پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

52. باب اليقين والصبر على الشدايد في الدين

ج ۶۷، ص ۱۲۹–۱۵۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۷

وقال تعالى: قد بينا الآيات لقوم يوقنون وقال تعالى مخاطبا لإبراهيم عليه السلام: أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي.

الأنعام: وليكون من الموقنين.

الرعد: يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون.

طه: فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى * قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم

من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى * قالوا لن نؤثرك على ما جائنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى.

الشعراء: قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين: إلى قوله تعالى: قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون * إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين.

النمل: وهم بالآخرة هم يوقنون.

العنكبوت: ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين.

لقمان: وهم بالآخرة هم يوقنون.

التنزيل: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون.

الجاثية: وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون وقال تعالى: وهدى ورحمة لقوم يوقنون.

الذاريات: وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون.

الطور: بل لا يوقنون.

الواقعة: إن هذا لهو حق اليقين.

الحاقة: وإنه لحق اليقين.

التكاثر: كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين.

تفسير: " وبالآخرة هم يوقنون " أي يوقنون إيقانا زال معه الشك، قال البيضاوي: اليقين إتقان العلم بنفي الشك والشبهة عنه بالاستدلال، ولذلك لا يوصف به علم الباري تعالى ولا العلوم الضرورية.

" ولكن ليطمئن قلبي " قال الطبرسي رحمه الله: أي بلى أنا مؤمن، ولكن سألت ذاك لازداد يقينا إلى يقيني، عن الحسن وقتادة ومجاهد وابن جبير، وقيل لأعاين ذلك ويسكن قلبي إلى علم العيان بعد علم الاستدلال، وقيل: ليطمئن قلبي بأنك قد أجبت مسألتي واتخذتني خليلا كما وعدتني.

" وليكون من الموقنين " قال: أي من المتيقنين بأن الله سبحانه هو خالق ذلك والمالك له.

" يفصل الآيات " أي يأتي بآية في أثر آية فصلا فصلا مميزا بعضها عن بعض، ليكون أمكن للاعتبار والتفكر، وقيل: معناه يبين الدلائل بما يحدثه في السماوات والأرض " لعلكم بلقاء ربكم توقنون " أي لكي توقنوا بالبعث والنشور

وتعلموا أن القادر على هذه الأشياء قادر على البعث بعد الموت، وفي هذا دلالة على وجوب النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، وعلى بطلان التقليد، ولولا ذلك لم يكن لتفصيل الآيات معنى.

" إن كنتم موقنين " أي بأن الرب بهذه الصفة أو بأن هذه الأشياء محدثة، وليست من فعلكم، والمحدث لابد له من محدث " لا ضير " أي لا ضرر علينا فيما تفعله " إنا إلى ربنا منقلبون " أي إلى ثواب ربنا راجعون " خطايانا " أي من السحر وغيره، " أن كنا أول المؤمنين " أي لان كنا أول من صدق بموسى عند تلك الآية أو مطلقا.

" ومن الناس من يقول آمنا بالله " بلسانه " فإذا أوذي في الله " أي في دين الله أو في ذات الله " جعل فتنة الناس كعذاب الله " أي إذا أوذي بسبب دين الله رجع عن الدين مخافة عذاب الناس كما ينبغي أن يترك الكافر دينه مخافة عذاب الله فيسوى بين عذاب فان منقطع، وبين عذاب دائم غير منقطع أبدا لقلة تمييزه، وسمى أذية الناس فتنة لما في احتمالها من المشقة وقال علي بن إبراهيم: قال: إذا آذاه إنسان أو أصابه ضر أو فاقة أو خوف من الظالمين، دخل معهم في دينهم، فرأى أن ما يفعلونه هو مثل عذاب الله الذي لا ينقطع، " ولئن جاء نصر من ربك " أي فتح وغنيمة، وقال علي بن إبراهيم: يعني القائم عليه السلام " ليقولن إنا كنا معكم " في الدين، فأشركونا: " بما في صدور العالمين " من الاخلاص والنفاق.

" وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا " قال علي بن إبراهيم: كان في علم الله أنهم يصبرون على ما يصيبهم، فجعلهم أئمة " وكانوا بآياتنا يوقنون " أي لا يشكون فيها.

" وفي خلقكم وما يبث من دابة " أي في خلقه إياكم بما فيكم من بدائع الصنعة، وما يتعاقب عليكم من غرائب الأحوال، من مبتدأ خلقكم إلى انقضاء الآجال، وفي خلق ما تفرق على وجه الأرض من الحيوانات على اختلاف أجناسها ومنافعها، دلالات واضحات على ما ذكرنا " لقوم يوقنون " أي يطلبون علم اليقين بالتفكر والتدبر. " لقوم يوقنون " لأنهم به ينتفعون.

" وفي الأرض آيات للموقنين " أي دلائل تدل على عظمة الله وعلمه وقدرته وإرادته ووحدته وفرط رحمته " وفي أنفسكم " أي وفي أنفسكم آيات إذ ما في العالم شئ إلا وفي الانسان له نظير يدل دلالته مع ما انفرد به من الهيئات النافعة والمناظر البهية والتركيبات العجيبة، والتمكن من الافعال الغريبة، واستنباط الصنائع المختلفة، واستجماع الكمالات المتنوعة، وفي المجمع وتفسير علي بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام: يعني أنه خلقك سميعا بصيرا تغضب وترضى، وتجوع وتشبع، وذلك كله من آيات الله " أفلا تبصرون " أي تنظرون نظر من يعتبر.

" إن هذا لهو حق اليقين " قال في المجمع: أضاف الحق إلى اليقين، وهما واحد للتأكيد، أي هذا الذي أخبرتك به من منازل هؤلاء الأصناف الثلاثة هو الحق الذي لاشك فيه، اليقين الذي لا شبهة فيه، وقيل: تقديره حق الامر اليقين.

" كلا لو تعلمون علم اليقين " قال الطبرسي قدس سره: أي لو تعلمون الامر علما يقينا لشغلكم ما تعلمون من التفاخر والتباهي بالعز والكثرة، وعلم اليقين هو

العلم الذي يثلج به الصدر بعد اضطراب الشك فيه، ولهذا لا يوصف الله تعالى بأنه متيقن " لترون الجحيم " يعني حين تبرز الجحيم في القيامة قبل دخولهم إليها " ثم لترونها " يعني بعد الدخول إليها " عين اليقين " كما يقال: حق اليقين، ومحض اليقين، ومعناه ثم لترونها بالمشاهدة إذا دخلتموها وعذبتم بها انتهى.

أقول: وجعل بعض المحققين لليقين ثلاث درجات: الأولى علم اليقين وهو العلم الذي حصل بالدليل كمن علم وجود النار برؤية الدخان، والثانية عين اليقين، وهو إذا وصل إلى حد المشاهدة كمن رأى النار، والثالثة حق اليقين وهو كمن دخل النار واتصف بصفاتها، وسيأتي بعض القول فيها.

