پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

51 باب النهى عن الرهبانية والسياحة، وساير ما يأمر به

ج ۶۷، ص ۱۱۲–۱۲۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۷

الأحقاف: ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون.

الحديد: وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون.

التحريم: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك.

1 - أمالي الصدوق: ابن المتوكل، عن الأسدي، عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن وهب البصري، عن ثوابة بن مسعود، عن أنس قال: توفي ابن لعثمان بن مظعون رضي الله عنه فاشتد حزنه عليه، حتى اتخذ من داره مسجدا يتعبد فيه، فبلغ

ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: يا عثمان إن الله تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانية، إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله.

يا عثمان بن مظعون للجنة ثمانية أبواب، وللنار سبعة أبواب، أفما يسرك أن لا تأتي بابا منها إلا وجدت ابنك إلى جنبك آخذا بحجزتك، يشفع لك إلى ربك؟ قال، بلى، فقال المسلمون: ولنا يا رسول الله في فرطنا ما لعثمان؟

قال: نعم، لمن صبر منكم واحتسب.

ثم قال: يا عثمان من صلى صلاة الفجر في جماعة، ثم جلس يذكر الله عز وجل حتى تطلع الشمس، كان له في الفردوس سبعون درجة بعد ما بين كل درجتين كحضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة، ومن صلى الظهر في جماعة كان له في جنات عدن خمسون درجة، ما بين كل درجتين كحضر الفرس الجواد خمسين سنة، ومن صلى العصر في جماعة كان له كأجر ثمانية من ولد إسماعيل كل منهم رب بيت يعتقهم، ومن صلى المغرب في جماعة كان له كحجة مبرورة وعمرة متقبلة، ومن صلى العشاء في جماعة كان له كقيام ليلة القدر.

2 - الخصال: ابن الوليد، عن الصفار، عن أبي الجوزا، عن ابن علوان، عن عمر بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس في أمتي رهبانية ولا سياحة ولازم يعني سكوت.

معاني الأخبار: أبي، عن سعد، عن محمد بن الحسين، عن أبي الجوزاء مثله.

3 - أمالي الطوسي: ابن مخلد، عن محمد بن جعفر بن نصير، عن أحمد بن محمد بن مسروق عن يحيى الجلا قال: سمعت بشرا يقول لجلسائه: سيحوا فان الماء إذا صاح طاب وإذا وقف تغير واصفر.

4 - تفسير علي بن إبراهيم: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " فإنه حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين عليه السلام وبلال وعثمان بن مظعون فأما أمير المؤمنين عليه السلام فحلف أن لا ينام في الليل أبدا، وأما بلال فإنه حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا، وأما عثمان بن مظعون فإنه حلف لا ينكح أبدا، فدخلت امرأة عثمان على عائشة وكانت امرأة جميلة فقالت عائشة: مالي أراك متعطلة؟ فقالت:

ولمن أتزين؟ فوالله ما قربني زوجي منذ كذا وكذا، فإنه قد ترهب ولبس المسوح وزهد في الدنيا، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرته عائشة بذلك فخرج فنادى:

الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيبات؟ ألا إني أنام الليل وأنكح، وأفطر بالنهار فمن رغب عن سنتي فليس مني، فقام هؤلاء فقالوا: يا رسول الله فقد حلفنا على ذلك، فأنزل الله " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم "

الآية.

5 - غيبة الشيخ الطوسي: الفزاري، عن محمد بن جعفر بن عبد الله، عن محمد بن أحمد الأنصاري قال: وجه قوم من المفوضة والمقصرة كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمد عليه السلام قال كامل: فقلت في نفسي: أسأله لا يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي وقال بمقالتي، قال: فلما دخلت على سيدي أبي محمد عليه السلام نظرت إلى ثياب بياض ناعمة عليه، فقلت في نفسي: ولي الله وحجته يلبس الناعم من الثياب ويأمرنا نحن بمواساة الاخوان، وينهانا عن لبس مثله، فقال متبسما: يا كامل وحسر ذراعيه فإذا مسح أسود خشن على جلده، فقال: هذا لله وهذا لكم تمام الخبر.

