پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

27 باب دعائم الاسلام والايمان وشعبهما وفضل الاسلام

ج ۶۵، ص ۳۲۸–۳۵۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۵

2 - الكافي: عن أبي علي الأشعري، عن الحسن بن علي الكوفي، عن عباس ابن عامر، عن أبان، عن الفضيل عنه عليه السلام مثله وزاد في آخره فأخذ الناس بأربع و تركوا هذه، يعني الولاية.

3 - المحاسن: عن ابن محبوب، عن أبي حمزة مثله بتقديم الحج على الصوم إلى قوله ما نودي بالولاية، ثم قال: وزاد فيها عباس بن عامر: وأخذ الناس بأربع إلى آخره.

بيان: " بني الاسلام على خمس " يحتمل أن يكون المراد بالاسلام الشهادتين وكأنهما موضوعتان على هذه الخمسة، لا تقومان إلا بها، أو يكون المراد بالاسلام الايمان، وبالبناء عليها كونها أجزاءه وأركانه فحينئذ يمكن أن يكون المراد بالولاية ما يشمل الشهادتين أيضا، أو يكون عدم ذكرهما للظهور وأما ذكر الولاية التي هي من العقائد الايمانية مع العبادات الفرعية، مع تأخيرها عنها، إما للمماشاة مع العامة، أو المراد بها فرط المودة والمتابعة اللتان هما من مكملات الايمان أو المراد بالأربع الاعتقاد بها، والانقياد لها، فتكون من أصول الدين لأنها

من ضرورياته، وإنكارها كفر، والأول أظهر " كما نودي بالولاية " أي في يوم الغدير أو في الميثاق وهو بعيد " والولاية " بالكسر الامارة وكونه أولى بالحكم و التدبير، وبالفتح المحبة والنصرة وهنا يحتملهما.

4 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عجلان أبي صالح قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أوقفني على حدود الايمان، فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والاقرار بما جاء من عند الله، وصلاة الخمس، وأداء الزكاة ، وصوم شهر رمضان، وحج البيت، وولاية ولينا، و عداوة عدونا، والدخول مع الصادقين.

توضيح: " حدود الايمان " هنا أعم من أجزائه وشرائطه ومكملاته " و الاقرار بما جاء من عند الله " المرفوع في جاء راجع إلى الموصول، وفي بعض النسخ " جاء به "، فالمرفوع للنبي صلى الله عليه وآله والمراد الاقرار إجمالا قبل العلم، وتفصيلا بعده كما سيأتي إنشاء الله " والدخول مع الصادقين " متابعة الأئمة الصادقين في جميع الأقوال والافعال، أي المعصومين كما قال سبحانه " وكونوا مع الصادقين " وقد مر الكلام فيه في كتاب الإمامة.

5 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن العرزمي، عن أبيه، عن الصادق عليه السلام: قال: أثافي الاسلام ثلاثة الصلاة و الزكاة والولاية، لا تصح واحدة منهن إلا بصاحبتيها.

بيان: " الأثافي " جمع الأثفية بالضم والكسر وهي الأحجار التي عليها القدر وأقلها ثلاثة وإنما اقتصر عليها لأنها أهم الاجزاء، ويدل على اشتراط قبول كل منها بالأخريين، ولا ريب في كون الولاية شرطا لصحة الأخريين.

6 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ألا أخبرك بأصل الاسلام

وفرعه وذروة سنامه؟ قلت: بلى جعلت فداك، قال: أما أصله فالصلاة، وفرعه الزكاة، وذروة سنامه الجهاد ثم قال: إن شئت أخبرتك بأبواب الخير قلت: نعم جعلت فداك، قال: الصوم جنة من النار والصدقة تذهب بالخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل يذكر الله ثم قرأ " تتجافى جنوبهم عن المضاجع ".

الحسين بن سعيد أو النوادر: عن علي بن النعمان مثله إلى قوله الجهاد وفي الموضعين وسنامه.

توضيح: " وذروة سنامه " الإضافة بيانية أو لامية إذ للسنام الذي هو ذروة البعير ذروة أيضا هي أرفع أجزائه، وإنما صارت الصلاة أصل الاسلام لأنه بدونها لا يثبت على ساق، والزكاة فرعه لأنه بدونها لا تتم، والجهاد ذروة سنامه لأنه سبب لعلوه وارتفاعه، وقيل: لأنه فوق كل بر، كما ورد في الخبر.

وذكر من الأبواب التي تفتح الخيرات الجليلة على صاحبها ثلاثة: أحدها الصوم أي الواجب أو الأعم لأنه جنة من النار ومما يؤدي إليها من الشهوات وثانيها الصدقة الواجبة أو الأعم فإنها تكفر الخطايا وتذهبها، وثالثها صلاة الليل لمدحه سبحانه فاعلها بقوله " تتجافى جنوبهم عن المضاجع " حيث حصر الايمان فيهم أولا ثم مدحهم بما مدحهم به ثم عظم وأبهم جزاءهم حيث قال: " إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خر سجدا وسبحوا بحمد ربهم ولا يستكبرون * تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون " وقيل: المراد بأبواب الخير الصوم فقط، وذكر ما بعده استطرادا ولا يخفى بعده.

7 - الكافي: عن العدة، عن سهل، عن مثنى الحناط، عن عبد الله بن عجلان، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بني الاسلام على خمس دعائم: الولاية والصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان والحج

8 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن أبان، عن الفضيل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بني الاسلام على خمس: الولاية و الصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يناد بشئ ما نودي بالولاية يوم الغدير.

9 - الكافي: عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن فضالة ابن أيوب، عن أبي زيد الحلال، عن عبد الحميد بن أبي العلاء الأزدي قال:

سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله عز وجل فرض على خلقه خمسا فرخص في أربع ولم يرخص في واحدة.

بيان: قوله عليه السلام: " فرخص في أربع " كالتقصير في الصلاة في السفر، وتأخيرها عن وقت الفضيلة مع العذر، وترك كثير من واجباتها في بعض الأحيان، أو سقوط الصلاة عن الحائض والنفساء، وعن فاقد الطهورين أيضا إن قيل به، والزكاة عمن لم يبلغ ماله النصاب أو مع فقد سائر الشرايط، والحج مع فقد الاستطاعة أو غيرها من الشرائط، والصوم عن المسافر والكبير وذوي العطاش وأمثالهم، بخلاف الولاية فإنها مع بقاء التكليف لا يسقط وجوبها في حال من الأحوال، ويحتمل أن يراد بالرخصة أنه لا ينتهي تركها إلى حد الكفر والخلود في النار، بخلاف الولاية، فان تركها كفر، والأول أظهر.

10 - الكافي: عن علي عن أبيه وعبد الله بن الصلت جميعا عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد الله، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بني الاسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، قال زرارة: فقلت:

وأي شئ من ذلك أفضل؟ قال: الولاية أفضل لأنها مفتاحهن، والوالي هو الدليل عليهن، قلت: ثم الذي يلي ذلك في الفضل؟ فقال الصلاة إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: الصلاة عمود دينكم، قال: قلت: ثم الذي يليها في الفضل؟ قال: الزكاة لأنها قرنها بها، وبدأ بالصلاة قبلها، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الزكاة تذهب الذنوب، قلت:

والذي يليها في الفضل؟ قال: الحج قال الله عز وجل: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين " وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لحجة مقبولة خير من عشرين صلاة نافلة، ومن طاف بهذا البيت طوافا أحصى فيه أسبوعه، وأحسن ركعتيه، غفر له، وقال في يوم عرفة و يوم المزدلفة ما قال.

