پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

24 باب الفرق بين الايمان والاسلام وبيان معانيهما،

ج ۶۵، ص ۲۵۲–۲۷۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۵

قوله " أليس الله يقول " أقول: هذا السؤال والجواب يحتمل وجوها الأول وهو الظاهر أن السائل أراد أنه إذا كانا مجتمعين في الحسنات، والحسنة بالعشر، فكيف يكون له فضل عليه في الأعمال والقربات؟ مع أن الموصول من أدوات العموم، فيشمل كل من فعلها؟ فأجاب عليه السلام بأنهما شريكان في العشر، والمؤمن يفضل بما زاد عليها، ويرد عليه أنه على هذا يكون لأعمال غير المؤمنين أيضا ثواب، وهو مخالف للاجماع والأخبار المستفيضة، إلا أن يحمل الكلام على نوع من التقية أو المصلحة، لقصور فهم السائل، أو يكون المراد بالايمان الايمان الخالص، و بالاسلام أعم من الايمان الناقص وغيره، ويكون الثواب للأول، وهو غير بعيد عن سياق الخبر، بل لا يبعد أن يكون المراد بالمسلم المستضعف من المؤمنين الذين يظهرون الايمان ولم يستقر في قلوبهم كما يرشد إليه قوله " وهما في القول والفعل يجتمعان " وقد عرفت اختلاف الاصطلاح في الايمان فيكون هذا الخبر موافقا لبعض مصطلحاته.

وقيل في الجواب: لعل عمل غير المؤمن ينفعه في تخفيف العقوبة، ورفع شدتها، لا في دخول الجنة، إذ دخولها مشروط بالايمان.

الثاني أنه تعالى قال: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة " والقرض الحسن هو العبادة الواقعة على كمالها وشرايط قبولها، ومن جملة شرائطها هو الايمان، فالمؤمنون هم الذين يضاعف الله عز وجل لهم حسناتهم لا غيرهم، فيعطيهم لكل حسنة عشرة وربما يعطيهم لكل حسنة سبعين ضعفا، فهذا فضل المؤمن على المسلم، ويزيد الله في حسناته على قدر صحة إيمانه وحسب كماله أضعافا كثيرة حتى أنه يعطي بواحدة سبعمائة أو أزيد، ويفعل الله بالمؤمنين ما يشاء من الخير الذي لا يعلمه إلا هو، كما قال " ولدينا مزيد ".

وقيل: أراد بما يشاء من الخير إيتاء العلم والحكمة وزيادة اليقين والمعرفة الثالث ما ذكره بعض الأفاضل ويرجع إلى الثاني، وهو أن المراد بالقرض الحسن صلة الإمام عليه السلام كما ورد في الاخبار فالغرض من الجواب أنه كما أن القرض يكون حسنا وغير حسن، والحسن الذي هو صلة الامام، يصير سببا لتضاعف أكثر من عشرة، فكذلك الصلاة والزكاة والحج تكون حسنة وغير حسنة والحسنة ما كان مع تصديق الامام، وهو يستحق المضاعفة لا غيره، فالفاء في قوله: " فالمؤمنون " للبيان، وقوله: " يضاعف الله " بتقدير قد يضاعف الله، وإلا لكان الظاهر عشرة أضعاف " ويزيد الله " أي على السبعين أيضا.

قوله: " أرأيت من دخل في الاسلام " كأن السائل لم يفهم الفرق بين الايمان والاسلام بما ذكره عليه السلام فأعاد السؤال، أو أنه لما كان تمكن في نفسه ما اشتهر بين المخالفين من عدم الفرق بينهما، أراد أن يتضح الامر عنده، أو قاس الدخول في المركب من الاجزاء المعقولة بالدخول في المركب من الاجزاء المقدارية فان من دخل جزءا من الدار صدق عليه أنه دخل الدار، فلذا أجابه عليه السلام بمثل

ذلك لتفهيمه، فقال: المتصف ببعض أجزاء الايمان لا يلزم أن يتصف بجميع أجزائه حتى يتصف بالايمان، كما أن من دخل المسجد لا يحكم عليه بأنه دخل الكعبة ومن دخل الكعبة يحكم عليه بأنه دخل المسجد، فكذا يحكم على المؤمن أنه مسلم ولا يحكم على كل مسلم أنه مؤمن.

