحسنات والسيئات الأعمال الصالحة والسيئة المترتبان على الأمور الثمانية الناشئتان منها، فما كان من حسنات يعني ما نشأ من الحق والهدى والرشد ورعاية العاقبة من الأعمال الصالحة، وما كان من سيئات
يعني ما نشأ من الباطل والضلالة والغي ورعاية العاجلة من الأعمال السيئة، فكل من عمل عملا من الخير طاعة لله آتيا فيه بالحق على هدى من ربه، ورشدة من أمره، ولعاقبة أمره، فهو حسنة يتقبله الله بقبول حسن، ومن عمل عملا من الخير والشر طاعة للشيطان، آتيا فيه بالباطل، على ضلالة من نفسه، وغي من أمره ولعاجلة أمره، فهو سيئة مردود إلى من عمل له، ومن عمل عملا مركبا من أجزاء بعضها لله، وبعضها للشيطان، فما كان لله فهو لله، وما كان للشيطان فهو للشيطان، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، فان أشرك بالله الشيطان في عمله أو في جزء من عمله، فهو مردود إليه لان الله لا يقبل الشريك كما يأتي بيانه في باب الرئاء إنشاء الله.
وربما يقال: إن كان الباعث الإلهي مساويا للباعث الشيطاني تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه، وإن كان أحدهما غالبا على الآخر بأن يكون أصلا وسببا مستقلا، ويكون الآخر تبعا غير مستقل، فالحكم للغالب إلا أن ذلك مما يشتبه على الانسان في غالب الامر، فربما يظن أن الباعث الأقوى قصد التقرب ويكون الأغلب على سره الحظ النفساني، فلا يحصل الامن إلا بالاخلاص وقلما يستيقن الاخلاص من النفس، فينبغي أن يكون العبد دائما مترددا بين الرد والقبول، خائفا من الشوائب، والله الموفق للخير والسداد.
5 - الكافي: عن العدة عن سهل، عن علي بن أسباط، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يقول: طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء، ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه، ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه، ولم يحزن صدره بما أعطي غيره.
بيان: " طوبى " أي الجنة، أو طيبها، أو شجرة فيها كما ورد في الخبر أو العيش الطيب، أو الخير " لمن أخلص لله العبادة والدعاء "، أي لم يعبد ولم يدع غيره تعالى، أو كان غرضه من العبادة والدعاء رضي الله سبحانه من غير رئاء.
" بما ترى عيناه " أي من زخارف الدنيا ومشتهياتها والرفعة والملك فيها " ولم ينس ذكر الله " بالقلب واللسان " وبما تسمع أذناه " من الغنا وأصوات الملاهي وذكر لذات الدنيا والشهوات والشبهات المضلة والآراء المبتدعة، والغيبة والبهتان، وكل ما يلهي عن الله " ولم يحزن صدره بما أعطي غيره " من أسباب العيش وحرمها والاتصاف بهذه الصفات العلية إنما يتيسر لمن قطع عن نفسه العلائق الدنية، وفي الخبر إشعار بأن الاخلاص في العبادة لا يحصل إلا لمن قطع عروق حب الدنيا من قلبه، كما سيأتي تحقيقه إنشاء الله.
6 - الكافي: علي، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن سفيان بن عيينة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: " ليبلوكم أيكم أحسن عملا " قال: ليس يعني أكثركم عملا، ولكن أصوبكم عملا، وإنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة والخشية ثم قال: الابقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل.
والعمل الخالص: الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل، والنية أفضل من العمل ألا وإن النية هي العمل ثم تلا قوله عز وجل: " قل كل يعمل على شاكلته " يعني على نيته.
تبيين: قوله: " ليبلوكم " إشارة إلى قوله تعالى: " تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا " " تبارك " أي تكاثر خيره من البركة وهي كثرة الخير أو تزايد عن كل شئ وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، فان البركة تتضمن معنى الزيادة " الذي بيده الملك " أي بقبضة قدرته التصرف في الأمور كلها " الذي خلق الموت والحياة " أي قدرهما أو أوجدهما وفيه دلالة على أن الموت أمر وجودي، والمراد بالموت
الموت الطارئ على الحياة، أو العدم الأصلي فإنه قد يسمى موتا أيضا كما قال تعالى: " كنتم أمواتا فأحياكم " وتقديمه على الأول لأنه أدعى إلى حسن العمل وأقوى في ترك الدنيا ولذاتها، وعلى الثاني ظاهر لتقدمه " ليبلوكم " أي ليعاملكم معاملة المختبر " أيكم " مفعول ثان لفعل البلوى باعتبار تضمينه معنى العلم.