قلت: فماذا يتبعه؟ قال: الصوم، قلت: وما بال الصوم صار آخر ذلك أجمع؟

قال: قال رسول الله: الصوم جنة من النار، قال: ثم قال إن أفضل الأشياء ما إذا فاتك لم تكن منه توبة دون أن ترجع إليه فتؤديه بعينه، إن الصلاة والزكاة والحج والولاية ليس ينفع شئ مكانها دون أدائها، وإن الصوم إذا فاتك أو قصرت أو سافرت فيه أديت مكانه أياما غيرها، وجزيت ذلك الذنب بصدقة ولا قضاء عليك وليس من تلك الأربعة شئ يجزيك مكانه غيره.

قال: ثم قال: ذروة الامر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضى الرحمان الطاعة للامام بعد معرفته، إن الله عز وجل يقول " من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا " أما لو أن رجلا قام ليله وصام نهاره، و تصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله، فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله حق في ثوابه، ولا كان من أهل الايمان ثم قال: أولئك المحسن منهم يدخله الله الجنة بفضل رحمته.

المحاسن: عن أبي طالب عبد الله بن الصلت مثله.

تفسير العياشي: عن زرارة مثله إلى قوله يجزيك مكانه غيره.

بيان: " الولاية أفضل " لا ريب في أن الولاية والاعتقاد بامامة الأئمة عليهم السلام و الاذعان بها من جملة أصول الدين، وأفضل من جميع الأعمال البدنية " لأنها مفتاحهن " أي بها تفتح أبواب معرفة تلك الأمور، وحقائقها وشرائطها وآدابها أو مفتاح قبولهن " والوالي " أي الامام المنصوب من قبل الله هو الدليل عليهن يدل النساء من قبل الله على وجوبها وآدابها وأحكامها و " العمود " الخشبة التي يقوم عليها البيت، ويمكن أن يكون عليه السلام شبه الدين بالفسطاط وأثبت العمود له على المكنية والتخييلية، فإذا زال العمود لا ينتفع بالفسطاط لا بغشائه ولا بطنبه ولا بوتده فكذلك مع ترك الصلاة لا ينتفع بشئ من أجزاء الدين كما صرح به في أخبار أخر والمراد بالصلاة: المفروضة أو الخمس كما في بعض الأخبار، صرح بها لأنه قرنها بها، استدل على أن فضل الزكاة بعد الصلاة، وقبل غيرها بمجموع مقارنتهما في الذكر مع البداءة بذكر الصلاة، ثم أكد الجزء الأخير بذكر الحديث، و ليس هو دليلا تاما على الأفضلية، لان الحج أيضا يذهب الذنوب إلا أن يقال إنه عليه السلام علم أن الا ذهاب الذي يحصل في الزكاة أقوى مما يحصل في الحج.

ثم استدل عليه السلام على فضل الحج بتسميته سبحانه تركه كفرا وترك ذكر العقاب المترتب عليه، وذكر الاستغناء الدال على غاية السخط " من عشرين صلاة نافلة " فيه دلالة على أن المراد بالصلاة المفضلة في أول الخبر الفريضة، وهذا أحد وجوه الجمع بين الاخبار المختلفة الواردة في تفضيل الصلاة على الحج و العكس، وسيأتي تفصيله في كتاب الصلاة إنشاء الله " أحصى فيه أسبوعه " أي حفظ طوافه من غير زيادة ولا نقصان ولا سهو ولا شك " وأحسن ركعتيه " أي بفعلهما في وقتهما ومكانهما مع رعاية الشرايط والكيفيات والآداب المرعية فيهما " وقال في يوم عرفة ويوم المزدلفة " أي قال في اليومين في فضل الحج وأعماله أو في فضل اليومين وأعمالهما " ما قال " قوله " فما ذا يتبعه " وفي بعض النسخ " بما ذا يتبعه " أي الرب أو المكلف وفي المحاسن " ثم ماذا " ولا يخفى أن هذا السؤال لا فائدة فيه ظاهرا، لأنه مع ذكر الصوم أولا في الأعمال المعدودة وتفضيل ما سواه

علم أن الصوم بعدها، إلا أن يكون ذلك تمهيدا للسؤال الثاني أو يقال: لما لم يكن كلامه عليه السلام أولا صريحا في كون تلك الأعمال أفضل من غيرها، فهذا السؤال لاستعلام أنه هل بين الصوم والحج عمل يكون أفضل منه.

قوله " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله " في بعض النسخ " وقال رسول الله " فيكون من كلام الراوي أي كيف يكون مؤخرا عنها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله فيه ذلك وعلى النسخة الأخرى لعله إنما ذكر عليه السلام حديثا في فضل الصوم دفعا لما عسى أن يتوهم السائل أنه مما لا فضل فيه، أو أنه قليل الاجر، " وكونه جنة من النار " لان أعظم أسباب النار الشهوات، والصوم يكسرها، والظرف متعلق بجنة لتضمنه معنى الوقاية أو الستر أو التبعيد.

ثم ذكر عليه السلام للفضل قاعدة كلية، وهو أن الأفضل ما لم يقم شئ آخر مقامه، وكأن المراد بالتوبة هنا المعنى اللغوي بمعنى الرجوع أو أطلقت على ما ينوب مناب الشئ مجازا، أو أنه عليه السلام لما أطلق الذنب على الترك وإن كان لعذر أطلق على ما يتداركه التوبة، قوله " أو قصرت " يعني في شئ من شرائطه أو أركانه وفي المحاسن " أو قصرت وسافرت " أي قصرت بسبب السفر.

والحاصل أنه عليه السلام أشار إلى أقسام الفوات وأحكامه إجمالا، لان الفوات إما للعذر مثل المرض وغره، أو التقصير أو التعمد في تركه، أو السفر وشبهه واللازم إما القضاء فقط أو الكفارة فقط أو هما معا، أولا هذا ولا ذاك، وتفصيله في كتب الفروع، والغرض بيان الفرق بين الصوم والأربعة الباقية بأن الأربعة لا تسقط مع الاستطاعة والصوم يسقط في السفر مع القدرة عليه وذكر السفر على المثال، ويمكن أن يكون عدم ذكر المرض لأنه قد ينتهي إلى حال لا يقدر على الصوم فيه ومع السقوط في السفر يؤدي مكانه أياما، وقد يسقط القضاء أيضا كما إذا استمر مرضه إلى رمضان آخر وكان فيه دلالة على بطلان قول من قال إن فاقد الطهورين تسقط عنه الصلاة أداء وقضاء ويحتمل أن يكون ذكر الشق الأول استطرادا ويكون الغرض أن الصوم

إذا فات قد يجب قضاؤه، وقد لا يجب ويسقط أصلا بخلاف الأربعة فإنها لا تسقط بحيث لا يجب قضاؤها فقوله " وجزيت " مقابل لقوله " أديت " أي وقد يكون كذلك.

فان قلت: صلاة الحائض أيضا ليس لها قضاء قلت: هناك لم يتعلق الوجوب بها أصلا لا أداء ولا قضاء، ولا بدلا، وههنا عوض عن الصوم بشئ فيدل على أن للصوم عوضا يقوم مقامه.