ثم اعلم أنه استدل بهذه الاخبار على كون الكعبة جزءا من المسجد الحرام ويرد عليه أنه لا دلالة في أكثرها على ذلك، بل بعضها يومي إلى خلافه، كهذا الخبر، حيث قال: أكنت شاهدا أنه قد دخل المسجد؟ ولم يقل أكنت شاهدا أنه في المسجد، وكذا قوله: " لا يصل إلى دخول الكعبة حتى يدخل المسجد " نعم بعض الأخبار تشعر بالجزئية.

13 - المحاسن: عن أبيه، عن ابن سنان، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن القلب ليترجج فيما بين الصدر والحنجرة، حتى يعقد على الايمان، فإذا عقد على الايمان قر وذلك قول الله " ومن يؤمن بالله يهد قلبه " قال: يسكن.

14 - الكافي: محمد بن يحيي، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان مثله إلا أنه ليس فيه قال: يسكن:

بيان: الرج التحريك والتحرك والاهتزاز، والرجرجة الاضطراب كالإرتجاج والترجرج، والحنجرة الحلقوم، وكأنه كان في قراءتهم عليهم السلام يهدأ قلبه، بالهمز وفتح الدال، ورفع قلبه كما قرئ في الشواذ قال البيضاوي: يهد قلبه للثبات والاسترجاع عند المصيبة، وقرئ يهد قلبه بالرفع على إقامته مقام الفاعل، و بالنصب على طريق سفه نفسه ويهدأ بالهمز أي يسكن وقال الطبرسي ره: قرأ عكرمة وعمرو بن دينار يهدأ قلبه أي يطمئن قلبه كما قال سبحانه: " وقلبه مطمئن

بالايمان انتهى ويحتمل أن يكون على القراءة المشهورة بيانا لحاصل المعنى كما أشرنا إليه في تفسير الآيات.

15 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن العباس بن معروف، عن ابن أبي نجران عن حماد بن عثمان، عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت مع عبد الملك إلى أبي - عبد الله عليه السلام: أسأله عن الايمان ما هو؟ فكتب إلي مع عبد الملك بن أعين: سألت رحمك الله عن الايمان، والايمان هو الاقرار باللسان، وعقد في القلب وعمل بالأركان، والايمان بعضه من بعض، وهو دار، وكذلك الاسلام دار، والكفر دار، فقد يكون العبد مسلما قبل أن يكون مؤمنا، ولا يكون مؤمنا حتى يكون مسلما فالاسلام قبل الايمان، وهو يشارك الايمان، فإذا أتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عز وجل عنها كان خارجا من الايمان، ساقطا عنه اسم الايمان، وثابتا عليه اسم الاسلام، فان تاب واستغفر عاد إلى دار الايمان ولا يخرجه إلى الكفر إلا الجحود والاستحلال، بأن يقول للحلال هذا حرام، وللحرام هذا حلال، ودان بذلك، فعندها يكون خارجا من الاسلام والايمان، داخلا في الكفر، وكان بمنزلة من دخل الحرم، ثم دخل الكعبة وأحدث في الكعبة حدثا فاخرج عن الكعبة، وعن الحرم، فضربت عنقه، وصار إلى النار.

بيان: قوله عليه السلام: " والايمان هو الاقرار " هذا تفسير للايمان الكامل، و الاخبار في ذلك كثيرة سيأتي بعضها، وعليه انعقد اصطلاح المحدثين منا كما صرح به الصدوق رحمه الله في الهداية وقال المفيد قدس سره في كتاب المسائل أقول: إن مرتكبي الكبائر من أهل المعرفة والاقرار مؤمنون بايمانهم بالله ورسله وبما جاء من عنده، وفاسقون بما معهم من كبائر الآثام، ولا اطلق لهم اسم الفسوق ولا اسم الايمان، بل أقيدهما جميعا في تسميتهم بكل واحد منهما، وأمتنع من الوصف لهم

بهما على الاطلاق، وأطلق لهم اسم الاسلام بغير تقييد وعلى كل حال، وهذا مذهب الإمامية إلا بني نوبخت رحمهم الله فإنهم خالفوا فيه وأطلقوا على الفساق اسم الايمان انتهى.

