پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

53 باب النية وشرائطها ومراتبها وكمالها وثوابها

ج ۶۷، ص ۱۸۴–۲۱۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۷

تبيين: " لا عمل إلا بنية " أي لا عمل صحيحة كما فهمه الأكثر إلا بنية وخص بالعبادات لأنه لو كان المراد مطلق تصور الفعل وتصور فائدته والتصديق بترتب الغاية عليه وانبعاث العزم من النفس إليه فهذا لازم لكل فعل اختياري ومعلوم أنه ليس غرض الشارع بيان هذا المعنى، بل لابد أن يكون المراد بها نية خاصة خالصة بها يضير العمل كاملا أو صحيحا، والصحة أقرب إلى نفي الحقيقة الذي هو الحقيقة في هذا التركيب، فلابد من تخصيصها بالعبادات، لعدم القول باشتراط نية القربة وأمثالها في غيرها، ولذا استدلوا به وبأمثاله على وجوب النية وتفصيله في كتب الفروع.

وقال المحقق الطوسي قدس سره في بعض رسائله: النية هي القصد إلى الفعل، وهي واسطة بين العلم والعمل، إذ ما لم يعلم الشئ لم يمكن قصده، وما لم يقصده لم يصدر عنه، ثم لما كان غرض السالك العامل الوصول إلى مقصد معين كامل على الاطلاق وهو الله تعالى لابد من اشتماله على قصد التقرب به.

وقال بعض المحققين: يعني لا عمل يحسب من عبادة الله تعالى ويعد من طاعته بحيث يصح أن يترتب عليه الاجر في الآخرة، إلا ما يراد به التقرب إلى الله تعالى، والدار الآخرة، أعني يقصد به وجه الله سبحانه أو التوصل إلى ثوابه أو الخلاص من عقابه، وبالجملة امتثال أمر الله تعالى فيما ندب عباده إليه ووعدهم

الاجر عليه وإنما يأجرهم على حسب أقدارهم ومنازلهم ونياتهم، فمن عرف الله بجماله وجلاله ولطف فعاله فأحبه واشتاق إليه وأخلص عبادته له لكونه أهلا للعبادة ولمحبته له، أحبه الله، وأخلصه واجتباه، وقربه إلى نفسه وأدناه قربا معنويا ودنوا روحانيا كما قال في حق بعض من هذه صفته: " وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ".

وقال أمير المؤمنين وسيد الموحدين صلوات الله عليه: ما عبدتك خوفا من نارك، ولا طمعا في جنتك، لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك، ومن لم يعرف من الله سوى كونه إلها صانعا للعالم، قادرا قاهرا عالما وأن له جنة ينعم بها المطيعين، ونارا يعذب بها العاصين، فعبده ليفوز بجنته أو يكون له النجاة من ناره أدخله الله تعالى بعبادته وطاعته الجنة، وأنجاه من النار لا محالة، كما أخبر عنه في غير موضع في كتابه. فإنما لكل امرئ ما نوى.

فلا تصغ إلى قول من ذهب إلى بطلان العبادة، إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب أو الخلاص من العقاب، زعما منه أن هذا القصد مناف للاخلاص الذي هو إرادة وجه الله سبحانه وحده، وأن من قصد ذلك فإنما قصد جلب النفع إلى نفسه ودفع الضرر عنها لا وجه الله سبحانه، فان هذا قول من لا معرفة له بحقائق التكاليف ومراتب الناس فيها، فان أكثر الناس يتعذر منهم العبادة ابتغاء وجه الله بهذا المعنى لأنهم لا يعرفون من الله إلا المرجو والمخوف، فغايتهم أن يتذكروا النار ويحذروا أنفسهم عقابها، ويتذكروا الجنة ويرغبوا أنفسهم ثوابها، وخصوصا من كان الغالب على قلبه الميل إلى الدنيا، فإنه قلما ينبعث له داعية إلى فعل الخيرات لينال بها ثواب الآخرة، فضلا عن عبادته على نية إجلال الله عز وجل لاستحقاقه الطاعة والعبودية، فإنه قل من يفهمها فضلا عمن يتعاطاها.

والناس في نياتهم في العبادات على أقسام أدناهم من يكون عمله إجابة لباعث الخوف، فإنه يتقي النار، ومنهم من يعمل إجابة لباعث الرجاء، فإنه يرغب

في الجنة وكل من القصدين وإن كان نازلا بالإضافة إلى قصد طاعة الله، وتعظيمه لذاته ولجلاله، لا لأمر سواه، إلا أنه من جملة النيات الصحيحة لأنه ميل إلى الموعود في الآخرة وإن كان من جنس المألوف في الدنيا.

وأما قول القائل إنه ينافي الاخلاص، فجوابه أنك ما تريد بالاخلاص؟ إن أردت به أن يكون خالصا للآخرة لا يكون مشوبا بشوائب الدنيا والحظوظ العاجلة للنفس، كمدح الناس، والخلاص من النفقة بعتق العبد، ونحو ذلك، فظاهر أن إرادة الجنة والخلاص من النار لا ينافيان الاخلاص بهذا المعنى، وإن أردت بالاخلاص أن لا يراد بالعمل سوى جمال الله وجلاله من غير شوب من حظوظ النفس وإن كان حظا أخرويا فاشتراطه في صحة العبادة متوقف على دليل شرعي وأنى لك به، بل الدلائل على خلافه أكثر من أن تذكر، مع أنه تكليف بما لا يطاق بالنسبة إلى أكثر الخلايق، لأنهم لا يعرفون الله بجماله وجلاله، ولا تتأتى منهم العبادة إلا من خوف النار، أو للطمع في الجنة.

وأيضا فان الله سبحانه قد قال " ادعوه خوفا وطمعا " " ويدعوننا رغبا و رهبا " فرغب ورهب، ووعد وأوعد، فلو كان مثل هذه النيات مفسدا للعبادات لكان الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد عبثا بل مخلا بالمقصود.

وأيضا فان أولياء الله قد يعملون بعض الأعمال للجنة، وصرف النار لان حبيبهم يحب ذلك أو لتعليم الناس إخلاص العمل للآخرة، إذا كانوا أئمة يقتدى بهم، هذا أمير المؤمنين سيد الأولياء قد كتب كتابا لبعض ما وقفه من أمواله فصدر كتابه بعد التسمية بهذا:

" هذا ما أوصى به وقضى به في ماله عبد الله علي ابتغاء وجه الله ليولجني به الجنة، ويصرفني به عن النار، ويصرف النار عني يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ".

فإن لم تكن العبادة بهذه النية صحيح لم يصح له أن يفعل ذلك، ويلقن به غيره، ويظهره في كلامه.