وذروة الشئ بالضم والكسر أعلاه وسنام البعير كسحاب معروف، ويستعار لارفع الأشياء، والمراد بالامر الدين، وبطاعة الامام انقياده في كل ما أمر ونهى ولما كان معرفة الامام مع طاعته مستلزمة لمعرفة سائر أصول الدين وفروعه، فهي كأنها أرفع أجزائه وكالسنام بالنسبة إلى سائر أجزاء البعير، وكالمفتاح الذي يفتح به جميع الأمور المغلقة، والمسائل المشكلة، وكالباب لقرب الحق سبحانه، و للوصول إلى مدينة علم الرسول صلى الله عليه وآله " وتوجب رضى الرحمن " ولا يحصل إلا بها والضمير في قوله " بعد معرفته " راجع إلى الامام، ويحتمل رجوعه إلى الله، و الاستشهاد بالآية لجميع ما ذكر أو للأخير إما مبنى على أن الآية إنما نزلت في ولاية الأئمة عليهم السلام أو على أن طاعة الامام هي بعينها طاعة الرسول: إما لأنه أمر بطاعته أو أنه نائب منابه، فحكمه حكم المنوب عنه، وقيل: لان الرسول في الآية شامل للامام وهو بعيد.

قوله عليه السلام: " ما كان له على الله حق " لأنه لا تشمله آيات الوعد لأنه إنما وعد المؤمنين الثواب بالجنة، وهو ليس من المؤمنين فلا يستحق الثواب بمقتضى الوعد أيضا وإن كان المؤمنون المحسنون أيضا لا يستحقون الثواب بمحض أعمالهم لكن يجب على الله إثابتهم بمقتضى وعده " أولئك المحسن منهم " الظاهر أنه إشارة إلى المخالفين والمراد بهم المستضعفون، فإنهم مرجون لأمر الله ولذا قال بفضل رحمته في مقابلة قوله " ما كان له على الله حق " والحاصل أن المؤمنين لهم على الله حق لوعده، والمستضعفون ليس لهم على الله حق، لأنه لم يعدهم الثواب، بل قال إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، فان أدخلهم الجنة فبمحض فضله، ويحتمل أن يكون

إشارة إلى المؤمنين العارفين أي إنما يدخل المؤمنين الجنة، وإدخالهم أيضا بفضله لا باستحقاقه والأول أظهر.

11 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن صفوان بن يحيى، عن عيسى ابن السرى أبي اليسع قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخبرني بدعائم الاسلام التي لا يسع أحدا التقصير عن معرفة شئ منها، التي من قصر عن معرفة شئ منها فسد عليه دينه، ولم يقبل منه عمله، ومن عرفها وعمل بها صلح له دينه، وقبل منه عمله ولم يضق به مما هو فيه لجهل شئ من الأمور جهله، قال: فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، والايمان بأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، والاقرار بما جاء به من عند الله، وحق في الأموال الزكاة، والولاية التي أمر الله عز وجل بها ولاية آل محمد صلى الله عليه وآله، قال: فقلت له: هل في الولاية شئ دون شئ فضل يعرف لمن أخذ به؟ قال: نعم، قال الله عز وجل " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " وقال رسول الله: " من مات ولا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية " وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وكان عليا عليه السلام وقال الآخرون وكان معاوية، ثم كان الحسن عليه السلام ثم كان الحسين عليه السلام وقال الآخرون: يزيد بن معاوية وحسين بن علي ولا سواء ولا سواء [ولا سواء] قال:

ثم سكت، ثم قال: أزيدك؟ فقال له حكم الأعور: نعم جعلت فداك قال: ثم كان علي بن الحسين، ثم كان محمد بن علي أبا جعفر، وكانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم، حتى كان أبو جعفر، ففتح لهم وبين لهم مناسك حجهم، وحلالهم وحرامهم، حتى صار الناس يحتاجون إليهم من بعد ما كانوا يحتاجون إلى الناس وهكذا يكون الامر، والأرض لا تكون إلا بامام، ومن مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية، وأحوج ما تكون إلى ما أنت عليه إذا بلغت نفسك هذه - وأهوى بيده إلى حلقه - وانقطعت عنك الدنيا تقول:

لقد كنت على أمر حسن.

الكافي: عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن عيسى بن السري أبي اليسع، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.

بيان: قوله عليه السلام: " ولم يضق به " الباء للتعدية، و " من " في قوله: " مما هو فيه " للتبعيض، وهو مع مدخوله فاعل " لم يضق " أي لم يضيق عليه الامر شئ مما هو فيه ويمكن أن يقرأ لجهل بالتنوين وشئ بالرفع، فشئ فاعل لم يضق و في بعض النسخ " فيما " مكان مما فلعل الأخير فيه متعين وفي بعض النسخ ولم يضر به فيمكن أن يقرأ على بناء المجهول و " جهله " فعل ماض و " من " في " مما " صلة الضرر، أو على بناء الفاعل وجهله على المصدر فاعله و " من " ابتدائية يقال صره وضر به، وفي رواية العياشي الآتية ولم يضره ما هو فيه بجهل شئ من الأمور إن جهله، وهو أصوب.

وقيل: يعني لم يضق أو لم يضر به من أجل ما هو فيه من معرفة دعائم الاسلام والعمل بها جهل شئ جهله من الأمور التي ليست هي من الدعائم فقوله " مما هو فيه " تعليل لعدم الضيق أو الضرر، وقوله " لجهل شئ " تعليل للضيق أو الضرر، وقوله " جهله " صفة لشئ، وقوله " من الأمور " عبارة عن غير الدعائم من شعائر الاسلام انتهى، ولا يخفى ما فيه " وحق في الأموال " إما مجرور بالعطف على ما جاء، والزكاة بدله، ويكون تخصيصا بعد التعميم، وربما يخص ما جاء بالصلاة بقرينة ذكر الزكاة وسائر الأخبار المتقدمة وهو بعيد، وإما مرفوع بالخبرية للزكاة والزكاة مبتدأ ويمكن أن يقرأ " حق " على بناء الماضي المجهول وعلى التقديرين الجملة معترضة للتأكيد والتبيين وإنما لم يذكر الصلاة لظهور أمرها، فاكتفى عنها بما جاء به، و أما رفعه بالعطف على الشهادة كما قيل، فهو بعيد لأنه عليه السلام لم يتعرض فيه لسائر العبادات، بل اقتصر فيه على الاعتقادات، وقيل: أراد عليه السلام بالولاية المأمور بها من الله بالكسر الامارة وأولوية التصرف وبالأمر بها ما ورد فيها من الكتاب

والسنة كالآية المذكورة في هذا الحديث، وكآية " إنما وليكم الله " وحديث الغدير وغير ذلك أقول بل الولاية بالفتح بمعنى المحبة والنصرة والطاعة، واعتقاد الإمامة هنا أنسب كما لا يخفى.

قوله " هل في الولاية شئ دون شئ الخ " أقول: هذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما أن يكون المراد: هل في الإمامة شرط مخصوص وفضل معلوم يكون في رجل خاص من آل محمد بعينه يقتضي أن يكون هو ولي الأمر دون غيره يعرف هذا الفضل لمن أخذ به أي بذلك الفضل وادعاه وادعى الإمامة، فيكون من أخذ به الامام أو يكون معروفا لمن أخذ وتمسك به وتابع إماما بسببه، ويكون حجته على ذلك، فالمراد بالموصول الموالي للامام. الثاني أن يكون المراد به هل في الولاية دليل خاص يدل على وجوبها ولزومها " فضل " أي فضل بيان وحجة، وربما يقرأ بالصاد المهملة أي برهان فاصل قاطع يعرف هذا البرهان لمن أخذ به أي بذلك البرهان والاخذ يحتمل الوجهين، ولكل من الوجهين شاهد فيما سيأتي.

