پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

باب البحث ممكن أي طريق التفحص عن التوحيد ممكن، وطلب المخرج عن الشبهات حاصل، والحاصل أن الله تعالى نصب لكم حجة يمكنكم أن تعرفوه وتتعلموا منه التوحيد، ثم قال عليه

ج ۶۵، ص ۲۷۹–۳۰۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۵

" باب البحث ممكن " أي طريق التفحص عن التوحيد ممكن، وطلب المخرج عن الشبهات حاصل، والحاصل أن الله تعالى نصب لكم حجة يمكنكم أن تعرفوه وتتعلموا منه التوحيد، ثم قال عليه السلام: معرفة عين الحاضر قبل معرفة صفاته كما أن زيدا تراه أولا ثم تعرف أنه عالم أو جاهل ونسبه وسائر أحواله " ومعرفة صفة الغائب قبل عينه " لأنه إنما يعرف بالصفات، ويحتمل أن يكون المراد أن الامام الذي يؤخذ منه التوحيد إن كان حاضرا يعرف عينه أولا ثم يعرف استحقاقه للإمامة بالدلائل والمعجزات والعلامات، والغائب بالعكس، ويحتمل أن يراد بالشاهد الممكنات والمخلوقات وبالغائب الخالق.

ثم سئل عليه السلام " كيف تعرف عين الشاهد قبل صفته " أي كيف يعرف عينه وصفاته؟ قال: " تعرفه " بالصفات التي تكون في الامام " وتعلم علمه " أي تأخذ عنه العلم حتى أنك " تعرف نفسك " وصفاتها به " و " الحال أنك " لا تعرف نفسك " التي هي أقرب الأشياء منك " بنفسك من " قبل " نفسك " وهو يعرفك إياها، أو المعنى تعلم كونه عالما بالسؤال عن غوامض العلوم وأنواعها ويعرف ما في نفسك أي يخبرك بما في قلبك وبما أنت غافل عنه من صفات نفسك; وعلى الأول فيه إيماء إلى أنه إذا لم تعرف نفسك إلا ببيان الامام وهي أقرب الأشياء منك تتوقع أن تعرف ربك بعقلك؟ " وتعلم أن ما فيه " أي ما يدعيه من الإمامة " له وبه " أي حاصلة له ومختصة به.

ثم استشهد عليه السلام لكون معرفة عين الشاهد قبل صفته بقصة يوسف و إخوته، حيث عرفوا ذاته أولا بالمشاهدة، ثم عرفوا صفته، وأنه أخوهم بما شاهدوا منه وسمعوا، فعرفوا صفته أيضا بذاته، كذلك الامام تعرف صفته من ذاته وبما يسمع ويرى منه من علومه ومعجزاته. قوله عليه السلام " ولا أثبتوه من أنفسهم بتوهم القلوب " أي كما يعرف الأمور الغائبة بالدلائل العقلية أو النقلية.

ثم أكد عليه السلام ما أومأ إليه سابقا من أن الامام لا بد من أن يكون معروفا

بصفات خاصة لا توجد في غيره، وأن الإمامة لا تكون باختيار الأمة، صرح ذلك بتأويل قوله تعالى: " ما كان لكم أن تنبتوا شجرها " بأن المراد بالشجر الامام كما ورد في قوله تعالى " ومثل شجرة طيبة " أن المراد بها شجرة النبوة والإمامة، وبانباتها نصبة إماما بهوى أنفسهم، وكأنه إشارة إلى أنه إذا لم يكن لهم القدرة والاختيار في إنبات شجرة خلقها الله لمصلحة دينه من الأمور الدنيوية كيف يفوض إليهم ويمكنهم من نصب الإمام الذي هو مناط نظام العالم، وعلة خلقه و بقائه، وبه تناط مصالح الدين والدنيا. قوله " ومن زعم " يدل على أن القول بعدم كفر المخالف كفر أو قريب منه، وفي الخبر فوائد جليلة ستعرف تفصيلها فيما سيأتي وتنتفع بها بعد التأمل فيها في حل الاخبار الآتية.

32 - المحاسن: عن أبيه، عن ابن سنان، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي - عبد الله عليه السلام، قال: لو أن العباد وصفوا الحق وعملوا به، ولم يعقد قلوبهم على أنه الحق ما انتفعوا.

33 - المحاسن: عن هارون بن الجهم، عن الحسين بن ثوير، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إني جئتك أبايعك على الاسلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أبايعك على أن تقتل أباك، قال:

نعم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: إنا والله لا نأمركم بقتل آبائكم، ولكن الان علمت منك حقيقة الايمان، وأنك لن تتخذ من دون الله وليجة، أطيعوا آباءكم فيما أمروكم، ولا تطيعوهم في معاصي الله.

بيان: في النهاية وليجة الرجل بطانته ودخلاؤه وخاصته.

34 - المحاسن: عن أبيه، عن عبد الله بن القاسم، عن مدرك بن عبد الرحمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الاسلام عريان فلباسه الحياء، وزينته

الوفاء، ومروءته العمل الصالح، وعماده الورع، ولكل شئ أساس وأساس الاسلام حبنا أهل البيت.

35 - المحاسن: عنه، عن أبيه،، عن] ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيها الناس إني أمرت أن أقاتلكم حتى تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله، فإذا فعلتم ذلك حقنتم بها أموالكم ودماءكم إلا بحقها، وكان حسابكم على الله.

36 - المحاسن: عن أبيه، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن أيوب بن الحر، عن أبي بصير قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فقال له سلام: إن خيثمة بن أبي خيثمة حدثنا أنه سألك عن الاسلام، فقلت له: إن الاسلام: من استقبل قبلتنا، وشهد شهادتنا، ونسك نسكنا، ووالى ولينا، وعادى عدونا، فهو مسلم، قال: صدق.

وسألك عن الايمان فقلت: الايمان بالله، والتصديق بكتابه، وأن أحب في الله، و أبغض في الله، فقال: صدق خيثمة.

37 - المحاسن: عن أبيه، عن صفوان، عن العلا، عن محمد قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الايمان، فقال: الايمان ما كان في القلب، والاسلام ما كان عليه المناكح والمواريث، وتحقن به الدماء، والايمان يشرك الاسلام والاسلام لا يشرك الايمان.

38 - الخرائج: روي عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يسير في بعض ميسره فقال لأصحابه: يطلع عليكم من بعض هذه الفجاج شخص ليس له

عهد بإبليس منذ ثلاثة أيام، فما لبثوا أن أقبل أعرابي قد يبس جلده على عظمه وغارت عيناه في رأسه، واخضرت شفتاه من أكل البقل، فسأل عن النبي صلى الله عليه وآله في أول الرفاق حتى لقيه، فقال له: اعرض علي الاسلام، فقال: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله، قال: أقررت، قال تصلي الخمس، وتصوم شهر رمضان، قال: أقررت، قال: تحج البيت الحرام، وتؤدي الزكاة، وتغتسل من الجنابة، قال: أقررت فتخلف بعير الاعرابي ووقف النبي فسأل عنه فرجع الناس في طلبه فوجدوه في آخر العسكر قد سقط خف بعيره في حفرة من حفر الجرذان فسقط فاندقت عنق الاعرابي وعنق البعير، وهما ميتان، فأمر النبي فضربت خيمة فغسل فيه ثم دخل النبي فكفنه، فسمعوا للنبي حركة فخرج وجبينه يترشح عرقا وقال: إن هذا الاعرابي مات وهو جائع، وهو ممن آمن ولم يلبس إيمانه بظلم، فابتدره الحور العين بثمار الجنة يحشون بها شدقه، هذه تقول: يا رسول الله اجعلني في أزواجه، وهذه تقول: يا رسول الله اجعلني في أزواجه.