إن قيل: إن جنة الأولياء لقاء الله وقربه، ونارهم فراقه وبعده، فيجوز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام أراد ذلك، قلنا إرادة ذلك ترجع إلى طلب القرب المعنوي والدنو الروحاني، ومثل هذه النية مختص بأولياء الله كما اعترف به فغيرهم لماذا يعبدون وليس في الآخرة إلا الله، والجنة والنار، فمن لم يكن من أهل الله وأوليائه لا يمكن له أن يطلب إلا الجنة أو يهرب إلا من النار المعهودتين، إذ لا يعرف غير ذلك وكل يعمل على شاكلته، ولما يحبه ويهواه غير هذا لا يكون أبدا.

ولعل هذا القائل لم يعرف معنى النية وحقيقتها، وأن النية ليست مجرد قولك عند الصلاة أو الصوم أو التدريس أصلي أو أصوم أو أدرس قربة إلى الله تعالى ملاحظا معاني هذه الألفاظ بخاطرك، ومتصورا لها بقلبك، هيهات إنما هذا تحريك لسان وحديث نفس، وإنما النية المعتبرة انبعاث النفس وميلها و توجهها إلى ما فيه غرضها ومطلبها، إما عاجلا وإما آجلا.

وهذا الانبعات والميل إذا لم يكن حاصلا لها لا يمكنها اختراعه واكتسابه بمجرد النطق بتلك الألفاظ، وتصور تلك المعاني، وما ذلك إلا كقول الشبعان أشتهي الطعام وأميل إليه، قاصدا حصول الميل والاشتهاء، وكقول الفارغ أعشق فلانا وأحبه وأنقاد إليه وأطيعه، بل لا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشئ وميله إليه وإقباله عليه، إلا بتحصيل الأسباب الموجبة لذلك الميل والانبعاث واجتناب الأمور المنافية لذلك المضادة له، فان النفس إنما تنبعث إلى الفعل وتقصده، وتميل إليه تحصيلا للغرض الملايم لها، بحسب ما يغلب عليها من الصفات.

فإذا غلب على قلب المدرس مثلا حب الشهرة، وإظهار الفضيلة، وإقبال الطلبة إليه، فلا يتمكن من التدريس بنية التقرب إلى الله سبحانه بنشر العلم

وإرشاد الجاهلين، بل لا يكون تدريسه إلا لتحصيل تلك المقاصد الواهية، و الأغراض الفاسدة، وإن قال بلسانه أدرس قربة إلى الله، وتصور ذلك بقلبه و أثبته في ضميره، وما دام لم يقلع تلك الصفات الذميمة من قلبه لا عبرة بنيته أصلا.

وكذلك إذا كان قلبك عند نية الصلاة منهمكا في أمور الدنيا، والتهالك عليها، والانبعاث في طلبها، فلا يتيسر لك توجيهه بكليته، وتحصيل الميل الصادق إليها، والاقبال الحقيقي عليها، بل يكون دخولك فيها دخول متكلف لها متبرم بها ويكون قولك أصلي قربة إلى الله كقول الشبعان أشتهي الطعام، وقول الفارغ أعشق فلانا مثلا.

والحاصل أنه لا يحصل لك النية الكاملة المعتد بها في العبادات، من دون ذلك الميل والاقبال، وقمع ما يضاده من الصوارف والاشغال، وهو لا يتيسر الا إذا صرفت قلبك عن الأمور الدنيوية، وطهرت نفسك عن الصفات الذميمة الدنية، وقطعت نظرك عن حظوظك العاجلة بالكلية.

وأقول: أمر النية قد اشتبه على كثير من علمائنا رضوان الله عليهم لاشتباهه على المخالفين، ولم يحققوا ذلك على الحق واليقين، وقد حقق شيخنا البهائي قدس الله روحه شيئا من ذلك في شرح الأربعين، وحققنا كثيرا من غوامض أسرارها في كتاب عين الحياة، ورسالة العقائد، فمن أراد تحقيق ذلك فليرجع إليهما.

2 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : نية المؤمن خير من عمله، ونية الكافر شر من عمله، وكل عامل يعمل على نيته.

بيان: هذا الحديث من الاخبار المشهورة بين الخاصة والعامة، وقد قيل فيه وجوه:

الأول أن المراد بنية المؤمن اعتقاده الحق ولا ريب أنه خير من أعماله

إذ ثمرته الخلود في الجنة، وعدمه يوجب الخلود في النار، بخلاف العمل.

الثاني أن المراد أن النية بدون العمل خير من العمل بدون النية، ورد بأن العمل بدون نية لا خير فيه أصلا، وحقيقة التفضيل تقتضي المشاركة، ولو في الجملة.

الثالث ما نقل عن ابن دريد وهو أن المؤمن ينوي خيرات كثيرة لا يساعده الزمان على عملها، فكان الثواب المترتب على نياته أكثر من الثواب المترتب على أعماله.

الرابع ما ذكره بعض المحققين وهو أن المؤمن ينوي أن يوقع عباداته على أحسن الوجوه لان إيمانه يقتضي ذلك، ثم إذا كان يشتغل بها لا يتيسر له ذلك، ولا يتأتى كما يريد، فلا يأتي بها كما ينبغي، فالذي ينوي دائما خير من الذي يعمل في كل عبادة، وهذا قريب من المعنى الأول ويمكن الجمع بينهما ويؤيدهما الخبر الثالث والخامس وما رواه الصدوق - ره - في علل الشرائع بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام أنه كان يقول نية المؤمن خير من عمله، وذلك لأنه ينوي من الخير مالا يدركه، ونية الكافر شر من عمله، وذلك لان الكافر ينوي الشر ويأمل من الشر ما لا يدركه، وباسناده عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال له زيد الشحام: إني سمعتك تقول: نية المؤمن خير من عمله، فكيف تكون النية خيرا من العمل؟ قال: لان العمل إنما كان رئاء المخلوقين، والنية خالصة لرب العالمين، فيعطي عز وجل على النية ما لا يعطي على العمل، قال أبو عبد الله عليه السلام:

إن العبد لينوي من نهاره أن يصلي بالليل، فتغلبه عينه فينام، فيثبت الله له صلاته ويكتب نفسه تسبيحا ويجعل نومه صدقة.

الخامس أن طبيعة النية خير من طبيعة العمل، لأنه لا يترتب عليها عقاب أصلا بل إن كانت خيرا أثيب عليها، وإن كان شرا كان وجودها كعدمها

بخلاف العمل فان من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فصح أن النية بهذا الاعتبار خير من العمل.

وأقول: يمكن أن يقال هذا في الشر أيضا بناء على أن الكافر يعاقب على نيات الشر، وإنما العفو عن المؤمنين.

السادس أن النية من أعمال القلب، وهو أفضل من الجوارح، فعمله أفضل من عملها، ألا ترى إلى قوله تعالى " أقم الصلاة لذكري " جعل سبحانه الصلاة وسيلة إلى الذكر، والمقصود أشرف من الوسيلة، وأيضا فأعمال القلب مستورة عن الخلق، لا يتطرق إليها الرئاء وغيره، بخلاف أعمال الجوارح.

السابع أن المراد أن نية بعض الأعمال الشاقة كالحج والجهاد خير من بعض الأعمال الخفية كتلاوة آية من القرآن والصدقة بدرهم مثلا.

