پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

37 - باب صفات خيار العباد وأولياء الله، وفيه ذكر بعض

ج ۶۶، ص ۳۱۲–۳۳۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۶

على فعلها، والتمرن عليها، لان المرون على الفعل يكسب الفاعل ملكة تقتضي سهولة عليه، والعون ههنا هو اللطف المقرب من الطاعة، المبعد من القبيح ولما كان العون من الله سبحانه مستهلا للقول أطلق عليه من باب التوسع أنه يقول على الألسنة ولما كان الله تعالى هو الذي يثبت كما قال " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت " نسب التثبيت إلى اللطف لأنه من فعل الله.

وقال ابن ميثم: قوله عليه السلام " ألا وإن الله " ترغيب للسامعين أن يكونوا من أهل الخير، ودعائم الحق، وعصم الطاعة، وكأنه عنى بالعون القرآن، قال تعالى: " لنثبت به فؤادك ".

و " فيه كفاء " أي في ذلك العون كفاية لطالبي الاكتفاء، أي من الكمالات النفسانية " وشفاء " لمن طلب الشفاء من أمراض الرذائل الموبقة، ويمكن أن يكون المراد بأهل الخير الأتقياء، وبدعائم الحق النبي والأئمة عليهم السلام وبعصم الطاعة العبادات التي توجب التوفيق من الله سبحانه وترك المعاصي الموجبة لسلبه أو الملائكة العاصمة للعباد عن اتباع الشياطين، وبالعون الملائكة المرغبة في طاعة الله كما ورد في الاخبار.

و " المستحفظين " في أكثر النسخ بالنصب على صيغة اسم المفعول، وهو أظهر يقال استحفظته إياه أي سألته أن يحفظه وفي بعض النسخ على صيغة اسم الفاعل أي الطالبين للحفظ وفي بعض النسخ بالرفع حملا على المحل وكونه خبرا بعيد والمراد بهم الأئمة عليهم السلام كما ورد في الأدعية والاخبار، وقال الشراح: المراد بهم العارفون أو الصالحون.

" يصونون مصونه " أي يكتمون ما ينبغي أن يكتم من أسرار علمه من غير أهله " ويفجرون عيونه " أي يفيضون ما ينبغي إفاضته على عامة الناس، أو كل علم

على من هو قابل له، أو يتقون في مقامه التقية، ويظهرون الحق عند عدمها والولاية في النسخ بالكسر قال سيبويه: الولاية بالفتح المصدر وبالكسر الاسم، وقال ابن أبي الحديد: الولاية بفتح الواو المحبة والنصرة، أي يتواصلون وهم أولياء ومثله " ويتلاقون بالمحبة " كما تقول: خرجت بسلاحي، أي وأنا متسلح أو يكون المعنى يتواصلون بالقلوب لا بالأجسام، كما تقول أنا أراك بقلبي وأزورك بخاطري واواصلك بضميري انتهى.

وأقول: يحتمل أن يكون المراد ولاية أهل البيت عليهم السلام أي بسببها، أو متصفين بها أو مظهرين لها وماء روي كغني أي كثير مرو، وروي من الماء كرضي ريا بالفتح والكسر أي تنعم، والاسم الري بالكسر " والرية " في بعض النسخ بالفتح وفي بعضها بالكسر، ولعل المراد التساقي من المعارف والعلوم " والريبة " بالكسر التهمة والشك اسم من الريب بالفتح أي لا تخالطهم شك في المعارف والعقائد أو تهمة في حب أحدهم للاخر، وعدم إسراع الغيبة فيهم لعدم استحقاقهم للغيبة في أقوالهم وأعمالهم واتقائهم مواضع التهم، أو المعنى لا يغتابون الناس ولا يتبعون عيوبهم.

و " الخلق " يكون بمعنى التقدير والابداع، وبمعنى الطبيعة كالخليقة و " الأخلاق " جمع خلق بالضم وبضمتين، وهو السجية والطبع، والمروة والدين ويحتمل أن يكون المراد بالخلق ما هو بمنزلة الأصل والمشخص للذات وبالاخلاق الفروع والشعب، والضمير في " عليه " راجع إلى ما أشير إليه بذلك أو إلى العقد.

" فكانوا كتفاضل البذر " أي كان التفاضل بينهم وبين الناس كالتفاضل بين ما ينتقى من البذر أي يختار، وبين ما يلقى، فالمعنى كالتفاضل بين الجيد و الردي، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان التفاضل بينهم كالتفاضل بين أفراد المختار من البذر فكما أنه لا تفاضل يعتد به فيما بينها، كذلك فيما بينهم.

وخلص الشئ كنصر: أي صار خالصا وخلصه أي جعله كذلك، وخلصه أيضا

نجاه، والمراد بالتخليص الانتقاء المذكور أي ميزه ذلك عن غيره، أو المعنى ميزه الله تخليصا إياه عن شرور النفس والشيطان عن غيره، وفي بعض النسخ التلخيص بتقديم اللام، وهو التبيين، والتلخيص والتهذيب التنقية والاصلاح، والتمحيص الابتلاء والاختبار.