قوله: " والايمان بعضه من بعض " أي يترتب أجزاء الايمان بعضها على بعض، فان الاقرار بالعقائد يصير سببا للعقائد القلبية، والعقائد تصير سببا للأعمال البدنية.

أو المعنى أن أفراد الايمان ودرجاته يترتب بعضها على بعض فان الأدنى منها يصير سببا لحصول الاعلى، وهكذا إلى حصول أعلى درجاته، فان حصول قدر من التصديق يصير سببا للاتيان بقدر من الأعمال الحسنة، فإذا أتى بتلك الأعمال زاد الايمان القلبي فيزيد أيضا العمل، وهكذا، فيترتب كمال كل جزء من الايمان على كمال الجزء الآخر، ويحتمل أن يكون إشارة إلى اشتراط بعض أجزاء الايمان ببعض فإن العمل لا ينفع بدون الاعتقاد، والاعتقاد أيضا مشروط في كماله وترتب الآثار عليه بالعمل.

" وهو دار " أي الايمان كدار فيها الانسان كأنه حصن له " وهو يشارك الايمان " أي كلما يتحقق الايمان فهو يشاركه في التحقق، وأما ما مضى في الاخبار أنه لا يشارك الايمان فمعناه أنه ليس كلما تحقق تحقق الايمان، فلا تنافي بينهما ويحتمل أن يكون سقط من الكلام شئ وكان هكذا " وهو يشارك الاسلام والاسلام لا يشارك الايمان " على وتيرة ما سبق ويحتمل أن يكون المراد هنا المشاركة في الاحكام الظاهرة، وفيما سبق نفي المشاركة في جميع الأحكام.

قيل: وسر ذلك أن الاقرار بالتوحيد والرسالة مقدم على الاقرار بالولاية والعمل، والمؤمن والمسلم بسبب الأول يخرجان من دار الكفر، ويدخلان في دار الاسلام ثم المسلم بسبب الاكتفاء يستقر في هذه الدار، والمؤمن بسبب الثاني يترقى وينزل في دار الايمان، ومنه لاح أن الاسلام قبل الايمان وأنه يشارك

الايمان فيما هو سبب للخروج من دار الكفر، لا فيما هو سبب للدخول في دار الايمان وبهذا التقرير تندفع المنافاة بين القولين قوله عليه السلام: " أو صغيرة " يدل على أن الصغيرة أيضا مخرجة من الايمان مع أنها مكفرة مع اجتناب الكبائر، ويمكن حمله على الاصرار كما يومئ إليه ما بعده، أو على أن المراد بها الكبيرة أيضا لكن بعضها صغيرة بالإضافة إلى بعضها التي هي أكبر الكبائر فالمراد بقوله " نهى الله عنها " نهيه عنها في القرآن، وإيعاده عليها النار فيه، والخبر يدل على أن جحود المعاصي و استحلالها موجبان للارتداد، وكأنه محمول على ما إذا كان من ضروريات الدين فيؤيد التأويل الثاني، فان أكثر ما نهي عنه في القرآن كذلك أو على ما إذا جحد واستحل بعد العلم بالتحريم، ويدل على أن المرتد مستحق للقتل، وإن كان يفعل ما يؤذن بالاستخفاف في الدين، ويومئ إليه عدم قبول توبته للمقابلة، فيحمل على الفطري وعلى أنه مستحق للنار وإن تاب.

وجملة القول فيه أن المرتد على ما ذكره الشهيد رفع الله درجته في الدروس وغيره: هو من قطع الاسلام بالاقرار على نفسه بالخروج منه، أو ببعض أنواع الكفر، سواء كان مما يقر أهله عليه أولا، أو بانكار ما علم ثبوته من الدين ضرورة أو باثبات ما علم نفيه كذلك، أو بفعل دال عليه صريحا كالسجود للصنم والشمس وإلقاء المصحف في القذر قصدا، أو إلقاء النجاسة على الكعبة، أو هدمها أو إظهار الاستخفاف بها.