الثامن ما ذكره السيد المرتضى رضي الله عنه في الغرر أن لفظة خير ليست اسم تفضيل، بل المراد أن نية المؤمن عمل خير من جملة أعماله ومن تبعيضية وبه دفع التنافي بين هذا الحديث، وبين ما يروى عنه صلى الله عليه وآله أفضل الأعمال أحمزها، ويجري هذا الوجه في قوله: ونية الكافر شر من عمله، فان المعنى فيه أيضا ليس معنى التفضيل، بل المعنى شر من جملة عمله.

فان قيل: كيف يصح هذا مع ما ورد في الحديث من أن ابن آدم إذا هم بالحسنة كتبت له حسنة، وإذا هم بالسيئة لم يكتب عليه شئ، حتى يعمل؟ قلنا قد ذكرنا سابقا أن ظاهر بعض الأخبار أن ذلك مخصوص بالمؤمنين.

التاسع أن المراد بالنية تأثر القلب عند العمل، وانقياده إلى الطاعة، وإقباله على الآخرة، وانصرافه عن الدنيا، وذلك يشتد بشغل الجوارح في الطاعات وكفها عن المعاصي، فان بين الجوارح والقلب علاقة شديدة يتأثر كل منهما بالآخر، كما إذا حصل للأعضاء آفة سرى أثرها إلى القلب فاضطرب وإذا تألم القلب بخوف مثلا سرى أثره إلى الجوارح فارتعدت، والقلب هو الأمير المتبوع

والجوارح كالرعايا والاتباع، والمقصود من أعمالها حصول ثمرة القلب.

فلا تظن أن في وضع الجبهة على الأرض غرضا من حيث إنه جمع بين الجبهة والأرض، بل من حيث إنه بحكم العادة يؤكد صفة التواضع في القلب، فان من يجد في نفسه تواضعا فإذا استعان بأعضائه وصورها بصورة التواضع، تأكد بذلك تواضعه، وأما من يسجد غافلا عن التواضع، وهو مشغول القلب بأغراض الدنيا فلا يصل من وضع جبهته على الأرض أثر على قلبه، بل سجوده كعدمه نظرا إلى الغرض المطلوب منه، فكانت النية روح العمل وثمرته، والمقصد الأصلي من التكليف به، فكانت أفضل.

وهذا الوجه قريب مما ذكره الغزالي في إحيائه، وهو أن كل طاعة تنتظم بنية وعمل، وكل منهما من جملة الخيرات إلا أن النية من الطاعتين خير من العمل، لان أثر النية في المقصود أكثر من أثر العمل، لان صلاح القلب هو المقصود من التكليف، والأعضاء آلات موصلة إلى المقصود، والغرض من حركات الجوارح أن يعتاد القلب إرادة الخير، ويؤكد الميل إليه، ليتفرغ عن شهوات الدنيا، ويقبل على الذكر والفكر، فبالضرورة يكون خيرا بالإضافة إلى الغرض قال الله تعالى: " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم " والتقوى صفة القلب وفي الحديث إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد.

العاشر أن نية المؤمن هي الباعثة له على عمل الخير، فهي أصل العمل وعلته والعمل فرعها، لأنه لا يحصل العمل ولا يوجد إلا بتصور المقصود الحقيقي والتصديق بحصوله، وانبعاث النفس إليه، حتى يشتد العزم، ويوجد الفعل فبهذه الجهة هي أشرف، وكذا نية الكافر سبب لعمله الخبيث فهي شر منه.

الحادي عشر أن النية روح العمل، والعمل بمثابة البدن لها، فخيريته وشريته تابعتان لخيرية النية وشريتها، كما أن شرافة البدن وخباثته تابعتان

لشرافة الروح وخباثته، فبهذا الاعتبار نية المؤمن خير من عمله، ونية الكافر شر من عمله.

الثاني عشر أن نية المؤمن وقصده أولا هو الله، وثانيا العمل، لأنه يوصل إليه، ونية الكافر وقصده غيره تعالى، وعمله يوصله إليه، وبهذا الاعتبار صح ما ذكر .

وهذا الوجه وما تقدمه مستفادان من كلام المحقق الطوسي قدس سره والوجوه المذكورة ربما يرجع بعضها إلى بعض، وبعد ما أحطت خبرا بما ذكرناه نذكر ما هو أقوى عندنا بعد الاعراض عن الفضول، وهو الحق الحقيق بالقبول.

فاعلم أن الاشكالات الناشئة من هذا الخبر إنما هو لعدم تحقيق معنى النية وتوهم أنها تصور الغرض والغاية، وإخطارها بالبال، وإذا حققتها كما أومأنا إليه سابقا، عرفت أن تصحيح النية من أشق الأعمال وأحمزها، وأنها تابعة للحالة التي النفس متصفة بها، وكمال الأعمال وقبولها و فضلها منطو بها، ولا يتيسر تصحيحها إلا باخراج حب الدنيا، وفخرها وعزها من القلب، برياضات شاقة، وتفكرات صحيحة، ومجاهدات كثيرة، فان القلب سلطان البدن، وكلما استولى عليه يتبعه سائر الجوارح، بل هو الحصن الذي كل حب استولى عليه وتصرف فيه، يستخدم سائر الجوارح والقوى، ويحكم عليها، ولا تستقر فيه محبتان غالبتان، كما قال الله عز وجل: يا عيسى لا يصلح لسانان في فم واحد ولا قلبان في صدر واحد، وكذلك الأذهان وقال سبحانه: " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ".

فالدنيا والآخرة ضرتان لا يجتمع حبهما في قلب، فمن استولى على قلبه حب المال لا يذهب فكره وخياله وقواه وجوارحه إلا إليه، ولا يعمل عملا إلا ومقصوده الحقيقي فيه تحصيله، وإن ادعى غيره، كان كاذبا، ولذا يطلب

الأعمال التي وعد فيها كثرة المال ولا يتوجه إلى الطاعات التي وعد فيها قرب ذي الجلال، وكذا من استولى عليه حب الجاه ليس مقصوده في أعماله إلا ما يوجب حصوله، وكذا سائر الأغراض الباطلة الدنيوية، فلا يخلص العمل لله سبحانه وللآخرة إلا باخراج حب هذه الأمور من القلب، وتصفيته عما يوجب البعد عن الحق.

فللناس في نياتهم مراتب شتى بل غير متناهية بحسب حالاتهم، فمنها ما يوجب فساد العمل وبطلانه، ومنها ما يوجب صحته، ومنها ما يوجب كماله، ومراتب كماله أيضا كثيرة فأما ما يوجب بطلانه فلا ريب في أنه إذا قصد الرئاء المحض أو الغالب، بحيث لو لم يكن رؤية الغير له لا يعمل هذا العمل، إنه باطل لا يستحق الثواب عليه، بل يستحق العقاب، كما دلت عليه الآيات والأخبار الكثيرة، وأما إذا ضم إلى القربة غيرها بحيث كان الغالب القربة، ولو لم تكن الضميمة يأتي بها ففيه إشكال، ولا تبعد الصحة، ولو تعلق الرئاء ببعض صفاته المندوبة كاسباغ الوضوء، وتطويل الصلاة، فأشد إشكالا.