39 - تفسير العياشي: عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قلت له: أرأيت المؤمن له فضل على المسلم في شئ من المواريث والقضايا والاحكام حتى يكون للمؤمن أكثر مما يكون للمسلم في المواريث أو غير ذلك؟ قال: لا هما يجريان في ذلك مجرى واحدا إذا حكم الامام عليهما ولكن للمؤمن فضلا على المسلم في أعمالهما، وما يتقربان به إلى الله، قال: فقلت: أليس الله يقول: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " وزعمت أنهم مجتمعون على الصلاة والزكاة والصوم والحج مع المؤمن؟ قال: فقال: أليس الله قد قال " والله يضاعف لمن يشاء. أضعافا كثيرة " فالمؤمن هم الذين يضاعف الله لهم الحسنات لكل حسنة سبعين ضعفا، فهذا من فضلهم ويزيد الله المؤمن في حسناته على قدر صحة إيمانه أضعافا مضاعفة كثيرة، ويفعل الله بالمؤمنين ما يشاء.

بيان: " والله يضاعف " أقول الآية في البقرة في موضعين: أحدهما " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة " وثانيهما " مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم " وكأنه جمع بين الآيتين إشارة إليهما لو لم يكن من تحريف الرواة، كما يدل عليه ما مر من رواية الكافي.

40 - تفسير العياشي: عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله: " إن الدين عند الله الاسلام " فقال: يعني الدين فيه الايمان.

41 - تفسير العياشي: عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله عليه السلام، في قوله:

" ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " قال:

في هذه الآية تكفير أهل القبلة بالمعاصي، لأنه من لم يكن يدعو إلى الخيرات و يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر من المسلمين، فليس من الأمة التي وصفها الله لأنكم تزعمون أن جميع المسلمين من أمة محمد، قد بدت هذه الآية وقد وصفت أمة محمد بالدعاء إلى الخير، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومن لم يوجد فيه الصفة التي وصفت بها، فكيف يكون من الأمة، وهو على خلاف ما شرطه الله على الأمة ووصفها به.

بيان: كأن المعنى أن الأمة أمتان: أمة دعوة، وأمة إجابة، وأمة الدعوة تشمل الكفار أيضا وأمة الإجابة هم الذين أجابوا الرسول فيما دعاهم إليه، فالأمة المذكورة في هذه الآية أمة الإجابة، وقد وصفهم بأوصاف، فمن لم تكن فيه تلك الأوصاف لم تكن منها لكن روى في الكافي في كتاب الجهاد خبرا آخرا عن هذا

الراوي بعينه وفيه دلالة على أن المراد بالأمة الأئمة عليهم السلام، فيمكن أن يكون لامة الإجابة أيضا مراتب كما أن للمؤمنين منازل.

42 - تفسير الإمام العسكري: قوله عز وجل " الذين يؤمن بالغيب " قال الإمام عليه السلام: ثم وصف هؤلاء المتقين الذين هذا الكتاب هدى لهم، فقال: " الذين يؤمنون بالغيب " يعني بما غاب عن حواسهم من الأمور التي يلزمهم الايمان بها، كالبعث والحساب و الجنة والنار، وتوحيد الله وسائر ما لا يعرف بالمشاهدة، وإنما يعرف بدلائل قد نصبها الله عز وجل عليها كآدم، وحواء، وإدريس، ونوح، وإبراهيم والأنبياء الذين يلزمهم الايمان بهم، وبحجج الله تعالى وإن لم يشاهدوهم ويؤمنون بالغيب وهم من الساعة مشفقون.

43 - تفسير الإمام العسكري: قوله عز وجل " والذين يؤمنون بما انزل إليك وما انزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون " قال الإمام عليه السلام: ثم وصف بعد هؤلاء الذين يقيمون الصلاة فقال: والذين يؤمنون بما انزل إليك " يا محمد " وما انزل من قبلك " على الأنبياء الماضين، كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وسائر كتب الله المنزلة على أنبيائه، بأنه حق وصدق من عند رب عزيز، صادق حكيم " وبالآخرة هم يوقنون " بالدار الآخرة بعد هذه الدنيا، لا يشكون فيها بأنها الدار التي فيها جزاء الأعمال الصالحة بأفضل مما عملوه، وعقاب الأعمال بمثل ما كسبوه، قال الإمام عليه السلام: من دفع فضل أمير المؤمنين صلوات الله عليه على جميع من بعد النبي صلى الله عليه وآله فقد كذب بالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وسائر كتب الله المنزلة، فإنه ما نزل شئ منها إلا وأهم ما فيه بعد الامر بتوحيد الله تعالى والاقرار بالنبوة، الاعتراف بولايته والطيبين من آله عليه السلام.

ولقد قال رجل لعلي بن الحسين عليهما السلام: ما تقول في رجل يؤمن بما انزل على محمد صلى الله عليه وآله وما انزل من قبله ويؤمن بالآخرة ويصلي ويزكي ويصل الرحم

ويعمل الصالحات، لكنه يقول مع ذلك: لا أدري الحق لعلي أو فلان؟ فقال علي بن الحسين عليهما السلام: ما تقول أنت في رجل يفعل هذه الخيرات كلها إلا أنه يقول: لا أدري النبي محمد أو مسيلمة؟ هل ينتفع بشئ من هذه الأفعال؟ فقال:

لا قال: فكذلك صاحبك هذا، كيف يكون مؤمنا بهذه الكتب من لا يدري أمحمد نبي أم مسيلمة وكذلك كيف يكون مؤمنا بهذه الكتب والآخرة أو منتفعا بشئ من أعماله من لا يدري أعلي محق أم فلان؟

قوله: عز وجل " أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون " قال الإمام عليه السلام: ثم أخبر الله جل جلاله عن هؤلاء الموصوفين بهذه الصفات الشريفة فقال: " أولئك " أهل هذه الصفات " على هدى " بيان وصواب " من ربهم " وعلم بما أمرهم به " وأولئك هم المفلحون " الناجون مما منه يوجلون، الفائزون بما به يؤمنون.

قوله عز وجل: " إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " قال الامام: فلما ذكر هؤلاء المؤمنين ومدحهم، ذكر الكافرين المخالفين لهم في كفرهم، فقال: " إن الذين كفروا " بالله وبما آمن به هؤلاء المؤمنون بتوحيد الله وبنبوة محمد رسول الله وبوصية علي ولي الله ووصي رسول الله والأئمة الطيبين الطاهرين خيار عباد الله الميامين القوامين بمصالح خلق الله تعالى، " سواء عليهم أأنذرتهم " خوفتهم " أم لم تنذرهم " لم تخوفهم " لا يؤمنون " أخبر عن علمه فيهم، وهم الذين قد علم الله عز وجل أنهم لا يؤمنون.