وأما حكمه فالمشهور بين الأصحاب أن الارتداد على قسمين: فطرى وملي فالأول ارتداد من ولد على الاسلام بأن انعقد [نطفته] حال إسلام أحد أبويه، وهذا لا يقبل إسلامه لو رجع عليه، ويتحتم قتله، وتبين منه امرأته وتعتد منه عدة الوفاة وتقسم أمواله بين ورثته، وهذا الحكم بحسب الظاهر لا إشكال فيه بمعنى تعين قتله وأما فيما بينه وبين الله، فاختلفوا في قبول توبته فأكثر المحققين ذهبوا إلى القبول حذرا من تكليف ما لا يطاق، لو كان مكلفا بالاسلام، أو خروجه عن التكليف ما دام حيا كامل العقل وهو باطل بالاجماع، فلو لم يطلع عليه أحد أو لم يقدر على قتله

فتاب قبلت توبته فيما بينه وبين الله تعالى، وصحت عباداته ومعاملاته، ولكن لا تعود ماله وزوجته إليه بذلك، ويجوز له تجديد العقد عليها بعد العدة أو فيها على احتمال، كما يجوز للزوج العقد على المعتدة بائنا حيث لا تكون محرمة أبدا، ولا تقتل المرأة، بل تحبس دائما، وإن كانت مولودة على الفطرة وتضرب أوقات الصلوات.

والثاني أن يكون مولودا على الكفر فأسلم ثم ارتد فهذا يستتاب على المشهور فان امتنع قتل، واختلف في مدة الاستتابة فقيل ثلاثة أيام لرواية مسمع وقيل القدر الذي يمكن معه الرجوع، ويظهر من ابن الجنيد أن الارتداد قسم واحد و أنه يستتاب فان تاب وإلا قتل، وهو مذهب العامة لكن لا يخلو من قوة من جهة الاخبار وسيأتي تمام الكلام في ذلك في محله إنشاء الله تعالى.

16 الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن عبد الله بن مسكان، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له ما الاسلام؟ فقال:

دين الله اسمه الاسلام، وهو دين الله قبل أن تكونوا حيث كنتم، وبعد أن تكونوا، فمن أقر بدين الله فهو مسلم، ومن عمل بما أمر الله عز وجل به فهو مؤمن بيان: " دين الله اسمه الاسلام " لقوله تعالى " إن الدين عند الله الاسلام " وقوله " ومن يبتغ غير الاسلام دينا " " وهو دين الله قبل أن تكونوا حيث كنتم " أي قبل أن تكونوا في عالم من العوالم أي حين لم تكونوا في عالم الأجساد ولا في عالم الأرواح " وبعد أن تكونوا " في أحد العوالم، أو قبل أن تكونوا وتوجدوا على هذا الهيكل المخصوص، حيث كنتم في الأظلة أو في العلم الأزلي، وبعد أن تكونوا في عالم الأبدان والأول أظهر، وعلى التقديرين المراد عدم التغير في

الأديان والأزمان " فمن أقر بدين الله " أي العقايد التي أمر الله بالاقرار بها في كل دين قلبا وظاهرا " فهو مسلم ومن عمل " أي مع ذلك الاقرار " بما أمر الله عز وجل به " من الفرائض وترك الكبائر أو الأعم " فهو مؤمن " وهذا أحد المعاني التي ذكرنا من الاسلام والايمان.

17 الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن حمران قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الله فضل الايمان على الاسلام بدرجة كما فضل الكعبة على المسجد الحرام.

18 الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الكبائر القنوط من رحمة الله، والاياس من روح الله، والامن من مكر الله، وقتل النفس التي حرم الله، وعقوق الوالدين وأكل مال اليتيم ظلما، وأكل الربا بعد البينة، والتعرب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، فقيل له: أرأيت المرتكب للكبيرة يموت عليها أتخرجه من الايمان؟ وإن عذب بها فيكون عذابه كعذاب المشركين؟ أوله انقطاع؟ قال: يخرج من الاسلام إذا زعم أنها حلال، ولذلك يعذب أشد العذاب وإن كان معترفا بأنها كبيرة وهي عليه حرام، وأنه يعذب عليها وأنها غير حلال، فإنه معذب عليها، وهو أهون عذابا من الأول، ويخرجه من الايمان ولا يخرجه من الاسلام.