ولو ضم إليها غير الرئاء كالتبريد ففيه أقوال ثالثها التفصيل بالصحة، مع كون القربة مقصودة بالذات والبطلان مع العكس، قال في الذكرى: لو ضم إلى النية منافيا فالأقرب البطلان، كالرئاء، والندب في الواجب لان تنافي المرادات يستلزم تنافي الإرادات، وظاهر المرتضى الصحة بمعنى عدم الإعادة، لا بمعنى حصول الثواب، ذكر ذلك في الصلاة المنوي بها الرئاء، وهو يستلزم الصحة فيها وفي غيرها مع ضم الرئاء إلى التقرب، ولو ضم اللازم كالتبرد قطع الشيخ وصاحب المعتبر بالصحة، لأنه فعل الواجب وزيادة غير منافية، ويمكن البطلان لعدم الاخلاص الذي هو شرط الصحة، وكذا التسخن والنظافة انتهى.

وأقول: لو ضم إلى القربة بعض المطالب المباحة الدنيوية فهل تبطل عبادته؟

ظاهر جماعة من الأصحاب البطلان، ويشكل بأن صلوات الحاجة والاستخارة وتلاوة القرآن والأذكار والدعوات المأثورة للمقاصد الدنيوية عبادات بلا ريب، مع أن

تكليف خلو القصد عنها تكليف بالمحال والجمع بين الضدين، كأن يقول أحد: ائت الموضع الفلاني لرؤية الأسد من غير أن يكون غرضك رؤيته، أو اذهب إلى السوق واشتر المتاع من غير أن تقصد شراء المتاع، وقد ورد في الأخبار الكثيرة منافع دنيوية للطاعات ككون صلاة الليل سببا لوسعة الرزق، وكون الحج موجبا للغنى وأمثال ذلك كثيرة، فلو كانت هذه مخلة بالقربة لكان ذكرها إغراء بالقبيح، إذ بعد السماع ربما يمتنع تخلية القصد عنها.

نعم يمكن أن تؤل هذه القصود بالآخرة إلى القربة، كأن يكون غرض طالب الرزق صرفه في وجوه البر والتقوي به على الطاعة، ومن يكون مقصوده من طول العمر تحصيل رضا الرب تعالى لكن هذا القصد لا يتحقق واقعا وحقيقة إلا لآحاد المقربين، ولا يتيسر لأكثر الناس هذه النية وهذا الغرض، إلا بالانتحال والدعاوي الكاذبة، وتوهم أن الاخطار بالبال نية واقعية، وبينهما بعد المشرقين.

فالظاهر أنه يكفي لكونه طاعة وقربة كونه بأمره سبحانه وموافقا لرضاه ومتضمنا لذكره والتوسل إليه وإن كان المقصود تحصيل بعض الأمور المباحة لنيل اللذات المحللة وأما النيات الكاملة والاغراض العرية عن المطالب الدنية الدنيوية فهي تختلف بحسب الاشخاص والأحوال، ولكل منهم نية تابعة لشاكلته وطريقته وحالته بل لكل شخص في كل حالة نية تتبع تلك الحالة ولنذكر بعض منازلها ودرجاتها.

فالأولى نية من تنبه وتفكر في شديد عذاب الله وأليم عقابه، فصار ذلك موجبا لحط الدنيا ولذاتها عن نظره، فهو يعمل كل ما أراد من الأعمال الحسنة ويترك ما ينتهي عنه من الأعمال السيئة، خوفا من عذابه.

الثانية نية من غلب عليه الشوق إلى ما أعد الله للمحسنين في الجنة، من نعيمها وحورها وقصورها، فهو يعبد الله لتحصيل تلك الأمور، وهاتان نيتان صحيحتان على الأظهر، وإن توهم الأكثر بطلان العبادة بهما لغفلتم عن معنى النية كما عرفت، والعجب أن العلامة رحمه الله ادعى اتفاق العدلية على أن من

فعل فعلا لطلب الثواب أو خوف العقاب، فإنه لا يستحق بذلك ثوابا.

وأقول: لهاتين النيتين أيضا مراتب شتى بحسب اختلاف أحوال الناس فان من الناس من يطلب الجنة لحصول مشتهياته الجسمانية فيه، ومنهم من يطلبها لكونها دار كرامة الله ومحل قرب الله، وكذا منهم من يهرب من النار لالمها ومنهم من يهرب منها لكونها دار البعد والهجران والحرمان ومحل سخط الله كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في الدعاء الذي علمه كميل بن زياد النخعي: " فلئن صيرتني في العقوبات مع أعدائك، وجمعت بيني وبين أهل بلائك، وفرقت بيني وبين أحبائك وأوليائك، فهبني يا إلهي وسيدي صبرت على عذابك، فكيف أصبر على فراقك؟ وهبني صبرت على حر نارك، فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك "؟

إلى آخر ما ذكر في هذا الدعاء المشتمل على جميع منازل المحبين، ودرجات العارفين، فظهر أن هاتين الغايتين وطلبهما لا تنافيان درجات المقربين.

الثالثة نية من يعبد الله تعالى شكرا له، فإنه يتفكر في نعم الله التي لا تحصى عليه فيحكم عقله بأن شكر المنعم واجب، فيعبده لذلك كما هو طريقة المتكلمين وقد قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار.

الرابعة نية من يعبده حياء فإنه يحكم عقله بحسن الحسنات وقبح السيئات ويتذكر أن الرب الجليل مطلع عليه في جميع أحواله، فيعبده ويترك معاصيه لذلك، وإليه يشير قول النبي صلى الله عليه وآله الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

الخامسة نية من يعبده تقربا إليه تعالى تشبيها للقرب المعنوي بالقرب المكاني، وهذا هو الذي ذكره أكثر الفقهاء، ولم أر في كلامهم تحقيق القرب المعنوي، فالمراد إما القرب بحسب الدرجة والكمال، إذ العبد لامكانه في غاية النقص، عار عن جميع الكمالات، والرب سبحانه متصف بجميع الصفات الكمالية فبينهما غاية البعد، فكلما رفع عن نفسه شيئا من النقائص، واتصف بشئ من الكمالات، حصل له قرب ما بذلك الجناب، أو القرب بحسب التذكر والمصاحبة المعنوية، فان من كان دائما في ذكر أحد ومشغولا بخدماته فكأنه معه، وإن كان بينهما غاية البعد بحسب المكان، وفي قوة هذه النية إيقاع الفعل امتثالا لامره تعالى أو موافقة لإرادته أو انقيادا وإجابة لدعوته أو ابتغاء لمرضاته.

فهذه النيات التي ذكرها أكثر الأصحاب وقالوا: لو قصد لله مجردا عن جميع ذلك كان مجزيا، فإنه تعالى غاية كل مقصد، وإن كان يرجع إلى بعض الأمور السالفة.