ووجه التعليل أن الموت داع إلى حسن العمل، لكمال الاحتياج إليه بعده وموجب لعدم الوثوق بالدنيا ولذاتها الفانية، والحياة نعمة تقتضي الشكر ويقتدر بها على الأعمال الصالحة.
وإن أريد به العدم الأصلي فالمعنى أنه نقلكم منه وألبسكم لباس الحياة لذلك الاختبار، ولما كان اتصافنا بحسن العمل يتحقق بكثرة العمل تارة وباصابته وشدة رعاية شرائطه أخرى نفى الأول بقوله " ليس يعني أكثركم عملا " لان مجرد العمل من غير خلوصه وجودته ليس أمرا يعتد به بل هو تضييع للعمر، وأثبت الثاني بقوله " ولكن أصوبكم عملا " لان صواب العمل وجودته وخلوصه من الشوائب، ويوجب القرب منه تعالى، وله درجات متفاوتة يتفاوت القرب بحسبها.
واسم ليس في قوله " ليس يعني " ضمير عائد إلى الله عز وجل أو ضمير شأن وجملة " يعني " خبرها.
ثم بين الإصابة وحصرها في أمرين بقوله " إنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة " وذكر الخشية ثانيا لعله من الرواة أو النساخ، فليست في بعض النسخ ولو صحت يكون معناه خشية أن لا يقبل كما سيأتي في الخبر وهو غير خشية الله، أو يقال: النية الصادقة مبتدأ والخشية معطوف عليه والخبر محذوف أي مقرونتان أو الخشية منصوب ليكون مفعولا معه فيكون الحاصل أن مدار الإصابة على الخشية وتلزمها النية الصادقة وفي بعض النسخ " والحسنة " أي كونه موافقا لامره تعالى ولا يكون فيه بدعة وفي أسرار الصلاة للشهيد الثاني رحمه الله والنية الصادقة الحسنة وهو أصوب.
والحاصل أن العمدة في قبول العمل بعد رعاية أجزاء العبادة وشرائطها المختصة، النية الخالصة والاجتناب عن المعاصي كما قال تعالى: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " وقال سبحانه:
" إنما يتقبل الله من المتقين ".
قال الشيخ البهائي قدس سره: المراد بالنية الصادقة انبعاث القلب نحو الطاعة، غير ملحوظ فيه شئ سوى وجه الله سبحانه، لا كمن يعتق عبده مثلا ملاحظا مع القربة الخلاص من مؤنته أو سوء خلقه أو يتصدق بحضور الناس لغرض الثواب والثناء معا، بحيث لو كان منفردا لم يبعثه مجرد الثواب على الصدقة، وإن كان يعلم من نفسه أنه لولا الرغبة في الثواب لم يبعثه مجرد الرئاء على الاعطاء.
ولا كمن له ورد في الصلاة وعادة في الصدقات، واتفق أن حضر في وقتها جماعة فصار الفعل أخف عليه وحصل له نشاط ما بسبب مشاهدتهم، وإن كان يعلم من نفسه أنهم لو لم يحضروا أيضا لم يكن يترك العمل أو يفتر عنه البتة.
فأمثال هذه الأمور مما يخل بصدق النية، وبالجملة فكل عمل قصدت به القربة وانضاف إليه حظ من حظوظ الدنيا بحيث تركب الباعث عليه من ديني ونفسي فنيتك فيه غير صادقة، سواء كان الباعث الديني أقوى من الباعث النفسي أو أضعف أو مساويا.
قال في مجمع البيان: " ليبلوكم أيكم أحسن عملا " أي ليعاملكم معاملة المختبر بالأمر والنهي فيجازي كل عامل بقدر عمله، وقيل: ليبلوكم أيكم أكثر للموت ذكرا وأحسن له استعدادا وأحسن صبرا على موته وموت غيره وأيكم أكثر امتثالا للأوامر واجتنابا من النواهي في حال حياته، قال أبو قتادة:
سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن قوله تعالى: " أيكم أحسن عملا " ما عنى به؟ فقال:
يقول: أيكم أحسن عقلا، ثم قال صلى الله عليه وآله: أتمكم عقلا وأشدكم لله خوفا وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه نظرا، وإن كان أقلكم تطوعا. وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه تلا قوله: " تبارك الذي بيده الملك " إلى قوله:
" أيكم أحسن عملا " ثم قال: أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله، وعن الحسن أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها انتهى.
