بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
37 - باب صفات خيار العباد وأولياء الله، وفيه ذكر بعض
ج ۶۶، ص ۲۸۳–۳۱۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۳
رجال الكشي: عن علي، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن علي بن مهزيار مثله.
بيان: في القاموس " القرعاء " منهل بطريق مكة بين القادسية والعقبة وقال: الرش المطر القليل، وأرشت السماء كرشت، قوله " وعدت به " أقول:
في النسخ هنا اختلاف كثير ففيما عندنا من نسخة اختيار الكشي " وعدت به إلى الرضا عليه السلام قابلا فكشفت له " وليست فيه الزيادة، وفي بعض كتب الرجال " وعدت به إلى الهادي عليه السلام وذلك سنة ست وعشرين ومائتين بعد موت الجواد عليه السلام فتخم الغلظ في التنازع قابلا وكشفت " وفي بعضها سنة ست وعشرين بعد موت الجواد عليه السلام " فتحتم الغلظ في التنازع " وفي بعضها " فتجشم " وفي بعضها " في سنة عشرين وهي سنة وفاة الجواد عليه السلام " والحاصل أنه قرب التنازع أو تحتم والتنازع إما في حقيقة نور السواك أو في شي آخر من الإمامة وغيرها، والنسخة الأولى أظهر.
20 - أمان الأخطار: إن المؤمن إذا كان لله مخلصا أخاف الله منه كل شئ، روينا ذلك بإسنادنا إلى البرقي من كتابه كتاب المحاسن عن صفوان الجمال قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن المؤمن يخشع له كل شئ، ويهابه كل شئ، ثم قال:
إذا كان مخلصا لله أخاف الله منه كل شئ حتى هوام الأرض وسباعها، وطير السماء وحيتان البحر.
فمن ذلك ما رويناه من كتاب الرجال للكشي وقد ذكرناه في كتاب الكرامات ولم يحضرنا لفظه فنذكر الان معناه أن بعض خواص مولانا علي عليه السلام من شيعته كان قد سجد فتطوق أفعى على حلقه، فلم يتغير من حال سجوده ومراقبة معبوده حتى انفصل الأفعى عن رقبته بغير حيلة منه، بل بفضل الله جل جلاله ورحمته.
ومن ذلك ما رويناه مرويا عن علي الزاهد بن الحسن بن الحسن بن الحسن السبط عليهم السلام إنه كان قائما في الصلاة فانحدر أفعى من رأس جبل فصعد على ثيابه ودخل من زيقه وخرج من تحت ثيابه، فلم يتغير عن حال صلاته، ومراقبته لمالك حياته.
ومن ذلك ما رويناه في كتاب السفر وقد نقلناه بلفظه في كتاب الكرامات
ونذكر ههنا بعض معناه أن عليا بن عاصم الزاهد كان يزور الحسين عليه السلام بكربلا قبل عمارة مشهده بالناس، فدخل سبع إليه فلم يهرب منه، ورأي كف السبع منتفخة بقصبة قد دخلت فيها، فأخرج القصبة منه، وعصر كف السبع وشده ببعض عمامته، ولم يقف من الزوار لذلك بسوء.
ومن ذلك ما عرفناه نحن وهو أن بعض الجوار والعيال جاؤني ليلة وهم منزعجون، وكنت إذ ذاك مجاورا بعيالي لمولانا علي عليه السلام فقالوا: قد رأينا مسلخ الحمام تطوى الحصر الذي فيه وتنشر، وما ننظر من يفعل ذلك، فحضرت عند باب المسلخ، وقلت: سلام عليكم قد بلغني عنكم ما قد فعلتم ونحن جيران مولانا علي عليه السلام وأولاده وضيفانه، وما أسأنا مجاورتكم، فلا تكدروا علينا مجاورته ومتى فعلتم شيئا من ذلك شكوناكم إليه، فلم نعرف منهم تعرضا لمسلخ الحمام بعد ذلك أبدا.
ومن ذلك أن ابنتي الحافظة الكاتبة شرف الاشراف كمل الله لها تحف الألطاف عرفتني أنها تسمع سلاما عليها ممن لا تراه، فوقفت في الموقف فقلت:
سلام عليكم أيها الروحانيون، فقد عرفتني ابنتي أشرف الاشراف بالتعرض لها بالسلام، وهذا الانعام مكدر علينا، نحن نخاف منه أن ينفر بعض العيال منه، و نسأل أن لا تتعرضوا لنا بشئ من المكدرات، وتكونوا معنا على جميل العادات فلم يتعرض لها أحد بعد ذلك بكلام.
ومن ذلك أنني كنت أصلي المغرب بداري بالحلة، فجاءت حية فدخلت تحت خرقة كانت موضع سجودي فتممت الصلاة، ولم تتعرض لي بسوء، وقتلتها بعد فراغي من الصلاة، وهذا أمر معلوم يعرفه من رآه أو رواه.
توضيح: زيق القميص بالكسر ما أحاط بالعنق منه.
21 - الحسين بن سعيد أو النوادر: عن محمد بن سنان، عن أبي عمار صاحب الأكسية عن البريدي عن أبي أراكة قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: إن لله عبادا كسرت قلوبهم خشية الله فاستكفوا عن المنطق، وإنهم لفصحاء عقلاء، ألباء نبلاء، يسبقون إليه بالاعمال
الزاكية، لا يستكثرون له الكثير، ولا يرضون له القليل، يرون أنفسهم أنهم شرار وأنهم الأكياس الأبرار.
22 - دعوات الراوندي: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن إبراهيم خرج مرتادا لغنمه وبقره مكانا للشتاء، فسمع شهادة أن لا إله إلا الله، فتبع الصوت حتى أتاه فقال: يا عبد الله من أنت؟ أنا في هذه البلاد مذ ما شاء الله ما رأيت أحدا يوحد الله غيرك، قال: أنا رجل كنت في سفينة غرقت، فنجوت على لوح فأنا ههنا في جزيرة قال: فمن أي شئ معاشك؟ قال: أجمع هذه الثمار في الصيف للشتاء، قال: انطلق حتى تريني مكانك، قال: لا تستطيع ذلك، لان بيني وبينها ماء بحر، قال:
فكيف تصنع أنت؟ قال: أمشي عليه حتى أبلغ قال: أرجو الذي أعانك أن يعينني قال: فانطلق.
فأخذ الرجل يمشي وإبراهيم يتبعه فلما بلغا الماء، أخذ الرجل ينظر إلى إبراهيم عليه السلام ساعة بعد ساعة يتعجب منه حتى عبرا، فأتى بها كهفا قال:
ههنا مكاني، قال: فلو دعوت الله وأمنت أنا، قال: أما إني أستحيي من ربي ولكن ادع أنت وأؤمن أنا، قال: وما حياؤك؟ قال: أتيت الموضع الذي رأيتني فيه، فرأيت غلاما أجمل الناس، كأن خديه صفحتا ذهب ذوابة، مع غنم وبقر كان عليها الدهن، فقلت له: من أنت؟ قال: أنا إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن فسألت الله أن يرينى إبراهيم منذ ثلاثة أشهر، وقد أبطأ ذلك علي قال: فقال عليه السلام:
فأنا إبراهيم، فاعتنقا.
قال أبو عبد الله عليه السلام: هما أول اثنين اعتنقا على وجه الأرض.
وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: خرج ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يرتادون لأهلهم فأصابتهم السماء فلجئوا إلى جبل فوقعت عليهم صخرة، فقال بعضهم لبعض عفا الأثر ووقع الحجر، ولا يعلم مكانكم إلا الله، ادعوا الله بأوثق أعمالكم، فقال أحدهم:
اللهم إن كنت تعلم أنه كانت امرأة تعجبني فطلبتها فأبت علي فجعلت لها جعلا
فطابت نفسها فلما جلست منها اشتد ارتعادها من خشيتك، فتركتها فان كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك، وخشية عذابك فافرج عنا، قال: فزال ثلث الجبل.
وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي والدان وكنت أحلب لهما فأتيتهما ليلة وهما نائمان فقمت قائما حتى طلع الفجر فلما استيقظا شربا، فان كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء ثوابك، وخشية عذابك، فافرج عنا فزال ثلث الحجر.
فقال الثالث: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت يوما أجيرا فعمل إلى نصف النهار فأعطيته اجرته فسخط ولم يأخذه، فصرفت ذلك إلى التجارة والمواشي وغيرها، فلما جاء يطلب أجره، قلت: خذ هذا كله لك، ولو شئت لم اعطه إلا أجره، فان كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك وخشية عذابك فافرج عنا فزال ثلث الحجر، وخرجوا يتماشون.
23 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن محمد بن علي، عن محمد بن سنان، عن عيسى النهر يرى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من عرف الله
وعظمه منع فاه من الكلام، وبطنه من الطعام، وعفى نفسه بالصيام، والقيام، قالوا:
بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله هؤلاء أولياء الله؟ قال: إن أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكرا، ونظروا فكان نظرهم عبرة، ونطقوا فكان نطقهم حكمة، ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة، لولا الآجال التي قد كتب الله عليهم لم تقر أرواحهم في أجسادهم خوفا من العذاب، وشوقا إلى الثواب.
أمالي الصدوق: عن ابن إدريس، عن أبيه، عن أحمد البرقي، عن محمد بن علي الكوفي.
عن محمد بن سنان، عن عيسى النهر تيري عنه عليه السلام مثله إلا أنه فيه هكذا: فكان سكوتهم فكرا وتكلموا فكان كلامهم ذكرا.
أمالي الصدوق: عن ماجيلويه، عن عمه، عن الكوفي، عن محمد بن سنان مثله.
بيان: قال النجاشي: عيسى بن أعين الجريري الأسدي مولى كوفي ثقة وعده من أصحاب الصادق عليه السلام فما في المجالس أظهر سندا ومتنا لكن في أكثر نسخ المجالس النهر تيري بالتاء كما في بعض نسخ الكافي وفي بعضها النهر بيري بالباء الموحدة وفي بعضها النهري والأخير كأنه نسبة إلى النهروان ولم أجد الأولين في اللغة وقال الشيخ البهائي قدس سره في حاشية الأربعين:
الجريري بضم الجيم والرائين المهملتين منسوب إلى جرير بن عباد بضم العين وتخفيف الباء.
" من عرف الله " قال الشيخ المتقدم رحمه الله: قال بعض الاعلام: أكثر ما تطلق المعرفة على الأخير من الادراكين للشئ الواحد، إذا تخلل بينهما عدم بأن أدركه أولا ثم ذهل عنه، ثم أدركه ثانيا فظهر له أنه هو الذي كان قد أدركه أولا، ومن ههنا سمي أهل الحقيقة بأصحاب العرفان، لان خلق الأرواح قبل الأبدان كما ورد في الحديث، وهي كانت مطلعة على بعض الاشراقات الشهودية مقرة لمبدعها بالربوبية، كما قال سبحانه: " ألست بربكم قالوا بلى " لكنها لالفها بالأبدان الظلمانية، وانغمارها في الغواشي الهيولانية، ذهلت عن مولاها ومبدعها، فإذا تخلصت بالرياضة من أسر دار الغرور، وترقت بالمجاهدة عن الالتفات إلى عالم الزور، تجدد عهدها القديم الذي كاد أن يندرس بتمادي الاعصار والدهور، وحصل لها الادراك مرة ثانية وهي المعرفة التي هي نور على نور.
" من الكلام " أي من فضوله، وكذا الطعام، فان الاكثار منه يورث الثقل عن العبادة، ويحتمل أن يكون كناية عن الصوم " وعفى " كذا في بعض النسخ بالفاء أي جعلها صافية خالصة أو جعلها مندرسة ذليلة خاضعة أو وفر كمالاتها قال في النهاية: أصل العفو المحو والطمس، وعفت الريح الأثر محته وطمسته، ومنه حديث أم سلمة " لا تعف سبيلا كان رسول الله صلى الله عليه وآله لحبها " أي لا تطمسها وعفى الشئ كثر وزاد، يقال أعفيته وعفيته، وعفا الشئ درس، ولم يبق له أثر، وعفا الشئ صفا وخلص انتهى، وأقول: يمكن أن يحملها بعضهم على الفناء في الله باصطلاحهم والأظهر ما في المجالس وغيره وأكثر نسخ الكتاب " عنا " بالعين المهملة والنون المشددة أي أتعب، والعناء بالفتح والمد النصب.
" بآبائنا وأمهاتنا " قال الشيخ البهائي رحمه الله: هذه الباء يسميها بعض النحاة باء التفدية، وفعلها محذوف غالبا، والتقدير نفديك بآبائنا وأمهاتنا، وهي
في الحقيقة باء العوض، نحو خذ هذا بهذا، وعد منه قوله تعالى " ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ".
" هؤلاء أولياء الله " فهو استفهام محذوف الأداة، ويمكن أن يكون خبرا قصد به لازم الحكم، والتأكيد في قوله " إن أولياء الله " الخ لكون الخبر ملقى إلى السائل المتردد على الأول، ولكون المخاطب حاكما بخلافه على الثاني، إن جعل قوله صلى الله عليه وآله " إن أولياء الله " ردا لقولهم " هؤلاء أولياء الله " أي أولياء الله أناس اخر، صفاتهم فوق هذه الصفات، وإن جعل تصديقا لقولهم، ووصفا للأولياء بصفات أخرى زيادة على صفاتهم الثلاث السابقة، فالتأكيد لكون الخبر ملقى إلى الخلص الراسخين في الايمان، فهو رائج عندهم، متقبل لديهم، صادر عنه صلى الله عليه وآله عن كمال الرغبة، ووفور النشاط، لأنه في وصف أولياء الله بأعظم الصفات، فكأنه مظنة التأكيد كما ذكره صاحب الكشاف عند قوله تعالى " وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ".
" فكان سكوتهم ذكرا " أي عند سكوتهم قلوبهم مشغولة بذكر الله، وتذكر صفاته الكمالية، وآلائه ونعمائه وغرائب صنعه وحكمته، وفي رواية المجالس كما أشرنا إليه " فكان سكوتهم فكرا ".
وقال الشيخ البهائي رحمه الله: أطلق على سكوتهم الفكر، لكونه لازما له غير منفك عنه، وكذا إطلاق العبرة على نظرهم، والحكمة على نطقهم، والبركة على مشيهم، وجعل صلى الله عليه وآله كلامهم ذكرا ثم جعله حكمة إشعارا بأنه لا يخرج عن هذين، فالأول في الخلوة، والثاني بين الناس، ولك إبقاء النطق على معناه المصدري أي إن نطقهم بما نطقوا به مبني على حكمة ومصلحة.
" فكان مشيهم بين الناس بركة " لان قصدهم قضاء حوائج الناس، وهدايتهم وطلب المنافع لهم، ودفع المضار عنهم، مع أن وجودهم سبب لنزول الرحمة
عليهم، ودفع البلايا عنهم " لم تقر أرواحهم " في المجالس " لم تستقر ".
" خوفا من العذاب وشوقا إلى الثواب " فيه إشارة إلى تساوي الخوف والرجاء فيهم وكونهما معا في الغاية القصوى، والدرجة العليا، كما مضت الاخبار فيه.