ويمكن الجمع بين الوجهين بأن يكون قوله " شئ دون شئ " إشارة إلى الدليل وقوله " فضل " إشارة إلى شرائط الإمامة وإن كان بعيدا وحاصل جوابه عليه السلام أنه لما أمر الله تعالى بطاعة أولي الامر مقرونة بطاعة الرسول وبطاعته فيجب طاعتهم ولا بد من معرفتهم، وقال الرسول صلى الله عليه وآله: من مات ولم يعرف إمام زمانه أي من يجب أن يقتدى به في زمانه مات ميتة جاهلية، والميتة بالكسر مصدر للنوع أي كموت أهل الجاهلية على الكفر والضلال، فدل على أن لكل زمان إماما لا بد من معرفته ومتابعته.

" وكان رسول الله صلى الله عليه وآله " أي من كان تجب طاعته في زمن الرسول هو صلى الله عليه وآله وكان بعده صلى الله عليه وآله عليا، وقال آخرون مكانه معاوية، وإنما لم يذكر الغاصبين الثلاثة تقية وإشعارا بأن القول بخلافتهم بالبيعة يستلزم القول بخلافة مثل معاوية فاسق جاهل كافر، وبالجملة لما كان هذا أشنع، خصه بالذكر

مع أن بطلان خلافته يستلزم بطلان خلافتهم.

" ثم كان الحسن " أي في زمن معاوية أيضا، ثم كان الإمام الحسين في بعض زمن معاوية، وبعض زمن يزيد عليهما اللعنة " وحسين بن علي، ثانيا كأنه زيد من الرواة أو النساخ ويؤيده عدم التكرار في رواية الكشي ويحتمل أن يكون جملة حالية بحذف الخبر أي وحسين بن علي حي وقد يقرأ " حسين " بالتنوين فيكون " ابن علي " خبرا أو يكون ذكره أولا لمقابلته عليه السلام بمعاوية وثانيا لمقابلة بيزيد فالمعنى وقال آخرون يزيد بن معاوية والحسين معارضان، أو الواو بمعنى مع، ولا سواء خبر مبتدأ محذوف، وفي بعض النسخ مكرر ثلاث مرات أي علي ومعاوية لا سواء، وحسن ومعاوية لا سواء، وحسين ويزيد لا سواء.

والحاصل أن الامر أوضح من أن يشتبه على أحد فإنه لا يريب عاقل في أنه إذا كان لا بد من إمام وتردد الامر بين على ومعاوية، فعلي عليه السلام أولى بالإمامة " وكان " في الكل ناقصة، لقوله " عليا وأبا جعفر " ومن قال نصب أبا جعفر بتقدير أعني غفل عن ذلك، ولكن في قوله " كانت الشيعة " وقوله " أن يكون أبو جعفر " وقوله " حتى كان أبو جعفر " تامة، والمراد بالكون في الأخيرين ظهور أمره ورجوع الناس إليه وقيل كان ناقصة والظرف خبره، والمراد بالناس في الموضعين علماء المخالفين ورواتهم " وهكذا يكون الامر " أي هكذا يكون أمر الإمامة دائما مرددا بين عالم معصوم من أهل البيت بين فضله وورعه وعصمته، وجاهل فاسق بين الجهالة والفسق من خلفاء الجور " والأرض لا تكون إلا بامام " معصوم عالم بجميع ما تحتاج إليه الأمة، ومن لم يعرفه مات ميتة جاهلية، و " أحوج " مبتدأ مضاف إلى " ما " وهي مصدرية و " تكون " تامة، ونسبة الحاجة إلى المصدر مجاز، والمقصود نسبة الحاجة إلى فاعل المصدر باعتبار بعض أحوال وجوده و " إلى " متعلق بأحوج، و " ما " موصولة وعبارة عن التصديق بالولاية، وإذا ظرف، وهو خبر أحوج " وأهوى " كلام الراوي وقع بين كلامه عليه السلام.

12 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله

عن أبيه عليهما السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الايمان له أركان أربعة: التوكل على الله، وتفويض الامر إلى الله، والرضا بقضاء الله، والتسليم لأمر الله عز وجل.

بيان: " له أركان أربعة " لعدم استقرار الايمان وثباته إلا بها، " التوكل على الله، أي الاعتماد عليه في جميع الأمور والمهمات وقطع النظر عن الأسباب الظاهرة، وإن كان يجب التوسل بها ظاهرا، لكن من كمل يقينه بالله وأنه القادر على كل شئ، وأنه المسبب للأسباب، لا يعتمد عليها بل على مسببها، " و تفويض الامر إلى الله " أي في دفع الأعادي الظاهرة والباطنة، كما فوض مؤمن آل فرعون أمره إلى الله فوقاه الله سيئات ما مكروا، ولا ريب أن هذا وما قبله متفرعان على قوة الايمان بالله ويصيران سببا لشدة اليقين أيضا " والرضا بقضاء الله " في الشدة والرخاء، والعافية والبلاء، وهذا أيضا يحصل من الايمان بكونه سبحانه مالكا لنفع العباد وضرهم، ولا يفعل بهم إلا ما هو الأصلح لهم، ويصير أيضا سببا لكمال اليقين " والتسليم لأمر الله " أي الانقياد له في كل ما أمر به ونهى عنه، ولنبيه وأوصيائه فيما صدر عنهم من الأقوال والافعال كما قال سبحانه: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " ومدخلية هذه الخصلة في الايمان وكماله أظهر من أن يحتاج إلى البيان والله المستعان.

13 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني عن أبي جعفر الثاني، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله خلق الاسلام، فجعل له عرصة، وجعل له نورا، وجعل له حصنا، وجعل له ناصرا: فأما عرصته فالقرآن، وأما نوره فالحكمة، وأما حصنه فالمعروف، وأما أنصاره فأنا وأهل بيتي وشيعتنا، فأحبوا أهل بيتي وشيعتهم وأنصارهم فإنه لما أسري بي إلى السماء الدنيا فنسبني جبرئيل عليه السلام لأهل السماء استودع الله حبي وحب أهل بيتي وشيعتهم في قلوب الملائكة فهو عندهم وديعة إلى يوم القيامة، ثم هبط بي إلى أهل الأرض، فنسبني إلى أهل الأرض فاستودع الله حبي وحب أهل بيتي وشيعتهم

في قلوب مؤمني أمتي، فمؤمنوا أمتي يحفظون وديعتي في أهل بيتي إلى يوم القيامة ألا فلو أن الرجل من أمتي عبد الله عز وجل عمره أيام الدنيا ثم لقي الله عز وجل مبغضا لأهل بيتي وشيعتي ما فرج الله صدره إلا عن نفاق.

14 - بشارة المصطفى: عن محمد بن علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، عن أحمد بن محمد بن عباد الرازي، عن عبد العظيم مثله إلا أن فيه فهبط بي إلى الأرض ونسبني لأهل الأرض إلى قوله: في قلوب أهل الأرض إلى قوله: عدة أيام الدنيا إلى قوله: ما فرج الله قلبه إلا عن النفاق.

