بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
26. باب الشرايع
ج ۶۵، ص ۳۱۶–۳۲۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
عباس بن عامر: وزاد فيه بعضهم: فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه، يعني الولاية.
الكافي: عن علي، عن أبيه، عن البزنطي; والعدة، عن البرقي، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن محمد بن مروان جميعا، عن أبان مثله إلا أن فيه والفطرة الحنيفية، وحرم فيها الخبائث، إلى قوله ثم افترض عليه فيها الصلاة تبيين: قوله عليه السلام " شرايع نوح " يحتمل أن يكون المراد بالشرايع أصول الدين، ويكون التوحيد والاخلاص وخلع الأنداد بيانا لها " والفطرة الحنيفية " معطوفة على الشرايع وإنما خص عليه السلام ما به الاشتراك بهذه الثلاثة، مع اشتراكه عليه السلام معهم في كثير من العبادات، لاختلاف الكيفيات فيها، دون هذه الثلاثة ولعله عليه السلام لم يرد حصر المشتركات فيما ذكر، لعدم ذكر سائل أصول الدين كالعدل والمعاد، مع أنه يمكن إدخالها في بعض ما ذكر، لا سيما الاخلاص بتكلف.
ويمكن أن يكون المراد منها الأصول، وأصول الفروع المشتركة، وإن اختلفت في الخصوصيات والكيفيات، وحينئذ يكون جميع تلك الفقرات إلى قوله عليه السلام " وزاده " بيانا للشرايع، ويشكل حينئذ ذكر الرهبانية والسياحة، إذ المشهور أن عدمهما من خصائص نبينا صلى الله عليه وآله إلا أن يقال المراد عدم الوجوب وهو مشترك أو يقال إنهما لم يكونا في شريعة عيسى عليه السلام أيضا وإن استشكل بالجهاد وأنه لم يجاهد عيسى عليه السلام فالجواب أنه يمكن أن يكون واجبا عليه لكن لم يتحقق شرائطه، و لذا لم يجاهد، ولعل قوله عليه السلام " زاده وفضله " بهذا الوجه أوفق، وكأن المراد بالتوحيد نفي الشريك في الخلق، وبالاخلاص نفي الشريك في العبادة، و خلع الأنداد تأكيد لهما، أو المراد به ترك اتباع خلفاء الجور وأئمة الضلالة أو نفي الشرك الخفي، أو المراد بالاخلاص نفي الشرك الخفي وبخلع الأنداد نفي الشريك في استحقاق العبادة، والأنداد جمع ند، وهو مثل الشئ الذي يضاده في أموره، ويناده أي يخالفه.
والفطرة ملة الاسلام التي فطر الله الناس عليها، كما مر، والحنيفية: المائلة
من الباطل إلى الحق، أو الموافقة لملة إبراهيم عليه السلام قال في النهاية: الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم وأصل الحنف الميل، ومنه الحديث بعثت بالحنيفية السمحة السهلة، وفي القاموس: السمحة الملة التي ما فيها ضيق.
وفي النهاية: فيه لا رهبانية في الاسلام، وهي من رهبنة النصارى، وأصله من الرهبة الخوف، كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا، وترك ملاذها و الزهد فيها، والعزلة عن أهلها، وتعمد مشاقها، حتى أن منهم من كان يخصي نفسه ويضع السلسلة في عنقه وغير ذلك من أنواع التعذيب، فنفاها النبي صلى الله عليه وآله عن الاسلام ونهى المسلمين عنها انتهى.
