بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
باب البحث ممكن أي طريق التفحص عن التوحيد ممكن، وطلب المخرج عن الشبهات حاصل، والحاصل أن الله تعالى نصب لكم حجة يمكنكم أن تعرفوه وتتعلموا منه التوحيد، ثم قال عليه
ج ۶۵، ص ۳۰۵–۳۰۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
أقول: قد عرفت أن هذا الاستدلال بوجهيه إنما يستقيم على مذهب من يجعل الطاعات الايمان أو جزءا منه، فإن كان المستدل به هؤلاء، فذلك قد علم مع ما يرد عليه، وإن كان غيرهم فهو ساقط الدلالة أصلا ورأسا، ثم نقول على تقدير تسليم دلالة هذه الآيات على اتحادهما: إن الحكم بعموم الاسلام في الحكم على مذهب من يجعل الطاعات الايمان ظاهرا أن الآيات دلت على اتحادهما في الحقيقة عند الله تعالى، وعلى هذا من لم يأت بالطاعات أو بعضها فلا دين له، فلا إسلام، فلا إيمان له عند الله تعالى ولا في الظاهر، إذا لم يعرف منه ذلك.
وأما من اكتفى بالتصديق في تحقق حقيقة الايمان، وجعل الاتيان بالطاعات من المكملات، فيلزم عليه بمقتضى هذه الآيات أن يسلمه بأن يكون بين الاسلام
والايمان عموم من وجه، لتحققهما فيمن صدق بالمسائل الأصولية، وأتى بالطاعات مخلصا، وانفراد الاسلام فيمن أقر بالشهادتين ظاهرا مع كونه غير مصدق بقلبه وانفراد الايمان فيمن صدق بقلبه بالمعارف، وترك الطاعات غير مستحل، فإنه لا دين له حيث لم يقم الصلاة ولا آتي الزكاة كما هو المفروض، فلا إسلام له، لان الدين عند الله الاسلام، وهو في غاية البعد والاستهجان ولم يذهب أحد إلى أنه قد يكون المكلف مؤمنا ولا يكون مسلما.
هذا إن اعتبرنا النسبة بين مطلق الاسلام والايمان حقيقيا أو ظاهريا وإن اعتبرنا النسبة بين الحقيقيين فقط أي ما هو إسلام وإيمان عند الله تعالى، كانا متحدين عند من جعلهما الطاعات، وعند من اكتفى بالتصديق يكون الايمان أعم مطلقا وهو أيضا غريب، إذ لم يذهب إليه أحد، ولا مخلص له عن هذا الالزام إلا بالتزامه إذ يدعي أن تارك الطاعات غير مستحل مسلم أيضا ويتأول الدين في قوله تعالى " وذلك دين القيمة " بالدين الكامل، ويكون المراد بالدين في قوله تعالى: " إن الدين عند الله الاسلام " الدين الأصلي الذي لا يتحقق أصل الايمان إلا به، وحينئذ فيكون الاسلام والايمان الحقيقيان متحدين أيضا عنده، ويؤيد ذلك ما ذكره بعضهم من أن الاستدلال بآية الاخلاص إنما يتم باضمار لفظ المذكر، ونحوه، فان الإشارة في قوله تعالى: " وذلك دين القيمة " يرجع إلى متعدد، وهو العبادة مع الاخلاص في الدين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، بل مع جميع الطاعات، بناء على أنه اكتفى عن ذكرها بذكر الأعظم منها، وأنها قد ذكرت إجمالا في قوله تعالى: " ليعبدوا " وذكر إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة لشدة الاعتناء بهما فكان حق الإشارة أن يكون " أولئك " ونحوه تطابقا بين الإشارة والمشار إليه، ولما كانت الإشارة مفردة ارتكب المذكور، وحيث لا بد من الاضمار فللخصم أن يضمر الاخلاص أو التدين المدلول عليهما بقوله " مخلصين له الدين " والترجيح لهذه، لقربه من المعنى اللغوي للايمان، وبعد ذلك فلم يكن في الآية دلالة على أن الطاعات هي الايمان، فلم يتكرر الأوسط في قولنا عبادة الله تعالى مع الاخلاص وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كالدين
والدين هو الاسلام، والاسلام هو الايمان، لقوله تعالى " ومن يبتغ " الآية فالطاعات هي الاسلام والايمان، لأنه يقال: لا نسلم أن المراد من الدين في المقدمة الأولى ما يراد في المقدمة الثانية.