والكرامة الاسم من التكريم والاكرام، والمراد بها هنا نصحه سبحانه و وعظه وتذكيره، أو ما وعده الله على تقدير حسن العمل من المثوبة والزلفى، و قبول الكرامة على الثاني بالعمل الصالح الموجب للفوز بها، وعلى الأول العمل بمقتضاه وبقبولها القبول الحسن اللائق بها، وقرعه كمنعه أي أتاه فجأة وقرع الباب دقه، وقال الأكثر القارعة الموت، ويحتمل القيامة لأنها من أسمائها سميت بها، لأنها تقرع القلوب بالفزع وأعدها الله للعذاب، أو الداهية التي يستحقها العاصي، يقال: أصابه الله بقارعة أي بداهية تهلكه، وحلولها نزولها واستبدلت الشئ بالشئ أي اتخذت الأول بدلا من الثاني، والمراد بالنظر التدبر والتفكر، والظرف في قوله في " منزل " متعلق بالمقام، و " حتى " لانتهاء غاية المقام، أي الثبات أو الإقامة، أي ليعتبر الانسان بهذه المدة القصيرة، و إقامته القليلة في الدنيا، المنتهية إلى الاستبدال بها واتخاذ غيرها.

وقيل: يحتمل أن تكون كلمة " في " لإفادة الظرفية الزمانية ويكون قوله " في منزل " متعلقا بالنظر، ومدخول " حتى " علة غائية للنظر، أي لينظر بنظر الاعتبار وليتأمل مدة حياته في الدنيا في شأن ذلك المنزل الفاني حتى تتخذ بدله منزلا لائقا للنزول فالاستبدال حينئذ اتخاذ البدل المستحق لذلك، أو توطين النفس على الارتحال. ورفض المنزل الفاني.

" فليصنع " أي فليعمل و " المتحول " بالفتح مكان التحول، وكذلك المنتقل ومعارف المنتقل قيل هي المواضع التي يعرف الانتقال إليها، وقال ابن أبي - الحديد: معارف الدار ما يعرفه المتوسم بها، واحدها معرف، مثل معاهد الدار و معالمها، ومنه معارف المرأة أي ما يظهر منها كالوجه واليدين، وقيل: يحتمل

أن يكون المراد بمعارف المنتقل ما عرف من أحواله والأمور السانحة فيه، فيمكن أن يكون المتحول والمنتقل مصدرين.

" من يهديه " يعني نفسه والأئمة من ولده عليهم السلام " من يرديه " أي يهلكه بالقائه في مهاوي الجهل والضلالة، والبصر يطلق على الحاسة، ويراد به العلم مجازا وقد يطلق على العلم يقال بصرت بالشئ أي علمته، ويحتمل أن تكون الإضافة لأدنى ملابسة أي بالبصر الحاصل للمطيع بتبصير الهادي إياه، والسبب في الأصل الحبل وإغلاق الأبواب بالموت، وجوز بعضهم أن يكون الأبواب والأسباب عبارة عن نفسه والأئمة من ذريته عليهم السلام، فإنهم أبواب الفوز والفلاح والأسباب الممدودة من السماء إلى الأرض، بهم يصل العبد إلى الله سبحانه، والغلق والقطع كناية عن عدمهم أو غيبتهم عليهم السلام.

" واستفتح التوبة " أي طلب فتحها كأنها باب مغلق يطلب فتحها للدخول فيها، ويمكن أن يكون من الاستفتاح بمعنى الاستنصار أي طلب أن تنصره التوبة ومطت كبعت وأمطت أي تنحيت وكذلك مطت غيري وأمطته أي نحيته وقال الأصمعي: مطت أنا وأمطت غيري والحوبة بالفتح الاثم " فقد أقيم على الطريق " أي بهداية الله سبحانه، والنهج بالفتح الطريق الواضح.

33 - مشكاة الأنوار: عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله عز وجل: إن من أغبط أوليائي عندي رجلا خفيف الحال ذا خطر، أحسن عبادة ربه في الغيب، وكان غامضا في الناس، جعل رزقه كفافا فصبر عليه، مات فقل تراثه وقل بواكيه.

34 - نهج البلاغة: من كلام له عليه السلام: قد أحيا عقله، وأمات نفسه، حتى دق جليله، ولطف غليظه، وبرق له لامع كثير البرق، فأبان له الطريق، وسلك به السبيل، وتدافعته الأبواب إلى باب السلامة، ودار الإقامة، وثبتت رجلاه بطمأنينة

بدنه في قرار الامن والراحة بما استعمل قلبه، وأرضى ربه.

بيان: إحياء العقل بتحصيل المعارف الربانية، وتسليطه على الشيطان والنفس الامارة، وإماتة النفس بجعلها مقهورة للعقل، بحيث لا يكون لها تصرف إلا بحكمه، فكانت في حكم الميت في ارتفاع الشهوات النفسانية كما قيل: موتوا قبل أن تموتوا، ودق الشئ صار دقيقا، وهو ضد الغليظ، والجليل العظيم، ولطف ككرم لطفا ولطافة بالفتح أي صغر ودق وكأن المراد بالجليل البدن، ودقته بكثرة الصيام والقيام، والصبر على المشاق الواردة في الشريعة المقدسة، وبالغليظ النفس الامارة والقوى الشهوانية، ويحتمل العكس والتأكيد أيضا.