1 - الكافي: عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا أخا جعف إن الايمان أفضل من الاسلام، وإن اليقين أفضل من الايمان، وما من شئ أعز من اليقين.

بيان: " يا أخا جعف " أي يا جعفي وهم قبيلة من اليمن وفي المصباح:

هو أخو تميم: أي واحد منهم، وفضل الايمان على الاسلام إما باعتبار الولاية في الأول أو الاذعان القلبي فيه مع الأعمال أو بدونها كما مر جميع ذلك، وعلى أي معنى أخذت يعتبر في الايمان ما لا يعتبر في الاسلام، فهو أخص وأفضل، وكذا اليقين يعتبر فيه أعلا مراتب الجزم، بحيث يترتب عليه الآثار، ويوجب فعل الطاعات وترك المناهي، ولا يعتبر ذلك في الايمان أي في حقيقته، حتى يكون جميع أفراده، فهو أخص وأفضل أفراد الايمان، أو يعتبر في اليقين عدم احتمال النقيض ولا يعتبر ذلك في الايمان مطلقا كما مر، والأظهر أن التصديق الذي لا

يحتمل النقيض تختلف مراتبه حتى يصل إلى مرتبة اليقين كما أومأنا إليه سابقا.

" وما من شئ أعز من اليقين " أي أقل وجودا في الناس منه أو أشرف منه والأول أظهر إذ اليقين لا يجتمع مع المعصية، لا سيما مع الاصرار عليها، وتارك ذلك نادر قليل، بل يمكن أن يدعى أن إيمان أكثر الخلق ليس إلا تقليدا وظنا يزول بأدنى وسوسة من النفس والشيطان، ألا ترى أن الطبيب إذا أخبر أحدهم بأن الطعام الفلاني يضره أو يوجب زيادة مرضه أو بطؤ برئه يحتمي من ذلك الطعام بمحض قول هذا الطبيب، حفظا لنفسه من الضرر الضعيف المتوهم ولا يترك المعصية الكبيرة مع إخبار الله ورسوله وأئمة الهدى عليهم السلام بأنها مهلكة وموجبة للعذاب الشديد، وليس ذلك إلا لضعف الايمان وعدم اليقين.

2 - الكافي: عن العدة، عن سهل، والحسين بن محمد، عن المعلى جميعا، عن الوشاء عن أبي الحسن عليه السلام قال: سمعته يقول: الايمان فوق الاسلام بدرجة، والتقوى فوق الايمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة، وما قسم في الناس شئ أقل من اليقين.

بيان: يدل على أن التقوى أفضل من الايمان، والتقوى من الوقاية وهي في اللغة فرط الصيانة، وفي العرف صيانة النفس عما يضرها في الآخرة، وقصرها على ما ينفعها فيها، ولها ثلاث مراتب: الأولى وقاية النفس عن العذاب المخلد بتصحيح العقائد الايمانية، والثانية التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك وهو المعروف عند أهل الشرع، والثالثة التوقي عن كل ما يشغل القلب عن الحق وهذه درجة الخواص بل خاص الخاص، والمراد هنا أحد المعنيين الأخيرين وكونه فوق الايمان بالمعنى الثالث ظاهر على أكثر معاني الايمان التي سبق ذكرها وإن أريد المعنى الثاني فالمراد بالايمان إما محض العقائد الحقة أو مع فعل الفرائض وترك الكبائر، بأن يعتبر ترك الصغائر أيضا في المعنى الثاني، وقيل:

باعتبار أن الملكة معتبرة فيها لا فيه، ولا يخفى ما فيه.

وكون اليقين فوق التقوى كأنه يعين حملها على المعنى الثاني، وإلا فيشكل الفرق، لكن درجات المرتبة الأخيرة أيضا كثيرة، فيمكن حمل اليقين على أعالي درجاتها، وما قيل: في الفرق أن التقوى قد يوجد بدون اليقين كما في بعض المقلدين فهو ظاهر الفساد إذ لا توجد هذه الدرجة الكاملة من التقوى لمن كان بناء إيمانه على الظن والتخمين، وقوله عليه السلام: " وما قسم للناس " يدل على أن للاستعدادات الذاتية والعنايات الإلهية مدخلا في مراتب الايمان واليقين، كما مرت الإشارة إليه.

3 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن هارون بن الجهم أو غيره عن عمر ابن أبان الكلبي، عن عبد الحميد الواسطي، عن أبي بصير قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام يا أبا محمد الاسلام درجة؟ قلت: نعم، قال: والايمان على الاسلام درجة؟ قلت: نعم، قال:

والتقوى على الايمان درجة؟ قال: قلت: نعم، قال: واليقين على التقوى درجة؟

قلت: نعم، قال: فما أوتي الناس أقل من اليقين وإنما تمسكتم بأدنى الاسلام فإياكم أن ينفلت من أيديكم.

بيان: " الاسلام درجة " أي درجة من الدرجات أو أول درجة، وهو استفهام أو خبر، ونعم يقع في جوابهما " على الاسلام " أي مشرفا أو زايدا عليه " ما أوتي الناس أقل من اليقين " أي الايمان أقل من سائر ما أعطي الناس من الكمالات، أو عزيز نادر فيهم كما مر، وقيل: المعنى ما أعطي الناس شيئا قليلا من اليقين، ولا يخفى بعده، وكأنه حمله على ذلك ما سيأتي: قوله عليه السلام: " بأدنى الاسلام " كأن المراد بالاسلام هنا مجموع العقايد الحقة، بل مع قدر من الأعمال كما مر من اختلاف معاني الاسلام، ويحتمل أن يكون المراد بالخطاب غير المخاطب من ضعفاء الشيعة وقيل: المراد بأدنى الاسلام أدنى الدرجات إلى الاسلام، وهو الايمان من قبيل يوسف أحسن إخوته.

" أن ينفلت من أيديكم " أي يخرج من قلوبكم فجاءه فيدل على أن من لم يكن في درجة كاملة من الايمان، فهو على خطر من زواله، فلا يغتر من

لم يتق المعاصي بحصول العقائد له، فإنه يمكن زواله عنه بحيث لم يعلم، فان الأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة حصون للايمان تحفظه من سراق شياطين الإنس والجان، قال الجوهري: يقال: كان ذلك الامر فلتة أي فجاءة إذا لم يكن عن تدبر ولا تردد، وأفلت الشئ وتفلت وانفلت بمعنى وأفلته غيره.

4 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الايمان والاسلام فقال: قال أبو جعفر عليه السلام: إنما هو الاسلام، والايمان فوقه بدرجة، والتقوى فوق الايمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة، ولم يقسم بين الناس شئ أقل من اليقين، قال: قلت: فأي شئ اليقين؟

قال: التوكل على الله، والتسليم لله، والرضا بقضاء الله، والتفويض إلى الله قلت: فما تفسير ذلك؟ قال: هكذا قال أبو جعفر عليه السلام.