6 - رجال الكشي: محمد بن مسعود قال كتب إلى الفضل بن شاذان يذكر عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد قال: حججت وسكين النخعي فتبعد وترك النساء والطيب والثياب والطعام الطيب، وكان لا يرفع رأسه داخل المسجد إلى السماء، فلما قدم المدينة دنا عن أبي إسحاق فصلى إلى جانبه فقال: جعلت فداك إني أريد أن أسألك من مسائل، قال: اذهب فاكتبها وأرسل بها إلى فكتب جعلت فداك رجل دخله الخوف من الله عز وجل حتى ترك النساء والطعام الطيب ولا يقدر أن يرفع رأسه إلى السماء، وأما الثياب فشك فيها، فكتب أما قولك في ترك النساء فقد علمت ما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله من النساء، وأما قولك في ترك الطعام الطيب فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأكل اللحم والعسل وأما قولك إنه دخله الخوف حتى لا يستطيع أن يرفع رأسه إلى السماء فأكثر من تلاوة هذه الآيات " الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار ".

7 - الدرة الباهرة: قال له الصوفية إن المأمون قد رد هذا الامر إليك وأنت أحق الناس به إلا أنه تحتاج أن يتقدم منك تقدمك إلى لبس الصوف وما يحسن لبسه، فقال: ويحكم، إنما يراد من الامام قسطه وعدله، إذا قال صدق، وإذا حكم عدل، وإذ وعد أنجز " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " إن يوسف عليه السلام لبس الديباج المنسوج بالذهب، و جلس على متكآت آل فرعون.

8 - نهج البلاغة: من كلام له عليه السلام بالبصرة وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي يعوده وهو من أصحابه فلما رأى سعة داره قال ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا؟ أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج، وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرحم وتطلع منها الحقوق مطالعها، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة.

فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد، قال: وما له؟ قال لبس العباء وتخلى من الدنيا قال: على به، فلما جاء قال يا عدى نفسه لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك، أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟ أنت أهون على الله من ذلك، قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك، قال: ويحك إني لست كأنت إن الله تعالى فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره.

9 - كتاب الغارات: لإبراهيم بن محمد الثقفي رفعه عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: اتي علي عليه السلام بخبيص فأبى أن يأكله، قالوا: أتحرمه؟ قال:

لا، ولكني أخشى أن تتوق إليه نفسي، ثم تلا " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ".

وعنه عليه السلام قال: أعتق علي عليه السلام ألف مملوك مما عملت يداه، وإن كان عندكم إنما حلواه التمر واللبن، وثيابه الكرابيس.

وتزوج عليه السلام ليلى فجعل له حجلة فهتكها وقال: أحب أهلي على ما هم فيه.

10 - كتاب المسايل: باسناده، عن علي بن جعفر قال: سألت أخي موسى عليه السلام عن الرجل المسلم هل يصلح أن يسيح في الأرض أو يترهب في بيت لا يخرج منه؟ قال عليه السلام: لا.

قال الكراجكي قدس الله روحه في كنز الفوائد: لقد اضطررت يوما إلى الحضور مع قوم من المتصوفين، فلما ضمنهم المجلس أخذوا فيما جرت به عادتهم من الغناء والرقص، فاعتزلتهم إلى إحدى الجهات، وانضاف إلي رجل من أهل الفضل والديانات، فتحادثنا ذم الصوفية على ما يصنعون، وفساد أغراضهم فيما يتناولون، وقبح ما يفعلون من الحركة والقيام، وما يدخلون على أنفسهم في الرقص من الآلام، فكان الرجل لقولي مصوبا، وللقوم في فعلهم مخطئا.