ثم اعلم أن كون الشوق إلى الثواب سببا لمفارقة أرواحهم أوكار أبدانهم وطيرانها إلى عالم القدس، ومحل الانس، ودرجات الجنان ونعيمها ظاهر وأما الخوف من العقاب إما لشدة الدهشة، واستيلاء الخوف عليهم كما فعل بهمام لعدهم أنفسهم من المقصرين، أو يريدون اللحوق بمنازلهم العالية حذرا من أن تتبدل أحوالهم، وتستولي الشهوات عليهم، فيستحقوا بذلك العذاب، فلذا يستعجلون في الذهاب إلى الآخرة.
ثم قال الشيخ المتقدم رفع الله درجته: المراد بمعرفة الله تعالى الاطلاع على نعوته وصفاته الجلالية والجمالية، بقدر الطاقة البشرية ، وأما الاطلاع على حقيقة الذات المقدسة فمما لا مطمع فيه للملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين فضلا عن غيرهم، وكفى في ذلك قول سيد البشر " ما عرفناك حق معرفتك " وفي الحديث " إن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الابصار، وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم " فلا تلتفت إلى من يزعم أنه قد وصل إلى كنه الحقيقة المقدسة، بل أحث التراب في فيه، فقد ضل وغوى، وكذب وافترى فان الامر أرفع وأظهر من أن يتلوث بخواطر البشر، وكلما تصوره العالم الراسخ فهو عن حرم الكبرياء بفراسخ، وأقصى ما وصل إليه الفكر العميق، فهو غاية مبلغه من التدقيق، وما أحسن ما قال:
آنچه پيش تو غير از أو ره نيست * غايت فهم تو است الله نيست بل الصفات التي نثبتها له سبحانه إنما هي على حسب أوهامنا، وقدر أفهامنا فانا نعتقد اتصافه بأشرف طرفي النقيض بالنظر إلى عقولنا القاصرة، وهو تعالى أرفع وأجل من جميع ما نصفه به.
وفي كلام الامام أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام إشارة إلى هذا المعنى
حيث قال: " كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم " ولعل النمل الصغار تتوهم أن لله تعالى زبانيتين فان ذلك كمالها ويتوهم أن عدمها نقصان لمن لا يتصف بهما، وهذا حال العقلاء فيما يصفون الله تعالى به.
انتهى كلامه صلوات الله عليه وسلامه.
قال بعض المحققين: هذا كلام دقيق رشيق أنيق صدر من مصدر التحقيق ومورد التدقيق، والسر في ذلك أن التكليف إنما يتوقف على معرفة الله تعالى بحسب الوسع والطاقة، وإنما كلفوا أن يعرفوه بالصفات التي ألفوها، وشاهدوها فيهم مع سلب النقائص الناشية عن انتسابها إليهم، ولما كان الانسان واجبا بغيره عالما قادرا مريدا حيا متكلما سميعا بصيرا كلف بأن يعتقد تلك الصفات في حقه تعالى مع سلب النقائص الناشية عن انتسابها إلى الانسان بأن يعتقد أنه تعالى واجب لذاته لا بغيره عالم بجميع المعلومات، قادر على جميع الممكنات، وهكذا في سائر الصفات ولم يكلف باعتقاد صفة له تعالى لا يوجد فيه مثالها ومناسبها بوجه، ولو كلف به لما أمكنه تعقله بالحقيقة، وهذا أحد معاني قوله عليه السلام " من عرف نفسه فقد عرف ربه " انتهى كلامه.
ثم قال قدس سره: قد اشتمل هذا الحديث على المهم من سمات العارفين وصفات الأولياء الكاملين، فأولها الصمت وحفظ اللسان الذي هو باب النجاة، وثانيها الجوع وهو مفتاح الخيرات، وثالثها إتعاب النفس في العبادة بصيام النهار، وقيام الليل، وهذه الصفة ربما توهم بعض الناس استغناء العارف عنها وعدم حاجته إليها بعد الوصول وهو وهم باطل، إذ لو استغنى عنها أحد لاستغنى عنها سيد المرسلين وأشرف الواصلين وقد كان عليه السلام يقوم في الصلاة إلى أن ورمت قدماه، وكان أمير المؤمنين علي عليه السلام الذي إليه ينتهي سلسلة أهل العرفان يصلي كل ليلة ألف ركعة، وهكذا شأن جميع الأولياء والعارفين، كما هو في التواريخ مسطور، وعلى الألسنة مشهور.
ورابعها الفكر، وفي الحديث تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة، قال بعض
الأكابر إنما كان الفكر أفضل لأنه عمل القلب، وهو أفضل من الجوارح، فعمله أشرف من عملها ألا ترى إلى قوله تعالى " أقم الصلاة لذكري " فجعل الصلاة وسيلة إلى ذكر القلب، والمقصود أشرف من الوسيلة.
وخامسها الذكر والمراد به الذكر اللساني وقد اختاروا له كلمة التوحيد لاختصاصها بمزايا ليس هذا محل ذكرها.
وسادسها نظر الاعتبار كما قال سبحانه " فاعتبروا يا أولي الابصار ".
وسابعها النطق بالحكمة والمراد بها ما تضمن صلاح النشأتين أو صلاح النشأة الأخرى من العلوم والمعارف، أما ما تضمن صلاح الحال في الدنيا فقط، فليس من الحكمة في شئ.
وثامنها وصول بركتهم إلى الناس، وتاسعها وعاشرها الخوف والرجاء وهذه الصفات العشر إذا اعتبرتها وجدتها أمهات صفات السائرين إلى الله تعالى يسر الله لنا الاتصاف بها بمنه وكرمه.
24 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن بعض أصحابه من العراقيين رفعه قال: خطب الناس الحسن بن علي عليهما السلام فقال: أيها الناس إنما أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، كان خارجا من سلطان فرجه، فلا يستخف له عقله ولا رأيه، كان خارجا من سلطان الجهالة، فلا يمد يده إلا على ثقة لمنفعة.
كان لا يتشهى، ولا يتسخط، ولا يتبرم، كان أكثر دهره صماتا، فإذا قال بذ القائلين، كان لا يدخل في مراء، ولا يشارك في دعوى، ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا، وكان لا يغفل عن إخوانه ولا يخص نفسه بشئ دونهم، كان ضعيفا مستضعفا فإذا جاء الجد كان ليثا عاديا.
كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذارا، كان يفعل ما يقول ويفعل ما لا يقول كان إذا ابتزه أمران لا يدري أيهما أفضل، نظر إلى أقربهما إلى الهوى فخالفه، وكان لا يشكو وجعا إلا عند من يرجو عنده البرء، ولا يستشير إلا من يرجو عنده النصيحة، كان لا يتبرم، ولا يتسخط، ولا يتشكى، ولا يتشهى، ولا ينتقم ولا يغفل عن العدو، فعليكم بمثل هذه الأخلاق الكريمة، إن أطقتموها، فإن لم تطيقوها كلها فأخذ القليل خير من ترك الكثير، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين عليه السلام: كان لي فيما مضى أخ في الله، وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه وكان خارجا من سلطان بطنه إلى قوله من ترك الكثير.