44 - تفسير الإمام العسكري: قوله عز وجل " يا أيها الناس " قال الإمام العسكري عليه السلام: قال علي بن الحسين: يعني سائر المكلفين من ولد آدم عليه السلام " اعبدوا ربكم " أجيبوا ربكم من حيث أمركم أن تعتقدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا شبيه ولا مثل، عدل لا يجور، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حكيم لا يخطل، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله الطيبين، وبأن آل محمد أفضل آل النبيين وأن عليا أفضل آل محمد، وأن أصحاب محمد المؤمنين منهم أفضل صحابة المرسلين، و

وبأن أمة محمد أفضل أمم المرسلين " الذي خلقكم " نسما، وسواكم من بعد ذلك و صوركم فأحسن صوركم " والذين من قبلكم " قال: وخلق الذين من قبلكم من سائر أصناف الناس " لعلكم تتقون " قال: لها وجهان: أحدهما خلقكم وخلق الذين من قبلكم لعلكم تتقون أي لتتقوا كما قال الله " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " والوجه الاخر: اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم أي اعبدوه لعلكم تتقون النار " ولعل " من الله واجب لأنه أكرم من أن يعني عبده بلا منفعة، ويطعمه في فضله ثم يخيبه، ألا ترى أنه كيف قبح من عبد من عباده إذا قال لرجل: أخدمني لعلك تنتفع مني، وتخدمني ولعلي أنفعك بها. فيخدمه ثم يخيبه ولا ينفعه، فالله عز وجل أكرم في أفعاله وأبعد من القبيح في أعماله من عباده.

بيان: في القاموس: الخطل محركة خفة وسرعة، والكلام الفاسد الكثير خطل كفرح فهو أخطل، وخطل فيهما والاضطراب في الانسان " لها وجهان " أقول:

الفرق بينهما أنه على الأول علة الخلق، وعلى الثاني علة العبادة، والقاضي ذكر الأول وضعفه بأنه لم يرد في اللغة واختار أنه حال عن الضمير في " اعبدوا " أو عن مفعول خلقكم، قوله عليه السلام " من أن يعني " بالنون على بناء التفعيل أو الافعال أي يوقعه في التعب والنصب وفي بعض النسخ بالياء وهو قريب منه، من قولهم أعيى السير البعير أي أكله، والأول أظهر.

45 - تفسير العياشي: عن أبي العباس، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله " سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا " قال: هي سنة محمد ومن كان قبله من الرسل وهو الاسلام 46 - كتاب سليم بن قيس الهلالي: قال: قلت لأمير المؤمنين عليه السلام:

ما الايمان وما الاسلام؟ قال: أما الايمان فالاقرار بعد المعرفة والاسلام فما أقررت به

والتسليم للأوصياء والطاعة لهم، وفي رواية أخرى والاسلام إذا ما أقررت به، قلت:

الايمان الاقرار بعد المعرفة؟ قال: من عرفه الله نفسه [ونبيه] وإمامه ثم أقر بطاعته فهو مؤمن.

وعن أبان، عن سليم قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام وسأله رجل عن الايمان فقال يا أمير المؤمنين أخبرني عن الايمان، لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال:

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فسأله عن مثل ما سألتني عنه، فقال له مثل مقالتك فأخذ يحدثه ثم قال له: افعل آمنت، ثم أقبل علي عليه السلام على الرجل فقال: أما علمت أن جبرئيل أتى رسول الله صلى الله عليه وآله في صورة آدمي فقال له: ما الاسلام؟

فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وحج البيت، وصيام شهر رمضان والغسل من الجنابة، قال: فما الايمان؟ قال:

نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالحياة بعد الموت، وبالقدر كله خيره وشره وحلوه ومره، فلما قام الرجل قال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا جبرئيل جاءكم يعلمكم دينكم، فكان رسول الله كلما قال له شيئا قال: له: صدقت، قال: فمتى الساعة؟ قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: صدقت، ثم قال علي عليه السلام: بعد ما فرغ من قول جبرئيل " صدقت " ألا إن الايمان بني على أربع دعائم: على اليقين، و الصبر، والعدل، والجهاد.

أقول: ساق الحديث إلى آخر ما سيأتي في باب دعائم الاسلام.

47 - نوادر الراوندي: بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تعالى جعل الاسلام دينه، وجعل كلمة الاخلاص حسنا له، فمن استقبل قبلتنا، وشهد شهادتنا، وأحل ذبيحتنا فهو مسلم، له مالنا وعليه ما علينا.

وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربعة يستأنفون العمل: المريض إذا برئ، والمشرك إذا أسلم، والحاج إذ فرغ، والمنصرف من الجمعة إيمانا واحتسابا.

48 - نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين عليه السلام: في بعض ما احتج به على الخوارج:

وقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله رجم الزاني ثم صلى عليه، ثم ورثه أهله، وقتل القاتل وورث ميراثه أهله، وقطع السارق وجلد الزاني غير المحصن ثم قسم عليهما من الفئ ونكحا المسلمات، فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وآله بذنوبهم، وأقام حق الله فيهم، ولم يمنعهم سهمهم من الاسلام، ولم يخرج أسماءهم من بين أهله، وساقه إلى قوله عليه السلام:

والزموا السواد الأعظم فان يد الله على الجماعة، وإياكم والفرقة، فان الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذة من الغنم للذئب، ألا من دعا إلى هذه الشعار فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه.

توضيح: غرضه عليه السلام رفع شبهتهم لعنهم الله في الحكم بكفر أصحاب الكبائر مطلقا، ولذا كفروه صلوات الله عليه للرضا بالتحكيم، فاحتج عليهم بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يخرج أصحاب الكبائر من الاسلام، وأجرى فيهم أحكام المسلمين فأبطل بذلك ما زعموا أن الدار دار كفر لا يجوز الكف عن أحد من أهلها، وقتلوا الناس حتى الأطفال، وقتلوا البهائم أيضا لذلك " والسواد " العدد الكثير، والجماعة من الناس، و " يد الله " كناية عن الحفظ والدفاع أي أن الجماعة المجتمعين على إمام الحق في كنف الله وحفظه، وما استدل به على العمل بالمشهورات و الاجماعات الغير الثابت دخول المعصوم فيها، فلا يخفى وهنه، لو رود الاخبار المتكاثرة ودلالة الآيات المتظافرة على أن أكثر الخلق على الضلال والحق مع القليل وكأن " هذا الشعار " إشارة إلى قولهم " لا حكم إلا لله " ولا حكم إلا الله وقيل كان شعارهم أنهم كانوا يحلقون وسط رؤوسهم، ويبقون الشعر مستديرا حوله كالإكليل وقيل هو مفارقة

الجماعة والاستبداد بالرأي " ولو كان تحت عمامتي " أي ولو اعتصم بأعظم الأشياء حرمة، وقيل كنى بها عن أقصى القرب من عنايته، وقيل: أراد: ولو كان الداعي أنا.

وأقول: قد مضى تمام الكلام مشروحا في كتاب الفتن.