وبرق كنصر أي لمع أو جاء ببرق، وبرق النجم أي طلع، واللامع هداية الله بالأنوار الإلهية، والنفحات القدسية، والالطاف الغيبية، وكشف الأستار عن أسرار الكتاب والسنة.

وتدافع الأبواب يحتمل وجوها:

الأول: أنه لم يزل ينتقل من منزلة من منازل قربه سبحانه إلى ما هو فوقه حتى ينتهي إلى مقام إذا دخله كان مستيقنا للسلامة، وهي درجة اليقين، ومنزلة أولياء الله المتقين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

الثاني: أنه إذا أدركته التوفيقات الربانية، شرع في طلب الحق وتردد في المذاهب، فكلما تفكر في مذهب من المذاهب الباطلة، دفعته العناية الإلهية عن الدخول فيه، فإذا أصاب الحق قر فيه وسكن واطمأن، كما روي عن الصادق عليه السلام إن القلب ليتجلجل في الجوف يطلب الحق فإذا أصابه اطمأن وقر ثم تلا أبو عبد الله عليه السلام هذه الآية " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء " وعنه

عليه السلام قال: إن الله خلق قلوب المؤمنين مبهمة على الايمان، فإذا أراد استنارة ما فيها، نضحها بالحكمة، وزرعها بالعلم، وزارعها والقيم عليها رب العالمين وعنه عليه السلام قال: إن القلب ليرجج فيما بين الصدر والحنجرة، حتى يعقد على الايمان، فإذا عقد على الايمان قر وذلك قول الله " ومن يؤمن بالله يهد قلبه " قال: يسكن، وسيأتي أمثالها إنشاء الله في باب القلب.

الثالث: أن تكون الأبواب عبارة عن أسباب القرب من الطاعات، وترك اللذات فان كلا منها باب من أبواب الجنة، فيتنقل منها حتى ينتهي إلى باب الجنة التي هي قرار الامن والراحة.

الرابع: أن تكون الأبواب عبارة عن اللذات والمطالب النفسانية التي يريد الانسان أن يدخلها بمقتضى طبعه فتمنعه العناية الإلهية والعقل السليم عن دخولها حتى ينتهي إلى باب السلامة، وهو باب جنة الخلد في الآخرة، أو الطاعات والعقائد الحقة التي توجب دخولها في الدنيا.

الخامس: أن يكون المراد بالأبواب طرائق أرباب البدع وأبواب علماء السوء، فيمنعه التوفيق الرباني عن اعتقاد ضلالاتهم والدخول في جهالاتهم حتى يرد باب السلامة، وهو اتباع أئمة الحق صلوات الله عليهم، فإنهم أبواب الله إما بالوصول إلى خدمتهم، أو إلى السالكين مسلكهم، والحافظين لاثارهم، ورواة أخبارهم، فتثبت رجلاه على الدين والصراط المستقيم، ولا يفتتن بشبه المغضوب عليهم ولا الضالين، وهو قريب من بعض ما مر وهذا أظهر الوجوه.

" وثبات الرجلين " ضد الزلق أو عبارة عن السكون، والطمأنينة بضم الطاء المهملة وفتح الميم وسكون الهمزة السكون، يقال: اطمأن اطمئنانا وطمأنينة، قال الشيخ الرضي رضي الله عنه: مصادر ما زيد فيه من الرباعي نحو تدحرج واحرنجام واقشعرار وأما اقشعر قشعريرة، واطمأن طمأنينة، فهما اسمان واقعان مقام

المصدر، كما في أنبت نباتا وأعطى عطاء، والقرار بالفتح ما قر فيه الشئ أي سكن ويكون مصدرا، وقرار الامن والراحة الجنة أو ما يوجبهما كما عرفت.

35 - مجالس المفيد: عن المرزباني، عن محمد بن أحمد الكاتب، عن أحمد بن أبي خيثمة عن عبد الملك بن داهر، عن الأعمش، عن عباية الأسدي، عن ابن عباس رحمه الله قال: قال سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، عن قوله تعالى " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " فقيل له: من هؤلاء الأولياء؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: هم قوم أخلصوا لله تعالى في عبادته، ونظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، فعرفوا آجلها، حين غر الناس سواهم بعاجلها، فتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم وأماتوا منها ما علموا أنه سيميتهم.

ثم قال: أيها المعلل نفسه بالدنيا، الراكض على حبائلها، المجتهد في عمارة ما سيخرب منها، ألم تر إلى مصارع آبائك في البلى ومضاجع أبنائك تحت الجنادل والثرى، كم مرضت بيديك، وعللت بكفيك، تستوصف لهم الأطباء، وتستعتب لهم الأحباء، فلم يغن عنهم غناؤك، ولا ينجع فيهم دواؤك.