تبيين: قال ابن أبي الحديد: قد اختلف الناس في المعنى بهذا الكلام ومن هذا الأخ المشار إليه؟ فقال قوم: هو رسول الله صلى الله عليه وآله واستبعده قوم لقوله عليه السلام " وكان ضعيفا مستضعفا " فإنه لا يقال في صفاته صلى الله عليه وآله مثل هذه الكلمة و إن أمكن تأويلها على لين كلامه وسجاحة أخلاقه، إلا أنها غير لائقة به عليه السلام وقال قوم: هو أبو ذر الغفاري واستبعده قوم لقوله عليه السلام " فان جاء الجد فهو ليث غاد وصل واد " فان أبا ذر لم يكن من المعروفين بالشجاعة والبسالة، وقال قوم:
هو مقداد بن عمرو المعروف بمقداد بن الأسود وكان من شيعة علي عليه السلام و كان شجاعا مجاهدا حسن الطريقة، وقد روي في فضله حديث صحيح مرفوع، و قال قوم: إنه ليس بإشارة إلى أخ معين ولكنه كلام خارج مخرج المثل كقولهم فقلت لصاحبي ويا صاحبي وهذا عندي أقوى الوجوه انتهى.
ولا يبعد أن يقال: إن قوله عليه السلام فان جاء الجد فهو ليث غاد إلى آخره لا يقتضي الشجاعة والبسالة في الحرب، بل المراد الوصف بالتصلب في ذات الله، و
ترك المداهنة في أمر الدين، وإظهار الحق، بل في العدول عن لفظ الحرب إلى الجد، بعد الوصف بالضعف إشعار بذلك، وقد كان أبو ذر معروفا بذلك، و إفصاحه عن فضائح بني أمية في أيام عثمان وتصلبه في إظهار الحق أشهر من أن يحتاج إلى البيان.
وقال الشارح ابن ميثم: ذكر هذا الفصل ابن المقفع في أدبه ونسبه إلى الحسن بن علي عليهما السلام والمشار إليه قيل: هو أبو ذر الغفاري وقيل: هو عثمان ابن مظعون انتهى.
وأقول: لا يبعد أن يكون المراد به أباه عليه السلام عبر هكذا لمصلحة.
" وكان رأس ما عظم به في عيني " أي وكان أقوى وأعظم الصفات التي صارت أسبابا لعظمته في عيني، فان الرأس أشرف ما في البدن، وفي القاموس الرأس أعلى كل شئ، والصغر وزان عنب وقفل خلاف الكبر، وبمعنى الذل والهوان، وهو خبر كان، وفاعل عظم ضمير الأخ، وضمير به عائد إلى الموصول والباء للسببية.
" كان خارجا من سلطان بطنه " أي سلطنته كناية عن شدة الرغبة في المأكول والمشروب، كما وكيفا، ثم ذكر عليه السلام لذلك علامتين، حيث قال:
" فلا يشتهي ما لا يجد " وفي النهج " فلا يتشهى " ويقال تشهى فلان إذا اقترح شهوة بعد شهوة، وهو أنسب " ولا يكثر " في الاكل " إذا وجد " والاكثار من الشئ الاتيان بالكثير منه، والمراد به إما لاقتصار على ما دون الشبع، أو ترك الافراط في الاكل أو ترك الاسراف في تجويد المأكول والمشروب.
" كان خارجا من سلطان فرجه " أي لم يكن لشهوة فرجه عليه سلطنة بأن توقعه في المحرمات، أو الشبهات والمكروهات، فذكر لذلك أيضا علامتين فقال:
" فلا يستخف له عقله ولا رأيه " في القاموس استخفه ضد استثقله، وفلانا عن رأيه حمله
على الجهل والخفة، وأزاله عما كان عليه من الصواب وقال الراغب: " فاستخف قومه " أي حملهم على أن يخفوا معه أو وجدهم خفافا في أبدانهم وعزائمهم قيل: معناه وجدهم طائشين وقوله عز وجل " ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " أي لا يزعجنك ويزيلنك عن اعتقادك بما يوقعون من الشبه وقال البيضاوي في قوله سبحانه " فاستخف قومه " فطلب منهم الخفة في مطاوعته، أو فاستخف أحلامهم وقال في قوله تعالى: " ولا يستخفنك " ولا يحملنك على الخفة والقلق " الذين لا يوقنون " بتكذيبهم وإيذائهم.
وأقول: هذه الفقرة تحتمل وجوها: الأول أن يكون المستتر في فلا يستخف راجعا إلى الفرج والضمير في " له " راجعا إلى الأخ، ويكون عقله ورأيه منصوبين أي كان لا تجعل شهوة الفرج عقله ورأيه خفيفين مطيعين لها، الثاني أن يكون الضمير في يستخف راجعا إلى الأخ وفي " له " إلى الفرج، أي لا يجعل عقله ورأيه أو لا يجدهما خفيفين سريعين في قضاء حوائج الفرج، الثالث أن يقرأ يستخف على بناء المجهول، وعقله ورأيه، مرفوعين، وضمير " له " إما راجع إلى الأخ أو إلى الفرج، وما قيل أن يستخف على بناء المعلوم، وعقله ورأيه مرفوعان، وضمير له للأخ، فلا يساعده ما مر من معاني الاستخفاف.
" كان خارجا من سلطان الجهالة " بفتح الجيم وهي خلاف العلم والعقل " فلا يمد يده " أي إلى أخذ شئ كناية عن ارتكاب الأمور " إلا على ثقة " واعتماد بأنه ينفعه نفعا عظيما في الآخرة أو في الدنيا أيضا إذا لم يضر بالآخرة " كان لا يتشهى " أي لا يكثر شهوة الأشياء كما مر " ولا يتسخط " أي لا يسخط كثيرا لفقد المشتهيات أو لا يغضب لايذاء الخلق له أو لقلة عطائهم، في القاموس: السخط بالضم وكعنق
وجبل ضد الرضا، وقد سخط كفرح وتسخط وأسخطه أغضبه، وتسخطه تكرهه وعطاءه استقله ولم يقع منه موقعا " ولا يتبرم " أي لا يمل ولا يسأم من حوائج الخلق، وكثرة سؤالهم، وسوء معاشرتهم، في القاموس البرم السأمة والضجر وأبرمه فبرم كفرح وتبرم امله فمل.
" كان أكثر دهره " أي عمره و " أكثر " منصوب على الظرفية " صماتا " بفتح الصاد وتشديد الميم وقرئ بضم الصاد وتخفيف الميم، مصدرا فالحمل على المبالغة وفي النهج " صامتا فان قال بذ القائلين، ونقع غليل السائلين " قال في النهاية:
في الحديث بذ القائلين أي سبقهم وغلبهم يبذهم بذ انتهى، ونقع الماء العطش أي سكنه والغليل حرارة العطش، ويمكن أن يكون البذ بالفصاحة والنقع بالعلم والجواب الشافي.
" كان لا يدخل في مراء " أي مجادلة في العلوم للغلبة وإظهار الكمال، قال في المصباح: ماريته أماريه مماراة ومراء جادلته، ويقال: ماريته أيضا إذا طعنت في قوله تزييفا للقول، وتصغيرا للقائل، ولا يكون المراء إلا اعتراضا " ولا يشارك في دعوى " أي في دعوى غيره لإعانته أو وكالة عنه.
" ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا " في المصباح أدلى بحجته أثبتها فوصل بها وفي القاموس أدلى بحجته أحضرها، وإليه بماله دفعه، ومنه " وتدلوا بها إلى الحكام ".
أقول: وفي النهج " حتى يأتي قاضيا " وهذه الفقرة أيضا يحتمل وجوها:
الأول ما ذكره بعض شراح النهج أي لا يدلي بحجته حتى يجد قاضيا، و هو من فضيلة العدل في وضع الأشياء مواضعها انتهى.
وأقول: المعنى أنه ليس من عادته إذا ظلمه أحد أن يبث الشكوى عند الناس، كما هو دأب أكثر الخلق، بل يصبر إلى أن يجد حاكما يحكم بينه وبين
خصمه، وذلك في الحقيقة يؤل إلى الكف عن فضول الكلام، والتكلم في غير موقعه.