وقد ظهر من هذا تزييف الاستدلال بهذه الآيات على كون الطاعات معتبرة في حقيقة الايمان، لأنه لم يناف ما نحن فيه من اتحاد الاسلام والايمان، لكن لا يخفى أنه مناف لما قد بيناه من أن البحث كله على تقدير تسليم دلالة هذه الآيات وما ذكر من التأويل مناف للتسليم المذكور، ويمكن الجواب عنه فتأمل.
وههنا بحيث يصلح لتزييف الاستدلال بهذه الآيات على المطلبين: مطلب كون الطاعات معتبرة في حقيقة الايمان، ومطلب اتحادهما في الحقيقة فنقول: لو سلمنا أن المراد من الدين في الآيات الثلاث واحد وأن الطاعات معتبرة في أصل حقيقة الاسلام، فلا يلزم أن تكون معتبرة في أصل حقيقة الايمان، ولا أن يكون الاسلام والايمان متحدين حقيقة، وذلك لان الآية الكريمة إنما دلت على أن من ابتغى أي طلب غير دين الاسلام دينا له فلن يقبل منه ذلك المطلوب، ولم تدل على أن من صدق بما أوجبه الشارع عليه، لكنه ترك بعض الطاعات غير مستحل أنه طالب لغير دين الاسلام، إذ ترك الفعل يجتمع مع طلبه، لعدم المنافاة بينهما، فان الشخص قد يكون طالبا للطاعة مريدا لها، لكنه تركها إهمالا وتقصيرا ولا يخرج بذلك عن ابتغائها، وقد تقدم هذا الاعتراض في المقالة الأولى على دليل القائلين بالاتحاد.
إن قلت: على تقدير تسليم اتحاد معنى الدين في الآيات فما يصنع من اكتفى في الايمان بالتصديق، فيما إذا صدق شخص بجميع ما أمره الله تعالى به ولو إجمالا لكنه لم يفعل بعد شيئا من الطاعات لعدم وجوبها عليه، كما لو توقفت على سبب أو شرط ولم يحصل أو وجد مانع من ذلك فإنه يسمى مؤمنا ولا يسمى مسلما لعدم الاتيان بالطاعات التي هي معتبرة في حقيقة الاسلام، وكذا الحكم على من وجبت عليه وتركها تقصيرا غير مستحل مع كونه مصدقا بجميع ما أمر به ومريدا للطاعات
فإنه يسمي حينئذ مؤمنا لا مسلما، ويلزم الاستهجان المذكور سابقا.
قلت: الامر على ما ذكرت، ولا مخلص من هذا إلا بالتزام ارتكاب عدم تسليم اتحاد معنى الدين في الآيات، أو التزامه، ونمنع من استهجانه، فإنه لما كان حصول التصديق مع ترك الطاعات فردا نادر الوقوع، لم تلتفت النفس إليه فلذا لم يتوجهوا إلى بيان النسبة بين الاسلام والايمان على تقديره، وبالجملة فظواهر الآيات تعطي قوة القول بأن الاسلام والايمان الحقيقيان تعتبر فيهما الطاعات، وتحقق حصول الايمان في صورة حصول التصديق قبل وجوب الطاعات يفيد قوة القول بأن الايمان هو التصديق فقط والطاعات مكملات.
انتهى كلامه ضوعف في الجنة إكرامه، ولم نتعرض لتبيين ما حققه وما يخطر بالبال في كل منها لخروجه عن موضع كتابنا وفي بالي - إن فرغني الله تعالى عن بعض ما يصدني عن الوصول إلى آمالي - أن أكتب في ذلك كتابا مفردا إنشاء الله تعالى، وهو الموفق للخير والصواب، وإليه المرجع والمآب.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.