19 - تفسير العياشي: عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام: " يا أيها الذين آمنوا " فسماهم مؤمنين، [وليسوا هم بمؤمنين] ولا كرامة، قال: " يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا " إلى قوله: " فأفوز فوزا

عظيما " ولو أن أهل السماء والأرض قالوا: قد أنعم الله علي إذ لم أكن مع رسول الله صلى الله عليه وآله لكانوا بذلك مشركين، وإذا أصابهم فضل من الله قال يا ليتني كنت معهم فأقاتل في سبيل الله.

20 - عيون أخبار الرضا (ع): عن ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن الفضل بن شاذان قال:

سأل المأمون الرضا عليه السلام أن يكتب له محض الاسلام على إيجاز واختصار فكتب عليه السلام: إن محض الاسلام شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا أحدا صمدا قيوما سميعا بصيرا قديرا قديما باقيا، عالما لا يجهل، قادرا لا يعجز غنيا لا يحتاج، عدلا لا يجور، وأنه خالق كل شئ، وليس كمثله شئ لا شبه له ولا ضد له ولا كفو له، وأنه المقصود بالعبادة والدعاء والرغبة والرهبة، و أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله وأمينه وصفيه وصفوته من خلقه، وسيد المرسلين وخاتم النبيين ، وأفضل العالمين، لا نبي بعده ولا تبديل لملته، ولا تغيير لشريعته.

وأن جميع ما جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله هو الحق المبين، والتصديق به وبجميع من مضى قبله من رسل الله وأنبيائه وحججه، والتصديق بكتابه الصادق العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، و أنه المهيمن على الكتب كلها وأنه حق من فاتحته إلى خاتمته، نؤمن بمحكمه و بمتشابهه، وخاصه وعامه، ووعده ووعيده، وناسخه ومنسوخه، وقصصه و أخباره، لا يقدر أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله.

وأن الدليل بعده والحجة على المؤمنين، والقائم بأمر المسلمين، والناطق عن القرآن، والعالم بأحكامه أخوه وخليفته ووصيه ووليه الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى، علي بن أبي طالب عليه السلام أمير المؤمنين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وأفضل الوصيين، ووارث علم النبيين والمرسلين، وبعده الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة أجمعين ثم علي بن الحسين زين العابدين ثم محمد بن علي باقر علم النبيين، ثم جعفر بن محمد الصادق وارث علم الوصيين

ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي، ثم علي ابن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم الحجة القائم المنتظر ولده صلوات الله عليهم أجمعين.

وأشهد لهم بالوصية والإمامة، وأن الأرض لا تخلو من حجة الله تعالى على خلقه في كل عصر وأوان، وأنهم العروة الوثقى وأئمة الهدى، والحجة على أهل الدنيا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن كل من خالفهم ضال مضل تارك للحق والهدى، وأنهم المعبرون عن القرآن والناطقون عن الرسول صلى الله عليه وآله بالبيان، من مات ولم يعرفهم مات ميتة جاهلية، وأن من دينهم الورع والعفة والصدق، وساق إلى قوله: وحب أولياء الله عز وجل واجب وكذلك بغض أعداء الله والبراءة منهم، ومن أئمتهم.

إلى قوله عليه السلام: وأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى خلق تقدير لا خلق تكوين، والله خالق كل شئ، ولا يقول بالجبر والتفويض، ولا يأخذ الله عز وجل البرئ بالسقيم، ولا يعذب الله تعالى الأطفال بذنوب الاباء، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للانسان إلا ما سعى، ولله عز وجل أن يعفو ويتفضل، ولا يجور ولا يظلم، لأنه تعالى منزه عن ذلك، ولا يفرض الله طاعة من يعلم أنه يضلهم ويغويهم، ولا يختار لرسالته، ولا يصطفي من عباده من يعلم أنه يكفر به وبعبادته ويعبد الشيطان دونه.