بيان: " إنما هو الاسلام " كأن الضمير راجع إلى الدين، لقوله تعالى:

" إن الدين عند الله الاسلام " أو ليس أول الدخول في الدين إلا درجة الاسلام قوله عليه السلام: " التوكل على الله " تفسير اليقين بما ذكر من باب تعريف الشئ بلوازمه وآثاره، فإنه إذا حصل اليقين في النفس بالله سبحانه ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته، وتقديره للأشياء، وتدبيره فيها، ورأفته بالعباد ورحمته يلزمه التوكل عليه في أموره، والاعتماد عليه والوثوق به، وإن توسل بالأسباب تعبدا، والتسليم له في جميع أحكامه، ولخلفائه فيما يصدر عنهم، والرضا بكل ما يقضي عليه على حسب المصالح من النعمة والبلاء والفقر والغنا والعز والذل وغيرها وتفويض الامر إليه في دفع شر الأعادي الظاهرة والباطنة، أورد الامر بالكلية إليه في جميع الأمور، بحيث يرى قدرته مضمحلة في جنب قدرته، وإرادته معدومة عند إرادته، كما قال تعالى: " وما تشاؤن إلا أن يشاء الله " ويعبر عن هذه المرتبة بالفناء في الله.

قوله عليه السلام: " هكذا " الخ لما كان السائل قاصرا عن فهم حقائق هذه الصفات، لم يجبه عليه السلام بالتفسير، بل أكد حقيته بالرواية عن والده عليه السلام وقيل: استبعد الراوي كون هذه الأمور تفسيرا لليقين، فأجاب عليه السلام بأن الباقر عليه السلام كذا فسره.

5 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن الرضا عليه السلام قال: الايمان فوق الاسلام بدرجة، والتقوى فوق الايمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة، ولم يقسم بين العباد شئ أقل من اليقين.

بيان: قال بعض المحققين: اعلم أن العلم والعبادة جوهران لأجلهما كان كلما ترى وتسمع، من تصنيف المصنفين، وتعليم المعلمين، ووعظ الواعظين ونظر الناظرين، بل لأجلهما أنزلت الكتب، وأرسلت الرسل، بل لأجلهما خلقت السماوات والأرض، وما فيهما من الخلق، وناهيك لشرف العلم قول الله عز وجل: " الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما " ولشرف العبادة قوله سبحانه: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " فحق للعبد أن لا يشتغل إلا بهما ولا يتعب إلا لهما، وأشرف الجوهرين العلم كما ورد " فضل العالم على ال؟ كفضلي على أدناكم ".

والمراد بالعلم الدين أعني معرفة الله سبحانه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر قال الله عز وجل: " آمن الرسول بما انزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله " وقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي أنزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل، ومن يكفر

بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ".

ومرجع الايمان إلى العلم، وذلك لان الايمان هو التصديق بالشئ على ما هو عليه ولا محالة هو مستلزم لتصور ذلك الشئ كذلك بحسب الطاقة، وهما معنى العلم، والكفر ما يقابله، وهو بمعنى الستر والغطاء ومرجعه إلى الجهل وقد خص الايمان في الشرع بالتصديق بهذه الخمسة ولو إجمالا فالعلم بها لابد منه وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله: " طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة " ولكن لكل إنسان بحسب طاقته ووسعه " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " فان للعلم والايمان درجات مترتبة في القوة والضعف، والزيادة والنقصان، بعضها فوق بعض، كما دلت عليه الأخبار الكثيرة.

وذلك لان الايمان إنما يكون بقدر العلم الذي به حياة القلب، وهو نور يحصل في القلب بسبب ارتفاع الحجاب بينه وبين الله جل جلاله " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور " " أفمن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها " وليس العلم بكثرة التعلم إنما هو نور يقذفه الله في قلب من يريد أن يهديه.

وهذا النور قابل للقوة والضعف والاشتداد والنقص كسائر الأنوار " وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا " " وقل رب زدني علما " كلما ارتفع حجاب ازداد نور، فيقوى الايمان ويتكامل إلى أن ينبسط نور فينشرح صدره، ويطلع على حقائق الأشياء، وتجلى له الغيوب، ويعرف كل شئ في موضعه، فيظهر له

صدق الأنبياء عليهم السلام في جميع ما أخبروا عنه إجمالا وتفصيلا على حسب نوره، وبمقدار انشراح صدره، وينبعث من قلبه داعية العمل بكل مأمور والاجتناب عن كل محظور، فيضاف إلى نور معرفته أنوار الأخلاق الفاضلة والملكات الحميدة " نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم " " نور على نور ".

وكل عبادة تقع على وجهها تورث في القلب صفاء يجعله مستعدا لحصول نور فيه، وانشراح ومعرفة ويقين، ثم ذلك النور والمعرفة واليقين تحمله على عبادة أخرى وإخلاص آخر فيها، يوجب نورا آخر وانشراحا أتم، ومعرفة أخرى ويقينا أقوى، وهكذا إلى ما شاء الله جل جلاله، وعلى كل من ذلك شواهد من الكتاب والسنة.

ثم اعلم أن أوائل درجات الايمان تصديقات مشوبة بالشكوك والشبه، على اختلاف مراتبها، ويمكن معها الشرك " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " وعنها يعبر بالاسلام في الأكثر " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم " وأواسطها تصديقات لا يشوبها شك ولا شبهة " الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا " وأكثر إطلاق الايمان عليها خاصة " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون " وأواخرها تصديقات كذلك مع كشف وشهود وذوق وعيان ومحبة كاملة لله سبحانه، وشوق تام إلى حضرته المقدسة " يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين

[يجاهدون في سبيل الله و] لا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ".

وعنها العبارة تارة بالاحسان " الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه " وأخرى بالايقان " وبالآخرة هم يوقنون ".

وإلى المراتب الثلاث الإشارة بقوله عز وجل: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طمعوا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين " وإلى مقابلاته التي هي مراتب الكفر، الإشارة بقوله جل وعز: " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا " فنسبة الاحسان واليقين إلى الايمان، كنسبة الايمان إلى الاسلام.

ولليقين ثلاث مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين " كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين " " إن هذا لهو حق اليقين " والفرق بينها إنما ينكشف بمثال، فعلم اليقين بالنار مثلا هو مشاهدة المرئيات بتوسط نورها، وعين اليقين بها هو معاينة جرمها، وحق اليقين بها الاحتراق فيها، وانمحاء الهوية بها، والصيرورة نارا صرفا، وليس وراء هذا غاية ولا هو قابل للزيادة، لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا.

6 - الكافي: عن الحسين بن محمد، عن معلى، عن الوشاء، عن المثنى بن الوليد عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليس شئ إلا وله حد، قال: قلت:

جعلت فداك فما حد التوكل؟ قال: اليقين، قلت: فما حد اليقين؟ قال: أن لا

تخاف مع الله شيئا.