الثاني أن يكون المراد أنه يصبر على الظلم، ويؤخر المطالبة إلى يوم القيامة، فالمراد بالقاضي الحاكم المطلق، وهو الله سبحانه، أو لا ينازع الأعداء إلا عند زوال التقية، فالمراد بالقاضي الإمام الحق النافذ الحكم.
الثالث أن يكون المراد نفي إتيانه القاضي لكفه عن المنازعة والدعوى وصبره على الظلم أي لا ينشئ دعوى ولا يأتي بحجة حتى يحتاج إلى إتيان القاضي.
الرابع ما ذكره بعض الأفاضل حيث قرأ " يري " على بناء الافعال، وفسر القاضي بالبرهان القاطع الفاصل بين الحق والباطل، أي كان لا يتعرض للدعوى إلا أن يظهر حجة قاطعة، ولعله أخذه من قول الفيروزآبادي القضاء الحتم، والبيان وسم قاض قاتل، ولا يخفى بعده مع عدم موافقته لما في النهج.
" وكان لا يغفل عن إخوانه " أي كان يتفقد أحوالهم في جميع الأحوال كتفقد الأهل والعيال " ولا يخص نفسه بشئ من الخيرات دونهم " بل كان يجعلهم شركاء لنفسه فيما خوله الله، ويحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه.
" كان ضعيفا " أي فقيرا؟؟ ورا إليه بعين الذلة والفقر، كما قيل، أو ضعيفا في القوة البدنية خلقة، ولكثرة الصيام والقيام " مستضعفا ") أي في أعين الناس للفقر والضعف، وقلة الأعوان، يقال: استضعفه أي عده ضعيفا، وقال بعض شراح النهج:
استضعفه أي عده ضعيفا ووجده ضعيفا وذلك لتواضعه وإن كان قويا.
" وإذا جاء الجد كان ليثا عاديا " في أكثر النسخ بالعين المهملة، وفي بعضها بالمعجمة، وفي النهاية فيه ما ذئبان عاديان، العادي الظالم، وقد عدا يعدو عليه عدوانا، وأصله من تجاوز الحد في الشئ، والسبع العادي أي الظالم الذي يفترس الناس انتهى، والجد بالكسر ضد الهزل، والاجتهاد في الامر، والمراد به هنا المحاربة والمجاهدة، وفي النهج " فان جاء الجد فهو ليث عاد وصل واد " وفي أكثر نسخه " غاد " بالمعجمة من غدا عليه أي تكبر، وقال بعض شارحيه: الوصف
بالغادي لأنه إذا غدا كان جائعا فصولته أشد، والمناسب حينئذ أن يكون ليث منونا وفي النسخ ليث غاد بالإضافة، فكأنه من إضافة الموصوف إلى الصفة، وفي بعض نسخه بالمهملة كما مر وفي بعضها " غاب " بالباء الموحدة بعد العين المهملة وهو الأجمة ويسكنها الأسد والمناسب حينئذ الإضافة، وقال الجوهري: الصل بالكسر الحية التي لا تنفع منها الرقية، يقال إنها لصل صفا إذا كانت منكرة مثل الأفعى، ويقال للرجل إذا كان داهيا منكرا: إنه لصل أصلال أي حية من الحيات وأصله في الحيات، شبه الرجل بها انتهى وذكر الوادي لان الأودية لانخفاضها تشتد فيها الحرارة، فيشتد السم في حيتها.
" كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذارا " فيما يقع العذر:
أي فيما يمكن أن يكون له فيه عذر، وفي كلمة المثل إشعار بعدم العلم بكون فاعله معذورا، إذ من الجائز أن يكون الفاعل غير معذور، فيجب التوقف حتى يسمع الاعتذار ويظهر الحق، فإن لم يكن عذره مقبولا لامه، ويحتمل أن يكون حتى للتعليل أي كان لا يلومه بل يتفحص العذر حتى يجد له عذرا ولو على سبيل الاحتمال وفي النهج " وكان لا يلوم أحدا على ما يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره " وفي بعض النسخ " على ما لا يجد " بزيادة حرف النفي فالمعنى لا يلوم على أمر لا يجد فيه عذرا بمجرد عدم الوجدان، إذ يحتمل أن يكون له عذر لا يخطر بباله.
" وكان يفعل ما يقول ويفعل ما لا يقول " أي يفعل ما يأمر غيره به من الطاعات إشارة إلى قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون " وقد قيل إن المعنى لم لا تفعلون ما تقولون، فإنه إذا قال ولم يفعل، فعدم الفعل قبيح لا القول، ويفعل من الخيرات والطاعات ما لا يقوله لمصلحة تقية أو عدم انتهاز فرصة، أو عدم وجدان قابل، كما قال تعالى: " فذكر إن نفعت الذكرى "
كذا فهمه الأكثر، ويخطر بالبال أن المعنى أنه يحسن إلى غيره سواء وعده الاحسان أو لم يعده كما فسرت الآية المتقدمة في كثير من الاخبار بخلف الوعد وفي النهج " وكان يقول ما يفعل، ولا يقول ما لا يفعل " وفي بعض نسخه في الأول " وكان يفعل ما يقول ".
" كان إذا ابتزه أمران " كذا في أكثر النسخ بالباء الموحدة والزاي على بناء الافتعال، أي استلبه وغلبه وأخذه قهرا، كناية عن شدة ميله إليهما وحصول الدواعي في كل منهما، في القاموس البز الغلبة ، وأخذ الشئ بجفاء وقهر كالابتزاز، وبزبز الشئ سلبه كابتزه، ولا يبعد أن يكون في الأصل: " انبراه " بالنون والباء الموحدة على الحذف والإيصال أي اعترض له، وفي النهج " وكان إذا بدهه أمران نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه " يقال بدهه أمر كمنعه أي بغته وفاجأه.
وهذا الكلام يحتمل معنيين الأول أن يكون المعنى إذا عرضت له طاعتان كان يختار أشقهما على نفسه، لكونها أكثر ثوابا، كالوضوء بالماء البارد والحار في الشتاء، كما ورد ذلك في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام والثاني أن يكون معيارا لحسن الأشياء وقبحها، كما إذا ورد عليه فعل لا يدري فعله أفضل أو تركه فينظر إلى نفسه وكلما تهواه يخالفها كما ورد لا تترك النفس وهواها، فان رداها في هواها وهذا هو الغالب، لكن جعلها قاعدة كلية كما تقوله المتصوفة مشكل، لما نقل عن بعضهم أنه مر بعذرة فعرضها على نفسه فأبت فأكلها، والظاهر أن أكلها كان عين هواها لتعده الرعاع من الناس شيخا كاملا، ولكل عذرة آكلا.
" إلا عند من يرجو عنده البرء " أي ربه تعالى فإنه الشافي حقيقة، أو المراد به الطبيب الحاذق الذي يرجو بمعالجته البرء فإنه حينئذ ليس بشكاية، بل هو طلب لعلاجه، فلاستثناء منقطع، وفي النهج " وكان لا يشكو وجعا إلا عند برئه "
أي يحكيه بعد البرء للشكر والتحدث بنعمة الله، فالاستثناء منقطع، أو أطلقت الشكاية عليها على المشاكلة، وقيل أي كان يكتم مرضه عن إخوانه لئلا يتجشموا زيارته.
" ولا يستشير " في المصباح شاورته في كذا واستشرته راجعته لأرى رأيه فيه، فأشار علي بكذا: أراني ما عنده فيه من المصلحة، فكانت إشارته حسنة والاسم المشورة، وفيه لغتان سكون الشين وفتح الواو، والثانية ضم الشين وسكون الواو وزان معونة، ويقال: هي من شار الدابة إذا عرضه في المشوار، ويقال: من أشرت العسل شبه حسن النصيحة بشري العسل " إلا من يرجو عنده النصيحة " أي خلوص الرأي، وعدم الغش وكمال الفهم.