وأن الاسلام غير الايمان، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم بمؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، وأصحاب الحدود مسلمون، لا مؤمنون، ولا كافرون، والله عز وجل لا يدخل النار مؤمنا وقد وعده الجنة، ولا يخرج من النار كافرا وقد أوعده النار، والخلود فيها، ولا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومذنبو أهل التوحيد يدخلون في - النار ويخرجون منها والشفاعة جائزة لهم، وأن الدار اليوم دار تقية وهي دار الاسلام، لا دار كفر ولا دار إيمان.

والايمان هو أداء الأمانة، واجتناب جميع الكبائر، وهو معرفة بالقلب

وإقرار باللسان وعمل بالأركان إلى أن قال عليه السلام: وتؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير، والبعث بعد الموت، والميزان والصراط.

والبراءة من الذين ظلموا آل محمد وهموا باخراجهم، وسنوا ظلمهم، و غيروا سنة نبيهم، والبراءة من الناكثين والقاسطين والمارقين، الذين هتكوا حجاب رسول الله صلى الله عليه وآله ونكثوا بيعة إمامهم وأخرجوا المرأة، وحاربوا أمير المؤمنين عليه السلام وقتلوا الشيعة رحمة الله عليهم، واجبة.

والبراءة ممن نفى الأخيار وشردهم، وآوى الطرداء اللعناء، وجعل الأموال دولة بين الأغنياء، واستعمل السفهاء مثل معاوية، وعمرو بن العاص، لعيني رسول الله صلى الله عليه وآله والبراءة من أشياعهم الذين حاربوا أمير المؤمنين عليه السلام وقتلوا الأنصار والمهاجرين، وأهل الفضل والصلاح من السابقين والبراءة من أهل الاستيثار ومن أبي موسى الأشعري وأهل ولايته " الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم " بولاية أمير المؤمنين عليه السلام ولقائه كفروا بأن لقوا الله بغير إمامته " فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا " فهم كلاب أهل النار.

والبراءة من الأنصاب والأزلام أئمة الضلال، وقادة الجور كلهم، أولهم و آخرهم، والبراءة من أشباه عاقري الناقة، أشقياء الأولين والآخرين، وممن يتولاهم، والولاية لأمير المؤمنين عليه السلام والذين مضوا على منهاج نبيهم صلى الله عليه وآله ولم يغيروا ولم يبدلوا مثل سلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وأبي الهيثم التيهان، وسهل بن حنيف، و عبادة بن الصامت، وأبي أيوب الأنصاري، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وأبي سعيد الخدري وأمثالهم رضي الله عنهم، والولاية لاتباعهم وأشياعهم، والمهتدين بهديهم

وللسالكين منهاجهم رضوان الله عليهم ورحمته. إلى آخر الخبر الطويل.

وروى أيضا عن حمزة بن محمد العلوي، عن قنبر بن علي بن شاذان، عن أبيه عن الفضل بن شاذان; وعن جعفر بن نعيم بن شاذان، عن عمه محمد بن شاذان، عن الرضا عليه السلام مثله.

أقول: قد مر الخبر بتمامه مشروحا في أبواب الاحتجاجات.

21 - الإحتجاج: في خبر الشامي الذي سأل أبا عبد الله عليه السلام مسائل فأجابه فقال الشامي: أسلمت لله، فقال عليه السلام له: بل آمنت بالله الساعة، إن الاسلام قبل الايمان، وعليه يتوارثون ويتناكحون، والايمان عليه يثابون.

بيان: " بل آمنت " أي كنت قبل ذلك مسلما لأنه كان من المخالفين، فلما أقر بالأئمة عليهم السلام صار من المؤمنين، ويدل على أن الاسلام هو الاعتقاد بالتوحيد والرسالة والمعاد، وما يلزمها سوى الإمامة، والايمان هو الاعتقاد بجميع العقائد الحقة التي عمدتها الاقرار بامامة جميع الأئمة عليهم السلام، ويدل على أن الاحكام الدنيوية تترتب على الاسلام والثواب الأخروي لا يكون إلا بالايمان، فالمخالفون لا يدخلون الجنة، وعلى أنه يجوز نكاح المخالفين وإنكاحهم ويكون التوارث بينهم وبين المؤمنين، وعلى عدم دخول الأعمال في الايمان، وإن أمكنت المناقشة فيه وقبلية الاسلام إما ذاتي كتقدم الكلي على الجزئي أو الجزء على الكل أو زماني بمعنى إمكان حصوله قبل الايمان ، بيانا للعموم والخصوص فتأمل.