ولم نزل كذلك إلى أن غنى مغني القوم هذه الأبيات:

وما أم مكحول المدامع ترتعي * ترى الانس وحشا وهي تأنس بالوحش غدت فارتعت ثم انتشت لرضاعه * فلم تلف شيئا من قوائمه الخمش فطافت بذاك القاع ولها فصادمت * سباع الفلا ينهشنه أيما نهش بأوجع مني يوم ظلت أنامل * تودعني بالدر من شبك النقش

فلما سمع صاحبي ذلك نهض مسرعا مبادرا ففعل من القفز والرقص والبكاء واللطم ما يزيد على ما فعله من قبله ممن كان يخطئه ويستجهله، وأخذ يستعيد من الشعر ما لا يحسن استعادته، ولا جرت عادتهم بالطرب على مثله، وهو قوله:

فطافت بذاك القاع ولها فصادفت * سباع الفلا ينهشنه أيما نهش ويفعل بنفسه ما حكيت ولا يستعيد غير هذا البيت حتى بلغ من نفسه المجهود، ووقع كالمغشي عليه من الموت، فحيرني ما رأيت من حاله، وأخذت أفكر في أفعاله المضادة، لما سمعت من أقواله، فلما أفاق من غشيته لم أملك الصبر دون سؤاله عن أمره، وسبب ما صنعه بنفسه مع تجهيله من قبل لفاعله، وعن وجه استعادته من الشعر ما لم تجر عادتهم باستعادة مثله، فقال لي: لست أجهل ما ذكرت، ولي عذر واضح فيما صنعت، أعلمك أن أبي كان كاتبا، وكان بي برا وعلي شفيقا، فسخط السلطان عليه فقتله، فخرجت إلى الصحراء لشدة ما لحقني من الحزن عليه، فوجدته ملقى والكلاب ينهشون لحمه، فلما سمعت المغني يقول:

فطافت بذاك القاع ولها فصادفت * سباع الفلا ينهشنه أيما نهش ذكرت ما لحق أبي، وتصور شخصه بين عيني، وتجدد حزنه علي، ففعلت الذي رأيت بنفسي. فندمت حينئذ على سوء ظني به، وتغممت له غما لحقه واتعظت بقصته.

11 - وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: روي أن قوما من المتصوفة دخلوا بخراسان على علي بن موسى عليهما السلام فقالوا له: إن أمير المؤمنين عليه السلام فكر فيما ولاه الله من الأمور، فرآكم أهل البيت أولى الناس أن تؤموا الناس، ونظر فيكم أهل البيت فرآك أولى الناس بالناس، فرأى أن يرد هذا الامر إليك، والإمامة تحتاج إلى من يأكل الجشب، ويلبس الخشن، ويركب الحمار، ويعود المريض.

فقال لهم: إن يوسف كان نبيا يلبس أقبية الديباج المزردة بالذهب، ويجلس على متكآت آل فرعون ويحكم، إنما يراد من الامام قسطه وعدله: إذا قال صدق، وإذا حكم عدل، وإذا وعد أنجز، إن الله لم يحرم لبوسا ولا مطعما ثم قرأ: " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " الآية.

12 - ثم قال ابن أبي الحديد: رويت عن الشيوخ ورأيت بخط عبد الله بن أحمد الخشاب رحمه الله أن الربيع بن زياد الحارثي أصابته نشابة في جبينه فكانت تنتقض عليه في كل عام، فأتاه علي عليه السلام عائدا فقال: كيف تجدك أبا عبد الرحمن؟

قال: أجدني يا أمير المؤمنين لو كان لا يذهب ما بي إلا بذهاب بصري لتمنيت ذهابه، قال: وما قيمة بصرك عندك؟ قال: لو كانت لي الدنيا لفديته بها، قال:

لاجرم ليعطينك الله على قدر ذلك، إن الله يعطي على قدر الألم والمصيبة، وعنده تضعيف كثير.