" كان لا يتبرم " كأن إعادة تلك الخصال مع ذكرها سابقا للتأكيد وشدة الاهتمام بترك تلك الخصال، أو المراد بها في الأول تشهي الدنيا والتسخط من فقدها، والتبرم بمصائب الدنيا، والشكاية عن الوجع، والمراد هنا التبرم من كثرة سؤال الناس وسوء أخلاقهم والتسخط بما يصل إليه منهم، وتشهي ملاذ الدنيا والتشكي عن أحوال الدهر، أو عن الاخوان، والشكاية والتشكي والاشتكاء بمعنى ويمكن الفرق بأمور اخر يظهر بالتأمل فيما ذكرنا.
" ولا ينتقم " أي من العدو حتى ينتقم الله له كما مر " ولا يغفل عن العدو " أي الأعداء الظاهرة والباطنة كالشيطان والنفس والهوى.
" فعليكم بمثل هذه الأخلاق " في النهج " فعليكم بهذه الخلائق فالزموها وتنافسوا فيها، فإن لم تستطيعوها فاعلموا أن أخذ القليل خير من ترك الكثير " أقول: لما كان الغرض من ذكر صفات الأخ أن يقتدي السامعون به في الفضائل المذكورة، أمرهم عليه السلام بلزومها والتنافس فيها، أو في بعضها إن لم يمكن الكل.
قوله عليه السلام " من ترك الكثير " أي الكل.
وأقول: في رواية النهج ترك بعض تلك الخصال وفيها زيادة أيضا وهي قوله " وكان إن غلب على الكلام لم يغلب على السكوت، وكان على ما يسمع أحرص منه
على أن يتكلم " والمراد بالفقرة الأولى أنه إن غلبه أحد بالجدال والخروج عن الحق عدل إلى السكوت وترك المراء، فكان هو الغالب حقيقة لعدم خروجه عن الحق أو المراد أن سكوته كان أكثر من غيره، فالكلام أعم مما هو في معرض الجدال وأما الثانية فالحرص على الاستماع لاحتمال الانتفاع، وقيل: صيغة التفضيل هنا مثلها في قوله تعالى " أذلك خير أم جنة الخلد ".
25 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان عن معروف بن خربوذ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: صلى أمير المؤمنين عليه السلام بالناس الصبح بالعراق فلما انصرف وعظهم فبكى وأبكاهم من خوف الله، ثم قال: أما والله لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله وإنهم ليصبحون ويمسون شعثا غبرا خمصا، بين أعينهم كركب المعزى، يبيتون لربهم سجدا وقياما يراوحون بين أقدامهم وجباههم، يناجون ربهم ويسألونه فكاك رقابهم من النار والله لقد رأيتهم على هذا وهم خائفون مشفقون.
أمالي الطوسي: عن المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب مثله.
توضيح: العراق هنا الكوفة، والعراقان الكوفة والبصرة " لقد عهدت) أي لقيت أو هو في ذكري وفي بالي، وفي المصباح عهدته بمكان كذا لقيته، وعهدي به قريب أي لقائي، وعهدت الشئ ترددت إليه وأصلحته وحقيقته تجديد العهد به وفي القاموس: العهد: الالتقاء والمعرفة، منه عهدي به بموضع كذا، والشعث بالضم جمع الأشعث، كالغبر بالضم جمع الأغبر، والشعث تفرق الشعر وعدم إصلاحه ومشطه وتنظيفه، والأغبر المتلطخ بالغبار، قال في المصباح: شعث الشعر شعثا فهو شعث من باب تعب تغير وتلبد لقلة تعهده بالدهن، ورجل أشعث وامرأة شعثاء، والشعث
أيضا الوسخ، ورجل شعث: وسخ الجسد، وشعث الرأس أيضا وهو أشعث أغبر من غير استحداد ولا تنظف، والشعث أيضا التفرق وتلبد الشعر انتهى.
فان قيل: التمشط والتدهن والتنظف كلها مستحبة مطلوبة للشارع، فكيف مدحهم عليه السلام بتركها؟ قلنا: يحتمل أن تكون تلك الأحوال لفقرهم، وعدم قدرتهم على إزالتها، فالمدح على صبرهم على الفقر، أو المعنى أنهم لا يهتمون بإزالتها زائدا على المستحب أو يقال: إذا كان تركها لشدة الاهتمام بالعبادة، وغلبة خوف الآخرة يكون ممدوحا.
" خمصا " جمع الأخمص، وقيل الخميص أي بطونهم خالية إما للصوم أو للفقر أو لا يشبعون لئلا يكسلوا في العبادة، وقد مر. " كركب المعزى " أي من أثر السجود لكثرته وطوله، وفي القاموس الركبة بالضم ما بين أسافل أطراف الفخذ وأعالي الساق، أو موضع الوظيف والذراع أو مرفق الذراع من كل شئ والجمع ركب كصرد، وقال: المعز بالفتح وبالتحريك والمعزى ويمد خلاف الضأن من الغنم، والماعز واحد المعز للذكر والأنثى، وفي المصباح المعز اسم جنس لا واحد من لفظه، وهي ذوات الشعر من الغنم الواحدة شاة، والمعزى ألفها للالحاق لا للتأنيث، ولهذا تنون في النكرة، والذكر ماعز، والأنثى ماعزة انتهى.
" يبيتون لربهم " تضمين لقوله تعالى في الفرقان " والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما " قال البيضاوي: وتأخير القيام للروي، وهو جمع قائم أو مصدر أجري مجراه انتهى وقيل: في تقديم الاقدام على الجباه مع التأخير في الآية إشارة إلى أن تقديم السجود فيها لزيادة القرب فيه، ولرعاية موافقة الفواصل وفي النهاية فيه إنه كان يراوح بين قدميه من طول القيام، أي يعتمد على إحداهما مرة وعلى الأخرى مرة، ليوصل الراحة إلى كل منهما، ومنه حديث ابن مسعود
إنه أبصر رجلا صافا قدميه، فقال: لو راوح كان أفضل، ومنه حديث بكر بن عبد الله: كان ثابت يراوح ما بين جبهته وقدميه أي قائما وساجدا يعني في الصلاة.
وأقول: ظاهر أكثر أصحابنا استحباب أن يكون اعتماده على قدميه مساويا وأما هذه الأخبار مع صحتها يمكن أن تكون مخصوصة بالنوافل أو بحالي المشقة والتعب، والمناجاة المسارة " وهم خائفون " من رد أعمالهم للاخلال ببعض شرائطها " مشفقون " من عذاب الله، والحاصل أنهم مع هذا الجد والمبالغة في العمل كانوا يعدون أنفسهم مقصرين، ولم يكونوا بأعمالهم معجبين.
26 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن سليمان بن عمرو النخعي قال: وحدثني الحسين بن سيف، عن أخيه علي، عن سليمان، عمن ذكره، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سئل النبي صلى الله عليه وآله عن خيار العباد فقال: الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤا استغفروا، وإذا أعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا أغضبوا غفروا.
الخصال، أمالي الصدوق: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن ابن مهران، عن ابن عميرة، عن سليمان بن جعفر، عن محمد بن مسلم وغيره، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وذكر نحوه.
بيان: الاحسان فعل الحسنة، ويحتمل الاحسان إلى الغير، وكذا الإساءة يحتملهما، والاستبشار الفرح والسرور.