السادسة نية من عبد الله لكونه أهلا للعبادة، وهذه النية الصديقين، كما قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ما عبدتك خوفا من نارك، ولا طمعا في جنتك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك، ولا تسمع هذه الدعوى من غيرهم، وإنما يقبل ممن يعلم منه أنه لو لم يكن لله جنة ولا نار، بل لو كان على الفرض المحال يدخل العاصي الجنة والمطيع النار، لاختار العبادة لكونه أهلا لها، كما أنهم في الدنيا اختاروا النار لذلك، فجعلها الله عليهم بردا وسلاما، وعقوبة الأشرار فجعلها الله عندهم لذة وراحة ونعيما.

السابعة نية من عبد الله حبا له ودرجة المحبة أعلى درجات المقربين، والمحب يختار رضا محبوبه، ولا ينظر إلى ثواب ولا يحذر من عقاب، وحبه تعالى إذا استولى على القلب يطهره عن حب ما سواه، ولا يختار في شئ من الأمور إلا رضا مولاه.

كما روى الصدوق - رحمه الله - باسناده عن الصادق عليه السلام أنه قال: إن الناس

يعبدون الله على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء وهو الطمع، وآخرون يعبدونه فرقا من النار فتلك عبادة العبيد، وهي رهبة، ولكني أعبده حبا له عز وجل، فتلك عبادة الكرام وهو الامن، لقوله عز وجل " وهم من فزغ يومئذ آمنون " ولقوله عز وجل " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم " فمن أحب الله أحبه الله، ومن أحبه الله عز وجل كان من الآمنين.

وفي تفسير الإمام عليه السلام قال علي بن الحسين عليه السلام: إني أكره أن أ عبد الله لأغراض لي ولثوابه فأكون كالعبد الطمع المطيع، إن طمع عمل، وإلا لم يعمل وأكره أن أعبده لخوف عباده، فأكون كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل، قيل:

فلم تعبده؟ قال: لما هو أهله بأياديه علي وإنعامه، وقال محمد بن علي الباقر عليه السلام:

لا يكون العبد عابدا لله حق عبادته حتى ينقطع عن الخلق كله إليه فحينئذ يقول:

هذا خالص لي فيتقبله بكرمه، وقال جعفر بن محمد عليهما السلام: ما أنعم الله عز وجل على عبد أجل من أن لا يكون في قلبه مع الله غيره، وقال موسى بن جعفر عليه السلام أشرف الأعمال التقرب بعبادة الله عز وجل، وقال علي الرضا عليه السلام: " إليه يصعد الكلم الطيب " قول لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله وخليفة محمد رسول الله حقا وخلفاؤه خلفاء الله " والعمل الصالح يرفعه " علمه في قلبه بأن هذا صحيح كما قلته بلساني.

وأقول: لكل من النيات الفاسدة والصحيحة أفراد أخرى يعلم بالمقايسة مما ذكرنا، وهي تابعة لأحواله وصفاته، وملكاته الراسخة منبعثة عنها، ومن هذا يظهر سر أن أهل الجنة يخلدون فيها بنياتهم، لأن النية الحسنة تستلزم طينة

طيبة، وصفات حسنة وملكات جميلة، تستحق الخلود بذلك، إذ لم يكن مانع العمل من قبله فهو بتلك الحالة مهيئ للأعمال الحسنة، والافعال الجميلة، والكافر مهيئ لضد ذلك وبتلك الصفات الخبيئة المستلزمة لتلك النية الردية استحق الخلود في النار.

وبما ذكرنا ظهر معنى قوله عليه السلام " وكل عامل يعمل على نيته " أي عمل كل عامل يقع على وفق نيته في النقص والكمال، والرد والقبول، والمدار عليها كما عرفت، وعلى بعض الاحتمالات المعنى أن النية سبب للفعل، وباعث عليه، ولا يتأتى العمل إلا بها كما مر.

3 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن أسباط، عن محمد بن إسحاق بن الحسين بن عمرو، عن حسن بن أبان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن حد العبادة التي إذا فعلها فاعلها كان مؤديا؟ فقال: حسن النية بالطاعة.

بيان: قد مضى الكلام فيه والحاصل أنه حد العبادة الصحيحة المقبولة بالنية الحسنة غير المشوبة مع طاعة الامام، لأنهما العمدة في الصحة والقبول فالحمل على المبالغة، أو المراد بالطاعة الاتيان بالوجوه التي يطاع الله منها مطلقا.

4 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العبد المؤمن الفقير ليقول: يا رب أرزقني حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه الخير، فإذا علم الله عز وجل ذلك منه بصدق نية كتب الله له من الاجر مثل ما يكتب له لو عمله، إن الله واسع كريم.

تبيان: " ليقول " أي بلسانه أو بقلبه أو الأعم منهما " فإذا علم الله عز وجل ذلك " أي علم أنه إن رزقه يفي بما يعده من الخير، فان كثيرا من المتمنيات و المواعيد كاذبة لا يفي الانسان به " إن الله واسع " أي واسع القدرة أو واسع العطاء

" كريم " بالذات فالإثابة على نية الخير من سعة جوده وكرمه، لا من استحقاقهم ذلك.

قال الشيخ البهائي قدس سره: هذا الحديث يمكن أن يجعل تفسيرا لقوله عليه السلام: " نية المؤمن خير من عمله " فان المؤمن ينوي كثيرا من هذه النيات فيثاب عليها، ولا يتيسر العمل إلا قليلا انتهى.

وأقول: النية تطلق على النية المقارنة للفعل، وعلى العزم المتقدم عليه سواء تيسر العمل أم لا، وعلى التمني للفعل، وإن علم عدم تمكنه منه، والمراد هنا أحد المعنيين الأخيرين، ويمكن أن يقال: إن النية لما كانت من الأفعال الاختيارية القلبية، فلا محالة يترتب عليها ثواب، وإذا فعل الفعل المنوي يترتب عليه ثواب آخر، ولا ينافي اشتراط العمل بها تعدد الثواب كما أن الصلاة صحتها مشروطة بالوضوء، ويترتب على كل منهما ثواب إذا اقترنا.

فإذا لم يتيسر الفعل لعدم دخوله تحت قدرته، أو لمانع عرض له، يثاب على العزم، وترتب الثواب عليه غير مشروط بحصول الفعل، بل بعدم تقصيره فيه فالثواب الوارد في الخبر يحتمل أن يكون هذا الثواب فله مع الفعل ثوابان، وبدونه ثواب واحد، فلا يلزم كون العمل لغوا، ولا كون ثواب النية والعمل معا، كثوابها فقط، ويحتمل أن يكون ثواب النية كثوابها مع العمل بلا مضاعفة، ومع العمل يضاعف عشر أمثالها أو أكثر.