توضيح: " فجعل له عرصة " العرصة كل بقعة بين الدور واسعة، ليس فيها بناء والظاهر أنه عليه السلام شبه الاسلام برجل لا بدار كما زعم، وشبه القرآن بعرصة يجول الاسلام فيه، وشبه الحكمة والعلوم الحقة بسراج ونور يستنير به الاسلام أو يبصر به صاحبه، فان بالعلم يظهر حقائق الاسلام وأوامره ونواهيه و أحكامه " وأما حصنه فالمعروف " أي الاحسان أو ما عرف بالعقل والشرع حسنه كما هو المراد في الامر بالمعروف، فإنه بكل من المعنيين يكون سببا لحفظ الاسلام وبقائه، وعدم تطرق شياطين الإنس والجن للخلل فيه، أو المراد به الامر بالمعروف فالتشبيه أظهر.

وأما كونهم عليهم السلام وشيعتهم أنصار الاسلام فهو ظاهر، وغيرهم يخربون الاسلام ويضيعونه " فنسبني " أي ذكر نسبي أو وصفني وذكر نبوتي ومناقبي وأما ذكر نسبه لأهل الأرض فبالآيات التي أنزلها فيه، وفي أهل بيته، ويقرؤها الناس إلى يوم القيامة، أو ذكر فضله ونادى به بحيث سمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، كنداء إبراهيم عليه السلام بالحج، وقيل لما وجبت الصلوات الخمس في المعراج فلما هبط صلى الله عليه وآله علمها الناس، وكان من أفعالها الصلاة على محمد وآله في التشهد فدلهم بذلك على أنهم أفضل الخلق، لأنه لو كان غيرهم أفضل لكانت الصلاة عليهم أوجب، والأول أظهر.

" ثم لقي الله " أي عند الموت أو في القيامة، وتفريج الصدر كناية عن إظهار ما كان كامنا فيه على الناس في القيامة، أو عن علمه تعالى به والأول أظهر.

15 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن عبد الله بن القاسم، عن مدرك بن عبد الرحمان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الاسلام عريان فلباسه الحياء، وزينته الوفاء، ومروته العمل الصالح، وعماده الورع، ولكل شئ أساس وأساس الاسلام حبنا أهل البيت.

الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن عبد الله بن القاسم مثله.

المحاسن: عن أبيه مثله.

أمالي الصدوق: عن العطار، عن سعد، عن ابن يزيد، عن زياد القندي، عن علي بن معبد، عن عبد الله بن القاسم، عن مبارك بن عبد الرحمان، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام مثله.

بيان: " الاسلام عريان " شبه عليه السلام الاسلام برجل والحياء بلباسه، فكما أن اللباس يستر العورات والقبائح الظاهرة، فكذلك الحياء يستر القبائح والمساوي الباطنة، ولا يبعد أن يكون المراد بالاسلام المسلم من حيث إنه مسلم أو يكون إسناد العري واللباس إليه على المجاز، أي لباس صاحبه، وكذا الفقرات الآتية تحتملهما فتفطن " وزينته الوفاء " أي بعهود الله ورسوله وحججه وبعهود الخلق و وعودهم، وقيل إيفاء كل ذي حق حقه وافيا " ومروته العمل الصالح " المروءة بالضم مهموزا وقد يخفف الهمزة، فيشد الواو: الانسانية أي العمل بمقتضاها قال في القاموس: مروة ككرم مروءة فهو مرئ أي ذو مروءة وإنسانية وفي المصباح

المروءة آداب نفسانية تحمل مراعاتها الانسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات، يقال مرؤ الانسان فهو مرئ مثل قرب فهو قريب أي صار ذا مروءة وقال الجوهري: وقد يشدد فيقال مروة انتهى. والحاصل أن العمل الصالح من لوازم الاسلام، ومما يجعل الاسلام حقيقا بأن يسمى إسلاما كما أن المروءة من لوازم الانسان ومما يصير به الانسان حقيقا بأن يسمى إنسانا أو المسلم من حيث إنه مسلم مروته العمل الصالح فلا يسمى مرءا حقيقة أو مسلما إلا به " وعماده الورع " العماد بالكسر ما يسند به، وعماد الخيمة والسقف ما يقام به، والحاصل أن ثبات الاسلام وبقاءه واستقراره بالورع، أي ترك المحرمات بل الشبهات أيضا كما أن بالمعاصي يتزلزل بل يزول، والأس بالضم والأساس بالفتح أصل البناء وأصل كل شئ والأساس بالكسر جمع إس والحاصل أنه كما يستقر البناء ولا يستقيم بغير أساس، فكذلك الاسلام لا يتحقق ولا يستقر إلا بحبهم الملزوم للقول بولايتهم وإمامتهم، فان من أنكر حقهم فهو أعدى عدوم، وقوله صلى الله عليه وآله " حبنا " أي حبي وحب أهل بيتي، ويحتمل كون الفقرة الأخيرة كلام الصادق عليه السلام لكنه بعيد.

16 - نهج البلاغة: قال عليه السلام في بعض خطبه: ثم إن هذا الاسلام دين الله الذي اصطفاه لنفسه، واصطنعه على عينه، وأصفاه خيرة خلقه، وأقام دعائمه على محبته. أذل الأديان بعزه، ووضع الملل برفعه، وأهان أعداء بكرامته، و خذل محاديه بنصره، وهدم أركان الضلالة بركنه، وسقى من عطش من حياضه، وأتاق الحياض بمواتحه، ثم جعله لا انفصام لعروته، ولا فك لحلقته ولا انهدام لأساسه، ولا زوال لدعائمه، ولا انقلاع لشجرته، ولا انقطاع لمدته ولا عفاء لشرائعه، ولا جذ لفروعه، ولا ضنك لطرقه، ولا وعوثة لسهولته ولا سواد لوضحه، ولا عوج لانتصابه، ولا عصل في عوده، ولا وعث لفجه، ولا انطفاء لمصابيحه، ولا مرارة لحلاوته، فهو دعائم أساخ في الحق أسناخها، وثبت لها أساسها، وينابيع عزرت عيونها، ومصابيح شبت نيرانها، ونار اقتدى بها

سفارها، وأعلام قصد بها فجاجها، ومناهل روي بها ورادها، جعل الله فيه منتهى رضوانه، وذروة دعائمه، وسنام طاعته، فهو عند الله وثيق الأركان، رفيع البنيان منير البرهان، مضئ النيران، عزيز السلطان، مشرف المنار، معوز المثار فشرفوه واتبعوه، وأدوا إليه حقه، وضعوه مواضعه.

بيان: الاصطفاء، الاختيار أي اختاره لان يكون طريقا إلى طاعته وسبيلا إلى جنته، والاصطناع افتعال من الصنيعة وهي العطية والكرامة والاحسان، و اصطنعه أي اختاره واتخذه صنيعة واصطنع خاتما أي أمر أن يصنع له، وقال:

بعض شراح النهج: تقول اصنع لي كذا على عيني، أي اصنعه صنعة كالتي تصنعها وأنا حاضر أشاهدها بعيني، فالمعنى أمر بأن يصنع الاسلام كالمصنوع المشاهد للامر أي أسس قواعده على ما ينبغي، وعلى علم منه بدقائقه، وقيل أي على علم منه بشرفه وفضله، وقيل أي اختاره أو أمر بأن يصنع حافظا له كما يقال في الدعاء بالحفظ والحياطة: " عين الله عليك " و " على " يفيد الحال على الوجوه، واصطفيت الشئ أي آثرته واصطفيته الود أي أخلصته.