49 - نهج البلاغة: إن الله تعالى أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر، فخذوا نهج الخير تهتدوا، واصدفوا عن سمت الشر تقصدوا، الفرائض الفرائض أدوها إلى الله تؤدكم إلى الجنة إن الله حرم حراما غير مجهول، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد بالاخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق، ولا يحل أذى المسلم إلا بما يجب بادروا أمر العامة وخاصة أحدكم، وهو الموت، إلى قوله " واتقوا الله في عباده و بلاده، فإنكم مسؤلون حتى عن البقاع والبهائم. الخطبة بيان: النهج بالفتح الطريق الواضح و " صدف عنه " كمنع أي أعرض و " السمت " الطريق " والقصد " استقامة الطريق، يقال: قصد فلان كضرب إذا رشد " والفرائض " مكررا نصب على الاغراء " والحرم " جمع حرمة، وهو اسم من الاحترام، وشد الحقوق بالاخلاص والتوحيد وربطه بهما، هو الله تعالى أوجب على المخلصين الموحدين المحافظة عليها، وجعلها مكملا لهما و " معاقدها " مواضعها " وما يجب " أي ما يلزم ويثبت وهو كالتأكيد لقوله إلا بالحق والمراد بالمبادرة إلى الموت الرضا به والتهيؤ له، والاستعداد لما بعده، والموت وإن كان يعم كل حيوان إلا أن له مع كل أحد خصوصية وكيفية مخالفة لحاله مع غيره، والتقوى في العباد اتباع أمر الله في المعاملات، والأمور الدائرة بين الناس، وفي البلاد القيام بحق المقام، والعمل في كل مكان بما أمر به، والسؤال عن البقاع لم أخربتم هذه؟ ولم عمرتم هذه؟

ولم لم تعبدوا الله فيها؟ وعن البهائم لم أجعتموها؟ أو أوجعتموها، ولم لم تقوموا بشأنها ورعاية حقها.

50 - الهداية: الاسلام هو الاقرار بالشهادتين، وهو الذي يحقن به الدماء والأموال، ومن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقد حقن ماله ودمه، إلا بحقيهما وعلى الله حسابه، والايمان هو إقرار باللسان، وعقد بالقلب، وعمل بالجوارح وأنه يزيد بالاعمال وينقص بتركها، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن، ومثل ذلك مثل الكعبة والمسجد: فمن دخل الكعبة فقد دخل المسجد وليس كل من دخل المسجد دخل الكعبة، وقد فرق الله عز وجل اسمه في كتابه بين الاسلام والايمان، فقال: " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " وقد بين الله عز وجل أن الايمان قول وعمل لقوله: " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقا " وأما قوله عز وجل " فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين " فليس ذلك بخلاف ما ذكرنا، لان المؤمن يسمى مسلما والمسلم لا يسمى مؤمنا حتى يأتي مع إقراره بعمل، وأما قوله عز وجل " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " فقد سئل الصادق عليه السلام عن ذلك، فقال:

هو الاسلام الذي فيه الايمان.

51 - مشكاة الأنوار: نقلا من كتاب المحاسن، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إني جئت لأبايعك على الاسلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: على أن تقتل أباك، فقبض الرجل يده وانصرف، ثم عاد وقال: يا رسول الله إني جئت لأبايعك على الاسلام، فقال له: أن تقتل أباك؟

قال: نعم، فقال له رسول الله: إن المؤمن يرى يقينه في عمله، والكافر يرى

إنكاره في عمله، فوالذي نفسي بيده ما عرفوا أمرهم، فاعتبروا إنكار الكافرين و المنافقين بأعمالهم الخبيثة.

بيان: كأن قوله " فوالذي " من كلام أبي عبد الله عليه السلام وفاعل " عرفوا " المخالفون " أمرهم " أي أمر دينهم.

52 - المشكاة: من المحاسن عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: من استقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، وآمن بنبينا، وشهد شهادتنا، دخل في ديننا، أجرينا عليه حكم القرآن، وحدود الاسلام، ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى ألا وإن للمتقين عند الله أفضل الثواب، وأحسن الجزاء والمآب.

53 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن سلام الجعفي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام فقال: الايمان أن يطاع الله فلا يعصى.

بيان: أقول هذا أحد معاني الايمان، وحمله القوم على الايمان الكامل، قال بعض المحققين قدس سره: هذا مجمل القول في الايمان ويفصله سائر الأخبار بعض التفصيل، وأما الضابط الكلي الذي يحيط بحدوده ومراتبه، ويعرفه حق التعريف أن الايمان الكامل الخالص المنتهى تمامه، هو التسليم لله تعالى والتصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله لسانا وقلبا على بصيرة، مع امتثال جميع الأوامر والنواهي كما هي، وذلك إنما يمكن تحققه بعد بلوغ الدعوة النبوية إليه في جميع الأمور أما من لم تصل إليه الدعوة في جميع الأمور أو في بعضها لعدم سماعه أو عدم فهمه فهو ضال أو مستضعف، ليس بكافر ولا مؤمن، وهو أهون الناس عذابا بل أكثر هؤلاء لا يرون عذابا وإليهم الإشارة بقوله سبحانه " إلا المستضعفين من الرجال و النساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ".

ومن وصلت إليه الدعوة فلم يسلم، ولم يصدق ولو ببعضها إما لاستكبار و علو أو لتقليد للاسلاف وتعصب لهم، أو غير ذلك، فهو كافر بحسبه، أي بقدر عدم تسليمه، وترك تصديقه كفر جحود، وعذابه عظيم على حسب جحوده، وإليهم الإشارة بقوله سبحانه " إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ".

ومن وصلت إليه الدعوة فصدقها بلسانه وظاهره، لعصمة ماله أو دمه، أو غير ذلك من الأغراض، وأنكرها بقلبه وباطنه، لعدم اعتقاده بها، فهو كافر كفر نفاق وهو أشدهم عذابا وعذابه أليم بقدر نفاقه وإليهم الإشارة بقوله سبحانه " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الاخر وما هم بمؤمنين * يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون * في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون - إلى قوله - إن الله على كل شئ قدير ".

ومن وصلت إليه الدعوة فاعتقدها بقلبه وباطنه لظهور حقيقتها لديه، وجحدها أو بعضها بلسانه، ولم يعترف بها حسدا وبغيا وعتوا وعلوا أو تقليدا وتعصبا أو غير ذلك فهو كافر كفر تهود، وعذابه قريب من عذاب المنافق، وإليهم الإشارة بقوله عز وجل " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون " وقوله " فلما جائهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين " وقوله " إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون " وقوله " ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا " وقوله " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض " إلى قوله " أشد

العذاب " ومن وصلت إليه الدعوة فصدقها بلسانه وقلبه، ولكن لا يكون علي بصيرة من دينه، إما لسوء فهمه مع استبداده بالرأي، وعدم تابعيته للامام، أو نائبه المقتفي أثره حقا وإما لتقليد وتعصب للآباء والاسلاف المستبدين بآرائهم مع سوء أفهامهم، أو غير ذلك، فهو كافر كفر ضلالة، وعذابه على قدر ضلالته و قدر ما يضل فيه من أمر الدين وإليهم الإشارة بقوله عز وجل " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق " حيث قالوا عزير ابن الله أو المسيح ابن الله وبقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين " وبقول نبينا صلى الله عليه وآله: اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا.