وفي القاموس الصواب ضد الخطأ كالإصابة، وقال: الإصابة الاتيان بالصواب وإرادته. والابقاء على العمل محافظته والاشفاق عليه وحفظ عن الفساد، قال:
الجوهري أبقيت على فلان إذا أرعيت عليه [ورحمته]، يقال: لا أبقى الله عليك إن أبقيت على، والاسم منه البقيا انتهى.
والحاصل أن رعاية العمل وحفظه عند الشروع وبعده إلى الفراغ منه، وبعد الفراغ إلى الخروج من الدنيا حتى يخلص عن الشوائب الموجبة لنقصه أو فساده أشد من العمل نفسه، كما سيأتي في باب الرئاء عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: الابقاء على العمل أشد من العمل، قال: وما الابقاء على العمل؟ قال: يصل الرجل بصلة وينفق نفقة لله وحده لا شريك له فتكتب له سرا ثم يذكرها فتمحى وتكتب له علانية ثم يذكرها فتمحى فتكتب له رئاء، ومن عرف معنى النية وخلوصها علم أن إخلاص النية أشد من جميع الأعمال كما سيأتي تحقيقه إنشاء الله.
ثم بين عليه السلام معنى العمل الخالص بأنه هو العمل الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل، لا عند الفعل، ولا بعده، أي يكون خالصا عن أنواع الرئاء والسمعة وقد يقال: لو كان سروره باعتبار أن الله تعالى قبل عمله حيث أظهر جميله كما روي في الحديث القدسي عملك الصالح عليك ستره وعلي أظهاره أو باعتبار أنه استدل باظهار جميله في الدنيا على إظهار جميله في الآخرة أو باعتبار رغبتهم إلى طاعة الله وميل قلوبهم إليها، لم يقدح ذلك في الخلوص
وإنما يقدح فيه إن كان لرفع منزلته عند الناس، وتعظيمهم واستجلاب الفوائد منهم فإنه بذلك يصير مرائيا مشركا بالشرك الخفي وبه يحبط عمله، وهذا الكلام له جهة صدق لكن قلما تصدق النفس في ذلك، فان لها حيلا وتسويلات لا ينجو منها إلا المقربون.
وقال الشيخ البهائي روح الله روحه: الخالص في اللغة كلما صفا وتخلص ولم يمتزج بغيره، سواء كان ذلك الغير أدون منه أولا، فمن تصدق لمحض الرياء فصدقته خالصة لغة كمن تصدق لمحض الثواب، وقد خص العمل الخالص في العرف بما تجرد قصد التقرب فيه عن جميع الشوائب وهذا التجريد يسمى إخلاصا وقد عرفه أصحاب القلوب بتعريفات اخر، فقيل هو تنزيه العمل عن أن يكون لغير الله فيه نصيب، وقيل: إخراج الخلق عن معاملة الحق وقيل: هو ستر العمل عن الخلايق وتصفيته عن العلايق، وقيل: أن لا يريد عامله عليه عوضا في الدارين، وهذه درجة علية عزيزة المنال قد أشار إليها أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: ما عبدتك خوفا من نارك، ولا طمعا في جنتك، ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك.
وقال رحمه الله: ذهب كثير من علماء الخاصة والعامة إلى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب، أو الخلاص من العقاب، وقالوا: إن هذا القصد مناف للاخلاص، الذي هو إرادة وجه الله وحده، وأن من قصد ذلك فإنه قصد جلب النفع إلى نفسه، ودفع الضرر عنها لا وجه الله سبحانه، كما أن من عظم شخصا أو أثنى عليه طمعا في ماله أو خوفا من إهانته لا يعد مخلصا في ذلك التعظيم والثناء.
وممن بالغ في ذلك السيد الجليل صاحب المقامات والكرامات رضي الدين علي بن طاوس قدس الله روحه، ويستفاد من كلام شيخنا الشهيد في قواعده أنه مذهب أكثر أصحابنا رضوان الله عليهم.