22 - تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله فضل الايمان على الاسلام بدرجة كما فضل الكعبة على المسجد الحرام.

23 - الإحتجاج: في خبر الزنديق الذي سأل أمير المؤمنين صلوات الله عليه عما زعم من

التناقض في القرآن حيث قال أجد الله يقول: " ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه " ويقول: " وإني لغفار لمن تاب " فقال عليه السلام: وأما قوله " ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه " وقوله " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " فان ذلك كله لا يغني إلا مع الاهتداء وليس كل من وقع عليه اسم الايمان كان حقيقا بالنجاة مما هلك به الغواة، ولو كان ذلك كذلك لنجت اليهود مع اعترافها بالتوحيد وإقرارها بالله، ونجا سائر المقرين بالوحدانية من إبليس فمن دونه في الكفر، وقد بين الله ذلك بقوله " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون " وبقوله " الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ".

وللايمان حالات ومنازل يطول شرحها، ومن ذلك أن الايمان قد يكون على وجهين ايمان بالقلب وإيمان باللسان كما كان إيمان المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله لما قهرهم السيف، وشملهم الخوف، فإنهم آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم فالايمان بالقلب هو التسليم للرب، ومن سلم الأمور لمالكها لم يستكبر عن أمره كما استكبر إبليس عن السجود لآدم واستكبر أكثر الأمم عن طاعة أنبيائهم فلم ينفعهم التوحيد، كما لم ينفع إبليس ذلك السجود الطويل، فإنه سجد سجدة واحدة أربعة آلاف عام، لم يرد بها غير زخرف الدنيا والتمكين من النظرة فلذلك لا تنفع الصلاة والصدقة إلا مع الاهتداء إلى سبيل النجاة، وطريق الحق وقد قطع الله عذر عباده بتبيين آياته، وإرسال رسله لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ولم يخل أرضه من عالم بما يحتاج الخليقة إليه، ومتعلم على سبيل نجاة، أولئك هم الأقلون عددا.

وقد بين الله ذلك في أمم الأنبياء، وجعلهم مثلا لمن تأخر مثل قوله في

قوم نوح " وما آمن معه إلا قليل " وقوله فيمن آمن من قوم موسى " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون " وقوله في حواري عيسى حيث قال لسائر بني إسرائيل " من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون " يعني أنهم يسلمون لأهل الفضل فضلهم ولا يستكبرون عن أمر ربهم فما أجابه منهم إلا الحواريون، وقد جعل الله للعلم أهلا وفرض على العباد طاعتهم بقوله " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " وبقوله " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " وبقوله " اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " وبقوله " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " وبقوله " وأتوا البيوت من أبوابها " والبيوت هي بيوت العلم الذي استودعه الأنبياء وأبوابها أوصياؤهم.

فكل عمل من أعمال الخير يجري على غير أيدي أهل الاصطفاء وعهودهم وحدودهم وشرائعهم وسنتهم ومعالم دينهم، مردود غير مقبول، وأهله بمحل كفر وإن شملتهم صفة الايمان ألم تسمع إلى قول الله تعالى " وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله وماتوا وهم كافرون " فمن لم يهتد من أهل الايمان إلى سبيل النجاة لم يغن عنه إيمانه بالله مع دفعه حق أوليائه، وحبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين، وكذلك قال الله سبحانه " فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا " وهذا كثير في كتاب الله عز وجل، والهداية في الولاية كما قال الله عز وجل " ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون ".