وقال الطبرسي قدس سره في قوله تعالى: " ورهبانية ابتدعوها ": هي الخصلة من العبادة يظهر فيها معنى الرهبة إما في لبسة، أو انفراد عن الجماعة أو غير ذلك من الأمور التي يظهر فيها نسك صاحبه، والمعنى ابتدعوا رهبانية لم نكتبها عليهم، وقيل إن الرهبانية التي ابتدعوها في رفض النساء، واتخاذ الصوامع عن قتادة، قال: وتقديره ورهبانية ما كتبناها عليهم إلا أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها، وقيل إن الرهبانية التي ابتدعوها لحاقهم بالبراري والجبال في خبر مرفوع عن النبي صلى الله عليه وآله فما رعوها الذين بعدهم حق رعايتها، وذلك لتكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وآله عن ابن عباس، وقيل: إن الرهبانية
هي الانقطاع عن الناس للانفراد بالعبادة " ما كتبناها " أي ما فرضناها " عليهم " وقال الزجاج إن تقديره " ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله " وابتغاء رضوان الله اتباع ما أمر الله، لهذا وجه، قال: وفيها وجه آخر جاء في التفسير أنهم كانوا يرون من ملوكهم مالا يصبرون عليه، وفاتخذوا أسرابا وصوامع، وابتدعوا ذلك، فلما ألزموا أنفسهم ذلك التطوع، ودخلوا عليه، لزمهم إتمامه كما أن الانسان إذا جعل على نفسه صوما لم يفرض عليه لزمه أن يتمه.
قال: وقوله " فما رعوها حق رعايتها " على ضربين أحدهما أن يكونوا قصروا فيما ألزموه أنفسهم، والاخر وهو الأجود أن يكونوا حين بعث النبي صلى الله عليه وآله فلم يؤمنوا به، وكانوا تاركين لطاعة الله، فما رعوها [أي] تلك الرهبانية حق رعايتها ودليل ذلك قوله " فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم " يعني الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله " وكثير منهم فاسقون " أي كافرون انتهى كلام الزجاج.
ويعضد هذا ما جاءت به الرواية عن ابن مسعود، قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وآله على حمار فقال: يا ابن أم عبد، هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل!! الرهبانية؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فقال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى عليه السلام يعملون بمعاصي الله، فغضب أهل الايمان فقاتلوهم فهزم أهل الايمان ثلاث مرات، فلم يبق منهم إلا القليل، فقالوا: إن ظهرنا هؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه، فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى عليه السلام يعنون محمدا صلى الله عليه وآله فتفرقوا في غيران الجبال، وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه، ومنهم من كفر، ثم تلا هذه الآية " ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم " إلى آخرها ثم قال يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي؟ قلت: الله ورسله أعلم، قال: الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة.
وفي حديث آخر عن ابن مسعود، أنه صلى الله عليه وآله قال: من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون انتهى
وقال في النهاية: فيه لا سياحة في الاسلام، يقال: ساح في الأرض يسيح سياحة إذا ذهب فيها، وأصله من السيح، وهو الماء الجاري المنبسط على الأرض، أراد مفارقة الأمصار، وسكنى البراري، وترك شهود الجمعة والجماعات، وقيل: أراد الذين يسيحون في الأرض بالشر والنميمة والافساد بين الناس، ومن الأول الحديث سياحة هذه الأمة الصيام، قيل للصائم سائح لان الذي يسيح في الأرض متعبدا، يسيح ولا زاد معه ولا ماء، فحين يجد يطعم والصائم يمضى نهاره لا يأكل ولا يشرب شيئا فشبه به انتهى.
قوله عليه السلام: " أحل فيها الطيبات " إشارة إلى قوله تعالى في الأعراف " الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم " الآية قال الطبرسي قدس سره: " ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث " معناه يبيح لهم المستلذات الحسنة، ويحرم عليهم القبائح، وما تعافه الأنفس، وقيل: يحل لهم ما اكتسبوه من وجه طيب، و يحرم عليهم ما اكتسبوه من وجه خبيث، وقيل يحل لهم ما حرمه عليهم رهابينهم وأحبارهم، وما كان يحرمه أهل الجاهلية من البحائر والسوائب وغيرها ويحرم عليهم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذكر معها " ويضع عنهم إصرهم " أي ثقلهم شبه ما كان على بني إسرائيل من التكليف الشديد بالثقل، وذلك أن الله سبحانه جعل توبتهم أن يقتل بعضهم بعضا، وجعل توبة هذه الأمة الندم بالقلب حرمة للنبي صلى الله عليه وآله عن الحسن، وقيل الاصر هو العهد الذي كان الله سبحانه أخذه على بني إسرائيل أن يعملوا بما في التوراة عن ابن عباس والضحاك والسدي ويجمع المعنيين قول الزجاج الاصر ما عقدته من عقد ثقيل " والأغلال التي كانت عليهم " معناه ويضع عنهم العهود التي كانت في ذمتهم، وجعل تلك العهود بمنزلة الأغلال التي تكون في الأعناق للزومها كما يقال: هذا طوق في عنقك، وقيل يريد بالاغلال ما امتحنوا به من قتل
نفوسهم في التوبة، وقرض ما يصيبه البول من أجسادهم، وما أشبه ذلك من تحريم السبت وتحريم العروق والشحوم وقطع الأعضاء الخاطئة، ووجوب القصاص دون الدية عن أكثر المفسرين انتهى.