بيان: قال المحقق الطوسي رحمه الله في أوصاف الاشراف: اليقين اعتقاد جازم مطابق ثابت، لا يمكن زواله، وهو في الحقيقة مؤلف من علمين، العلم بالمعلوم والعلم بأن خلاف ذلك العلم محال، وله مراتب: علم اليقين، وعين اليقين وحق اليقين.

والمراد بالحد هنا إما علامته أو تعريفه أو نهايته فعلى الأول المعنى أن علامة التوكل اليقين، وعلى الثاني تعريف له بلازمه، وعلى الثالث المعنى أن التوكل ينتهي إلى اليقين، فإنه إذا تمرن على التوكل وعرف آثاره، حصل له اليقين بأن الله مدبر أمره، وأنه الضار النافع، وكذا الفقرة الثانية، تحتمل الوجوه المذكورة.

وعدم الخوف من غير سبحانه لا ينافي التقية وعدم إلقاء النفس إلى التهلكة إطاعة لامره تعالى، فان صاحب اليقين يفعلهما خوفا منه تعالى كما أن التوكل لا ينافي التوسل بالوسائل والأسباب، تعبدا، مع كون الاعتماد على الله تعالى في جميع الأمور.

7 - الكافي: عن الحسين، عن المعلى، عن الوشاء، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن أبي ولاد الحناط وعبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من صحة يقين المرء المسلم أن لا يرضي الناس بسخط الله، ولا يلومهم على ما لم يؤته الله، فان الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، ولو أن أحدكم فر من رزقه كما يفر من الموت لأدركه رزقه، كما يدركه الموت، ثم قال: إن الله بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط.

بيان: " من صحة يقين المرء المسلم " أي من علامات كون يقينه بالله، وبكونه

مالكا لنفعه وضره، وقاسما لرزقه على ما علم صلاح دنياه وآخرته فيه، وأن الله مقلب القلوب، وهي بيده يصرفها كيف يشاء، وأن الآخرة الباقية خير من الدنيا الفانية صحيحا غير معلول، ولا مشوب بشك وشبهة، وأنه واقع ليس محض الدعوى.

" أن لا يرضي الناس بسخط الله " بأن يوافقهم في معاصيه تعالى طلبا لما عندهم من الزخارف الدنيوية أو المناصب الباطلة، ويفتيهم بما يوافق رضاهم من غير خوف أو تقية، ولا يأمرهم بالمعروف، ولا ينهاهم عن المنكر، من غير خوف ضرر أو عدم تجويز تأثير، بل لمحض رعاية رضاهم وطلب التقرب عندهم، أو يأتي أبواب الظالمين ويتذلل عندهم لا لتقية تجوزه، ولا لمصلحة جلب نفع لمؤمن، أو لدفع ضرر عنه، بل لطلب ما في أيديهم لسوء يقينه بالله وبرازقيته، مع أنه يترتب عليه خلاف ما أمله، كما روي: من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس.

قوله عليه السلام: " ولا يلومهم على ما لم يؤته الله " أي لا يذمهم ولا يشكوهم على ترك صلتهم إياه بالمال وغيره، فإنه يعلم صاحب اليقين أن ذلك شئ لم يقدره الله له ولا يرزقه إياه، لعدم كون صلاحه فيه مطلقا أو في كونه بيد هذا الرجل وبتوسطه، بل يوصله إليه من حيث لا يحتسب، فلا يلوم أحدا بذلك، لأنه ينظر إلى مسبب الأسباب ولا ينظر إليها، ولا يعترض على الله فيما فعل به وهذا اللوم يتضمن نوعا من الشرك، حيث جعلهم الرازق والمعطي مع الله، وسخطا لقضاء الله والموقن برئ منهما، فضمير " يؤته " راجع إلى المرء المسلم، وعائد ما محذوف بتقدير إياه.

وقيل: يحتمل أن يكون المراد أنه لا يلومهم على ما لم يؤته الله إياهم فان الله خلق كل أحد على ما هو عليه وكل ميسر لما خلق له فيكون كقوله عليه السلام لو علم الناس كيف خلق الله هذا الخلق لم يلم أحد أحدا، ولا يخفى بعده لا سيما بالنظر إلى التعليل بقوله " فان الرزق لا يسوقه حرص حريص " أي الرزق الذي

قدره الله للانسان لا يحتاج في وصوله إلى حرص، بل يأتيه بأدنى سعي أمر الله به ولا يرد هذا الرزق كراهة كاره لرزق نفسه لقلته أو للزهد أو كاره لرزق غيره حسدا ويؤكد الأول " ولو أن أحدكم " الخ.

وهذا يدل على أن الرزق مقدر من الله تعالى ويصل إلى العبد البتة وفيه مقامان:

الأول: أن الرزق هل يشمل الحرام أم لا؟ فالمشهور بين الامامية والمعتزلة الثاني، وبين الأشاعرة الأول.

قال الرازي في تفسير قوله تعالى: " ومما رزقناهم ينفقون " الرزق في كلام العرب الحظ، وقال بعضهم: كل شئ يؤكل أو يستعمل، وقال آخرون الرزق هو ما يملك، وأما في عرف الشرع فقد اختلفوا فيه، فقال أبو الحسن البصري الرزق هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشئ، والحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به، فإذا قلنا رزقنا الله الأموال فمعنى ذلك أنه مكننا من الانتفاع بها والمعتزلة لما فسروا الرزق بذلك لا جرم قالوا: الحرام لا يكون رزقا، وقال أصحابنا: قد يكون رزقا.

حجة الأصحاب من وجهين الأول: أن الرزق في أصل اللغة هو الحظ والنصيب على ما بيناه، فمن انتفع بالحرام فذلك الحرام صار حظا ونصيبا له فوجب أن يكون رزقا له، الثاني أنه تعالى قال: " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها " وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة، فوجب أن يقال: إنه طول عمره لم يأكل من رزقه شيئا.

وأما المعتزلة فقد احتجوا بالكتاب والسنة والمعنى، أما الكتاب فوجوه أحدها قوله تعالى: " ومما رزقناهم ينفقون " مدحهم على الانفاق مما رزقهم الله تعالى فلو كان الحرام رزقا لوجب أن يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام، وذلك

باطل بالاتفاق، وثانيها لو كان الحرام رزقا لجاز أن ينفق الغاصب منه لقوله تعالى: " وأنفقوا مما رزقناكم " وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز للغاصب أن ينفق منه، بل يجب عليه رده، فدل على أن الحرام لا يكون رزقا، وثالثها قوله تعالى: " قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم " فبين أن من حرم رزق الله فهو مفتر على الله، فثبت أن الحرام لا يكون رزقا.