36 - نهج البلاغة: قال عليه السلام: إن أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا، إذا نظر الناس إلى ظاهرها، واشتغلوا بآجلها إذا اشتغل الناس بعاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، وتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم، ورأوا استكثار غيرهم منها استقلالا، ودركهم لها فوتا، أعداء ما سالم الناس، وسلم ما عادى الناس بهم علم الكتاب، وبه علموا، وبهم قام الكتاب وبه قاموا، لا يرون مرجوا فوق ما يرجون، ولا مخوفا فوق ما يخافون.

تبيان: مع أن الظاهر اتحاد الروايتين، بينهما اختلاف كثير، وبعض فقرات الرواية الأولى مذكورة في خطبة أخرى سنشير إليها، وقد مر معنى

الاخلاص، وباطن الدنيا ما خفي عن أعين الناس من مضارها ووخامة عاقبتها للراغبين إليها، فالمراد بالنظر إليه التفكر فيه، وعدم الغفلة عنه، أو ما لا يلتفت الناس إليه من تحصيل المعارف والقربات فيها، فالمراد بالنظر إليه الرغبة وطموح البصر إليه، وإنما سماه باطنا لغفلة أكثر الناس عنه، ولكونه سر الدنيا وحقيقتها، وغايتها التي خلقت لأجلها، والمراد بظاهرها شهواتها التي تغر أكثر الناس عن التوجه إلى باطنها، والمراد بآجل الدنيا ما يأتي من نعيم الآخرة بعدها أضيف إليها لنوع من الملابسة، أو المراد بآجلها ما يظهر ثمرتها في الاجل من المعارف والطاعات، وأطلق الاجل عليه مجازا.

" وما علموا أنه سيتركهم " الأموال والأولاد وملاذ الدنيا، والإماتة الاهلاك المعنوي بحرمان الثواب، وحلول العقاب عند الإياب. " وما يميتهم " اتباع الشهوات النفسانية والاتصاف بالصفات الذميمة الدنية وفي الرواية الثانية نسبة الخشية إلى الإماتة والعلم بالترك لان الترك معلوم لا بد منه، بخلاف الإماتة إذ يمكن أن تدركهم رحمة من الله تلحقهم بالسعداء أو للمبالغة في اجتناب المنهيات من الأخلاق والأعمال، بأنهم يتركون ما خشوا أن يميتهم فكيف إذا علموا والاستكثار عد الشئ كثيرا أو جمع الكثير من الشئ، ويقابله الاستقلال بالمعنيين والدرك محركة اللحاق والوصول إلى الشئ يقال: أدركته إدراكا ودركا والضمير في " دركهم " يرجع إلى غيرهم، ويحتمل الرجوع إليهم أيضا.

والسلم بالفتح والكسر الصلح يذكر ويؤنث، وفي نسخ النهج بالكسر، و سالمه أي صالحه " وما سالم الناس " ما مالوا إليه من متاع الدنيا وزينتها وملاذها " وما عادى الناس " ما رفضوه من العلوم والعبادات، والرغبة في الآخرة وثوابها و " بهم علم الكتاب " لأنه لولا هم لما علم تفسير الآيات، وتأويل المتشابهات وهذه من أوصاف أئمتنا المقدسين صلوات الله عليهم أجمعين، ويحتمل أن تشمل الحفظة لاخبارهم، المقتبسين من أنوارهم، " وبه علموا " لدلالة آيات الكتاب على فضلهم، وشرف منزلتهم كآيات المودة، والتطهير والولاية وغيرها، ولو

عمم الكلام حتى يدخل فيه العلماء الربانيون، فالمراد به أنه علم فضلهم بالآيات الدالة على فضل العلماء كقوله تعالى: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " و قوله عز وجل " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " وقوله سبحانه " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا " إلى غير ذلك من الآيات، وقيل:

" به علموا " لاشتهارهم به عند الناس " وبهم قام الكتاب " أي بهم صارت أحكامه قائمة في الخلق معمولا بها " وبه قاموا " أي ارتفعت منزلتهم،، وفازوا بالزلفى بالعمل بما فيه، أو ببركته انتظم الامر في معاشهم، وقال بعض الشارحين:

أي قاموا بأوامره ونواهيه، فلا يكون الباء مثلها في " بهم قام الكتاب " وقال بعضهم: (بهم قام الكتاب) لأنهم قرروا البراهين على صدقه وصحته " وبه قاموا " أي باتباع أوامر الكتاب، لأنه لولا تأدبهم بآداب القرآن، وامتثالهم أوامره لما أغنى عنهم علمهم شيئا.

" ودون ما يخافون " أي غير ما يخافون من عذاب الآخرة، والبعد من رحمة الله، وفي بعض النسخ " فوق ما يخافون ".