وأقول: استدل أكثر أصحابنا على تحريم كثير من الأشياء مما تستقذره طباع أكثر الخلق بهذه الآية، وهو مشكل، إذا الظاهر من سياق الآية مدح النبي صلى الله عليه وآله وشريعته، بأن ما يحل لهم هو طيب واقعا وإن لم نفهم طيبه وما يحرم عليهم هو الخبيث واقعا وإن لم نعلم خبثه، كالطعام المستلذ الذي يكون من مال اليتيم أو مال السرقة تستلذه الطبع وهو خبيث واقعا وأكثر الأدوية التي يحتاج الناس إليها في غاية البشاعة وتستقذرها الطبع، ولم أر قائلا بتحريمها، فالحمل على المعنى الذي لا يحتاج إلى تخصيص ويكون موافقا لقواعد الامامية من الحسن والقبح العقليين، أولى من الحمل على معنى لا بد فيه من تخصيصات كثيرة، بل ما يخرج منهما أكثر مما يدخل فيهما كما لا يخفى على من تتبع مواردهما.
ويمكن أن يقال هذه الآية كالصريحة في الحسن والقبح العقليين، ولم يستدل بها الأصحاب رضي الله عنهم، وقيل الاصر الثقل الذي يأصر حامله، أي يحبسه في مكانه لفرط ثقله، وقال الزمخشري هو مثل لثقل تكليفهم وصعوبته، نحو اشتراط قتل الأنفس في حصة توبتهم، وكذلك الأغلال مثل لما كان في شرايعهم من الأشياء الشاقة نحو بت القضاء بالقصاص عمدا كان أو خطأ من غير شرع الدية، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثواب، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم، وتحريم السبت، وعن عطا كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها إلى السارية يحبس نفسه على العبادة انتهى.
قوله عليه السلام: " ثم افترض عليه " أي على نبينا صلى الله عليه وآله " فيها " أي في الفطرة التي هي ملته، وكأن " ثم " للتفاوت في الرتبة، وقيل: المراد بالحلال ما عدا الحرام
فيشمل الأحكام الأربعة، والمراد بالفرائض المواريث ذكرت تأكيدا أو مطلق الواجبات، وقيل: الفرائض ماله تقدير شرعي من المواريث، وهي أعم منها ومن غيرها، مما ليس له تقدير، وقيل: المراد بالفرائض ما فرض من القصاص بقدر الجناية وقوله " وزاده الوضوء " يدل على عدم شرع الوضوء في الأمم السابقة، و ينافيه ما ورد في تفسير قوله تعالى " فطفق مسحا بالسوق والأعناق " أنهم مسحوا ساقهم وعنقهم وكان ذلك وضوءهم إلا أن يقال: المراد زيادة الوضوء كما في بعض النسخ " وزيادة الوضوء " عطفا على الجهاد.
قوله عليه السلام " وفضله " إشارة إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: أعطيت مكان التوراة السبع الطول، ومكان الإنجيل المثاني ومكان الزبور المئين وفضلت بالمفصل وفي رواية واثلة بن الأصقع وأعطيت مكان الإنجيل المئين ومكان الزبور المثاني، وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم البقرة من تحت العرش لم يعطها نبي قبلي وأعطاني ربى المفصل نافلة.