وأما السنة فما رواه أبو الحسين في كتاب الغرر باسناده عن صفوان بن أمية قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله إذ جاء عمرو بن مرة فقال: يا رسول الله إن الله كتب علي الشقوة فلا أراني ارزق إلا من دفي بكفي فأذن لي في الغناء من غير فاحشة، فقال عليه السلام: لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة كذبت أي عدو الله لقد رزقك الله طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه، مكان ما أحل الله لك من حلاله، أما إنك لو قلت بعد هذه النوبة شيئا ضربتك ضربا وجيعا.

وأما المعنى فهو أن الله تعالى منع المكلف من الانتفاع به، وأمر غيره بمنعه من الانتفاع به، ومن منع من أخذ الشئ والانتفاع به، لا يقال : إنه رزقه إياه، ألا ترى أنه لا يقال: إن السلطان رزق جنده مالا قد منعهم من أخذه.

الثاني: أن الرزق هل يجب على الله إيصاله من غير سعي وكسب أم لابد من الكسب والسعي فيه، ظاهر هذا الخبر وغيره الأول، وقد روى في النهج عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قيل له عليه السلام: لو سد على رجل باب بيت وترك فيه من أين كان يأتيه رزقه؟ فقال عليه السلام: من حيث يأتيه أجله، وظاهر كثير من الاخبار الثاني، وسيأتي تمام الكلام فيه، في كتاب المكاسب إنشاء الله تعالى.

قوله عليه السلام: " وقسطه " العطف للتفسير والتأكيد، وكذا الراحة أو الروح راحة القلب وسكونه عن الاضطراب، والراحة فراغ البدن، وعدم المبالغة

في الاكتساب في اليقين برازقيته سبحانه ولطفه وسعة كرمه، وأنه لا يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم، وأنه لا يصل إلى العباد إلا ما قدر لهم " والرضا " بما يصل من الله إليه وهو ثمرة اليقين " والحزن " بالضم والتحريك أيضا إما عطف تفسير للهم أو الهم اضطراب النفس عند تحصيله، والحزن جزعها واغتمامها بعد فواته " في الشك " أي عدم اطمينان النفس بما ذكر في اليقين " والسخط " وعدم الرضا بقضاء الله المترتب على الشك، ونعم ما قيل:

ما العيش إلا في الرضا * والصبر في حكم القضا ما بات من عدم الرضا * إلا على جمر الغضا 8 - الكافي: بالاسناد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين.

توضيح: يدل على أن لكمال اليقين وقوة العقائد مدخلا عظيما في قبول الأعمال وفضلها، بل لا يحصل الاخلاص الذي هو روح العبادة وملاكها إلا بها وكأن قيد الدوام معتبر في الثاني أيضا، ليظهر مزيد فضل اليقين، ويحتمل أن يكون حذف قيد الدوام في الثاني للاشعار بأن إحدى ثمرات اليقين دوام العمل فان اليقين الذي هو سببه لا يزول، بخلاف العمل الكثير على غير يقين ، فإنه غالبا يكون متفرعا على غرض من الأغراض تتبدل سريعا، أو إيمان ناقص هو بمعرض الضعف والزوال على نهج قول أمير المؤمنين عليه السلام: قليل مدوم عليه خير من كثير مملول منه.

9 - الكافي: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن أبان، عن زرارة

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام على المنبر: لا يجد أحدكم طعم الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

تبيين: قوله عليه السلام: " طعم الايمان " قيل: إن فيه مكنية وتخييلية حيث شبه الايمان بالطعام في أنه غذاء للروح به ينمو ويبلغ حد الكمال، كما أن الطعام غداء للبدن، قوله عليه السلام: " لم يكن ليخطئه " يحتمل أن يكون من المعتل أي يتجاوزه، أو من المهموز أي لا يصيبه كما يخطئ السهم الرمية، قال الراغب: الخطأ العدول عن الجهة، وذلك أضرب أحدها: أن يريد غير ما يحسن إرادته فيفعله، والثاني أن يريد ما يحسن فعله ولكن يقع منه خلاف ما يريد، وهذا قد أصاب في الإرادة، وأخطأ في الفعل، والثالث أن يريد ما لا يحسن فعله، ويتفق منه خلافه، وهذا مخطئ في الإرادة ومصيب في الفعل، فهو مذموم بقصده، وغير محمود على فعله، وجمله الامر أن من أراد شيئا واتفق منه غيره، يقال: أخطأ وإن وقع منه كما أراده يقال: أصاب، وقد يقال لمن فعل فعلا لا يحسن أو أراد إرادة لاتجمل: أنه أخطأ.

وقال الجوهري: في المعتل قولهم في الدعاء إذا دعو للانسان خطى عنه السوء أي دفع عنه السوء تخطيته إذا تجاوزته وتخطيت رقاب الناس وتخطيت إلى كذا ولا تقل تخطأت.

وفي المصباح الخطأ مهموزا ضد الصواب يقصر ويمد، وهو اسم من أخطأ فهو مخطئ قال أبو عبيدة: خطئ خطأ من باب علم وأخطأ بمعنى واحد لمن يذنب على غير عمد، وقال غيره: خطأ في الدين وأخطأ في كل شئ عامدا كان أو غير عامد وأخطأ الحق بعد عنه وأخطأه السهم تجاوزه ولم يصبه، وتخفيف الرباعي جائز، وقال الزمخشري: في الأساس في المهموز: ومن المجاز لن يخطئك ما

كتب لك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك وقال في المعتل: ومن المجاز تخطاه المكروه انتهى.

وأقول: فظهر أن الهمز أظهر، وحاصل المعنى أن ما أصابه في الدنيا كان يجب أن يصيبه، ولم يكن بحيث يتجاوزه إذا لم يبالغ السعي فيه، وما لم يصبه في الدنيا لم يكن يصيبه إذا بالغ في السعي، أو المعنى أن ما أصابه في التقدير الأزلي لا يتجاوزه، وإن قصر في السعي وكذا العكس، وهذا الخبر بظاهره مما يوهم الجبر، ولذا أول وخص بما لم يكلف العبد به، فعلا وتركا أو بما يصل إليه بغير اختياره من النعم والبلايا والصحة والمرض وأشباهها، وقد مضى الكلام في أمثاله في كتاب العدل.

10 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام جلس إلى حائط مائل يقضي بين الناس فقال بعضهم: لا تقعد تحت هذا الحائط فإنه معور، فقال أمير المؤمنين عليه السلام حرس امرءا أجله، فلما قام أمير المؤمنين سقط الحائط، قال: وكان أمير المؤمنين مما يفعل هذا وأشباهه، وهذا اليقين.

توضيح: " فإنه معور " على بناء الفاعل من باب الافعال أي ذو شق وخلل يخاف منه، أو على بناء المفعول من التفعيل أو الافعال أي ذو عيب قال في النهاية:

العوار بالفتح العيب، وقد يضم والعورة كل ما يستحيى منه إذا ظهر، وفيه رأيته وقد طلع في طريق معورة أي ذات عورة يخاف فيها الضلال والانقطاع، وكل عيب وخلل في شي فهو عورة، وفي الأساس مكان معور: ذو عورة.