قوله عليه السلام " أيها المعلل نفسه " أقول: بعض هذه الفقرات مذكورة في كلام له عليه السلام ذكره حين سمع رجلا يذم الدنيا كما سيأتي وقال الجوهري: علله بالشئ أي لهاه به كما يعلل الصبي بشئ من الطعام يتجزأ به عن اللبن، يقال:

فلان يعلل نفسه بتعلة وتعلل به أي تلهى به وتجزء، وقال: الركض تحريك الرجل، وركضت الفرس برجلي إذا استحثثته ليعدو، ثم كثر حتى قيل: ركض الفرس إذا عدا، والحبائل جمع الحبالة وهي التي يصاد بها، أي تركض لاخذ ما وقع في الحبائل التي نصبتها في الدنيا، كناية عن شدة الحرص في تحصيل متمنياتها أو المعنى نصب لك الشيطان مصائد فيها، ليصطادك بها، وأنت تركض إليها حتى

تقع فيها جهلا وغرورا.

" المجتهد في عمارة ما سيخرب منها " أي تسعى بغاية جهدك في عمارة ما تعلم أنه آئل إلى الخراب ولا تنتفع به، ثم بين عليه السلام ما يمكن أن يستدل به على خرابها وعدم بقائها بقوله: " ألم تر إلى مصارع آبائك " يقال: صرع فلان من دابته على صيغة المجهول أي سقط، وصرعه أي طرحه على الأرض، والموضع مصرع، والثرى بالفتح الندى أو التراب الندي وفي المصباح: بلي الثوب يبلى من باب تعب بلى بالكسر والقصر وبلاء بالفتح والمد خلق فهو بال، وبلي الميت أفنته الأرض، وقوله: " في البلى " كأنه حال عن آبائك وفي النهج " متى استهوتك أم متى غرتك أبمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى ".

والجنادل جمع جندل كجعفر، وهي الحجارة، وقال الجوهري: مرضته تمريضا إذا قمت عليه في مرضه والعلة المرض وعلله أي قام عليه في علته يطلب دواءه وصحته ويتكفل بأموره، وقال الجوهري: استوصفت الطبيب لدائي إذا سألته أن يصف لك ما تتعالج به انتهى والاستعتاب الاسترضاء، كناية عن طلب الدعاء أو رضاهم إذا كانت لهم موجدة، وفي بعض النسخ تستغيث وهو أظهر، وفي القاموس أغنى عنه غناء فلان ومغناه ناب عنه وأجزأ مجزأه وقال الراغب:

أغنى عنه كذا إذا إكتفاه قال تعالى: " ما أغنى عنه ماله وما كسب " " ما أغنى عني ماليه " وقال: " لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم " " ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون " وقال: " لا يغني من اللهب " وفي القاموس نجع الطعام كمنع نجوعا هنأ

آكله، والعلف في الدابة والوعظ والخطاب فيه دخل فأثر كأنجع ونجع.

37 - نهج البلاغة: طوبى لمن ذل في نفسه، وطاب كسبه، وصلحت سريرته وحسنت خليقته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من لسانه، وعزل عن الناس شره، ووسعته السنة، ولم ينسب إلى بدعة.

قال السيد رضي الله عنه: ومن الناس من ينسب هذا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله.

بيان: الذلة في النفس التواضع ضد الاعجاب والترفع، وطيب الكسب أن لا يكون مكسبه من الطرق المحرمة والمكروهة ومواضع الشبهة، " وصلحت " كمنعت أو كحسنت باختلاف النسخ وسريرة الرجل وسره باطنه، وصلاحها ترك النفاق وإضمار الشر، والخلو عن الحسد وغيره والخليقة الطبيعة، وإنفاق الفضل من المال أن لا يمسك لنفسه إلا الكفاف، وإمساك الفضل من الكلام: الاقتصار على ما يعنيه، وعزله كنصره أي نحاه وأبعده " ووسعته السنة " أي لم تتضيق عليه حتى يخرج إلى البدعة وطلبها، وذلك الخروج إما في الاعتقاد، لعدم الرضا بالسنة، وهو مضاد للايمان كما قال سبحانه: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك " الآية وإما في العمل لميل النفس الامارة إلى الباطل، واتباع الشهوات، وهو معصية منافية لكمال الايمان.

38 - عدة الداعي: روى شعيب الأنصاري وهارون بن خارجة قالا: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن موسى صلوات الله عليه انطلق ينظر في أعمال العباد، فأتى رجلا من أعبد الناس فلما أمسى حرك الرجل شجرة إلى جنبه فإذا فيها رمانتان، قال:

فقال: يا عبد الله من أنت إنك عبد صالح، أنا ههنا منذ ما شاء الله ما أجد في هذه الشجرة إلا رمانة واحدة، ولولا أنك عبد صالح ما وجدت رمانتين، قال عليه السلام:

أنا رجل أسكن أرض موسى بن عمران، قال: فلما أصبح قال: تعلم أحدا أعبد منك؟

قال: نعم، فلان الفلاني.

قال: فانطلق إليه فإذا هو أعبد منه كثيرا فلما أمسى أوتي برغيفين وماء فقال: يا عبد الله من أنت إنك عبد صالح أنا ههنا منذ ما شاء الله وما أوتي إلا برغيف واحد، ولولا أنك عبد صالح ما أوتيت برغيفين، فمن أنت؟ قال: أنا رجل أسكن أرض موسى بن عمران، ثم قال موسى: هل تعلم أحدا أعبد منك؟

قال: نعم، فلان الحداد في مدينة كذا وكذا.