قال الطبرسي روح الله روحه: فالسبع الطول: البقرة، وآل عمران، والنساء والمائدة، والانعام، والأعراف والأنفال مع التوبة لأنهما تدعيان القرينتين، ولذلك لم يفصل بينهما بالبسملة، وقيل: إن السابعة سورة يونس، والطول جمع الطولى تأنيث الأطول، وإنما سميت هذه السور الطول، لأنها أطول سور القرآن، و أما المثاني فهي السور التالية للسبع الطول أولها يونس وآخرها النحل، وإنما سميت المثاني لأنها ثنت الطول أي تلتها، وكان الطول هي المبادي، والمثاني لها ثواني، وواحدها مثنى مثل المعنى والمعاني، وقال الفراء: وحدها مثناة وقيل المثاني سور القرآن كلها طوالها وقصارها، من قوله تعالى " كتابا متشابها مثاني " وأما المئون فهي كل سورة تكون نحوا من مائة آية أو فويق ذلك أو دوينه، وهي سبع سور أولها سورة بني إسرائيل وآخرها المؤمنون، وقيل إن المئين ما ولي السبع الطول
ثم المثاني بعدها، وهي التي تقصر عن المئين وتزيد على المفصل، وسميت المثاني لان المئين مبادلها، وأما المفصل فما بعد الحواميم من قصار السور إلى آخر القرآن، سميت مفصلا لكثرة الفصول بين سورها ببسم الله الرحمن الرحيم انتهى.
وأقول: اختلف في أول المفصل فقيل من سورة ق وقيل من سورة محمد صلى الله عليه وآله وقيل من سورة الفتح، وعن النووي مفصل القرآن من محمد إلى آخر القرآن، وقصاره من الضحى إلى آخره، ومطولاته إلى عم ومتوسطاته إلى الضحى، وفي الخبر المفصل ثمان وستون سورة، وسيأتي تمام الكلام في ذلك في كتاب القرآن.
" وأحل له المغنم " في النهاية الغنيمة والغنم المغنم والغنائم هو ما أصيب من أموال أهل الحرب وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب، وقال: الفئ ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد، وأصل الفئ الرجوع يقال فاء يفئ فيئة وفيئا، كأنه في الأصل لهم ثم رجع إليهم انتهى.
أقول: ويحتمل أن يكون المراد بالمغنم المنقولات وبالفئ الأراضي سواء أخذت بحرب أم لا وعلى التقديرين في قوله " له " توسع أي له ولأهل بيته وأمته، و يحتمل أن تكون اللام سببية لا صلة للاحلال فيكون من أحل له غير مذكور فيشمل الجمع والاختصاص لما مر أن الأمم السابقة كانوا لا تحل لهم الغنيمة، بل كانوا يجمعونها فتنزل نار من السماء فتحرقها، وكان ذلك بلية عظيمة عليهم، حتى كان قد يقع فيها السرقة فيقع الطاعون بينهم، فمن الله على هذه الأمة باحلالها، و نصره بالرعب مع قلة العدة والعدة، وكثرة الأعداء، وشدة بأسهم " والرعب " الفزع والخوف، فكان الله تعالى يلقي رعبه في قلوب الأعداء حتى إذا كان بينه و بينهم مسيرة شهرها بوه وفزعوا منه.
" وجعل له الأرض مسجدا " أي مصلى يجوز لهم الصلاة في أي موضع شاؤوا بخلاف الأمم السابقة فان صلاتهم كانت في بيعهم وكنايسهم إلا من ضرورة " وطهورا "
أي مطهرا أو ما يتطهر به: تطهر أسفل القدم والنعل ومحل الاستنجاء وتقوم مقام الماء عند تعذره في التيمم، والمراد بكونها طهورا أنها بمنزلة الطهور في استباحة الصلاة بها وحمله السيد رحمه الله على ظاهره فاستدل به على ما ذهب إليه من أن التيمم يرفع الحدث إلى وجود الماء.