ونقل الفخر الرازي في التفسير الكبير اتفاق المتكلمين على أن من عبد الله لأجل الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب لم تصح عبادته، أورده عند تفسير قوله تعالى " ادعوا ربكم تضرعا وخفية " وجزم في أوائل تفسير الفاتحة
بأنه لو قال أصلي لثواب الله أو الهرب من عقابه فسدت صلاته، ومن قال بأن ذلك القصد غير مفسد للعبادة، منع خروجها به عن درجة الاخلاص، وقال إن إرادة الفوز بثواب الله والسلامة من سخطه ليس أمرا مخالفا لإرادة وجه الله سبحانه، وقد قال تعالى في مقام مدح أصفيائه " كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا و رهبا " أي للرغبة في الثواب والرهبة من العقاب، وقال سبحانه " وادعوه خوفا وطمعا " وقال تعالى " يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون " أي حال كونهم راجين للفلاح أو لكي تفلحوا والفلاح هو الفوز بالثواب، نص عليه الشيخ أبو علي الطبرسي رحمه الله.
هذا ما وصل إلينا من كلام هؤلاء وللمناقشة فيه مجال أما قولهم إن تلك الإرادة ليست مخالفة لإرادة وجه الله تعالى فكلام ظاهري قشري إذا لبون البعيد بين إطاعة المحبوب والانقياد إليه لمحض حبه وتحصيل رضاه، وبين إطاعته لأغراض أخر أظهر من الشمس في رابعة النهار، والثانية ساقطة بالكلية عن درجة الاعتبار عند أولي الابصار.
وأما الاعتضاد بالآيتين الأوليين ففيه أن كثيرا من المفسرين ذكروا أن المعنى راغبين في الإجابة راهبين من الرد والخيبة وأما الآية الثالثة فقد ذكر الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان أن معنى لعلكم تفلحون: لكي تسعدوا، ولا ريب أن تحصيل رضاه سبحانه هو السعادة العظمى، وفسر، رحمه الله الفلاح في قوله تعالى " أولئك هم المفلحون " بالنجاح والفوز، وقال شيخ الطائفة في التبيان: المفلحون هم المنجحون الذين أدركوا ما طلبوا من عند الله بأعمالهم وإيمانهم، وفي تفسير البيضاوي المفلح الفائز بالمطلوب، ومثله في الكشاف نعم فسر الطبرسي رحمه الله الفلاح في قوله:
" قد أفلح المؤمنون " بالفوز بالثواب، لكن مجيئه في هذه الآية بهذا المعنى لا يوجب
حمله في غيرها أيضا عليه، وعلى تقدير حمله على هذا المعنى إنما يتم التقريب لو جعلت جملة الترجي حالية ولو جعلت تعليلية كما جعله الطبرسي فلا دلالة فيها على ذلك المدعى أصلا كما لا يخفى.
هذا والأولى أن يستدل بما رواه الكليني بطريق حسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: العباد ثلاثة: قوم عبدوا الله عز وجل خوفا فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلبا للثواب فتلك عبادة الاجراء، وقوم عبدوا الله حبا له فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة فان قوله عليه السلام: " وهي أفضل العبادة " يعطي أن العبادة على الوجهين السابقين لا يخلو من فضل أيضا فتكون صحيحة وهو المطلوب.
ثم قال رحمه الله: المانعون في نية العبادة من قصد تحصيل الثواب أو دفع العقاب جعلوا هذا القصد مفسدا لها وإن انضم إليه قصد وجه الله تعالى على ما يفهم من كلامهم أما بقية الضمائم اللازمة الحصول مع العبادة نويت أو لم تنو كالخلاص من النفقة بعتق العبد في الكفارة والحمية في الصوم والتبرد في الوضوء وإعلام المأموم الدخول في الصلاة بالتكبير، ومماطلة الغريم بالتشاغل في الصلاة، وملازمته بالطواف والسعي، وحفظه المتاع بالقيام لصلاة الليل وأمثال ذلك فالظاهر أن قصدها عندهم مفسد أيضا بالطريق الأولى.
وأما الذين لا يجعلون قصد الثواب مفسدا فقد اختلفوا في الافساد بأمثال هذه الضمائم فأكثرهم على عدمه، وبه قطع الشيخ في المبسوط، والمحقق في المعتبر، والعلامة في التحرير والمنتهى، لأنها تحصل لا محالة فلا يضر قصدها وفيه أن لزوم حصولها لا يستلزم صحة قصد حصولها والمتأخرون من أصحابنا حكموا بفساد العباد بقصدها، وهو مذهب العلامة في النهاية والقواعد وولده فخر المحققين في الشرح وشيخنا الشهيد في البيان لفوت الاخلاص وهو الأصح.