قال: فأتاه فنظر إلى رجل ليس بصاحب عبادة، بل إنما هو ذاكر لله تعالى وإذا دخل وقت الصلاة قام فصلى، فلما أمسى نظر إلى غلته فوجدها قد أضعفت قال: يا عبد الله من أنت إنك عبد صالح أنا ههنا منذ ما شاء الله غلتي قريب بعضها من بعض والليلة قد أضعفت فمن أنت؟ قال: أنا رجل أسكن أرض موسى بن عمران قال: فأخذ ثلث غلته فتصدق بها، وثلثا أعطى مولى له، وثلثا اشترى به طعاما فأكل هو وموسى.

قال: فتبسم موسى عليه السلام فقال: من أي شئ تبسمت؟ قال: دلني نبي بني إسرائيل على فلان فوجدته من أعبد الخلق فدلني على فلان فوجدته أعبد منه فدلني فلان عليك وزعم أنك أعبد منه، ولست أراك شبه القوم، قال: أنا رجل مملوك أليس تراني ذاكرا لله، أو ليس تراني أصلي الصلاة لوقتها، وإذا أقبلت على الصلاة أضررت بغلة مولاي، وأضررت بعمل الناس، أتريد أن تأتي بلادك؟

قال: نعم، قال: فمرت به سحابة فقال الحداد: يا سحابة تعالي! قال: فجاءت قال: أين تريدين؟ قالت أريد أرض كذا وكذا ، قال: انصرفي، ثم مرت به أخرى فقال: يا سحابة تعالي! فجاءته فقال: أين تريدين؟ قالت أريد أرض كذا وكذا، قال:

انصرفي ثم مرت به أخرى فقال: يا سحابة تعالي! فجاءته فقال: أين تريدين؟

قالت: أريد أرض موسى بن عمران، قال: فقال احملي هذا حمل رفيق، وضعيه في

أرض موسى بن عمران وضعا رفيقا.

قال: فلما بلغ موسى بلاده قال: يا رب بما بلغت هذا ما أرى؟ قال: إن عبدي هذا يصبر على بلائي، ويرضى بقضائي، ويشكر نعمائي.

39 - نهج البلاغة من كلام له عليه السلام عند تلاوته: " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " قال: إن الله سبحانه جعل الذكر جلاء للقلوب، تسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد العشوة، وتنقاد به بعد المعاندة، وما برح لله عزت آلاؤه في البرهة بعد البرهة، وفي أزمان الفترات، عباد ناجاهم في فكرهم، وكلمهم في ذات عقولهم، فاستصبحوا بنور يقظة في الاسماع والابصار والأفئدة، يذكرون بأيام الله، ويخوفون مقامه، بمنزلة الأدلة في الفلوات، من أخذ القصد حمدوا إليه طريقة، وبشروه بالنجاة ومن أخذ يمينا وشمالا ذموا إليه الطريق وحذروه من الهلكة.

وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات وأدلة تلك الشبهات وإن للذكر لأهلا أخذوه من الدنيا بدلا، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه، يقطعون به أيام الحياة ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط، ويأتمرون به، وينهون عن المنكر، ويتناهون عنه، فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك، فكأنما اطلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه، وحققت القيامة عليهم عداتها، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس، ويسمعون ما لا يسمعون.

فلو مثلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة، ومجالسهم المشهودة، وقد نشروا دواوين أعمالهم، وفرغوا لمحاسبة أنفسهم على كل صغيرة وكبيرة، أمروا بها فقصروا عنها، ونهوا عنها ففرطوا فيها، وحملوا ثقل أوزارهم ظهورهم، فضعفوا عن الاستقلال بها، فنشجوا نشيجا وتجاوبوا نحيبا يعجون إلى ربهم من مقام ندم واعتراف، لرأيت أعلام هدى ، ومصابيح دجى، قد حفت بهم الملائكة

ونزلت عليهم السكينة، وفتحت لهم أبواب السماء، واعدت لهم مقاعد الكرامات في مقام اطلع الله عليهم فيه فرضي سعيهم، وحمد مقامهم، يتنسمون بدعائه روح التجاوز، رهائن فاقة إلى فضله، وأسارى ذلة لعظمته جرح طول الأسى قلوبهم، وطول البكاء عيونهم، لكل باب رغبة إلى الله منهم يد قارعة بها يسألون من لا تضيق لديه المنادح، ولا يخيب عليه الراغبون، فحاسب نفسك لنفسك، فان غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك.

تبيين: اللهو اللعب، وألهاني الشئ أي شغلني، والذكر يطلق على اللساني والقلبي ولعل الظاهر من الكلمات الآتية أن المراد به ما يعم ذكره باللسان:

بالانذار عن عقابه سبحانه والبشارة بثوابه والامر بطاعته والنهي عن معصيته وبالقلب: بمحاسبة النفس في طاعته ومعصيته، والاقدام على طاعته بذكر رحمته والانتهاء عن معصيته بذكر غضبه، والاعتراف بالذنب والندم على المخالفة، فان الجميع مما ينبعث عن ذكره سبحانه بالقلب بالعظمة والجلال والمهابة والانعام والاكرام.