27 - الكافي: بالاسناد المتقدم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: إن خياركم أولو النهى، قيل: يا رسول الله ومن أولو النهى؟ قال: هم أولو الأخلاق الحسنة، والأحلام الرزينة، وصلة الأرحام ، والبررة بالأمهات والاباء والمتعاهدين للفقراء، والجيران واليتامى، ويطعمون الطعام، ويفشون السلام
في العالم، ويصلون والناس نيام غافلون.
بيان: " أولو النهى " في القاموس النهية بالضم العقل كالنهي، وهو يكون جمع نهية أيضا وقال الراغب: النهية العقل الناهي عن القبائح جمعها نهى، قال عز وجل " إن في ذلك لايات لأولي النهى " انتهى والأحلام جمع حلم بالكسر بمعنى العقل، أو الأناة، وعدم التسرع إلى الانتقام، وهو هنا أظهر وفي القاموس الرزين الثقيل وترزن في الشئ توقر " وصلة الأرحام) عطف على الأحلام، ويمكن أن يكون الواو جزء الكلمة والصاد مفتوحة جمع واصل " والمتعاهدين " في أكثر النسخ بالنصب فيكون نصبا على المدح، كما قالوا في قوله تعالى في سورة النساء " والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة " ويمكن على الاحتمال الثاني في " وصلة الأرحام " نصب الوصلة على المدح.
" والناس نيام غافلون " نيام جمع نائم، وغافلون خبر بعد خبر، أي بعضهم نيام، وبعضهم غافلون، أو صفة كاشفة أي المراد بالنيام الغافلون، كما ورد: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.
28 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن محمد بن عرفة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: ألا أخبركم بأشبهكم بي؟ قالوا:
بلى يا رسول الله قال: أحسنكم خلقا، وألينكم كنفا، وأبركم بقرابته، وأشدكم حبا لاخوانه في دينه، وأصبركم على الحق، وأكظمكم للغيظ، وأحسنكم عفوا، وأشدكم من نفسه إنصافا في الرضا والغضب.
بيان: " وألينكم كنفا " أي لا يتأذى من مجاورتهم ومجالستهم ومن ناحيتهم أحد، في القاموس: أنت في كنف الله محركة: في حرزه وستره، وهو الجانب والظل
والناحية، ومن الطائر جناحه، وفي النهاية فيه ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقا الموطؤن أكنافا، هذا مثل وحقيقته من التوطئة وهي التمهيد والتذلل، وفراش وطئ لا يؤذي جنب النائم، والأكناف الجوانب أراد الذين جوانبهم وطيئة يتمكن فيها من يصاحبهم، ولا يتأذى انتهى.
وأقول: في بالي أن في بعض الأخبار أكتافا بالتاء أي أنهم لشدة تذللهم كأنه يركب الناس أكتافهم ولا يتأذون بذلك " لاخوانه في دينه " أي تكون اخوته بسبب الدين لا بسبب النسب " على الحق " أي على المشقة والأذية اللتين تلحقانه بسبب اختيار الحق أو قول الحق " في الرضا " أي عن أحد " والغضب " أي في الغضب له.
29 - نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه: لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله فما أرى أحدا يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا قد باتوا سجدا وقياما، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفا من العقاب، ورجاء للثواب.
بيان: " شعثا غبرا " إما لفقرهم فالمدح للصبر على الفقر، أو لتركهم زينة الدنيا ولذاتها على ما ذكره الأكثر فينبغي التقييد بعدم القدرة، أو التخصيص ببعض الافراد، أو لتقشف العبادة، وقيام الليل، وصوم النهار، وهجر الملاذ فالغبرة كناية عن صفرة اللون، والسجد جمع ساجد كالقيام جمع قائم أو القيام مصدر أجري مجراه، والتخصيص بالليل لكون العبادة فيه أحمز وأبعد عن الرئاء والمراوحة بين الجبهة والخد وضع كل على الأرض حتى يستريح الاخر، أو كأنه يستريح وليس الغرض الاستراحة، وذلك في سجدة الشكر وإن كان وضع الجبهة شاملا لسجود الصلاة، والجمر بالفتح جمع جمرة، وهي النار المتقدة، ووقوفهم
على مثل الجمر قلقهم واضطرابهم من خوف المعاد وعذاب النار، والمراد ببين أعينهم جباههم مجازا، أو الموضع حقيقة للارغام في السجود، والأول أظهر " وهملت " كضربت ونصرت: أي سالت وفاضت، وجيب القميص ونحوه بالفتح طوقه ومادوا تحركوا واضطربوا، والريح العاصف والعاصفة الشديدة " وخوفا " مفعول له لقوله عليه السلام: " مادوا " فقط فسيلان العين للحب والشوق أو للفعلين جميعا أو للجميع على بعد، ويدل على أن الخوف من العقاب، والرجاء للثواب لا ينافيان الاخلاص.
30 - نهج البلاغة: قال عليه السلام في بعض خطبه: أين القوم الذين دعوا إلى الاسلام فقبلوه، وقرأو القرآن فأحكموه، وهيجوا إلى الجهاد فولهوا وله اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفا زحفا وصفا صفا، بعض هلك، وبعض نجا، لا يبشرون بالاحياء، ولا يعزون عن الموتى مره العيون من البكاء، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، صفر الألوان من السهر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أولئك إخواني الذاهبون، فحق لنا أن نظمأ إليهم ونعض الأيدي على فراقهم.
بيان: كأن المراد بأحكام القرآن حفظ الألفاظ عن التحريف والتدبر في معناه والعمل بمقتضاه، وأهاجه أثاره، والمراد به تحريصهم وترغيبهم إليه، والوله بالتحريك ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد من حزن أو فرح، وقيل: هو شدة الحب، يقال: وله كفرح وكوعد على قلة، والوله إلى الشئ الاشتياق إليه واللقاح ككتاب الإبل أو الناقة ذات اللبن واللقوح واحدتها، والحاصل أنهم اشتاقوا إلى الحرب بعد الترغيب اشتياق اللقاح إلى أولادها، وفي بعض النسخ " فولهوا اللقاح أولادها " قيل: أي جعلوا اللقاح والهة إلى أولادها بركوبهم إياها عند خروجهم إلى الجهاد، وقوله عليه السلام " (أولادها " نصب باسقاط الجار إذ الفعل أعني " وله " غير
متعد إلى مفعولين بنفسه، والغمد بالكسر جفن السيف.
" وأخذوا بأطراف الأرض " أي أخذوا الأرض بأطرافها، كما قيل، أو أخذوا على الناس بأطراف الأرض، أي حصروهم، يقال لمن استولى على غيره وضيق عليه: قد أخذ عليه بأطراف الأرض قال الفرزدق:
أخذنا بأطراف السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع وقيل: المعنى أخذوا أطراف الأرض، من قبيل أخذت بالخطام، ويحتمل أن يكون المراد شرعوا في الجهاد في أطراف الأرض والمواطن البعيدة، والزحف الجيش يزحفون إلى العدو أي يمشون ومصدر يقال: زحف إليه كمنع زحفا إذا مشى نحوه، والصف واحد الصفوف، ويمكن مصدرا " وزحفا زحفا " أي زحفا بعد زحف متفرقين في الأطراف وكذلك " صفا صفا " والنصب على الحالية نحو جاؤني رجلا رجلا، وقيل: زحفا منصوب على المصدر المحذوف الفعل أي يزحفون زحفا، والثانية تأكيد للأولى وكذلك قوله صفا صفا.