واحتمل شيخنا الشهيد في قواعده التفصيل بأن القربة إن كانت هي المقصود
بالذات، والضميمة مقصودة تبعا صحت العبادة، وإن انعكس الامر أو تساويا بطلت، هذا.
واعلم أن الضميمة إن كانت راجحة، ولاحظ القاصد رجحانها وجوبا أو ندبا كالحمية في الصوم لوجوب حفظ البدن والاعلام بالدخول في الصلاة للتعاون على البر فينبغي أن لا تكون مضرة إذ هي حينئذ مؤكدة، وإنما الكلام في الضمائم غير الملحوظة الرجحان، فصوم من ضم قصد الحمية مطلقا صحيح مستحبا كان الصوم أو واجبا، معينا كان الواجب أو غير معين، ولكن في النفس من صحة غير المعين شئ، وعدمها محتمل، والله أعلم.
قوله عليه السلام: " والنية أفضل من العمل " أي النية الخالصة أو إخلاص النية أفضل من العمل، والنية تطلق على إرادة إيقاع الفعل، وعلى الغرض الباعث على الفعل، وعلى العزم على الفعل، والأولتان مقارنتان للفعل دون الثالثة، والأولى لا تنفك فعل الفاعل المختار عنها، والثانية الاخلاص فيها من أشق الأمور وأصعبها وبه تتفاضل عبادات المكلفين، وهي روح العبادة، وبدونها لا تصح، وكلما كانت أخلص عن الشوائب والاغراض الفاسدة، كان العمل أكمل، ولذا ورد أن نية المؤمن خير من عمله.
ولا ينافي قوله صلى الله عليه وآله: أفضل الأعمال أحمزها إذ تصحيح النية أصعب من تصحيح العمل بمراتب شتى إذ ليس المراد بالنية ما يتكلم به الانسان عند الفعل، أو يتصوره ويخطره بباله، بل هو الباعث الأصلي والغرض الواقعي الداعي للانسان على الفعل، وهو تابع للحالة التي عليها الانسان، والطريقة التي يسلكها، فمن غلب عليه حب الدنيا وشهواتها لا يمكنه قصد القربة وإخلاص النية عن دواعيها، فان نفسه متوجهة إلى الدنيا، وهمته مقصورة عليها، فما لم يقلع عن قلبه عروق حب الدنيا ولم يستقر فيه طلب النشأة الأخرى، وحب الرب الاعلى، لم يمكنه إخلاص النية واقعا عن تلك الأغراض الدنية، وذلك متوقف على مجاهدات عظيمة، ورياضات طويلة، وتفكرات صحيحة، واعتزال
عن شرار الخلق، فلذا ورد أن نية المؤمن خير من عمله، ومن عرف ذلك لم يحتج إلى تأويل الخبر بما ستسمع من الوجوه مع ركاكة أكثرها وبعدها عن نظم الكلام فلذا قال: " النية أفضل من العمل " والسعي في تصحيحها أهم.
فان قيل: العمل بلا نية باطل، ومعها النية داخلة فيه فكيف يفضل النية على العمل، فإنه يوجب تفضيل الجزء على الكل قلنا المراد به أن العمل المقرون بالنية نيته خير من سائر أجزائه، سواء جعلنا النية جزءا من العمل أو شرطا فيه وقوله عليه السلام: ألا وإن النية هي العمل مبالغة في اشتراط العمل بها وأنه لا اعتداد بالعمل بدونها، فكأنها عينه، ولذا أكد بحرف التأكيد وحرف التنبيه واسمية الجملة، وتعريف الخبر باللام المفيد للحصر، وضمير الفصل المؤكد له.
وقيل: إشارة إلى دفع ما يتوهم من أن المفضل عليه لابد أن يكون من جنس المفضل، والنية ليست من جنس العمل، فأجاب عليه السلام بأن النية أيضا عمل من أعمال القلب، ولا يخفى ضعفه.
والاستشهاد بالآية الكريمة لبيان أن مدار العمل على النية صحة وفسادا ونقصا وكمالا، حيث قال: " قل كل يعمل على شاكلته " يعني على نيته.