وجلا فلان السيف والمرآة جلوا بالفتح وجلاء ككساء أي صقلهما، والوقر الثقل في الاذن وذهاب السمع كله، والعشوة المرة من العشا بالفتح والقصر أي سوء البصر بالليل والنهار أو العمى، وقيل: أن لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار وبرح فلان مكانه كفرح أي زال عنه، وما برح أي دائما " وعزت آلاؤه " أي عظمت وكرمت نعمه وعطاياه، والبرهة بالضم كما في النسخ وبالفتح أيضا المدة أو الزمان الطويل، والفترة بالفتح ما بين كل نبيين من الزمان، وقيل انقطاع الوحي والمناجاة: المخاطبة سرا " في الكفر " أي الالهام، " وكلمهم في ذات عقولهم " أي في الباطن خفيا كما قيل في قوله تعالى " والله عليم بذات الصدور " أي بنفس الصدور، أي ببواطنها وخفياتها والمصباح السراج، واستصبح أي استسرج، ونور

اليقظة في الاسماع: الاستماع للحكم والمواعظ، وكل كلام نافع في الدين والدنيا والعبرة بسماع أحوال الماضين، وترك الاصغاء إلى الملاهي، وكل كلام باطل وفي الابصار: النظر بعين العبرة، والاستدلال بآثار الصنع على العلم والقدرة، لا بعين الالتذاذ والميل إلى المحرمات، والرغبة في زهرات الدنيا ، وفي الأفئدة: التفكر في آيات القدرة وكلام الله عز وجل وأحكامه، والحكم والمسائل الدينية، والتفكر فيما نزل بالماضين، وعاقبة المحسنين والمسيئين، وترك الاشتغال بالأفكار الباطلة وما يلهي عن ذكر الله عز وجل.

" يذكرون بأيام الله " إشارة إلى قوله تعالى " وذكرهم بأيام الله " وقيل: معناه وقايع الله في الأمم الخالية، وإهلاك من هلك منهم، وأيام العرب حروبها، وقيل: أي بنعمه وآلائه، وروي عن الصادق عليه السلام أنه يريد بأيام الله سننه وأفعاله في عباده من إنعام وانتقام، وهو القول الجامع، ومقام الله كناية عن عظمته وجلالته المستلزمة للهيبة والخوف، وقيل في قوله تعالى " ولمن خاف مقام ربه جنتان " أي مقامه بين يدي ربه للحساب.

والفلاة المفازة لا ماء فيها أو الصحراء الواسعة، والقصد الرشد واستقامة الطريق وضد الافراط والتفريط " وحمدوا إليه " أي منهيا أو متوجها ونحو ذلك كقولهم في أوائل الكتب " أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو " وكذلك " ذموا إليه " والهلكة بالتحريك والهلكاء الهلاك وهلكة هلكاء توكيد.

والتجارة ككتابة الاسم من قولك تجر فلان كنصر، واتجر أي باع و اشترى، وقيل: التجارة المعاملة الرابحة، وذكر البيع بعد التجارة مبالغة بالتعميم بعد التخصيص، إن أريد به مطلق المعاوضة، أو بأفراد ما هو أعم من قسمي التجارة فان الربح يتوقع بالشري ويتحقق بالبيع، وهذا بناء على أن يكون كل من الامرين قسما منها لا جزءا وقيل المراد: بالتجارة الشرى فإنه أصلها ومبدؤها.

وهتفت الحمامة كضربت أي صاتت، وهتف به هتافا بالضم أي صاح به ودعاه، وهتف به هاتف أي سمع صوته ولم ير شخصه وفي بعض النسخ " يهتفون " بدون حرف العطف، والقسط بالكسر العدل، يقال: قسط كضرب ونصر وأقسط ويقال قسط قسطا كضرب ضربا أي جاز وعدل عن الحق فهو من الأضداد، و تناهى عن الامر وانتهى عنه أي امتنع.

قوله عليه السلام " إلى الآخرة " أي منتهين أو واصلين إليها، وفي بعض النسخ:

" وكأنما " بالواو في الموضعين " وغيوب أهل البرزخ " ما غاب عن الناس من أحوالهم والوعد يستعمل في الخير والشر يقال: وعدته خيرا ووعدته شرا فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير الوعد وفي الشر الايعاد، وكشف الغطاء عن العداة بيانها لهم على أوضح وجه، والمقاوم جمع مقام، وشهده كسمعه أي حضره، و الديوان بالكسر وقد يفتح مجتمع الصحف والكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية، وقيل: جريدة الحساب، ويطلق على موضع الحساب وهو معرب.

" وفرغوا لمحاسبة أنفسهم " أي فرغوا عن سائر الاشغال، وتركوها لمحاسبة أنفسهم " وحملوا ثقل أوزارهم ظهورهم " أي تدبروا في ثقل الآثام والمعاصي، و طاقة حملهم، فأذعنوا بأن ثقلها يزيد عن قوتهم ولا يطيقون حملها وعذابها، و الاستقلال بالشئ الاستبداد والانفراد به، واستقل القوم أي مضوا وارتحلوا، و استقله أي حمله ورفعه.