ومن وصلت إليه الدعوة فصدقها بلسانه وقلبه على بصيرة واتباع للامام أو نائبه الحق إلا أنه لم يمتثل جميع الأوامر والنواهي، بل أتى ببعض دون بعض بعد أن اعترف بقبح ما يفعله، ولكن لغلبة نفسه وهواه عليه، فهو فاسق عاص، والفسق لا ينافي أصل الايمان، ولكن ينافي كماله، وقد يطلق عليه الكفر وعدم الايمان أيضا، إذا ترك كبار الفرائض أو أتى بكبار المعاصي كما في قوله عز وجل " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين " وقول النبي صلى الله عليه وآله: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، وذلك لان إيمان مثل هذا لا يدفع عنه أصل العذاب ودخول النار، وإن دفع عنه الخلود فيها، فحيث لا يفيده في جميع الأحوال فكأنه مفقود.

والتحقيق فيه أن المتروك إن كان أحد الا صول الخمسة التي بني الاسلام عليها، أو المأتي به إحدى الكبائر من المنهيات، فصاحبه خارج عن أصل الايمان أيضا ما لم يتب أو لم يحدث نفسه بتوبة، لعدم اجتماع ذلك مع التصديق القلبي فهو كافر كافر استخفاف، وعليه يحمل ما روي من دخول العمل في أصل الايمان

روى ابن أبي شعبة عن الصادق عليه السلام في حديث طويل أنه قال: لا يخرج المؤمن من صفة الايمان إلا بترك ما استحق أن يكون به مؤمنا وإنما استوجب واستحق اسم الايمان ومعناه بأداء كبار الفرائض موصولة، وترك كبار المعاصي واجتنابها وإن ترك صغار الطاعة وارتكب صغار المعاصي فليس بخارج من الايمان، ولا تارك له ما لم يترك شيئا من كبار الطاعة، وارتكاب شئ من المعاصي، فما لم يفعل ذلك فهو مؤمن لقول الله " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم و ندخلكم مدخلا كريما " يعني مغفرة ما دون الكبائر، فان هو ارتكب كبيرة من كبائر المعاصي كان مأخوذا بجميع المعاصي صغارها وكبارها معاقبا عليها معذبا بها. إلى هنا كلام الصادق عليه السلام.

إذا عرفت هذا فاعلم أن كل من جهل أمرا من أمور دينه، بالجهل البسيط، فقد نقص إيمانه بقدر ذلك الجهل، وكل من أنكر حقا واجب التصديق لاستكبار أو هوى أو تقليد أو تعصب فله عرق من كفر الجحود، وكل من أظهر بلسانه ما لم يعتقد بباطنه وقلبه، لغير غرض ديني كالتقية في محلها ونحو ذلك أو عمل عملا أخرويا لغرض دنيوي، فله عرق من النفاق، وكل من كتم حقا بعد عرفانه أو أنكر ما لم يوافق هواه، وقبل ما يوافقه، فله عرق من التهود، وكل من استبد برأيه ولم يتبع إمام زمانه أو نائبه الحق أو من هو أعلم منه في أمر من الأمور الدينية، فله عرق من الضلالة، وكل من أتى حراما أو شبهة أو تواني في طاعة مصرا على ذلك، فله عرق من الفسوق، فإن كان ذلك ترك كبير فريضة أو إتيان كبير معصية فله عرق من كفر الاستخفاف، ومن أسلم وجهه لله في جميع الأمور من غير غرض وهوى، واتبع إمام زمانه أو نائبه الحق، آتيا بجميع أوامر الله ونواهيه، من غير توان ولا مداهنة، فإذا أذنب ذنبا استغفر من قريب وتاب أو زلت قدمه استقام وأناب، فهو المؤمن الكامل الممتحن ودينه هو الدين الخالص وهو الشيعي حقا والخالص صدقا، أولئك أصحاب أمير المؤمنين بل هو من أهل

البيت عليهم السلام إذا كان عالما بأمرهم محتملا لسرهم كما قالوا: سلمان منا أهل البيت.

54 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن النضر، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن أيوب بن الحر، عن أبي بصير قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فقال له: سلام إن خيثمة بن أبي خيثمة يحدثنا عنك أنه سألك عن الاسلام، فقلت:

إن الاسلام: من استقبل قبلتنا، وشهد شهادتنا، ونسك نسكنا، ووالى ولينا، و عادى عدونا فهو مسلم، فقال: صدق خيثمة، قلت: وسألك عن الايمان فقلت: الايمان بالله، والتصديق بكتاب الله تعالى وأن لا يعصي الله فقال: صدق خيثمة.

بيان: " سلام " يحتمل ابن المستنير الجعفي وابن أبي عمرة الخراساني و كلاهما مجهولان من أصحاب الباقر عليه السلام " وخيثمة " بفتح الخاء ثم الياء المثناة الساكنة ثم المثلثة المفتوحة غير مذكور في الرجال قوله: " من استقبل قبلتنا " أي دين من استقبل، فقوله: فهو مسلم تفريع وتأكيد، أو قوله " فهو مسلم " قائم مقام العائد لأنه بمنزلة: فهو صاحبه، أو فهو المتصف به، وفي بعض النسخ " ما استقبل " ولا يستقيم إلا بتكلف بأن استعمل ما مكان من، أو يكون تقديره ما استقبل به المرؤ قبلتنا " وشهد شهادتنا " أي شهادة جميع المسلمين " ونسك نسكنا " أي عبد كعبادة المسلمين فيأتي بالصلاة والزكاة والصوم والحج أو المراد بالنسك أفعال الحج أو الذبح، قال الراغب: النسك العبادة، والناسك العابد واختص بأعمال الحج، والمناسك مواقف النسك وأعمالها والنسيكة مختصة بالذبيحة، قال " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " وقال تعالى " فإذا قضيتم مناسككم " وقال " منسكا هم ناسكوه ".

" ووالى ولينا " أي والى جميع المسلمين، " وعادى عدونا " أي عدو جميع المسلمين، وهم المشركون وسائر الكفار فهذا يشمل جميع فرق المسلمين، فالتصديق بكتاب الله يدخل فيه الاقرار بالرسالة والإمامة والعدل والمعاد " وأن لا يعصي الله "

بالعمل بالفرائض وترك الكبائر أو العمل بجميع الواجبات وترك جميع المحرمات.

والحاصل أنه يحتمل أن يكون المراد بالاسلام الاسلام الظاهري وإن لم يكن مع التصديق القلبي، وبالايمان العقائد القلبية مع الاقرار بالولاية والآتيان بالاعمال ويحتمل أن يكون المراد بقوله " والى ولينا وعادى عدونا " موالاة أولياء الأئمة عليهم السلام ومعاداة أعدائهم، فالاسلام عبارة عن الاذعان بجميع العقائد الحقة ظاهرا أو ظاهرا وباطنا، والايمان عبارة عن انضمام العقائد القلبية والأعمال معه، أو الأعمال فقط، على كل تقدير يرجع إلى أحد المعاني المتقدمة لهما.