ويؤيده ما سيأتي أن الله جعل لآدم أن من هم من ذريته بسيئة لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت عليه سيئة، ومن هم منهم بحسنة فإن لم يعملها كتبت له حسنة، فان هو عملها كتبت له عشرا، وإن أمكن حمله على ما إذا لم يعملها مع القدرة عليها.

وعلى ما حققنا أن النية تابعة للشاكلة والحالة وأن كمالها لا يحصل إلا بكمال النفس واتصافها بالأخلاق الرضية الواقعية فلا استبعاد في تساوي ثواب من عزم على فعل على وجه خاص من الكمال، ولم يتيسر له، ومن فعله على هذا

الوجه.

وقيل: إثابة المؤمن بنية أمر خير متفق عليه بين الأمة ورواه الخاصة والعامة روى مسلم باسناده عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من طلب الشهادة صادقا اعطيها ولو لم تصبه، وبإسناد آخر عنه صلى الله عليه وآله قال: من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه، قال الماذري: وفيهما دلالة على أن من نوى شيئا من أعمال البر ولم يفعله لعذر كان بمنزلة من عمله، وعلى استحباب طلب الشهادة، ونية الخير. وقد صرح بذلك جماعة من علمائهم حتى قال الآبي: لو لم ينوه كان حاله حال المنافق لا يفعل الخير ولا ينويه.

5 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن أحمد بن يونس، عن أبي هاشم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إنما خلد أهل النار في النار لان نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبدا، وإنما خلد أهل الجنة في الجنة لان نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبدا، فبالنيات خلد هؤلاء وهؤلاء، ثم تلا قوله تعالى: " قل كل يعمل على شاكلته " قال:

على نيته.

بيان: كأن الاستشهاد بالآية مبني على ما حققنا سابقا أن المدار في الأعمال على النية التابعة للحالة التي اتصفت النفس بها من العقائد والأخلاق الحسنة والسيئة فإذا كانت النفس على العقائد الثابتة والأخلاق الحسنة الراسخة التي لا يتخلف عنها الأعمال الصالحة الكاملة لو بقي في الدنيا أبدا فبتلك الشاكلة والحالة استحق الخلود في الجنة، وإذا كانت على العقائد الباطلة والأخلاق الردية التي علم الله تعالى أنه لو بقي في الدنيا أبدا لعصى الله تعالى دائما، فبتلك الشاكلة استحق الخلود في النار، لا بالاعمال التي لم يعملها، فلا يرد أنه ينافي الأخبار الواردة في أنه إذا أراد السيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، مع أنه يمكن حمله على ما إذا لم تصر

شاكلة له، ولم تكن بحيث علم الله أنه لو بقي لأتى بها، أو يحمل عدم كتابة السيئة على المؤمنين، وهذا إنما هو في الكفار، وقد يستدل بهذا الخبر على أن كل كافر يمكن في حقه التوبة والايمان لا يموت على الكفر.

أقول: ويمكن أن يستدل به على أن بالعزم على المعصية، يستحق العقاب وإن عفى الله عن المؤمنين تفضلا، وما ذكره المحقق الطوسي قدس سره في التجريد في مسألة خلق الأعمال حيث قال: وإرادة القبيح قبيحة، يدل على أنه يعد إرادة العباد للحرام فعلا قبيحا محرما، وهو الظاهر من كلام أكثر الأصحاب سواء كان تاما مستتبعا للقبيح أو عزما ناقصا غير مستتبع، لكن قد تقرر عندهم أن إرادة القبيح إذا كانت غير مقارنة لفعل قبيح يتعلق بها العفو كما دلت عليه الروايات وسيأتي بعضها، وأما إذا كانت مقارنة فلعله أيضا كذلك، وادعى بعضهم الاجماع على أن فعل المعصية لا يتعلق به إلا إثم واحد، ومن البعيد أن يتعلق به إثمان أحدهما بإرادته والآخر بايقاعه.

فيندفع حينئذ التدافع بين ما ذكره المحقق رحمه الله من قبح إرادة القبيح وبين ما هو المشهور من أن الله تعالى لا يعاقب بإرادة الحرام، وإنما يعاقب بفعله وما أوله به بعضهم من أن المراد أنه لا يعاقب العقوبة الخاصة بفعل المعصية بمجرد إرادتها، ويثيب الثواب الخاص بفعل الطاعة بمجرد إرادتها، ففيه أن شيئا من ذلك غير صحيح، فان الظاهر من النصوص أنه تعالى لا يعاقب ولا يؤاخذ على إرادة المعصية أصلا، وأن الاجماع قائم على أن ثواب الطاعة لا يترتب على إرادتها، بل المترتب عليها نوع آخر من الثواب يختلف باختلاف الأحوال المقارنة لها من خلوص النية وشدة الجد فيها والاستمرار عليها، إلى غير ذلك، ولامانع من أن تصير في بعض الأحوال أعظم من ثواب نفس الفعل الذي لم يكن لصاحبه تلك الإرادة البالغة الجامعة لهذه الخصوصيات، وكأن تتبع الآثار المأثورة يغني عن الإطالة في هذا الباب.

وأقول: قد عرفت بعض ما حققنا في ذلك وسيأتي إنشاء الله تمام الكلام

عند شرح بعض الأخبار في أواخر هذا المجلد.

6 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن أبي الحسن علي بن يحيى، عن أيوب بن أعين، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يؤتى يوم القيامة برجل فيقال له: احتج، فيقول: يا رب خلقتني وهديتني فأوسعت علي فلم أزل أوسع على خلقك وأيسر عليهم لكي تنشر هذا اليوم رحمتك وتيسره، فيقول الرب جل ثناؤه وتعالى ذكره: صدق عبدي أدخلوه الجنة.

7 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن علي بن عيسى قال:

إن موسى ناجاه الله تبارك وتعالى فقال في مناجاته وذكر حديثا قدسيا طويلا إلى أن قال: فاعمل كأنك ترى ثواب عملك، لكي يكون أطمع لك في الآخرة لا محالة.

8 - نهج البلاغة: هذا ما أمر به عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين في ماله ابتغاء وجه الله، ليولجني به الجنة، ويعطيني الامنة.

وفيه: وليس رجل - فاعلم - أحرص على جماعة أمة محمد والفتها مني أبتغي بذلك حسن الثواب وكريم المآب.

9 - أمالي الصدوق: باسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: من صام يوما تطوعا ابتغاء ثواب الله وجبت له المغفرة.

بيان: في هذه الأخبار كلها دلالة على أن طلب الثواب والحذر من العقاب لا ينافي صحة العمل وكماله والقربة فيه.

10 - تفسير علي بن إبراهيم: " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون " قال: من عمل الخير على أن يعطيه الله ثوابه في الدنيا أعطاه ثوابه في الدنيا وكان له في الآخرة النار.

11 - الخصال: ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب عن مالك ابن عطية، عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: لا حسب لقرشي ولا عربي إلا بتواضع، ولا كرم إلا بتقوى، ولا عمل إلا بنية، ولا عبادة إلا بتفقه، ألا وإن أبغض الناس إلى الله عز وجل من يقتدي بسنة إمام ولا يقتدي بأعماله.