قال الربيع: يا أمير المؤمنين ألا أشكو إليك عاصم بن زياد أخي؟ قال: ماله؟

قال: لبس العباء وترك الملاء، وغم أهله وحزن ولده، فقال عليه السلام:

ادعوا لي عاصما، فلما أتاه عبس في وجهه وقال: ويحكم يا عاصم أترى الله أباح لك اللذات، وهو يكره ما أخذت منها؟ لانت أهون على الله من ذلك، أو ما سمعته يقول: " مرج البحرين يلتقيان " ثم قال: " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " وقال: " ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها " أما والله لابتذال نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال، وقد سمعتم الله يقول: " وأما بنعمة ربك فحدث " وقوله: " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ".

إن الله خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين فقال: " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " وقال: " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا " وقال رسول الله صلى الله عليه وآله لبعض نسائه: مالي أراك شعثاء مرهاء سلتاء (3)؟ قال عاصم: فلم اقتصرت يا أمير المؤمنين على لبس الخشن، وأكل الجشب؟ قال: إن الله تعالى افترض على أئمة العدل أن يقدروا لأنفسهم بالقوم كيلا يتبيغ بالفقير فقره، فما قام علي عليه السلام حتى نزع عاصم العباءة ولبس ملاءة.

13 - تحف العقول: دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله عليه السلام فرأى عليه ثياب بياض كأنها غرقئ البيض فقال له: إن هذا [اللباس] ليس من لباسك، فقال له:

اسمع مني وع ما أقول لك، فإنه خير لك عاجلا وآجلا، إن كنت أنت مت على السنة والحق، ولم تمت على بدعة.

أخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في زمان مقفر جشب فإذا أقبلت الدنيا فأحق أهلها بها أبرارها لا فجارها، ومؤمنها لا منافقوها ، ومسلموها لا كفارها فما أنكرت يا ثوري؟ فوالله إني لمع ما ترى ما أتى علي مذ عقلت صباح ولا مساء ولله في مالي حق أمرني أن أضعه موضعا إلا وضعته.

فقال: ثم أتاه قومه ممن يظهر التزهد، ويدعون الناس أن يكونوا معهم مثل الذي هم عليه من التقشف فقالوا: إن صاحبنا حصر عن كلامك، ولم تحضره حجة، فقال لهم: هاتوا حججكم، فقالوا: إن حججنا من كتاب الله قال لهم: فأدلوا بها فإنها أحق ما اتبع وعمل به.

فقالوا: يقول الله تبارك وتعالى يخبر عن قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله:

" ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " فمدح فعلهم، وقال في موضع آخر: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " فنحن نكتفي بهذا، فقال رجل من الجلساء:

إنا ما رأيناكم تزهدون في الأطعمة الطيبة ومع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتى تتمتعوا أنتم منها؟ فقال [له]: أبو عبد الله عليه السلام دعوا عنكم ما لا ينتفع به، أخبروني أيها النفر ألكم علم بناسخ القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهه، الذي في مثله ضل من ضل، وهلك من هلك من هذه الأمة؟ فقالوا له: أو بعضه، فأما كله فلا، فقال لهم: من ههنا أتيتم وكذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله.

فأما ما ذكرتم من إخبار الله إيانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحسن

فعالهم، فقد كان مباحا جائزا، ولم يكونوا نهوا عنه، وثوابهم منه على الله، وذلك أن الله جل وتقدس أمر بخلاف ما عملوا به، فصار أمره ناسخا لفعلهم، وكان نهي الله تبارك وتعالى رحمة للمؤمنين، ونظرا، لكي لا يضروا بأنفسهم وعيالاتهم منهم الضعفة الصغار، والولدان، والشيخ الفان، والعجوز الكبيرة، الذين لا يصبرون على الجوع، فان تصدقت برغيفي ولا رغيف لي غيره، ضاعوا وهلكوا جوعا.