قوله عليه السلام: " حرس امرءا أجله " امرءا مفعول حرس " وأجله " فاعله وهذا مما استعمل فيه النكرة في سياق الاثبات للعموم، أي حرس كل امرئ أجله كقوله أنجز حر ما وعد ويؤيده ما في النهج أنه قال عليه السلام: كفى

بالأجل حارسا.

ومن العجب ما ذكره بعض الشارحين أن امرأ مرفوع على الفاعلية وأجله منصوب على المفعولية، والعكس محتمل، والمقصود الانكار لان أجل المرء ليس بيده حتى يحرسه انتهى.

ويشكل هذا بأنه يدل على جواز إلقاء النفس إلى التهلكة، وعدم وجوب الفرار عما يظن عنده الهلاك، والمشهور عند الأصحاب [خلافه] ويمكن أن يجاب عنه بوجوه:

الأول أنه يمكن أن يكون هذا الجدار مما يظن عدم انهدامه في ذلك الوقت، ولكن الناس كانوا يحترزون عن ذلك بالاحتمال البعيد لشدة تعلقهم بالحياة فأجاب عليه السلام بأن الاجل حارس، ولا يحسن الحذر عند الاحتمالات البعيدة لذلك، وإنما نحترز عند الظن بالهلاك تعبدا، وهذا ليس من ذلك [لكن] قوله عليه السلام: " فلما قام " الخ مما يبعد هذا الوجه ويقعده، وإن أمكن توجيهه.

الثاني: أن يقال: هذا كان من خصائصه عليه السلام وأضرابه، حيث كان يعلم وقت أجله باخبار النبي صلى الله عليه وآله وغيره، فكان يعلم أن هذا الحائط لا يسقط في ذلك الوقت وإن كان مشرفا على الانهدام، لعدم الكذب في إخباره، وأما من لم يعلم ذلك فهو مكلف بالاحتراز، وكون هذا من اليقين لكونه متفرعا على اليقين بخبر

النبي صلى الله عليه وآله.

الثالث أن يقال: إنه من خصائصه عليه السلام على وجه آخر، وهو أنه عليه السلام كان يعلم أن هذا الحائط لا ينهدم في هذا الوقت، فلما علم أنه حان وقت سقوطه قام فسقط، ويؤيده ما رواه الصدوق في التوحيد باسناده عن الأصبغ ابن نباتة أن أمير المؤمنين عليه السلام عدل من عند حائط آخر فقيل له: يا أمير المؤمنين تفر من قضاء الله؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله، ولعل المعنى أني لما علمت أنه ينهدم وأعلم أن الله قدر لي أجلا متأخرا عن هذا الوقت، فأفر من هذا إلى أن يحصل لي القدر الذي قدره الله لي، أو المراد بقدر الله أمره وحكمه أي إنما أفر من هذا القضاء بأمره تعالى [أو المعنى أن الفرار أيضا من تقديره تعالى] فلا ينافي كون الأشياء بقضاء الله تعالى الفرار من البلايا والسعي لتحصيل ما يجب السعي له، فان كل ذلك داخل في علمه وقضائه، ولا ينافي شئ من ذلك اختيار العبد، كما حققناه في محله.

ويؤيد الوجوه كلها ما روي في الخصال باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خمسة لا يستجاب لهم أحدهم رجل مر بحايط مايل وهو يقبل إليه ولم يسرع المشي حتى سقط عليه الخبر.

الرابع ما قال بعضهم: التكليف بالفرار مختص بغير الموقن لان الموقن يتوكل على الله، ويفوض أمره إليه، فيقيه عن كل مكروه، كما قال عز وجل:

" أليس الله بكاف عبده " وكما قال مؤمن آل فرعون: " وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد * فوقاه الله سيئات ما مكروا " وسر ذلك أن المؤمن الموقن المنتهي إلى حد الكمال لا ينظر إلى الأسباب والوسايط في النفع والضر

وإنما نظره إلى مسببها، وأما من لم يبلغ ذلك الحد من اليقين، فإنه يخاطب بالفرار قضاء لحق الوسائط.

" وهذا اليقين " أي من ثمرات اليقين بقضاء الله وقدره وقدرته وحكمته ولطفه ورأفته وصدق أنبيائه ورسله.

11 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن البزنطي، عن صفوان الجمال قال:

سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: " وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما " فقال: أما إنه ما كان ذهبا ولا فضة، وإنما كان أربع كلمات: لا إله إلا أنا من أيقن بالموت لم يضحك سنه، ومن أيقن بالحساب لم يفرح قلبه، ومن أيقن بالقدر [ة] لم يخش إلا الله.

بيان: قوله تعالى: " أما الجدار " أقول: هذا في قصة موسى والخضر عليهما السلام كما مر تفسير الآيات، وشرح القصة في كتاب النبوة " وكان تحته كنز لهما " قال الطبرسي رحمه الله: الكنز هو كل مال مذخور من ذهب أو فضة وغير ذلك واختلف في هذا الكنز فقيل: كانت صحف علم مدفونة تحته عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد، قال ابن عباس : ما كان ذلك الكنز إلا علما وقيل: كان كنزا من الذهب والفضة رواه أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله وقيل: كان لوحا من الذهب، وفيه مكتوب: عجبا لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟ عجبا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب؟

عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟ عجبا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل؟ عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله عن ابن عباس والحسن وروي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام.

وفي بعض الروايات زيادة ونقصان، وهذا القول يجمع القولين الأولين لأنه يتضمن أن الكنز كان مالا كتب فيه علم فهو مال وعلم " وكان أبوهما صالحا "

بين سبحانه أنه حفظ الغلامين بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاحا عن ابن عباس وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة آباء وقال عليه السلام: إن الله ليصلح بصلاح الرجل المؤمن ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله، فلا يزالون في حفظ الله لكرامته على الله.

" فأراد ربك أن يبلغا أشدهما " قال البيضاوي: أي الحلم وكمال الرأي " ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك " أي مرحومين من ربك، ويجوز أن يكون علة أو مصدرا لاراد، فان إرادة الخير رحمة، وقيل: يتعلق بمحذوف تقديره فعلت ما فعلت رحمة من ربك انتهى.

.

قوله عليه السلام: " ما كان ذهبا ولا فضة " أقول: يدل على أن الأخبار الواردة بأنه كان من ذهب محمولة على التقية، ويمكن أن يحمل هذا الخبر على أنه لم يكن كونه كنزا وادخاره وحفظ الخضر عليه السلام له لكونه ذهبا بل للعلم الذي كان فيه، وإنما اقتصر على هذه الأربع لان الأولى مشتملة على توحيد الله وتنزيهه عن كل ما لا يليق به سبحانه، والثانية على تذكر الموت والاستعداد لما بعده، والثالثة على تذكر أحوال القيامة وأهوالها الموجب لعدم الفرح بلذات الدنيا والرغبة في زخارفها، والرابعة على اليقين بالقضاء والقدر المتضمن لعدم الخشية من غير الله، وهي من أعظم أركان الايمان ومن أمهات الصفات الكمالية.