" وأصفاه خيرة خلقه " أي آثر واختار للبعثة به خيرة خلقه، أو جعل خيرة خلقه خالصا لتبليغه دون غيره، والخيرة بالكسر وكعنبة الاسم من الاختيار، و الدعامة بالكسر عماد البيت، والضمير في محبته للاسلام أو لله " وذلة الأديان " نسخها أو المراد ذلة أهلها، وكذا وضع الملل، وهو الحط ضد الرفع يحتملهما وخذله كنصره ترك نصرته، والمحادة المخالفة ومنع ما يجب عليك من الحد بمعنى المنع وركن الشئ جانبه الذي يستند إليه ويقوم به، وأركان الضلالة العقائد المضلة أو رؤساء أهل الضلال، أو الأصنام، وركنه أصوله وقواعده أو النبي صلى الله عليه وآله أو كلمة التوحيد، وحياضه قوانينه أو النبي والأئمة صلوات الله عليهم، أو العلماء أيضا وماؤها العلم والهداية، وتئق الحوض كفرح أي امتلأ وأتاقه: أملاه، والماتح المستقي الذي يستخرج الدلو والحياض هنا المستفيدون ومواتحه الأئمة الآخذون

شرائعه عن النبي صلى الله عليه وآله أو المستنبطون من القرآن، أو العلماء المستنبطون معالم الكتاب والسنة بأفكارهم، أو الآخذون عن النبي والأئمة عليهم السلام ويحتمل أن يراد بالحياض القواعد وبالمواتح المؤسسون لها بأمر الله المبينون لها للمستضيئين بأنوارهم أو يراد بالحياض أولي العلم الذين ملا الله صدورهم من زلال المعرفة و الهداية، وبالمواتح المبلغون عن الله، من الملائكة وروح القدس والا لها مات الربانية.

والانفصام: الانكسار أو من غير إبانه، والعروة من الدلو والكوز المقبض والفك: الفصل، والعفاء الدروس وذهاب الأثر، والشريعة ما شرع الله لعباده أي سن وأوضح، والجذ بالجيم والذال المعجمة القطع، أو القطع المستأصل، و في بعض النسخ بالحاء المهملة، وهو القطع، وفي بعضها بالجيم والدال المهملة وهو القطع أيضا والفعل في الجميع كمد، والضنك الضيق، ووعوثة الطريق تعسر سلوكه، وأصله من الوعث وهو الرمل، والمشي فيه يشتد ويشق ومنه وعثاء السفر، لشدته ومشقته، وعن النبي صلى الله عليه وآله بعثت إليكم بالحنيفية السمحة السهلة البيضاء، والوضح بالتحريك البياض وبياض الاسلام صفاؤه عن كدر الباطل ونصبت الشئ أي أقمته ورفعته فانتصب، والعصل بالتحريك الاستواء والاعوجاج أو الاعوجاج في صلابة، والفج الطريق الواسع بين الجبلين، وطفئت النار كفرح وانطفأت أي ذهب لهبها.

وحلاوة الدين لذة القرب من الله والنعيم الدائم، وساخ الشئ في الأرض أي غاب وغار، والسنخ بالكسر الأصل، والأساس كسحاب أصل البناء والينبوع العين ينبع منه الماء أي يخرج، وقيل الجدول الكثير الماء وهو أنسب، وغزر العين ككرم أي كثر ماؤه وشبت النار على المعلوم والمجهول توقدت لازم متعد ولا يقال شابة بل مشبوبة، وفي النسخ على المجهول، والنيران جمع نار، والمنار جمع منارة، وهو العلم يهتدى به، وقيل المنار والمنارة موضع النور، وسفر الرجل كنصر أي خرج للارتحال فهو سافر، والفج الطريق الواسع الواضح

بين جبلين، والمنهل المشرب والموضع الذي فيه المشرب، وروي كرضي، ضد العطش والوراد: الذين يردون الماء ضد الصادرين وذروة الشئ بالضم والكسر أعلاه، وكذلك السنام كسحاب مأخوذ من سنام البعير، والوثيق المحكم الثابت وركن الشئ بالضم جانبه والبنيان ما يبنى ومصدر بنيت الدار وغيره، والبرهان الحجة، والعزة القوة والغلبة وضد الذلة، والسلطان يحتمل الحجة والسلطنة وأشرف الموضع أي ارتفع، وأعوزه الشئ أي احتاج إليه فلم يقدر عليه وأعوز فلان إذا افتقر وأعوزه الدهر أي أحوجه.

وثار الغبار: هاج وسطع، وثار به الناس: وثبوا عليه، وثار فلان إلى الشر أي نهض، والمثار الموضع والمصدر قيل: أي يعجز الناس إثارته وإزعاجه لقوته وثباته، وقال بعضهم: أي يعجز الخلق إثارة دفائنه وما فيه من كنوز الحكمة ولا يمكنهم استقصاؤها وروى بعض " معوز المثال " باللام أي يعجز الخلق عن الاتيان بمثله.

" فشرفوه " أي عدوه شريفا واعتقدوه كذلك، وكذلك عظموه، وأداء حقه الاتباع الكامل، ووضعه مواضعه: الكف عن تغيير أحكامه والعلم بمرتبته ومقداره الذي جعله الله له، أو العمل بجميع ما تضمنه من الأوامر والنواهي.

17 - نهج البلاغة: الحمد لله الذي شرع الاسلام فسهل شرائعه لمن ورده، وأعز أركانه على من غالبه، فجعله أمنا لمن علقه، وسلما لمن دخله، وبرهانا لمن تكلم به، وشاهدا لمن خاصم به، ونورا لمن استضاء به، وفهما لمن عقل، ولبا لمن تدبر، وآية لمن توسم، وتبصرة لمن عزم، وعبرة لمن اتعظ، ونجاة لمن صدق، وثقة لمن توكل، وراحة لمن فوض، وجنة لمن صبر، فهو أبلج المناهج، واضح الولايج، مشرف المنار، مشرق الجوار، مضئ المصابيح، كريم المضمار، رفيع الغاية، جامع الحبلة، متنافس السبقة، شريف الفرسان، التصديق منهاجه والصالحات مناره، والموت غايته، والدنيا مضماره، والقيامة حلبته، والجنة سبقته.

وقال رضي الله عنه في موضع آخر: وسئل عليه السلام عن الايمان فقال: الايمان على أربع دعائم: على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد، فالصبر منها على أربع شعب:

على الشوق، والشفق، والزهد، والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ومن أشفق من النار اجتنب المحرمات، ومن زهد في الدنيا استهان بالمصيبات ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات.

واليقين منها على أربع شعب: على تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الأولين، فمن تبصر في الفطنة تبينت له الحكمة، ومن تبينت له الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنما كان في الأولين.

والعدل منها على أربع شعب: على غائص الفهم، وغور العلم، وزهرة الحكم ورساخة الحلم، فمن فهم علم غور العلم ومن علم غور العلم صدر عن شرايع الحكم ومن حلم لم يفرط في أمره وعاش في الناس حميدا.

والجهاد منها على أربع شعب: على الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، و الصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهور المؤمنين، ومن نهى عن المنكر أرغم أنوف المنافقين، ومن صدق في المواطن قضى ما عليه، ومن شنئ الا فاسقين وغضب لله غضب الله له وأرضاه يوم القيامة.

والكفر على أربع دعائم: على التعمق، والتنازع، والزيغ، والشقاق، فمن تعمق لم ينب إلى الحق، ومن كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحق، ومن زاغ ساءت عنده الحسنة وحسنت عنده السيئة، وسكر سكر الضلالة، ومن شاق وعرت عليه طرقه وأعضل عليه أمره وضاق مخرجه.