" وأرسله كافة " إشارة إلى قوله تعالى " وما أرسلناك إلا كافة للناس " و " كافة " في الآية إما حال عما بعدها أي إلى الناس جميعا، ومن لم يجوز تقديم الحال على ذي الحال المجرور قال هي حال عن الضمير المنسوب في أرسلنا، والتاء للمبالغة أو صفة لمصدر محذوف أي إرساله كافة، أو مصدر كالكاذبة والعافية، ولعل الأخيرين في الخبر أنسب، وظاهره أن غيره صلى الله عليه وآله لم يبعث في الكافة وهو خلاف المشهور.
ويحتمل أن يكون الحصر إضافيا أو يكون المراد به بعثه على جميع من بعده إذ لا نبي بعده بخلاف سائر أولي العزم فإنهم لم يكونوا كذلك، بل نسخت شريعتهم " والأبيض والأسود " العجم والعرب، أو كل من اتصف باللونين ليشمل جميع الناس، قال في النهاية: فيه بعثت إلى الأحمر والأسود أي العجم والعرب لان الغالب على ألوان العجم الحمرة والبياض، وعلى ألوان العرب الأدمة والسمرة وقيل: الجن والإنس، وقيل: أراد بالأحمر الأبيض مطلقا، فان العرب تقول امرأة حمراء أي بيضاء، ومنه الحديث أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض هي ما أفاء الله على أمته من كنوز الملوك، فالأحمر الذهب والأبيض الفضة، و الذهب كنوز الروم لأنه الغالب على نقودهم، والفضة كنوز الأكاسرة لأنها الغالبة على نقودهم، وقيل: أراد العرب والعجم جمعهم الله على دينه وملته انتهى والكلام في اختصاص البعث على الجن والإنس به صلى الله عليه وآله كالكلام فيما سبق.
ويدل الخبر أيضا على اختصاص الجزية والأسر والفداء به صلى الله عليه وآله " والجزية " المال الذي يقرره الحاكم على الكتابي إذا أقره على دينه، وهي فعلة من الجزاء كأنها جزت عن قتله وأسره، " والفداء " بالكسر والمد وبالفتح والقصر، فكاك الأسير بالمال الذي قرره الحاكم عليه، يقال فداه يفديه فداء " ثم كلف " على بناء
المفعول و " ثم " هنا أيضا مثل ما سبق، لان هذا التكليف أعظم التكليفات وأشقها فقد ثبت صلى الله عليه وآله في حرب أحد وحنين بعد انهزام أصحابه مصرحا باسمه لا يبالي شيئا " وانزل عليه سيف من السماء " أي ذو الفقار أو غيره وكونه بلا غمد تحريض على الجهاد وإشارة إلى أن سيفه ينبغي أن لا يغمد وقيل السيف عبارة عن آية سورة براءة " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين " فإنها يقال لها آية السيف و كونه من غير غمد كناية عن أنها من المحكمات ولا يخفى بعده، " والغمد " بالكسر الغلاف، وقال البيضاوي " قاتل في سبيل الله " إن تثبطوا وتركوك وحدك " لا تكلف إلا نفسك " أي إلا فعل نفسك، لا يضرك مخالفتهم وتقاعدهم، فتقدم إلى الجهاد وإن لم يساعدك أحد، فان الله ناصرك لا الجنود.
2 - المحاسن: عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام:
قول الله " فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل " فقال: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم وعلى جميع أنبياء الله ورسله، قلت: كيف صاروا أولي العزم؟ قال: لان نوحا بعث بكتاب وشريعة فكل من جاء بعد نوح أخذ بكتاب نوح وشريعته ومنهاجه حتى جاء إبراهيم عليه السلام بالصحف، وبعزيمة ترك كتاب نوح لا كفرا به فكل نبي جاء بعد إبراهيم جاء بشريعة إبراهيم ومنهاجه وبالصحف حتى جاء موسى بالتوراة وبعزيمة ترك الصحف، فكل نبي جاء بعد موسى أخذ بالتوراة وشريعته ومنهاجه حتى جاء المسيح بالإنجيل وبعزيمة ترك شريعة موسى ومنهاجه، فكل نبي جاء بعد المسيح أخذ بشريعته ومنهاجه حتى جاء محمد صلى الله عليه وآله فجاء بالقرآن وشريعته ومنهاجه، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، فهؤلاء أولوا العزم من الرسل.