وقوله عليه السلام " بعض هلك وبعض نجا " إشارة إلى قوله تعالى " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " والعزاء الصبر أو حسن الصبر وعزيته تعزية أي قلت له: أحسن الله عزاك، أي رزقك الصبر الحسن، وهو اسم من ذلك نحو سلم سلاما قال ابن ميثم رحمه الله: المعنى أنهم لما قطعوا العلائق الدنيوية، إذا ولد لأحدهم مولود لم يبشر به، وإذا مات منهم أحد لم يعزوا عنه وكانت نسخته موافقة لما نقلنا، وفي بعض النسخ " لا يعزون عن القتلى " موافقا لما في نسخة ابن أبي الحديد، قال: أي لشدة ولههم إلى الجهاد لا يفرحون ببقاء حيهم حتى يبشروا به، ولا يحزنون لقتل قتيلهم حتى يعزوا به.
" مره العيون " يقال: مرهت عينه كفرح أي فسدت لترك الكحل، والمراد
هنا مطلق الفساد، وخمص البطن مثلثة الميم أي خلا، وخمص الرجل خمصا كقرب أي جاع، وذبل الشئ ذبولا كقعد: ذهبت نداوته وقل ماؤه، والسهر بالتحريك عدم النوم في الليل كله أو بعضه، والغبرة بالتحريك الغبار والكدورة " فحق لنا أن نفعل " على صيغة المجهول كما في أكثر النسخ، وحققت أن تفعل كذا كعلمت وهو حقيق به أي خليق جدير، وفي بعض النسخ على صيغة المعلوم وظمئ كفرح ظما بالتحريك، أي عطش، وقيل: الظمأ أشد العطش، وظمئ إليه أي اشتاق، وعضضت عليه وعضضته كسمع وفي لغة كمنع أي مسكته بأسناني.
31 - نهج البلاغة: قال عليه السلام: رحم الله امرءا سمع حكما فوعى ودعي إلى رشاد فدنى، وأخذ بحجزة هاد فنجا، راقب ربه، وخاف ذنبه، قدم خالصا، وعمل صالحا، اكتسب مذخورا، واجتنب محذورا، رمى غرضا، وأحرز عوضا، كابر هواه، وكذب مناه، جعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عدة وفاته، ركب الطريقة الغراء، ولزم المحجة البيضاء، اغتنم المهل، وبادر الاجل، وتزود من العمل.
توضيح: " سمع حكما " بالضم أي حكمة وعلما نافعا " فوعى " أي حفظ علما وعملا، والرشاد الصلاح وهو خلاف الغي والضلال، وهو إصابة الصواب ورشد كتعب وقتل والاسم الرشاد كذا في المصباح " فدنا " أي من الداعي أو الحق والحجزة بالضم موضع شد الإزار ثم قيل للازار: حجزة، للمجاورة، والاخذ بالحجزة مستعار للاعتصام والالتجاء والتمسك بأحد. " فنجا " أي خلص من الضلالة وعواقبها، والمراقبة الترصد والمحافظة، ومراقبة الرب الترصد لامره، والعمل به، والاقبال بالقلب إليه.
" قدم خالصا " أي عملا خالصا لله لم يشبه رئاء ولا سمعة، وتقديمه فعله قبل أن يخرج الامر من يده وبعثه إلى دار الجزاء قبل الوصول إليه، والاكتساب الكسب، والمذخور الشئ النفيس المعد لوقت الحاجة إليه، وهو الأعمال
الصالحة، والمحذور ما يحترز منه من سيئات الأعمال والأخلاق، والغرض الهدف والمراد رمه إصابة الحق كمن رمى الغرض في المراماة ففاز بالسبق، وهو المراد باحراز العوض أي الفوز بالثواب، وقيل: المراد به أن يقصد بفعله غرضا صحيحا.
32 - [نهج]: ومن خطبة له عليه السلام وأشهد أنه عدل عدل، وحكم فصل وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وسيد عباده، كلما نسخ الله الخلق فرقتين جعله في خيرهما، لم يسهم فيه عاهر، ولا ضرب فيه فاجر، ألا وإن الله قد جعل للخير أهلا وللحق دعائم، وللطاعة عصما، وإن لكم عند كل طاعة عونا من الله، يقول على الألسنة ويثبت الأفئدة، فيه كفاء لمكتف، وشفاء لمشتف.
واعلموا أن عباد الله المستحفظين علمه يصونون مصونه، ويفجرون عيونه، يتواصلون بالولاية، ويتلاقون بالمحبة، ويتساقون بكأس روية ويصدرون برية، لا تشوبهم الريبة، ولا تسرع فيهم الغيبة، على ذلك عقد خلقهم وأخلاقهم، فعليه يتحابون، وبه يتواصلون، فكانوا كتفاضل البذر ينتقى فيؤخذ منه ويلقى، قد ميزه التخليص، وهذبه التمحيص، فليقبل امرؤ كرامة بقبولها، وليحذر قارعة قبل حلولها، ولينظر امرؤ في قصير أيامه وقليل مقامه في منزل حتى يستبدل منزلا فليصنع لمتحوله ومعارف منتقله، فطوبى لذي قلب سليم أطاع من يهديه، وتجنب من يرديه، وأصاب سبيل السلامة ببصر من بصره، وطاعة هاد أمره، وبادر الهدى قبل أن تغلق أبوابه، وتقطع أسبابه، واستفتح التوبة، وأماط الحوبة، فقد أقيم على الطريق وهدى نهج السبيل.
بيان: الظاهر أن الضمير في " أنه " راجع إلى الله، وقيل: راجع إلى القضاء والقدر المذكور في صدر الخطبة، والحكم بالتحريك منفذ الحكم، والفصل القطع والقضاء بين الحق والباطل، والنسخ الإزالة والتغيير والابطال، وقال:
ابن أبي الحديد : يعني كلما قسم الله الأب الواحد إلى ابنين أعد خيرهما وأفضلهما لولادة محمد صلى الله عليه وآله، وسمى ذلك نسخا لان البطن الأول تزول ويخلفه البطن الثاني.
" لم يسهم فيه عاهر " السهم النصيب والحظ، وفي النهاية وأصله واحد السهام التي يضرب بها في الميسر وهي القداح، ثم سمي به ما يفوز به الفاتح سهمه، ثم كثر حتى سمي كل نصيب سهما انتهى، والسهمة بالضم القرابة، والمساهمة المقارعة، وأسهم بينهم أي أقرع، وكانوا يعملون بالقرعة إذا تنازعوا في ولد والكلمة في بعض النسخ على صيغة المجرد كيمنع، وفي بعضها على بناء الافعال والعاهر الزاني قيل: أي لم يضرب فيه العاهر بسهم، ولم يكن للفجور في أصله شركة.
وقال ابن أبي الحديد: في الكلام رمز إلى جماعة من الصحابة في أنسابهم طعن ثم حكى عن الجاحظ أنه قال: قام عمر على المنبر فقال: إياكم وذكر العيوب والطعن في الأصول ثم قال: وروى المدائني هذا الخبر في كتاب أمهات الخلفاء، وقال: إنه روي عند جعفر بن محمد عليهما السلام بالمدينة فقال: لا تلمه يا ابن أخي إنه أشفق أن يحدج بقصة نفيل بن عبد العزى وصهاك أمة الزبير بن عبد المطلب، ثم قال: رحم الله عمر إنه لم يعد السنة، وتلا " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا " الآية.
أقول: قد أوردنا هذه القصة في نسب عمر، والدعامة بالكسر عماد البيت الذي يقوم عليه، والعصم كعنب جمع عصمة وهي المنع والحفظ، وكفاء أصله كفاية والآتيان بالهمزة للازدواج، كما قالوا: الغدايا والعشايا، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: مأزورات غير مأجورات، والأصل الواو، وقال ابن أبي الحديد: أهل الخير هم المتقون ودعائم الحق الأدلة الموصلة إليه، المثبتة له في القلوب، وعصم الطاعة هي الادمان
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.