55 - الكافي: عن محمد بن الحسن، عن بعض أصحابنا، عن الأشعث بن محمد، عن محمد بن حفص ابن خارجة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول وسأله رجل عن قول المرجئة في الكفر والايمان وقال: إنهم يحتجون علينا ويقولون كما أن الكافر عندنا هو الكافر عند الله فكذلك نجد المؤمن إذا أقر بايمانه أنه عند الله مؤمن، فقال: سبحان الله كيف يستوي هذان؟ والكفر إقرار من العبد؟ فلا يكلف بعد إقراره ببينة والايمان دعوى لا تجوز إلا ببينة وبينته عمله ونيته، فإذا اتفقا فالعبد عند الله مؤمن، والكفر موجود بكل جهة من هذه الجهات الثلاث من نية أو قول أو عمل، والاحكام تجري على القول والعمل، فما أكثر من يشهد له المؤمنون بالايمان، ويجري عليه أحكام المؤمنين وهو عند الله كافر، وقد أصاب من أجرى عليه أحكام المؤمنين بظاهر قوله وعمله.

بيان: مفعول " يقول " قوله " سبحان الله " إلى آخر الكلام، وإعادة فقال للتأكيد لطول الفصل، وقد مر أن المرجئة قوم يقولون إنه لا يضر مع الايمان معصية كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، ويظهر من هذا الخبر أنهم كانوا يقولون بأن الايمان هو الاقرار الظاهري ولا يشترط فيه الاعتقاد القلبي، وكذا الكفر لكنه غير مشهور عنهم.

قال في المواقف وشرحه: من كبار الفرق الاسلامية: المرجئة لقبوا به لأنهم يرجئون العمل عن النية أي يؤخرونه أو لأنهم يقولون لا يضر مع الايمان معصية

كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فهم يعطون الرجاء وعلى هذا ينبغي أن لا يهمز لفظ المرجئة، وفرقهم خمس اليونسية، أصحاب يونس النميري قالوا الايمان هو المعرفة بالله، والخضوع له، والمحبة بالقلب، فمن اجتمعت فيه هذه الصفات فهو مؤمن، و لا يضر معها ترك الطاعات وارتكاب المعاصي ولا يعاقب عليها والعبيدية أصحاب العبيد المكذب، زادوا على اليونسية أن علم الله لا يزال شيئا معه غيره، وأنه تعالى على صورة الانسان، والغسانسية أصحاب غسان الكوفي قالوا: الايمان هو المعرفة بالله ورسوله، وبما جاء من عندهما إجمالا لا تفصيلا، وهو لا يزيد ولا ينقص وغسان كان يحكيه عن أبي حنيفة وهو افتراء عليه فإنه لما قال: الايمان هو التصديق ولا يزيد ولا ينقص ظن به الارجاء بتأخير العمل عن الايمان، والثوبانية أصحاب ثوبان المرجي قالوا: الايمان هو المعرفة والاقرار بالله ورسوله، وبكل ما لا يجوز في العقل أن يعقله، وأما ما جاز في العقل أن يعقله فليس الاعتقاد به من الايمان، وأخروا العمل كله من الايمان، والثومنية أصحاب أبي معاذ الثومني قالوا: الايمان هو المعرفة والتصديق والمحبة والاخلاص والاقرار بما جاء به الرسول، وترك كله أو بعضه كفر وليس بعضه إيمانا ولا بعض إيمان وكل معصية لم يجمع على أنه كفر فصاحبه يقال إنه فسق وعصى، وأنه فاسق، ومن ترك الصلاة مستحلا كفر لتكذيبه بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله ومن تركها بنية القضاء لم يكفر، وقالوا السجود للصنم ليس كفرا بل هو علامة الكفر، فهذه في المرجئة الخالصة، ومنهم من جمع إلى الارجاء القدر انتهى.

قوله " كما أن الكافر " كأنه قاس الايمان بالكفر فان من أنكر ضروريا من ضروريات الدين ظاهرا من غير تقية فهو كافر، وإن لم يعتقد ذلك، فإذا أقر بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله يجب أن يكون مؤمنا غير معذب، وإن لم يعتقد بقلبه شيئا من ذلك ، ولم يضم إليه أفعال الجوارح من الطاعات وترك المعاصي، فأجاب عليه السلام بأنه مع بطلان القياس لا سيما في المسائل الأصولية فهو قياس مع الفارق، ثم شبه عليه السلام الامرين بالاقرار والانكار، ليظهر الفرق فان إنكار الضروري مستلزم لترك جزء

من أجزاء الايمان، وهو الاقرار الظاهري، فهو بمنزلة إقرار الانسان على نفسه فإنه لا يكلف بينة على إقراره، بل يحكم بمحض الاقرار عليه، وإن شهدت البينة على خلافه، بخلاف إظهار الايمان والتكلم به، فإنه وإن أتى بجزء من الايمان وهو الاقرار الظاهري، لكن عمدة أجزائه التصديق القلبي، وهو في ذلك مدع لا بد له من شاهد من عمل الجوارح عند الناس، ومن النية والتصديق عند الله، فإذا اتفق الشاهدان، وهما التصديق والعمل، ثبت إيمانه عند الله، ولما كان التصديق القلبي أمرا لا يطلع عليه غير الله، لم يكلف الناس في الحكم بايمانه إلا بالاقرار الظاهري والعمل، فإنهما شاهدان عدلان يحكم بهما ظاهرا وإن كانا كاذبين عند الله.

والحاصل أنه عليه السلام شبه الاقرار الظاهري بالدعوى في سائر الدعاوي وكما أن الدعوى في سائر الدعاوي لا تقبل إلا ببينة، فكذا جعل الله تعالى هذه الدعوى غير مقبولة إلا بشاهدين من قلبه وجوارحه، فلا يثبت عنده إلا بهما، وأما عند الناس فيكفيهم في الحكم الاقرار والعمل الظاهري، كما يكتفي عند الضرورة بالشاهد واليمين، فالايمان مركب من ثلاثة أجزاء ولا يثبت الايمان الواقعي إلا يتحقق الجميع، فهو من هذه الجهة يشبه سائر الدعاوي للزوم ثلاثة أشياء في تحققها:

الدعوى، والشاهدين، ويمكن أن يكون الأصل في الايمان الامر القلبي ولما لم يكن ظهوره للناس إلا بالاقرار والعمل، فجعلهما الله من أجزء الايمان أو من شرائطه ولوازمه " وقد أصاب " أي حكم بالحكم والصواب.

56 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الله ابن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يرتكب الكبيرة من الكبائر فيموت، هل يخرجه ذلك من الاسلام، وإن عذب كان عذابه كعذاب المشركين أم له مدة وانقطاع؟ فقال عليه السلام: من ارتكب كبيرة من الكبائر، فزعم أنها حلال أخرجه ذلك من الاسلام، وعذب أشد العذاب، وإن كان معترفا أنه أذنب

ومات عليه، أخرجه من الايمان، ولم يخرجه من الاسلام، وكان عذابه أهون من عذاب الأول.