فمن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خمس تمرات أو خمس قرص أو دنانير أو دراهم يملكها الانسان وهو يريد أن يمضيها فأفضلها ما أنفقه الانسان على والديه، ثم الثانية على نفسه وعياله، ثم الثالثة القرابة وإخوانه المؤمنين، ثم الرابعة على جيرانه الفقراء، ثم الخامسة في سبيل الله وهو أخسها أجرا.

وقال النبي صلى الله عليه وآله للأنصاري حيث أعتق عند موته خمسة أو ستة من الرقيق، ولم يكن يملك غيرهم، وله أولاد صغار: لو أعلمتموني أمره ما تركتكم تدفنونه مع المسلمين، ترك صبية صغارا يتكففون الناس ثم قال: حدثني أبي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ابدأ بمن تعول الأدنى فالأدنى.

ثم هذا ما نطق به الكتاب ردا لقولكم ونهيا عنه، مفروض من الله العزيز الحكيم، قال: " الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " أفلا ترون أن الله تبارك وتعالى قال غير ما أراكم تدعون [الناس إليه من الأثرة على أنفسهم، وسمى من فعل ما تدعون] إليه مسرفا؟ وفي غير آية من كتاب الله يقول: " إنه لا يحب المسرفين " فنهاهم عن الاسراف، ونهاهم عن التقتير لكن أمر بين أمرين: لا يعطي جميع ما عنده، ثم يدعو الله أن يرزقه فلا يستجيب له للحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وآله.

" إن أصنافا من أمتي لا يستجاب لهم دعاؤهم: رجل يدعو على والديه

ورجل يدعو على غريم ذهب له بمال ولم يشهد عليه، ورجل يدعو على امرأته وقد جعل الله تخلية سبيلها بيده، ورجل يقعد في البيت يقول: يا رب ارزقني ولا يخرج يطلب الرزق، فيقول الله جل وعز: عبدي! أولم أجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة؟ فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتباع أمري، ولكيلا تكون كلا على أهلك فان شئت رزقتك، وإن شئت قترت عليك، وأنت معذور عندي، ورجل رزقه الله مالا كثيرا فأنفقه ثم أقبل يدعو يا رب ارزقني، فيقول الله: ألم أرزقك رزقا واسعا؟ أفلا اقتصدت فيه كما أمرتك، ولم تسرف كما نهيتك، ورجل يدعو في قطيعة رحم ".

ثم علم الله نبيه كيف ينفق، وذلك أنه كان عنده أوقية من ذهب، فكره أن تبيت عنده فصدق وأصبح ليس عنده شئ، وجاءه من يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه، فلامه السايل واغتم هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه، وكان رحيما رفيقا فأدب الله نبيه بأمره إياه فقال: " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا " يقول: إن الناس قد يسألونك ولا يعذرونك فإذا أعطيت جميع ما عندك كنت قد حسرت من المال.

فهذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله يصدقها الكتاب والكتاب يصدقه أهله من المؤمنين، وقال أبو بكر عند موته: أوصي بالخمس والخمس كثير فان الله قد رضي بالخمس فأوصى بالخمس، وقد جعل الله له الثلث عند موته، ولو علم أن الثلث خير [أ] له أوصى به.

ثم من قد علمتم بعده في فضله وزهده سليمان وأبو ذر، فأما سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته، حتى يحضره عطاؤه من قابل، فقيل له: يا أبا عبد الله أنت في زهدك تصنع هذا؟ وإنك لا تدري لعلك تموت اليوم أو غدا، وكان جوابه أن قال: مالكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم علي الفناء، أو ما علمتم يا

جهلة أن النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما يعتمد عليه فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت.

فأما أبو ذر فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم أو نزل به ضيف أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة نحر لهم الجزور أو من الشاء على قدر ما يذهب عنهم قرم اللحم، فيقسمه بينهم، ويأخذ كنصيب أحدهم لا يفضل عليهم، ومن أزهد من هؤلاء؟ وقد قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله ما قال، ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئا البتة، كما تأمرون الناس بالقاء أمتعتهم وشيئهم ويؤثرون به على أنفسهم وعيالاتهم.