" لم يضحك سنه " إنما نسب الضحك إلى السن لاخراج التبسم فإنه ممدوح وكان ضحك رسول الله صلى الله عليه وآله تبسما وقراءته بالنصب بأن يكون المراد بالسن العمر بعيد، وظاهر أن تذكر الموت والأهوال التي بعده يصير الانسان مغموما مهموما متهيئا لرفع تلك الأهوال، فلا يدع في قلبه فرحا من اللذات يصير سببا لضحكه، وكذا اليقين بالحساب لا يدع فرحا في قلب أولي الألباب، وكذا من أيقن بأن جميع الأمور بقضاء الله وقدره علم أنه الضار النافع في الدنيا والآخرة

فلا يخشى ولا يرجو غيره سبحانه.

12 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن علي بن الحكم، عن صفوان الجمال عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: لا يجد عبد طعم الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الضار النافع هو الله عز وجل.

بيان: " والله هو الضار النافع " لان كل نفع وضرر بتقديره تعالى وإن كان بتوسط الغير، وأن النفع والضرر الحقيقيان منه تعالى وأما الضرر اليسير من الغير مع الجزاء الكثير في الآخرة، فليس بضرر حقيقة وكذا المنافع الفانية الدنيوية إذا كانت مع العقوبات الأخروية فهو عين الضرر، وبالجملة كل نفع وضرر يعتد بهما فهو من عنده تعالى وأيضا كل نفع أو ضرر من غيره فهو بتوفيقه أو خذلانه سبحانه.

13 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن الوشاء، عن عبد الله بن سنان، عن أبي حمزة، عن سعيد بن قيس الهمداني قال: نظرت يوما في الحرب إلى رجل عليه ثوبان فحركت فرسي فإذا هو أمير المؤمنين عليه السلام فقلت: يا أمير المؤمنين في مثل هذا الموضع؟ فقال: نعم يا سعيد بن قيس، إنه ليس من عبد إلا وله من الله عز وجل حافظ وواقية، معه ملكان يحفظانه من أن يسقط من رأس جبل أو يقع في بئر فإذا نزل القضاء خليا بينه وبين كل شئ.

بيان: " في مثل هذا الموضع " فيه تقدير أي تكتفي بلبس القميص والإزار من غير درع وجنة في مثل هذا الموضع؟ " حافظ " أي ملك حافظ لاعماله " و " ملائكة " واقية " له من البلايا دافعة لها عنه، كما قال تعالى: " له معقبات من بين يديه ومن خلقه يحفظونه من أمر الله " وروى علي بن إبراهيم في تفسيرها عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام " من أمر الله " يقول: بأمر الله من أن يقع في ركي

أو يقع عليه حائط أو يصيبه شئ حتى إذا جاء القدر خلوا بينه وبينه، يدفعونه إلى المقادير، وهما ملكان يحفظانه بالليل وملكان يحفظانه بالنهار يتعاقبانه وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إنما نزلت " له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله ".

وقال الطبرسي رحمه الله في سياق الوجوه المذكورة في تفسيرها: والثاني أنهم ملائكة يحفظونه من المهالك حتى ينتهوا به إلى المقادير فيحولون بينه وبين المقادير، عن علي عليه السلام، وقيل: هم عشرة أملاك على كل آدمي يحفظونه من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله أي يطوفون به كما يطوف الموكل بالحفظ وقيل: يحفظون ما تقدم من عمله وما تأخر إلى أن يموت فيكتبونه، وقيل:

يحفظونه من وجوه المهالك والمعاطب، ومن الجن والإنس والهوام، وقال ابن عباس: يحفظونه مما لم يقدر نزوله فإذا جاء المقدر بطل الحفظ، وقيل: من أمر الله أي بأمر الله، وقيل: يحفظونه عن خلق الله فمن بمعنى عن، قال كعب: لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفتكم الجن انتهى.

وروى الصدوق - ره - في التوحيد باسناده عن أبي حيان التيمي، عن أبيه و كان مع علي عليه السلام يوم صفين [وفيما بعد ذلك قال: بينما علي بن أبي طالب يعبئ الكتائب يوم صفين] ومعاوية مستقبله على فرس له يتأكل تحته تأكلا وعلي عليه السلام على فرس رسول الله صلى الله عليه وآله المرتجز، وبيده حربة رسول الله، وهو متقلد سيفه ذا الفقار، فقال رجل من أصحابه: احترس يا أمير المؤمنين فانا نخشى

أن يغتالك هذا الملعون، فقال عليه السلام: لئن قلت ذاك إنه غير مأمون على دينه، و إنه لاشقى القاسطين وألعن الخارجين على الأئمة المهتدين، ولكن كفى بالأجل حارسا ليس أحد من الناس إلا ومعه ملائكة حفظة يحفظونه من أن يتردى في بئر أو يقع على حائط أو يصيبه سوء، فإذا حان أجله خلوا بينه وبين ما يصيبه وكذلك أنا إذا حان أجلي انبعث أشقاها فخضب هذه من هذا - وأشار إلى لحيته ورأسه - عهدا معهودا ووعدا غير مكذوب.

وقيل: التاء في قوله " واقية " للنقل إلى الاسمية، إذا المراد الواقية من خصوص الموت، وقيل: واقية أي جنة واقية كأنها من الصفات الغالبة، أو التاء فيها للمبالغة عطف تفسيري للحافظ انتهى.

14 - الكافي: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن علي بن أسباط قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: كان في الكنز الذي قال الله عز وجل " وكان تحته كنز لهما " كان فيه بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟

وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن؟ وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يركن إليها؟ وينبغي لمن عقل عن الله أن لا يتهم الله في قضائه، ولا يستبطئه في رزقه، فقلت له: جعلت فداك أريد أكتبه، قال: فضرب والله يده إلى الدواة ليضعها بين يدي، فتناولت يده فقبلتها وأخذت الدواة فكتبته.

بيان: قوله: " كان فيه " تأكيد لقوله: " كان في الكنز " واختلاف الاخبار في المكتوب في اللوح لا ضير فيه لان الجميع كان فيه، واختلاف العبارات للنقل بالمعنى مع أن الظاهر أنها لم تكن عربية، وفي النقل من لغة إلى لغة كثيرا ما تقع تلك الاختلافات.

فان قلت: الحصر في بعض الأخبار بإنما ينافي تجويز الزيادة على الأربع

قلت: الظاهر أن الحصر بالإضافة إلى الذهب والفضة مع أن المضامين قريبة وإنما التفاوت بالاجمال والتفصيل، ونسبة التعجب إلى الله تعالى مجاز والغرض الاخبار عن ندرة الوقوع أو عدمه.