والشك على أربع شعب: على التماري، والهول، والتردد، والاستسلام فمن جعل المراء ديدنا لم يصبح ليله، ومن هاله ما بين يديه نكص على عقبيه ومن تردد في الريب وطئته سنابك الشياطين، ومن استسلم لهلكة الدنيا و

الآخرة هلك فيهما.

ثم قال رضي الله عنه: وبعد هذا كلام تركنا ذكره خوف الإطالة والخروج عن الغرض المقصود في هذا الكتاب.

وقال رحمه الله في موضع آخر: وسأله عليه السلام رجل أن يعرفه ما الايمان؟

فقال: إذا كان غد فأتني حتى أخبرك على أسماع الناس، فان نسيت مقالتي حفظها عليك غيرك، فان الكلام كالشاردة يثقفها هذا ويخطئها هذا، وقد ذكرنا ما أجابه به فيما تقدم من هذا الباب وهو قوله عليه السلام: الايمان على أربع شعب.

بيان: أقول إنما أوردنا هذه الفصول متصلة لما يظهر من سائر الروايات اتصالها، وإنما فرقها وحذف أكثرها على عادته قدس سره وأخرنا شرح ما أورده منها إلى ذكر سائر الروايات لكونها أجمع وأفيد، وسنشير إلى الاختلاف بينها وبينها قوله " فإذا كان غد " كان ههنا تامة أي إذا حدث غد ووجد، وتقول إذا كان غدا فأتني بالنصب باعتبار آخر إي إذا كان الزمان غدا أي موصوفا بأنه الغد، ومن النحويين من يقدره إذا كان الكون غدا لان الفعل يدل على المصدر، والكون هو التجدد والحدوث، والشاردة النافرة، " وثقفه " كعلمه أي صادفه أو أخذه أو ظفر به و " يخطئها " أي لا يدركها ولا يفهمها أولا يحفظها وينساها.

18 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه; ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى; وعدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد جميعا عن الحسن بن محبوب عن يعقوب السراج، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام وبأسانيد مختلفة، عن الأصبغ ابن بناته قال: خطبنا أمير المؤمنين عليه السلام في داره - أو قال في القصر - ونحن مجتمعون ثم أمر صلوات الله عليه فكتب في كتاب وقرئ على الناس; وروى غيره أن ابن الكوا سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن صفة الاسلام والايمان والكفر والنفاق فقال:

أما بعد فان الله تبارك وتعالى شرع الاسلام، وسهل شرايعه لمن ورده، و

أعز أركانه لمن جأر به، وجعله عزا لمن تولاه، وسلما لمن دخله، وهدى لمن ائتم به، وزينة لمن تجلله، وعذرا لمن انتحله، وعروة لمن اعتصم به، وحبلا لمن استمسك به، وبرهانا لمن تكلم به، ونورا لمن استضاء به، وشاهدا لمن خاصم به، وفلجا لمن حاج به، وعلما لمن وعاه، وحديثا لمن روى، وحكما لمن قضى، وحلما لمن جرب، ولباسا لمن تدبر وفهما لمن تفطن، ويقينا لمن عقل، وبصيرة لمن عزم، وآية لمن توسم، وعبرة لمن اتعظ، ونجاة لمن صدق، وتؤدة لمن أصلح، وزلفى لم اقترب، وثقة لمن توكل، ورجاء لمن فوض، وسبقة لمن أحسن، وخيرا لمن سارع، وجنة لمن صبر، ولباسا لمن اتقى، وظهيرا لمن رشد، وكهفا لمن آمن، وأمنة لمن أسلم، ورجاء لمن صدق وغنى لمن قنع.

فذلك الحق سبيله الهدى، ومأثرته المجد، وصفته الحسنى، فهو أبلج المنهاج مشرق المنار، ذاكي المصباح، رفيع الغاية، يسير المضمار، جامع الحلبة، سريع السبقة، أليم النقمة، كامل العدة، كريم الفرسان.

فالايمان منهاجه، والصالحات مناره، والفقه مصابيحه، والدنيا مضماره والموت غايته، والقيامة حلبته، والجنة سبقته، والنار نقمته، والتقوى عدته، و المحسنون فرسانه، فبالايمان يستدل على الصالحات، وبالصالحات يعمر الفقه وبالفقه يرهب الموت، وبالموت يختم الدنيا، وبالدنيا تجوز القيامة، وبالقيامة تزلف الجنة، والجنة حسرة أهل النار، والنار موعظة للمتقين، والتقوى سنخ الايمان.

19 - الكافي: بالاسناد المتقدم عن أبي جعفر عليه السلام قال سئل أمير المؤمنين

عليه السلام عن الايمان فقال: إن الله عز وجل جعل الايمان على أربع دعائم:

على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد.

فالصبر من ذلك على أربع شعب: على الشوق، والاشفاق، والزهد، و الترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق عن النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن راقب الموت سارع إلى الخيرات.

واليقين على أربع شعب: تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة، ومعرفة العبرة وسنة الأولين، فمن أبصر الفطنة عرف الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف العبرة ومن عرف العبرة عرف السنة، ومن عرف السنة فكأنما كان مع الأولين واهتدى إلى التي هي أقوم، ونظر إلى من نجا بما نجا، ومن هلك بما هلك، وإنما أهلك الله من هلك بمعصيته، وأنجا من أنجا بطاعته.

والعدل على أربع شعب غامض الفهم، وغمر العلم، وزهرة الحكم، و روضة الحلم، فمن فهم فسر جميع العلم، ومن علم عرف شرايع الحكم، ومن حلم لم يفرط في أمره، وعاش في الناس حميدا.

والجهاد على أربع شعب: على الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق، وأمن كيده، ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه، ومن شئ الفاسقين غضب لله ومن غضب لله غضب الله له فذلك الايمان ودعائمه وشعبه.

مجالس المفيد، أمالي الطوسي: عن المفيد، عن المرزباني، عن أحمد بن سليمان الطوسي، عن الزبير بن بكار، عن عبد الله بن وهب، عن السدي، عن عبد خير، عن جابر الأسدي قال: قام رجل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فسأله عن الايمان فقام عليه السلام خطيبا فقال: الحمد لله الذي شرع الاسلام وساق نحوه إلى قوله غضب

لله، ومن غضب لله تعالى فهو مؤمن حقا فهذه صفة الايمان ودعائمه، فقال له السائل:

لقد هديت يا أمير المؤمنين وأرشدت فجزاك الله عن الدين خيرا.

ولنوضح هذه الرواية الشريفة مشيرا إلى اختلاف النسخ في الكتب:

" أما بعد " أي بعد الحمد والصلاة " فسهل شرائعه لمن ورده " الشرع والشريعة بفتحهما ما شرع الله لعباده من الدين أي سنه وافترضه عليهم، وشرع الله لنا كذا أي أظهره وأوضحه، والشريعة مورد الإبل على الماء الجاري وكذلك المشرعة قال الأزهري ولا تسميها العرب مشرعة إلا إذا كان الماء غير منقطع كماء الأنهار ويكون ظاهرا معينا ولا يستقى منه برشاء، فإن كان من ماء الأمطار فهو الكرع بفتحتين، ووردت الماء كوعدت إذا حضرته لتشرب، وقيل الشريعة مورد الشاربة ويقال لما شرع الله تعالى لعباده، إذ به حياة الأرواح كما بالماء حياة الأبدان " وأعز أركانه لمن حاربه " ركن الشئ جانبه أو الجانب الأقوى منه، والعز و المنعة، وما يتقوى به من ملك وجند وغيره، كما يستند إلى الركن من الحائط عند الضعف، والعز القوة والشدة والغلبة، وأعزه أي جعله عزيزا، أي جعل أصوله وقواعده أو دلائله وبراهينه قاهرة غالبة منيعة قوية لمن أراد محاربته أي هدمه وتضييعه، وقيل محاربته كناية عن محاربة أهله وفي بعض النسخ " جأر به " كسأل بالجيم والهمز أي استغاث به ولجأ إليه، وفي النهج على من غالبه أي حاول أن يغلبه ولعله أظهر، وفي تحف العقول على من جانبه.