وكأنه عليه السلام فسر الشاكلة التي تطلق غالبا على الحالة والطريقة بالنية إيذانا بأن النية تابعة لحالة الانسان وطريقته، كما أومأنا إليه، وإن ورد بمعنى النية أيضا قال الفيروزآبادي: الشاكلة الشكل، والناحية والنية والطريقة، وقال في مجمع البيان: أي كل واحد من المؤمن والكافر يعمل على طبيعته وخليقته التي تخلق بها عن ابن عباس، وقيل: على طريقته وسنته التي اعتادها، وقيل: ما هو أشكل بالصواب وأولى بالحق عنده عن الجبائي، قال: ولهذا قال: " فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا " أي أنه يعلم أي الفريقين على الهدى؟ وأيهما على الضلال؟ وقيل: معناه أنه أعلم بمن هو أصوب دينا وأحسن طريقة، وقال بعض أرباب اللسان: إن هذه الآية أرجا آية في كتاب الله، لان الأليق بكرمه
سبحانه وجوده العفو عن عباده، فهو يعمل به انتهى.
ويمكن حمل النية هنا على المعنى الثالث كما سيأتي في الخبر لكنه بعيد عن سياق هذا الخبر، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في باب النية وباب الرئاء.
7 - الكافي: بالاسناد المتقدم، عن ابن عيينة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: " إلا من أتى الله بقلب سليم " قال: القلب السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه، وقال: وكل قلب فيه شرك أو شك فهو ساقط، وإنما أرادوا الزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة.
بيان: قوله تعالى: " إلا من أتى الله " قال سبحانه في سورة الشعراء حكاية عن إبراهيم عليه السلام حيث قال: " ولا تخزني يوم يبعثون " قال الطبرسي قدس سره: أي لا تفضحني ولا تعيرني بذنب يوم يحشر الخلائق وهذا الدعاء كان منه عليه السلام على وجه الانقطاع إلى الله تعالى لما بينا أن القبيح لا يجوز وقوعه من الأنبياء عليهم السلام، ثم فسر ذلك اليوم بأن قال: " يوم لا ينفع مال ولا بنون " أي لا ينفع المال والبنون أحدا إذ لا يتهيأ لذي مال أن يفتدي من شدائد ذلك اليوم به، ولا يتحمل من صاحب البنين بنوه شيئا من معاصيه " إلا من أتى الله بقلب سليم " من الشرك والشك عن الحسن ومجاهد، وقيل: سليم من الفساد والمعاصي وإنما خص القلب بالسلامة لأنه إذا سلم القلب سلم سائر الجوارح من الفساد من حيث إن الفساد بالجارحة لا يكون إلا عن قصد بالقلب الفاسد وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: هو القلب الذي سلم من حب الدنيا، ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وآله: حب الدنيا رأس كل خطيئة انتهى.
قوله عليه السلام: " وليس فيه أحد سواه " أي أخرج عن قلبه حب ما سوى
الله، والاشتغال بغيره سبحانه، أو لم يختر في قلبه على رضا الله رضا غيره، أو كانت أعماله ونياته كلها خالصة لله، لم يشرك فيها غيره.
" وكل قلب فيه شرك " أعم من الشرك الجلي والخفي " أو شك " وهو ما يقابل اليقين الذي يظهر أثره على الجوارح، فان كل معصية أو توسل بغيره سبحانه يستلزم ضعفا في اليقين فالشك يشمله " فهو ساقط " أي عن درجة الاعتبار أو بعيد عن الرب تعالى.
" وإنما أرادوا " أي الأنبياء والأوصياء " الزهد " وفي بعض النسخ: أراد بالزهد أي أراد الله والباء زائدة يعني أن الزهد في الدنيا ليس مقصودا لذاته، وإنما أمر الناس به، لتكون قلوبهم فارغة عن محبة الدنيا، صالحة لحب الله تعالى خالصة له عز وجل، لا شركة فيها لما سوى الله، ولا شك ناشئا من شدة محبتها لغير الله.
8 - الكافي: بالاسناد المتقدم أيضا، عن ابن عيينة، عن السندي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما أخلص عبد الايمان بالله أربعين يوما أو قال: ما أجمل عبد ذكر الله أربعين يوما إلا زهده الله في الدنيا، وبصره داءها ودواءها، وأثبت الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، ثم تلا " إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين " فلا ترى صاحب بدعة [إلا ذليلا] أو مفتريا على الله عز وجل وعلى رسوله وأهل بيته صلى الله عليه وآله إلا ذليلا.