واعلموا أيها النفر أني سمعت أبي يروي عن آبائه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال يوما: ما عجبت من شئ كعجبي من المؤمن، إنه إن قرض جسده في دار الدنيا بالمقاريض، كان خيرا له، وإن ملك ما بين مشارق الأرض ومغاربها كان خيرا له فكل ما يصنع الله به فهو خير له، فليت شعري هل يحيق فيكم اليوم ما قد شرحت لكم أم أزيدكم؟

أو ما علمتم أن الله جل اسمه فرض على المؤمنين في أول الأمر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين، ليس له أن يولي وجهه عنهم، ومن ولاهم يومئذ دبره فقد تبوء مقعده من النار، ثم حولهم من حالهم رحمة منه لهم، فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل الرجلين من المشركين تخفيفا من الله عن المؤمنين فنسخ الرجلان العشرة.

وأخبروني أيضا عن القضاة أجور منهم حيث يفرضون على الرجل منكم نفقة امرأته إذا قال: أنا زاهد وإنه لا شئ لي، فان قلتم جور ظلمتم أهل الاسلام وإن قلتم بل عدل خصمتم أنفسكم، وحيث يردون صدقة من تصدق على المساكين عند الموت بأكثر من الثلث.

أخبروني لو كان الناس كلهم كما تريدون زهادا لا حاجة لهم في متاع غيرهم فعلى من كان يتصدق بكفارات الايمان والنذور، والصدقات من فرض الزكاة من الإبل والغنم والبقر، وغير ذلك من الذهب والفضة والنخل والزبيب وسائر ما قد وجبت فيه الزكاة، إذا كان الامر على ما تقولون لا ينبغي لاحد أن يحبس شيئا من عرض الدنيا إلا قدمه، وإن كان به خصاصة، فبئس ما ذهبتم إليه، وحملتم الناس عليه من الجهل بكتاب الله وسنة نبيه وأحاديثه التي يصدقها الكتاب المنزل، وردكم إياها بجهالتكم وترككم النظر في غرائب القرآن من التفسير بالناسخ من المنسوخ، والمحكم والمتشابه والأمر والنهي.

وأخبروني أنتم عن سليمان بن داود عليه السلام حيث سأل الله ملكا لا ينبغي لاحد من بعده، فأعطاه الله ذلك، وكان يقول الحق ويعمل به، ثم لم نجد الله عاب ذلك عليه، ولا أحدا من المؤمنين، وداود قبله في ملكه وشدة سلطانه.

ثم يوسف النبي حيث قال لملك مصر " اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " فكان من أمره الذي كان [أن] اختار مملكة الملك، وما حولها إلى اليمن، فكانوا يمتارون الطعام من عنده لمجاعة أصابتهم، وكان يقول الحق

ويعمل به، فلم نجد أحدا عاب ذلك عليه.

ثم ذو القرنين عبد أحب الله فأحبه، طوى له الأسباب وملكه مشارق الأرض ومغاربها وكان يقول بالحق، ويعمل به ثم لم نجد أحدا عاب ذلك عليه.

فتأدبوا أيها النفر بآداب الله للمؤمنين، واقتصروا على أمر الله ونهيه، و دعوا عنكم ما اشتبه عليكم مما لا علم لكم به، وردوا العلم إلى أهله تؤجروا، و تعذروا عند الله، وكونوا في طلب علم الناسخ من القرآن من منسوخه، ومحكمه من متشابهه، وما أحل الله فيه مما حرم، فإنه أقرب لكم من الله وأبعد لكم من الجهل، ودعوا الجهالة لأهلها، فان أهل الجهل كثير، وأهل العلم قليل وقد قال الله " فوق كل ذي علم عليم ".