ونشج الباكي كضرب نشيجا أي غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب " وتجاوبوا " أي جاوب بعضهم بعضا، والنحيب أشد البكاء، والظاهر من التجاوب أن نشر الدواوين ومحاسبتهم أنفسهم في مجمعهم ومحضرهم كما هو الظاهر من لفظ المشهودة في أول الكلام، لا أن يحاسب كل واحد نفسه على حدة، ويحتمل التجوز في لفظ التجاوب، وعج كضر كما في النسخ وكعض عجا وعجيجا أي صاح ورفع صوته " لرأيت " الجملة جزاء للشرط السابق، والدجى جمع دجية بالضم

أي الظلمة.

" وحفت بهم " أي أحاطت وطافت حولهم. والسكينة الطمأنينة والمهابة والوقار ولعل المراد به اليقين الذي تسكن به نفوسهم، وتطمئن قلوبهم، فلا يتزلزل لشبهة أو لما أصابها من فتنة كما قال عز وجل " ومن الناس من يعبد الله على حرف فان أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ".

" وأبواب السماء " الأبواب التي تنزل منها الرحمة أو تصعد الأعمال الصالحة وأعده إعدادا هيأه وأحضره، والنسم محركة نفس الريح، إذا كان ضعيفا كالنسيم وتنسم أي تنفس وتنسم النسيم أي تشممه، والروح بالفتح الراحة والرحمة ونسيم الريح، والمعنى يدعون ويتوقعون بدعائه تجاوزه عن ذنوبهم، والرهينة والمرتهنة الرهن، والاسى الحزن، وأبواب الرغبة كلما يتقرب به إلى الله، واليد القارعة تطرق هذه الأبواب بالتقرب بها إلى الله تعالى، والندح بالفتح والضم الأرض الواسعة، والمنادح المفاوز، و " عليه " متعلق بيخيب على تضمين معنى القدوم والوفود ونحو ذلك، والحسيب المحاسب، والمراد إما أسرع الحاسبين أو كل أحد من المكلفين، فإنه مكلف بأن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب في موقف الحساب.

40 - نهج البلاغة: ومن دعاء له عليه السلام: اللهم إنك آنس الآنسين بأوليائك، و أحضرهم بالكفاية للمتوكلين عليك، تشاهدهم في سرائرهم، وتطلع عليهم في ضمائرهم وتعلم مبلغ بصائرهم، فأسرارهم لك مكشوفة، وقلوبهم إليك ملهوفة، إن أوحشتهم القربة آنسهم ذكرك، وإن صبت عليهم المصائب لجئوا إلى الاستجارة بك، علما بأن أزمة الأمور بيدك، ومصادرها عن قضائك، اللهم إن فههت عن مسئلتي أو عمهت عن طلبتي، فدلني على مصالحي، وخذ بقلبي إلى مراشدي، فليس ذلك بنكر من هداياتك، ولا ببدع من كفاياتك، اللهم احملني على عفوك، ولا تحملني

على عدلك.

بيان: إنما أوردت هذا الدعاء لأنه من مناجاة أولياء الله، ومشتمل على كثير من صفاتهم المختصة بهم، رزقنا الله الوصول إلى درجتهم قوله عليه السلام " بأوليائك " في بعض النسخ " لأوليائك " وقال بعضهم الباء أنسب أي أنت أكثرهم انسا بأوليائك وعطفا وتحننا عليهم " وأحضرهم بالكفاية " الحضور ضد الغيبة، والحضر بالضم والاحضار ارتفاع الفرس في عدوه، قيل: أي أبلغهم إحضارا لكفاية المتوكلين وأقومهم بذلك، وقيل أي أسرعهم إحضارا لما استعد منهم من الكمال، والأظهر أن المعنى أشدهم وأكثرهم حضورا عند الكفاية، فإنه لا يغيب عن كفايتهم، ولا يعزب عن علمه شئ، وقيل: الكفاية بيان للحضور.

والكافي من يقوم بالامر، ويحصل به الاستغناء عن الغير، وتوكل على الله أي اعتمد عليه ووثق به، والبصيرة المعرفة وعقيدة القلب والفطنة وقيل: البصائر العزائم، والملهوف المكروب، والمظلوم المستغيث أي قلوبهم مستغيثة راغبة عند الكرب والحاجة إليك، والمستجير الذي يطلب الأمان أو الحفظ، وفهه كفرح أي عيي، وعمه كفرح أيضا أي تردد في الضلال أو تحير في منازعة أو طريق أو لم يعرف الحجة، والمراشد مقاصد الطريق أي ما فيه الاستقامة والفوز بالمقصد " وخذ بقلبي إلى مراشدي " أي جره إليها، والنكر العجيب، والبدع بالكسر الامر المبتدع، أي لم يعهد مثله " واحملني على عفوك " أي عاملني يوم الجزاء بعفوك.

بسم الله الرحمن الرحيم

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.