* (تذييل وتفصيل) * قال الشهيد الثاني رفع الله درجته في كتاب حقائق الايمان: قيل: الاسلام و الايمان واحد، وقيل بتغايرهما والظاهر أنهم أرادوا الوحدة بحسب الصدق لا في المفهوم، ويظهر من كلام جماعة من الأصوليين أنهما متحدان بحسب المفهوم أيضا حيث قالوا: إن الاسلام هو الانقياد والخضوع لألوهية الباري تعالى والاذعان بأوامره ونواهيه، وذلك حقيقة التصديق الذي هو الايمان على ما تقدم.

وأما القائلون بالتغاير صدقا ومفهوما فإنهم أرادوا أن الاسلام أعم من الايمان مطلقا، وقد أشرنا فيما تقدم في أوائل المقدمة الأولى أن المحقق نصير الدين -

الطوسي قدس سره نقل في قواعد العقائد أن الاسلام أعم في الحكم من الايمان لكنه في الحقيقة هو الايمان، وهذه عبارته رحمه الله تعالى:

" قالوا الاسلام أعم في الحكم من الايمان، لان من أقر بالشهادتين كان حكمه حكم المسلمين، لقوله تعالى " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " وأما كون الاسلام في الحقيقة هو الايمان، فلقوله تعالى " إن الدين عند الله الاسلام " ثم قال: واختلفوا في معناه يعني الايمان فقال بعض السلف كذا وقالت المعتزلة: أصول الايمان خمسة وعدها، وقالت الشيعة: أصول الايمان ثلاثة وعدها أيضا وقال أهل السنة: هو التصديق بالله تعالى إما على ما تقدم تفصيله فليراجع.

أقول ظاهره قوله رحمه الله: " قالوا " أي هؤلاء المختلفون في معنى الايمان كما يدل عليه قوله " واختلفوا " وظاهر هذا النقل يعطي أنه لا نزاع في أن حقيقتهما واحدة والمغايرة إنما هي في الحكم فقط بمعنى أنا قد نحكم على شخص في ظاهر الشرع بكونه مسلما لاقراره بالشهادتين ولا نحكم عليه بالايمان حتى نعلم من حاله التصديق وما نقلناه من المذهبين الأولين يقتضي وقوع النزاع في الحقيقة والحكم.

أما أهل المذهب الأول وهم القائلون باتحادهما مطلقا صدقا ومفهوما أو صدقا فقط، فإنهم صرحوا باتحادهما في الحكم أيضا حيث قالوا: لا يصح في الشرع أن يحكم على أحد بأنه مؤمن وليس بمسلم، أو مسلم وليس بمؤمن، ولا نعني بوحدتهما سوى هذا وأما أهل المذهب الثاني وهم القائلون بالتغاير، فإنهم صرحوا بتغايرهما صدقا ومفهوما وحكما، حيث قالوا: إن حقيقة الاسلام هي الانقياد والاذعان باظهار الشهادتين، سواء اعترف مع ذلك بباقي المعارف أم لا، فيكون أعم مفهوما من الايمان، فتبين مما حررناه أن المذاهب في بيان حقيقة الاسلام ثلاثة.

احتج أهل المذهب الأول بقوله تعالى " فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين " وجه الاستدلال أن " غير " هذا للاستثناء بمعنى

إلا، وهذا استثناء مفرغ متصل، فيكون من الجنس إذ المعنى والله أعلم: فما وجدنا فيها بيتا من بيوت المؤمنين إلا بيتا من المسلمين، وبيت المسلم إنما يكون بيت المؤمن إذا صدق المؤمن على المسلم كما هو مقتضى الاتحاد في الجنس إذ من المعلوم أن المراد من البيت هنا أهله لا الجدران، على حد قوله تعالى واسئل القرية " وصدق المؤمن على المسلم يقتضي كون الايمان أعم من الاسلام أو مساويا له، لكن لا قائل بالأول فتعين الثاني، واعترض بأن المصحح للاستثناء هو تصادق المستثنى والمستثنى منه في الفرد المخرج، لا في كل فرد، وهو يتحقق بكون الاسلام أعم كما يتحقق بكونه مساويا والامر هنا كذلك فإنه على تقدير كون الايمان أخص يتصادق المؤمن والمسلم في البيت المخرج الموجود، فإنه بيت لوط عليه وعلى نبينا السلام على أن دلالة هذه الآية معارضة بقوله تعالى " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " فوصفهم تعالى بالاسلام حيث جوز لهم الاخبار عن أنفسهم به، ونفى عنهم الايمان، فدل على تغايرهما.

واحتج أهل المذهب الثاني على المغايرة بهذه الآية، والتقريب ما تقدم في بيان المعارضة، وبما تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله والصحابة رضي الله عن المؤمنين منهم أنهم كانوا يكتفون في الاسلام باظهار الشهادتين ثم بعد ذلك ينبهون المسلم على بعض المعارف الدينية التي يتحقق بها الايمان.

أقول: إن الآية الكريمة إنما تدل على المغايرة في الجملة وكما يجوز أن يكون بحسب الحقيقة، يجوز أن يكون في الحكم دون الحقيقة، كما اختاره أهل المذهب الثالث، ويؤيد ذلك أن الله سبحانه لم يثبت لهم الاسلام صريحا ولا وصفهم به، حيث لم يقل ولكن أسلمتم كما قال لم تؤمنوا، بل أحال الاخبار به على مقالتهم فقال تعالى: " ولكن قولوا أسلمنا " وحينئذ فيجوز أن يكون المراد والله أعلم أنكم لم تؤمنوا حتى تدخل المعارف قلوبكم ولما تدخل، لكن ما زعمتموه من الايمان فإنما هو إسلام ظاهري، يمكن الحكم عليكم به في ظاهر الشرع، حيث أقررتم

بألسنتكم دون قلوبكم. فلكم أن تخبروا عن أنفسكم وأما الاسلام الحقيقي فلم يثبت لكم عند الله تعالى كالايمان، فلذا لم يخبر عنكم به، وقد يظهر من ذلك الجواب عن الثاني أيضا.

إن قلت: إن الاسلام من الحقائق الاعتبارية للشارع، كالايمان، فلا يعلم إلا منه، وحيث أذن لهم في أن يخبروا عن أنفسهم بأنهم أسلموا مع أن الايمان لم يكن دخل قلوبهم كما دل عليه آخر الآية، تدل على أنه لم يكن له حقيقة وراء ذلك عند الشارع، وإلا لما جوز لهم ذلك الاخبار، واحتمال المجاز يدفعه أن الأصل في الاطلاق الحقيقة، ولزوم الاشتراك على تقدير الحقيقة، يدفعه أنه متواطئ أو مشكك، حيث بينا أن مفهومه هو الانقياد والاذعان بالشهادتين، سواء اقترن بالمعارف أم لا، فيكون إسلام الاعراب فردا منه.

قلت: لا ريب أنه لو علم عدم تصديق من أقر بالشهادتين لم يعتبر ذلك الاقرار شرعا ولم نحكم باسلام فاعله، لأنه حينئذ يكون مستهزئا أو مشككا، وإنما حكم الشارع باسلامه ظاهرا في صورة عدم علمنا بموافقة قلبه للسانه، بالنسبة إلينا تسهيلا ودفعا للحرج عنا، حيث لا يعلم السرائر إلا هو، وأما عنده تعالى فالمسلم من طابق قلبه لسانه كما قال تعالى " إن الدين عند الله الاسلام " مع أن الدين لا يكون إلا مع الاخلاص لقوله تعالى " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " إلى قوله تعالى " وذلك دين القيمة ".