12 - تفسير علي بن إبراهيم: " قل كل يعمل على شاكلته " أي على نيته " فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا " فإنه حدثني أبي، عن جعفر بن إبراهيم، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة أوقف المؤمن بين يديه، فيكون هو الذي يلي حسابه، فيعرض عليه عمله، فينظر في صحيفته فأول ما يرى سيئاته فيتغير لذلك لونه، وترتعش فرائصه، وتفزع نفسه، ثم يرى حسناته فتقر عينه، وتسر نفسه، وتفرح روحه، ثم ينظر إلى ما أعطاه الله من الثواب فيشتد فرحه، ثم يقول الله للملائكة: هلموا الصحف التي فيها الأعمال التي لم يعملوها، قال:

فيقرؤنها فيقولون: وعزتك إنك لتعلم أنا لم نعمل منها شيئا فيقول: صدقتم نويتموها فكتبناها لكم ثم يثابون عليها.

13 - علل الشرائع، الخصال أمالي الصدوق: السناني، عن محمد بن هارون، عن عبيد الله بن موسى الطبري، عن محمد بن الحسين الخشاب، عن محمد بن محصن، عن يونس بن ظبيان

قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: إن الناس يعبدون الله عز وجل على ثلاثة أوجه فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه، فتلك عبادة الحرصاء وهو الطمع، وآخرون يعبدونه فرقا من النار فتلك عبادة العبيد، وهي رهبة، ولكني أعبده حبا له عز وجل فتلك عبادة الكرام، وهو الامن لقوله عز وجل " وهم من فزع يومئذ آمنون " ولقوله عز وجل " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم " فمن أحب الله أحبه الله، ومن أحبه الله عز وجل كان من الآمنين.

14 - أمالي الصدوق: ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال، عن الحسن بن الجهم، عن الفضيل قال: قال الصادق عليه السلام: ما ضعف بدن عما قويت عليه النية.

15 - أمالي الطوسي: المفيد، عن ابن قولويه، عن الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن اليقطيني عن يونس، عن أبي الوليد، عن الحسن بن زياد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من صدق لسانه زكى عمله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه، ومن حسن بره بأهل بيته زيد في عمره.

16 - الخصال: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الأشعري، عن عبد الله بن محمد الرازي، عن بكر بن صالح، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله وفيه " زاد الله " مكان " زيد " في الموضعين.

17 - معاني الأخبار: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن

سنان قال: كنا جلوسا عند أبي عبد الله عليه السلام إذ قال له رجل من الجلساء: جعلت فداك يا ابن رسول الله أتخاف علي أن أكون منافقا؟ قال فقال له إذا خلوت في بيتك نهارا أو ليلا أليس تصلي؟ فقال: بلى، قال: فلمن تصلي؟ فقال: لله عز وجل قال: فكيف تكون منافقا وأنت تصلي لله عز وجل لا لغيره.

18 - علل الشرائع: أبي، عن حبيب بن الحسين الكوفي، عن ابن أبي الخطاب، عن أحمد بن صبيح، عن زيد الشحام قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني سمعتك تقول:

نية المؤمن خير من عمله، فكيف تكون النية خيرا من العمل؟ قال: لان العمل ربما كان رياء المخلوقين، والنية خالصة لرب العالمين، فيعطي عز وجل على النية مالا يعطي على العمل.

قال أبو عبد الله عليه السلام: إن العبد لينوي من نهاره أن يصلي بالليل فتغلبه عينه فينام، فيثبت الله له صلاته، ويكتب نفسه تسبيحا ويجعل نومه عليه صدقة.

19 - علل الشرائع: أبي، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن عمران بن موسى عن الحسن بن علي بن النعمان، عن الحسن بن الحسين الأنصاري، عن بعض رجاله، عن أبي جعفر عليه السلام أنه كان يقول: نية المؤمن أفضل من عمله، وذلك لأنه ينوي من الخير مالا يدركه، ونية الكافر شر من عمله، وذلك لان الكافر ينوي الشر ويأمل من الشر ما لا يدركه.

20 - قرب الإسناد: هارون، عن ابن صدقة قال: سئل جعفر بن محمد عليهما السلام عما قد يجوز وعما لا يجوز من النية على الاضمار في اليمين، فقال: إن النيات قد تجوز في موضع ولا تجوز في آخر، فأما ما تجوز فيه فإذا كان مظلوما فما حلف به ونوى اليمين فعلى نيته، وأما إذا كان ظالما فاليمين على نية المظلوم، ثم قال: ولو كانت النيات من أهل الفسق يؤخذ بها أهلها، إذا لاخذ كل من نوى الزنا بالزنا، وكل من نوى السرقة بالسرقة، وكل من نوى القتل بالقتل، ولكن الله عدل كريم [حكيم]

ليس الجور من شأنه، ولكنه يثيب على نيات الخير أهلها وإضمارهم عليها، ولا يؤاخذ أهل الفسوق حتى يفعلوا.

أقول: روى هذا الخبر في موضع آخر من هذا الكتاب بهذا السند وزاد في آخره زيادة هي هذه: وذلك أنك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح، وكذلك الأخرس في القراءة في الصلاة والتشهد وما أشبه ذلك، فهذا بمنزلة العجم المحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح ولو ذهب العالم المتكلم الفصيح حتى يدع ما قد علم أنه يلزمه، وينبغي له أن يقوم به حتى يكون ذلك منه بالنبطية والفارسية، فحيل بينه وبين ذلك بالأدب، حتى يعود إلى ما قد علمه وعقله، قال: ولو ذهب من لم يكن في مثل حال الأعجمي المحرم ففعل فعال الأعجمي والأخرس على ما قد وصفنا إذا لم يكن أحد فاعلا لشئ من الخير، ولا يعرف الجاهل من العالم.

21 - أمالي الطوسي: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن المنذر بن محمد، عن أحمد بن يحيى الضبي، عن موسى بن القاسم، عن أبي الصلت، عن الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لاقول إلا بعمل ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة.

22 - أمالي الطوسي: ابن مخلد، عن أبي عمرو، عن محمد بن هشام المروزي، عن يحيى ابن عثمان، عن بقية، عن إسماعيل البصري يعني ابن علية، عن أبان، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بإصابة السنة.

23 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن علي بن أحمد بن سيابة، عن

عبد الرحمن بن كثير الهاشمي، عن حماد بن عيسى، عن ابن أذينة، عن الفضيل قال: سمعت الصادق والباقر عليهما السلام يحدثان عن آبائهما، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نية المؤمن أبلغ من عمله، وكذلك الفاجر.

24 - بصائر الدرجات: أحمد بن محمد، عن محمد البرقي، عن إبراهيم بن إسحاق، عن أبي عثمان العبدي، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

لا قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بنية، ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة.