بيان: إخلاص الايمان مما يشوبه من الشرك والرئاء والمعاصي، وأن يكون جميع أعماله خالصة لله تعالى ولعل خصوص الأربعين لان الله تعالى جعل انتقال الانسان في أصل الخلقة من حال إلى حال في أربعين يوما كالانتقال من النطفة إلى العلقة، ومن العلقة إلى المضغة، ومن المضغة إلى العظام، ومنها إلى اكتساء
اللحم، ولذا يوقف قبول توبة شارب الخمر إلى أربعين يوما كما ورد في الخبر والزهد في الشئ تركه وعدم الرغبة فيه.
وداء الدنيا المعاصي والصفات الذميمة، وما يوجب البعد عن الله تعالى، و دواؤها ما يوجب تركها واجتنابها من الرياضات والمجاهدات والتفكرات الصحيحة وأمثالها، أو المراد بدائها الأمراض القلبية الحاصلة من محبة الدنيا، ودواؤها ملازمة ما يوجب تركها، وقيل: أي قدر الضرورة منها والزائد عليه، أو ميل القلب إليها وصرفه عنها أو الضار والنافع منها في الآخرة أعني الطاعة والمعصية والحكمة العلوم الحقة الواقعية وأصلها ومنبعها معرفة الامام، ولذا فسرت بها كما مر.
وفي مناسبة ذكر الآية لما تقدم إشكال ويمكن أن يقال في توجيهه وجوه.
الأول ما خطر بالبال، وهو أنه لما ذكر فوائد إخلاص الأربعين وقد أبدع جماعة من الصوفية فيها ما ليس في الدين دفع عليه السلام توهم شموله لذلك بالاستشهاد بالآية، وأنها تدل على أن كل مبتدع في الاحكام ومفتر على الله ورسوله في - حكم من الاحكام ذليل في الدنيا والآخرة لقوله تعالى " وكذلك نجزي المفترين " وقوله أو مفتريا أي لا ترى مفتريا وبعبارة أخرى لما كان صحة العبادة وكمالها مشترطة بأمرين الأول كونها على وفق السنة، والثاني كونها خالصة لوجه الله تعالى فأشار أولا إلى الثاني وثانيا إلى الأول فتأمل.
الثاني ما قيل إن الوجه في تلاوته عليه السلام الآية التنبيه على أن من كانت عبادته لله عز وجل واجتهاده فيها على وفق السنة بصره الله عيوب الدنيا فزهده فيها فصار بسبب زهده فيها عزيزا لان المذلة في الدنيا إنما تكون بسبب الرغبة فيها ومن كانت عبادته على وفق الهوى أعمى الله قلبه عن عيوب الدنيا، فصار بسبب رغبته فيها ذليلا فأصحاب البدع لا يزالون أذلاء صغارا، ومن هنا قال الله في متخذي العجل ما قال.
الثالث ما قيل أيضا أن الغرض من تلاوتها هو التنبيه على أن غير المخلص
مندرج فيها والوعيد متوجه إليه أيضا لأنك قد عرفت أن قلبه ساقط لكونه ذا شرك أو شك، وهما بدعة وافتراء على الله ورسوله والآية على تقدير نزولها في قوم مخصوصين لا يقتضي تخصيص الوعيد بهم.
الرابع ما خطر بالبال أيضا وهو أن الاخلاص المذكور في صدر الخبر يشمل الاخلاص عن الرئاء والبدعة وكل ما ينافي قبول العمل، فاستشهد لاحد أجزائه بالآية.
8 - الخصال: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن البزنطي، عن حماد بن عثمان عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله الناس بمنى في حجة الوداع في مسجد الخيف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله والنصيحة لائمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فان دعوتهم محيطة من ورائهم المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم.
9 - أمالي الصدوق: الوراق، عن علي بن مهرويه، عن داود بن سليمان، عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الدنيا كلها جهل إلا مواضع العلم والعلم كله حجة إلا ما عمل به والعمل كله رياء إلا ما كان مخلصا، والاخلاص على خطر حتى ينظر العبد بما يختم له.
التوحيد: محمد بن عمرو بن علي، عن علي بن الحسن المثنى، عن علي بن مهرويه مثله.
10 - عيون أخبار الرضا (ع): بالاسناد إلى دارم، عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أخلص عبد الله عز وجل أربعين صباحا إلا جرت ينابيع الحكمة
من قلبه على لسانه.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.