الكافي: عن العدة، عن البرقي مثله.
بيان: " فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل " قال الطبرسي رحمه الله:
أي فاصبر يا محمد على أذى هؤلاء الكفار، وعلى ترك إجابتهم لك، كما صبر الرسل و " من " هنا لتبيين الجنس، فالمراد جميع الأنبياء لأنهم عزموا على أداء الرسالة و تحمل أعبائها، وقيل: إن " من " ههنا للتبعيض، وهو قول أكثر المفسرين و الظاهر في روايات أصحابنا ثم اختلفوا فقيل هم من أتى بشريعة مستأنفة نسخت شريعة من تقدمه، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وعليهم عن ابن عباس وقتادة، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: وهم سادة النبيين وعليهم دارت رحى المرسلين، وقيل: هم ستة نوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد الولد وذهاب البصر، ويوسف صبر على البئر والسجن، وأيوب صبر على الضر عن مجاهد.
وقيل هم الذين أمروا بالجهاد والقتال وأظهروا المكاشفة وجاهدوا في الدين عن السدى والكلبي، وقيل: هم أربعة إبراهيم ونوح وهود ورابعهم محمد صلى الله عليه وآله عن أبي العالية، والعزم هو الوجوب والحتم وأولوا العزم من الرسل هم الذين شرعوا الشرايع وأوجبوا على الناس الاخذ بها، والانقطاع عن غيرها انتهى.
قوله عليه السلام: " لا كفرا به " أي إنكارا لحقيته بل إيمانا به وبصلاحه في وقت دون آخر، وللنسخ مصالح كثيرة والعبد مأمور بالتسليم، وكان من جملتها ابتلاء الخلق واختبارهم في ترك ما كانوا متمسكين به، قوله: " ومنهاجه " كأنه إشارة إلى قوله تعالى " ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ".
3 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله: " شرع لكم من الدين " مخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وآله " ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك " يا محمد " وما وصينا به إبراهيم وموسى و عيسى أن أقيموا الدين " أي تعلموا الدين، يعني التوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت والسنن والاحكام التي في الكتب والاقرار بولاية
أمير المؤمنين عليه السلام " ولا تتفرقوا فيه " أي لا تختلفوا فيه " كبر على المشركين ما تدعوهم إليه " من ذكر هذه الشرايع، ثم قال " الله يجتبي إليه من يشاء " أي يختار " ويهدي إليه من ينيب " وهم الأئمة الذين اختارهم واجتباهم قال: " وما تفرقوا إلا من بعد ما جائهم العلم بغيا بينهم " قال لم يتفرقوا بجهل ولكنهم تفرقوا لما جائهم العلم وعرفوه، فحسد بعضهم بعضا وبغى بعضهم على بعض، لما رأوا من تفاضل أمير المؤمنين عليه السلام بأمر الله فتفرقوا في المذاهب وأخذوا بالآراء والأهواء.
ثم قال عز وجل: " ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم " قال: لولا أن الله قد قدر ذلك أن يكون في التقدير الأول، لقضي بينهم إذا اختلفوا وأهلكهم ولم ينظرهم، ولكن أخرهم إلى أجل مسمى " وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب " كناية عن الذين نقضوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال: " فلذلك فادع " يعني لهذه الأمور والذي تقدم ذكره وموالاة أمير المؤمنين " واستقم كما أمرت ".
قال: فحدثني أبي، عن علي بن مهزيار، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، في قول الله " أن أقيموا الدين " قال الامام: " ولا تفرقوا فيه " كناية عن أمير المؤمنين ثم قال: " كبر على المشركين ما تدعوهم إليه " من أمر ولاية علي " الله يجتبي إليه من يشاء " كناية عن علي عليه السلام " ويهدي إليه من ينيب " ثم قال:
" فلذلك فادع " يعني إلى ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، " ولا تتبع أهوائهم فيه " وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لاعدل بينكم الله ربنا وربكم " إلى قوله " و إليه المصير.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.