25 - المحاسن: عن ابن فضال، عن محمد، عن الثمالي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو نظر الناس إلى مردود الأعمال من السماء، لقالوا: ما يقبل الله من أحد عملا.

26 - المحاسن: النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نية المؤمن خير من عمله، ونية الفاجر شر من عمله وكل عامل يعمل بنيته.

27 - المحاسن: الوشاء، عن ابن فضال، عن المثنى الحناط، عن محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من حسنت نيته زاد الله في رزقه.

28 - المحاسن: بعض أصحابنا بلغ به خيثمة بن عبد الرحمن الجعفي قال: سأل عيسى بن عبد الله القمي أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر فقال: ما العبادة؟ فقال: حسن النية بالطاعة من الوجه الذي يطاع الله منه.

وفي حديث آخر قال: حسن النية بالطاعة عن الوجه الذي أمر به.

29 - المحاسن: علي بن الحكم، عن أبي عروة السلمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله يحشر الناس على نياتهم يوم القيامة.

30 - المحاسن: القاساني، عن الأصبهاني، عن المنقري، عن أحمد بن يونس عن أبي هاشم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخلود في الجنة والنار فقال: إنما خلد أهل النار في النار، لان نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبدا، وإنما خلد أهل الجنة في الجنة لان نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبدا، فبالنيات خلد هؤلاء وهؤلاء، ثم تلا قوله: " قل كل يعمل على شاكلته " أي على نيته.

تفسير العياشي: عن أبي هاشم مثله.

31 - فقه الرضا (ع): أروي عن العالم عليه السلام أنه قال: نية المؤمن خير من عمله لأنه ينوي خيرا من عمله، ونية الفاجر شر من عمله وكل عامل يعمل على نيته، ونروي نية المؤمن خير من عمله، لأنه ينوي من الخير ما لا يطيقه ولا يقدر عليه، وروي من حسنت نيته زاد الله في رزقه.

وسألت العالم عليه السلام عن قول الله: " خذوا ما آتيناكم بقوة " قوة الأبدان أم قوة القلوب؟ فقال: جميعا، وقال: لا قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بنية، ولا نية إلا بإصابة السنة، ونروي حسن الخلق سجية ونية، وصاحب النية أفضل، ونروي ما ضعفت نية عن نية.

وأروي عنه: نية المؤمن خير من عمله فسألته عن معنى ذلك، فقال: العمل يدخله الرياء والنية لا يدخلها الرياء.

وسألت العالم عليه السلام عن تفسير نية المؤمن خير، قال: إنه ربما انتهت بالانسان حالة من مرض أو خوف فتفارقه الأعمال، ومعه نيته، فلذلك الوقت نية المؤمن خير من عمله.

وفي وجه آخر أنها لا يفارقه عقله أو نفسه والأعمال قد يفارقه قبل مفارقة العقل والنفس.

32 - مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: صاحب النية الصادقة صاحب القلب السليم لان سلامة القلب من هواجس المحذورات بتخليص النية لله في الأمور كلها قال الله عز وجل " يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم " وقال النبي صلى الله عليه وآله نية المؤمن خير من عمله، وقال عليه السلام: إنما الأعمال بالنيات ، ولكل امرئ ما نوى ولابد للعبد من خالص النية في كل حركة وسكون، لأنه إذا لم يكن هذا المعنى يكون غافلا، والغافلون قد وصفهم الله تعالى فقال " أولئك كالانعام بل هم أضل سبيلا " وقال: " أولئك هم الغافلون ".

ثم النية تبدو من القلب على قدر صفاء المعرفة، ويختلف على حسب اختلاف الأوقات في معنى قوته وضعفه، وصاحب النية الخالصة نفسه وهواه مقهورتان تحت سلطان تعظيم الله والحياء منه، وهو من طبعه وشهوته ومنيته، نفسه منه في تعب والناس منه في راحة.

33 - [تفسير الإمام العسكري:] قال علي بن الحسين عليهما السلام: إني أكره أن أ عبد الله ولا غرض لي إلا ثوابه، فأكون كالعبد الطمع المطمع: إن طمع عمل، وإلا لم يعمل، وأكره أن [لا] أعبده إلا لخوف عقابه فأكون كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل، قيل فلم تعبده؟ قال: لما هو أهله بأياديه علي وإنعامه.

وقال محمد بن علي الباقر عليه السلام: لا يكون العبد عابدا لله حق عبادته حتى ينقطع عن الخلق كله إليه، فحينئذ يقول: هذا خالص لي فيتقبله بكرمه.

وقال جعفر بن محمد عليه السلام: ما أنعم الله عز وجل على عبد أجل من أن لا يكون في قلبه مع الله غيره.

وقال موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام: أشرف الأعمال التقرب بعبادة الله عز وجل.

وقال علي الرضا عليه السلام " إليه يصعد الكلم الطيب " قول لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله وخليفة محمد رسول الله حقا وخلفاؤه خلفاء الله " والعمل الصالح يرفعه " علمه في قلبه بأن هذا صحيح كما قلته بلساني.

34 - مجالس المفيد: أبو غالب أحمد بن محمد، عن جده محمد بن سليمان، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن حمزة بن الطيار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنما قدر الله عون العباد على قدر نياتهم فمن صحت نيته تم عون الله له، ومن قصرت نيته قصر عنه العون بقدر الذي قصر.

35 - غوالي اللئالي: عن النبي صلى الله عليه وآله إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه.

36 - كتاب قضاء الحقوق للصوري: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نية المؤمن خير من عمله.

37 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن حنظلة بن زكريا، عن محمد بن علي بن حمزة، عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

لأحسب إلا بالتواضع، ولا كرم إلا بالتقوى، ولا عمل إلا بالنية.

38 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن أحمد بن إسحاق الموسوي، عن أبيه إسحاق بن العباس، عن إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر، عن علي بن جعفر وعلي بن موسى، عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله أغزى عليا في سرية وأمر المسلمين أن ينتدبوا معه في سريته فقال رجل من الأنصار لأخ له: اغز بنا في سرية علي لعلنا نصيب خادما أو دابة أو شيئا نتبلغ به، فبلغ النبي صلى الله عليه وآله قوله: فقال: إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، فمن غزا ابتغاء ما عند الله عز وجل فقد وقع أجره على الله عز وجل، ومن غزا يريد عرض الدنيا أو نوى عقالا لم يكن له إلا ما نوى.

39 - نهج البلاغة: قال عليه السلام: إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار.

40 - الهداية: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما الأعمال بالنيات، وروي أن نية المؤمن خير من عمله ونية الكافر شر من عمله، وروي أن بالنيات خلد أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار.

وقال عز وجل: " قل كل يعمل على شاكلته " يعني على نيته، ولا يجب على الانسان أن يجدد لكل عمل نية، وكل عمل من الطاعات إذا عمله العبد لم يرد به إلا الله عز وجل فهو عمل بنية، وكل عمل عمله العبد من الطاعات يريد به غير الله فهو عمل بغير نية وهو غير مقبول.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.