فالاسلام لا يكون إلا مع الاخلاص أيضا بقرينة أنه ذكر الاسلام معرفا و ذلك يفيد حصر الاسلام في الدين المخلص، فكأن المعنى والله أعلم: لا إسلام إلا ما هو دين عند الله تعالى كما يقال زيد العالم أي لا غيره، والفرق ظاهر بين أن يقال الدين المخلص إسلام، أو هو الاسلام كما قررناه، فعلم أن الاسلام اللساني ليس داخلا في حقيقة الاسلام عند الله، والكلام إنما هو فيما يعد إسلاما وإيمانا عند الشارع لا عندنا، بحيث لا يجتمع مع ضده الذي هو الكفر في موضع واحد

في زمان واحد، والاقرار باللسان دون القلب يجامع الكفر فلا يكون إسلاما حقيقة، ولعل هذا هو السر في إحالة الاخبار بالاسلام على قول الاعراب دون قوله تعالى، كما أشرنا إليه سابقا، إن قلت: إذا لم يكن إسلام الاعراب إسلاما عند الله تعالى كان مغريا لهم بالكذب حيث أمرهم أن يخبروا عن أنفسهم بالاسلام فقال: " قولوا أسلمنا " وهو محال عليه تعالى.

قلت: إنما أمرهم أمرا إرشاديا بأن يخبروا بالاسلام الظاهري وهو حق في الظاهر، فلم يكن مغريا لهم بالكذب. حيث لم يأمرهم بأن يخبروا بأنهم مسلمون عند الله تعالى بالاسلام مطلقا، وقد تقدم ما يصلح دليلا لما ادعيناه من التخصيص، على أنه يمكن أن يقال إن الله سبحانه وتعالى لم يأمرهم بالاخبار أصلا لا ظاهرا، ولا غيره، بل أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يأمرهم، حيث قال تعالى " قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " أي ولكن قل لهم قولوا أسلمنا، فالامر لهم بقول أسلمنا إنما هو من النبي صلى الله عليه وآله لا من الله تعالى لما تقرر في الأصول من أن الامر بالامر بالشئ ليس أمرا بذلك الشئ.

واحتج أهل المذهب الثالث على كل من جزءي مدعاهم أما على أن الاسلام أعم في الحكم فبآية الاعراب المتقدمة، والتقريب ما تقدم، لكن لا يرد عليهم شئ مما أوردناه على استدلال أهل المذهب الثاني بها لأنهم يدعون دلالتها على مغايرة الاسلام للايمان حقيقة، وهم يدعون المغايرة في الحكم ظاهرا دون الحقيقة، بل ما ذكرناه من الايرادات محقق لاستدلالهم بها، إذ لا يتم لهم بدونه كما لا يخفى على من أحاط بما ذكرناه في بيان معنى هذه الآية مما من به الواهب الكريم.

إن قلت: إن الشارع حكم بايمان من أقر بالمعارف الأصولية ظاهرا وإن كان في نفس الامر غير معتقد لذلك، إذا لم يطلع عليه، على حد ما ذكرتم في الاسلام فكما أن الايمان والاسلام الاعتقاديين متحدان فكذا الظاهريان، فما وجه عموم

الاسلام في الحكم وما معناه؟.

قلت: الاسلام يكفي في الحكم به ظاهرا الاقرار بالشهادتين، مع عدم علم الاستهزاء والشك من المعتبر، بخلاف الايمان، فإنه لا بد في الحكم به ظاهرا مع ذلك من الاعتراف بأنه يعتقد الأصول الخمسة، مع إقراره بها، أو يقتصر على الاقرار بها مع عدم علمنا منه بما ينافي ذلك من استهزاء أو شك، فهو أخص حكما من الاسلام، وهذا الذي ذكرناه يشهد به كثير من الأحاديث، وحكم علماء الإمامية أيضا باسلام أهل الخلاف وعدم إيمانهم، يؤيد ما قلناه.

وأما على أن الاسلام في الحقيقة هو الايمان فبقوله تعالى " فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين " الآية والتقريب ما تقدم في بيان استدلال أهل المذهب الأول بها، والاعتراض الاعترض، لكن ما ذكر هناك من المعارضة بآية الاعراب لا يرد هنا لأنا بينا أنها إنما تدل على المغايرة في الحكم، وهو لا ينافي الاتحاد في الحقيقة وأما هناك فلما كان المدعى الاتحاد مطلقا حكما وحقيقة، أمكن المعارضة بها في الجملة.

وقد تقدم في كلام المحقق الطوسي قدس سره: أنهم استدلوا على كون حقيقتهما واحدة بقوله تعالى " إن الدين عند الله الاسلام " ويمكن تقريره بوجهين أحدهما: أن الايمان هو الدين والدين هو الاسلام، فالايمان هو الاسلام أما الكبرى فللآية وأما الصغرى فلقوله تعالى " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه " ولا ريب أن الايمان مقبول من يبتغيه دينا للاجماع، فيكون الايمان دينا فيكون هو الاسلام، وفيه أنه لا يلزم من صحة حمل الاسلام عليه كونهما واحدا في الحقيقة لجواز كون المحمول أعم، ويمكن الجواب بما ذكرناه سابقا من إفادة مثل ذلك حصر الاسلام في الدين، لكن يرد على دليل الصغرى أن اللازم منه كون الايمان دينا أما كونه نفس الدين ليكون هو الاسلام، فلا، لجواز أن يكون جزءا منه أو جزئيا له، أو شرعا كذلك، ولا ريب أن جزء الشئ أو جزئيه أو شرطه

يقبل معه، وإن كان مغايرا له، فعلم أن المراد من الغير في الآية الكريمة غير ذلك.

وأيضا يرد عليه: أن هذا الدليل إنما يستقيم على مذهب من يقول: إن الطاعات جزء من الايمان، وذلك لأن الظاهر أن الدين المحمول عليه الاسلام هو دين القيمة في قوله تعالى " وذلك دين القيمة " والمشار إليه بذلك ما تقدم من الاخلاص في الدين، مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

وثانيهما أن العبادات المعتبرة شرعا هي الدين، والدين هو الاسلام، والاسلام هو الايمان، أما الأولى فلقوله تعالى " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " وأما الثانية فلقوله تعالى " إن الدين عند الله الاسلام " وأما الثالثة فلقوله تعالى " ومن يبتغ غير الاسلام دينا " الآية، وقد تقدم بيان ذلك، ويرد عليه جميع ما يرد على الوجه الأول، ويزيد عليه أن النتيجة كون العبادات هي الايمان والمدعى كون الاسلام هو الايمان أو عكسه، ولا ينطبق على المدعى. ولو سلم استلزامه للمدعى لاقتضاء المقدمة الثالثة ذلك، قلنا فبقية المقدمات مستدركة إذ يكفي أن يقال: الاسلام، هو الايمان لقوله تعالى " ومن يبتغ " الآية.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.