" وجعله عزا لمن تولاه " أي جعله سببا للعزة والرفعة والغلبة لمن أحبه وجعله وليه في الدنيا من القتل والأسر والنهب والذل، وفي الآخرة من العذاب والخزي وفي مجالس الشيخ " لمن والاه " وفي النهج مكانه " فجعله أمنا لمن علقه "

أي نشب واستمسك به " وسلما لمن دخله " والسلم بالكسر كما في النهج وبالفتح أيضا الصلح، ويطلق على المسالم أيضا بالتحريك الاستسلام، إذ من دخله يؤمن من المحاربة والقتل والأسر " لمن تجلله " كأنه على الحذف والإيصال أي تجلل به، أو علاه الاسلام وظهر عليه، أو أخذ جلاله وعمدته قال الجوهري تجليل الفرس أن تلبسه الجل، وتجلله أي: علاه، وتجلله: أي أخذ جلاله انتهى، و ربما يقرأ بالحاء المهملة، ويفسر بأن جعله حلة على نفسه ولا يخفى ما فيه وفي المجالس والتحف " لمن تحلى به " وهو أظهر.

" وعذرا لمن انتحله " الانتحال أخذه نحلة ودينا، ويطلق غالبا على ادعاء أمر لم يتصف به، فعلى الثاني المراد أنه عذر ظاهرا في الدنيا. ويجري به عليه أحكام المسلمين، وإن لم ينفعه في الآخرة، والعروة من الدلو والكوز المقبض و كل ما يتمسك به، شبه الاسلام تارة بالعروة التي في الحبل يتمسك بها في الارتقاء إلى مدارج الكمال، والنجاة من مهاوي الحيرة والضلال، كما قال تعالى: " فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها " وتارة بالحبل المتين يصعد بالتمسك به إلى درجات المقربين والحبل يطلق على الرسن وعلى العهد وعلى الذمة و على الأمان. والكل مناسب، وقيل: شبهه بالعروة لان من أخذ بعروة الشئ كالكوز مثلا ملك كله، وكذلك من تمسك بالاسلام اتسولى على جميع الخيرات.

" وبرهانا لمن تكلم به " البرهان: الحجة والدليل، أي الاسلام إذا أحاط الانسان بأصوله وفروعه يحصل منه براهين ساطعة على من أنكرها إذ لا تحصل الإحاطة التامة إلا بالعلم بالكتاب والسنة وفيهما برهان كل شئ " ونورا لمن استضاء به " شبهه بالنور للاهتداء به إلى طرق النجاة، ورشحه بذكر الاستضاءة.

" وشاهدا لمن خاصم به " إذ باشتماله على البراهين الحقة يشهد بحقيته من خاصم به " وفلجا لمن حاج به " الفلج بالفتح الظفر والفوز كالافلاج، والاسم بالضم والمحاجة المغالبة بالحجة " وعلما لمن وعاه " أي سببا لحصول العلم وإن كان مسببا عنه أيضا في الجملة. إذ العلم به يزداد ويتكامل و " حديثا لمن روى " أي يتضمن الإحاطة بالاسلام أحاديث وأخبارا لمن أراد روايتها، ففي الفقرة السابقة حث على الدراية وفي هذه الفقرة حث على الرواية " وحكما لمن قضى " أي يتضمن ما به يحكم بين المتخاصمين لمن قضى بينهما، وفي المجالس رواه وقضى به " وحلما لمن جرب " الحلم بمعنى العقل أو بمعنى الأناة وترك السفه، وكلاهما يحصلان باختيار الاسلام، وتجربة ما ورد فيه من المواعظ والاحكام، واختصاص التجربة بالاسلام لان من سفه وبادر بسبب غضب عرض له، يلزمه في دين الاسلام أحكام من الحد والتعزير والقصاص من جربها واعتبر بها تحمله التجربة على العفو والصفح وعدم الانتقام لا سيما مع تذكر العقوبات الأخروية على فعلها، والمثوبات الجليلة على تركها، وكل ذلك يظهر من دين الاسلام.

" ولباسا لمن تدبر " أي لباس عافية لمن تدبر في العواقب أو في أوامره و نواهيه، بتقريب ما مر أو لباس زينة، والأول أظهر " وقد يقرأ تدثر " بالثاء المثلثة أي لبسه وجعله مشتملا على نفسه كالدثار، وهو تصحيف لطيف وفي النهج والكتابين ولبا لمن تدبر، واللب بالضم العقل وهو أصوب " وفهما لمن تفطن " الفهم العلم وجودة تهيؤ الذهن لقبول ما يرد عليه، والفطنة الحذق، والتفطن طلب الفطانة أو إعماله. وظاهر أن الاسلام والانقياد للرسول والأئمة عليهم السلام يصير سببا للعلم وجودة الذهن لمن أعمل الفطنة فيما يصدر عنهم من المعارف والحكم

وفي المجالس " لمن فطن ".

" ويقينا لمن عقل " أي يصير سببا لحصول اليقين لمن تفكر وتدبر، يقال عقلت الشئ عقلا كضربت أي تدبرته، وعقل كعلم لغة فيه، ويمكن أن يراد بمن عقل من كان من أهل العقل، وهو قوة بها يكون التمييز بين الحسن والقبيح وقيل: غريزة يتهيأ بها الانسان لفهم الخطاب " وبصيرة لمن عزم " وفي النهج و المجالس " وتبصرة " قال الراغب يقال لقوة القلب المدركة: بصيرة، وبصر، و منه " أدعو إلى الله على بصيرة " أي على معرفة وتحقق، وقوله " تبصرة " أي تبصيرا وتبيينا يقال: بصرته تبصيرا وتبصرة كما يقال: ذكرته تذكيرا وتذكرة، وقال:

العزم والعزيمة عقد القلب على إمضاء الامر يقال: عزمت الامر وعزمت عليه واعتزمت انتهى أي تبصرة لمن عزم على الطاعة كيف يؤديها أو في جميع الأمور فان في الدين كيفية المخرج في جميع أمور الدين والدنيا، وأيضا من كان ذا دين لا يعزم على أمر إلا على وجه البصيرة.

" وآية لمن توسم " أي الاسلام مشتمل على علامات لمن تفرس ونظر بنور العلم واليقين إشارة إلى قوله تعالى " إن في ذلك للآيات للمتوسمين " قال:

الراغب: الوسم التأثير، والسمة الأثر، قال تعالى " سيماهم في وجوههم من أثر السجود " وقال: " تعرفهم بسيماهم " وقوله تعالى " إن في ذلك لايات للمتوسمين " أي للمعتبرين العارفين المتفطنين، وهذا التوسم هو الذي سماه قوم الذكاء، و قوم الفطنة، وقوم الفراسة، وقال صلى الله عليه وآله: اتقوا فراسة المؤمن، وقال: المؤمن ينظر بنور الله، وتوسمت تعرفت السمة.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.