14 - تنبيه الخاطر: قيل إن سلمان رضي الله عنه جاء زائرا لأبي الدرداء فوجد أم الدرداء مبتذلة، فقال: ما شأنك؟ قالت: إن أخاك ليست له حاجة في شئ من أمر الدنيا، قال: فلما جاء أبو الدرداء رحب لسلمان وقرب إليه طعاما فقال لسلمان أطعم، فقال: إني صائم، قال: أقسمت عليك إلا ما طعمت، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: وبات عنده، فلما جاء الليل قام أبو الدرداء فحبسه سلمان قال:

يا أبا الدرداء إن لربك عليك حقا وإن لجسدك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فصم وأفطر، وصل ونم، وأعط كل ذي حق حقه، فأتى أبو الدرداء النبي صلى الله عليه وآله فأخبره بما قال سلمان، فقال له مثل قول سلمان.

15 - نوادر الراوندي: باسناده، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال:

كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأتي أهل الصفة وكانوا ضيفان رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا هاجروا من أهاليهم وأموالهم إلى المدينة، فأسكنهم رسول الله صلى الله عليه وآله صفة المسجد وهم

أربعمائة رجل، فكان يسلم عليهم بالغداة والعشي فأتاهم ذات يوم فمنهم من يخصف نعله، ومنهم من يرقع ثوبه، ومنهم من يتفلى وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يرزقهم مدا مدا من تمر في كل يوم.

فقام رجل منهم فقال: يا رسول الله التمر الذي ترزقنا قد أحرق بطوننا فقال رسول الله: أما إني لو استطعت أن أطعمكم الدنيا لأطعمتكم، ولكن من عاش منكم من بعدي يغدى عليه بالجفان ويراح عليه بالجفان، ويغدو أحدكم في قميصة و يروح في أخرى، وتنجدون بيوتكم كما تنجد الكعبة فقام رجل فقال: يا رسول الله أنا إلى ذلك الزمان بالأشواق فمتى هو؟ قال صلى الله عليه وآله: زمانكم هذا خير من ذلك الزمان، إنكم إن ملأتم بطونكم من الحلال، توشكون أن تملأوها من الحرام.

فقام سعد بن أشج فقال: يا رسول الله ما يفعل بنا بعد الموت؟ قال الحساب والقبر، ثم ضيقه بعد ذلك أو سعته، فقال: يا رسول الله هل تخاف أنت ذلك؟

فقال: لا ولكن أستحيي من النعم المتظاهرة التي لا أجازيها ولا جزءا من سبعة، فقال سعد بن أشج إني اشهد الله واشهد رسوله ومن حضرني أن نوم الليل علي حرام [والاكل بالنهار علي حرام، ولباس الليل علي حرام، ومخالطة الناس علي حرام وإتيان النساء علي حرام] فقال رسول الله: يا سعد لم تصنع شيئا كيف تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، إذا لم تخالط الناس، وسكون البرية بعد الحضر كفر للنعمة. نم بالليل، وكل بالنهار، والبس ما لم يكن ذهبا أو حريرا أو معصفرا، وآت النساء.

يا سعد اذهب إلى بني المصطلق فإنهم قد ردوا رسولي فذهب إليهم فجاء بصدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: كيف رأيتهم؟ قال: خير قوم ما رأيت قوما قط أحسن أخلاقا فيما بينهم من قوم بعثتني إليهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه لا ينبغي لأولياء الله تعالى من أهل دار الخلود الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم أن يكونوا أولياء

الشيطان من أهل دار الغرور الذين [كان] لها سعيهم، وفيها رغبتهم.

ثم قال: بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، بئس القوم قوم يقذفون الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، بئس القوم قوم لا يقومون لله تعالى بالقسط، بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون الناس بالقسط في الناس، بئس القوم قوم يكون الطلاق عندهم أوثق من عهد الله تعالى، بئس القوم قوم جعلوا طاعة إمامهم دون طاعة الله، بئس القوم قوم يختارون الدنيا على الدين، بئس القوم قوم يستحلون المحارم والشهوات والشبهات.

قيل: يا رسول الله فأي المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم له استعدادا أولئك هم الأكياس.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.