وقال بعض المحققين: إنما اختلفت ألفاظ الروايتين مع أنهما إخبار عن أمر واحد لأنهما إنها تخبران عن المعنى دون اللفظ، فلعل اللفظ كان غير عربي وأما ما يتراآى فيهما من الاختلاف في المعنى، فيمكن إرجاع إحداهما إلى الأخرى وذلك لان التوحيد والتسمية مشتركان في الثناء، ولعلهما كانا مجتمعين فاكتفى في كل من الروايتين بذكر أحدهما.

ومن أيقن بالقدر، علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فلم يحزن على ما فاته، ولم يخش إلا الله ومن أيقن بالحساب نظر إلى الدنيا بعين العبرة، ورأي تقلبها بأهلها، فلم يركن إليها، فلم يفرح بما آتاه فهذه خصال متلازمة اكتفى في إحدى الروايتين ببعضها وفي الأخرى بآخر.

وأما قوله " ينبغي " إلى آخره فلعله من كلام الرضا عليه السلام دون أن يكون من جملة ما في الكنز، وعلى تقدير أن يكون من جملة ذلك، فذكره في إحدى الروايتين لا ينافي السكوت عنه في الأخرى انتهى.

" لمن عقل عن الله " أي حصل له معرفة ذاته وصفاته المقدسة من علمه وحكمته ولطفه ورحمته، أو أعطاه الله عقلا كاملا، أو علم الأمور بعلم ينتهي إلى الله بأن أخذه عن أنبيائه وحججه عليهم السلام إما بلا واسطة أو بواسطة، أو بلغ عقله إلى درجة يفيض الله علومه عليه بغير تعليم بشر أو تفكر فيما أجرى الله على لسان الأنبياء والأوصياء، وفيما أراه من آياته في الآفاق والأنفس، وتقلب أحوال الدنيا وأمثالها، والثاني أظهر لقول الكاظم عليه السلام لهشام: يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله، وقال أيضا: إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها، ويجد حقيقتها في قلبه.

" أن لا يتهم الله في قضائه " بأن يظن أن ما لم يقدره الله له خير مما قدر له أو يفعل من السعي والجزع ما يوهم ذلك " ولا يستبطئه " أي لا يعده بطيئا في رزقه إن تأخر بأن يعترض عليه في الابطاء بلسان الحال أو القال، ويدل على رجحان كتابة الحديث، وعدم الاتكال على الحفظ.

15 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الرحمن العرزمي، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان قنبر غلام علي يحب عليا عليه السلام حبا شديدا، فإذا خرج علي خرج على أثره بالسيف، فرآه ذات ليلة فقال: يا قنبر مالك؟ فقال: جئت لامشي خلفك يا أمير المؤمنين، قال:

ويحك أمن أهل السماء تحرسني أو من أهل الأرض؟ فقال: لا، بل من أهل الأرض، فقال: إن أهل الأرض لا يستطيعون لي شيئا إلا بإذن الله من السماء فارجع فرجع.

بيان: قنبر كان من موالي أمير المؤمنين عليه السلام ومن خواصه وقتله الحجاج لعنه الله على حبه عليه السلام، قوله عليه السلام: " فإذا خرج " روي أنه عليه السلام كان يخرج في أكثر الليالي إلى ظهر الكوفة فيعبد الله هناك. " إلا بإذن الله من السماء " إنما نسب إلى السماء لان التقديرات فيها، والاذن التخلية كما مر.

16 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عمن ذكره قال:

قيل للرضا عليه السلام: إنك تتكلم بهذا الكلام والسيف يقطر دما؟ فقال: إن لله واديا من ذهب حماه بأضعف خلقه النمل، فلو رامت البخاتي لم تصل إليه.

بيان: " بهذا الكلام " أي بدعوى الإمامة " والسيف " أي سيف هارون " يقطر " على بناء المعلوم من باب نصر، و " دما " تمييز وكونه من باب الافعال ودما مفعولا بعيد، وفي القاموس البخت بالضم الإبل الخراسانية كالبختية والجمع بخاتي وبخاتي وبخات انتهى، وذكر بعض المؤرخين أن عسكر بعض الخلفاء وصلوا إلى موضع فنظروا عن جانب الطريق إلى واد يلوح منها ذهب كثير، فلما توجهوا

إليها خرج إليهم نمل كثير كالبغال فقتلت أكثرهم.

17 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعلي، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن أبي محمد الوابشي وإبراهيم بن مهزم، عن إسحاق بن عمار قال:

سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى بالناس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفرا لونه، قد نحف جسمه، وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: كيف أصبحت يا فلان؟ قال: أصبحت يا رسول الله موقنا، فعجب رسول الله من قوله وقال له: إن لكل يقين حقيقة فما حقيقة يقينك؟ فقال: إن يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني، وأسهر ليلي وأظمأ هواجري، فغزفت نفسي عن الدنيا وما فيها حتى كأني أنظر إلى عرش ربي وقد نصب للحساب، وحشر الخلايق لذلك، وأنا فيهم، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون في الجنة ويتعارفون على الأرائك متكئون، وكأني أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذبون مصطرخون، وكأني الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا عبد نور الله قلبه بالايمان، ثم قال له: الزم ما أنت عليه، فقال الشاب: ادع الله لي يا رسول الله أن ارزق الشهادة معك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي صلى الله عليه وآله فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر.

بيان: " وهو يخفق ويهوي برأسه " أي ينعس، فينحط رأسه للنعاس بكثرة العبادة في الليل، في القاموس خفقت الراية تخفق وتخفق خفقا وخفقانا محركة اضطربت وتحركت وفلان حرك رأسه إذا نعس كأخفق، وقال: هوى هويا سقط من علو إلى سفل انتهى، فقوله ويهوي برأسه كالتفسير لقوله: " يخفق " أو مبالغة في الخفق إذ يكفي فيه الحركة القليلة، ونحف كتعب وقرب نحافة هزل " كيف أصبحت " أي على أي حال دخلت في الصباح؟ أو كيف صرت؟.

" فعجب رسول الله " كتعب أي تعجب منه لندرة مثل ذلك أو أعجبه وسر به قال الراغب: العجب والتعجب حالة تعرض للانسان عند الجهل بسبب الشئ ولهذا قال بعض الحكماء: العجب ما لا يعرف سببه، ولهذا قيل: لا يصح على الله التعجب إذ هو علام الغيوب، ويقال لما لا يعهد مثله: عجب قال تعالى:

" أكان للناس عجبا أن أوحينا " " كانوا من آياتنا عجبا " " إنا سمعنا قرآنا عجبا " أي لم نعهد مثله ولم نعرف سببه ويستعار تارة للمونق فيقال: أعجبني كذا أي راقني، وقال تعالى: " ومن الناس من يعجبك ".

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.