والذين آمنوا في هذا الموضع هم المؤتمنون على الخلائق من الحجج والأوصياء في عصر بعد عصر، وليس كل من أقر أيضا من أهل القبلة بالشهادتين كان مؤمنا إن المنافقين كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله ويدفعون عهد رسول الله صلى الله عليه وآله بما عهد به من دين الله وعزائمه، وبراهين نبوته إلى وصيه و يضمرون من الكراهة لذلك والنقض لما أبرمه منه عند إمكان الامر لهم فيما قد بينه الله لنبيه بقوله " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " وبقوله " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " ومثل قوله:

" لتركبن طبقا عن طبق " أي لتسلكن سبيل من كان قبلكم من الأمم في الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء، وهذا كثير في كتاب الله عز وجل وقد شق على النبي صلى الله عليه وآله ما يؤول إليه عاقبة أمرهم واطلاع الله إياه على بوارهم، فأوحى الله عز وجل إليه " فلا تذهب نفسك عليه حسرات " " ولا تأس على القوم الكافرين ".

بيان: " وإن شملتهم صفة الايمان " أي ببعض معانيه، وهو الاسلام الظاهري وإن احتمل أن يكون المراد به الأعمال التي تقع من جهال الشيعة على خلاف جهة الحق، لكن الأول أظهر، قوله " وماتوا وهم كافرون " كأنه سقط هنا شئ إذ في سورة التوبة تتمة هذه الا هكذا " بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون " وفي ما بعده " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون " وفي موضع آخر:

" وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون " ويمكن أن يكون جمع عليه السلام بين مضامين الآيات مشيرا إليها جميعا فإنها كلها في وصف المنافقين

أو يكون قوله " وماتوا " من كلامه عليه السلام اقتباسا من الآية، أو يكون في قراءتهم عليهم السلام هكذا وقوله عليه السلام: " وحبط عمله " إشارة إلى قوله تعالى: " ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين " فكأنه عليه السلام استشهد بهذه الآية على عدم قبول أعمال المنافقين، لاثبات الكفر لهم في الآية السابقة ثم لما ذكر عليه السلام أولا أنه: ليس كل من وقع عليه اسم الايمان كان حقيقا بالنجاة، وقال: للايمان حالات ومنازل، أشار عليه السلام هنا إلى بعض شرايط الايمان، وبعض الحالات التي لا يقبل الايمان فيها، وهي حال رؤية البأس، فقال:

" وكذلك قال الله سبحانه ".

" وهذا كثير " أي شروط الايمان أو خصوص هذا الشرط، وهو عدم كونه عند رؤية البأس، وإنما ذكر ذلك لرفع استبعاد السائل اشتراط قبول الأعمال بالاهتداء ثم عاد إلى بيان الاهتداء وأن المراد به الولاية، وحاصل الجواب أنه لا تنافي بين الآيتين إذ في الآية الأولى شرط الايمان الأعمال الصالحة، والايمان مشروط بالولاية، وصلاح العمل لا يكون إلا بالأخذ عن الأئمة، فالاهتداء داخل في الأولى إجمالا وفي الثانية تفصيلا أيضا وللايمان درجات ومعان فيمكن أن يراد بالايمان في إحدى الآيتين غير ما هو المراد في الأخرى.

" ويدفعون عهد رسول الله " أي خلافة أمير المؤمنين ووصايته " انقلبتم على أعقابكم " كما ارتدوا بعد موته بترك وصيه، وبيعة العجل والسامري " فلا تهذب نفسك " أي لا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيهم وإصرارهم على التكذيب، و بعده " إن الله عليم بما يصنعون " أي فيجازيهم عليه.

وقوله: " ولا تأس " من آية أخرى في المائدة وهي " يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التورية والإنجيل وما انزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما انزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين ".

فإبدال الفاء بالواو إما من النساخ أو منه عليه السلام باسقاط الفاء لاسقاط صدر الآية، و الواو للعطف على الآية السابقة.

وروى العياشي في قوله: " وما انزل إليكم من ربكم " عن الباقر عليه السلام أنه قال هو ولاية أمير المؤمنين عليه السلام " فلا تأس " أي ولا تحزن ولا تتأسف عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم، فان ضرر ذلك يرجع إليهم لا يتخطاهم، وفي المؤمنين مندوحة لك عنهم.

24 - الخصال: عن محمد بن جعفر البندار، عن محمد بن محمد بن جمهور، عن صالح بن محمد البغدادي، عن العباس بن الوليد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن منصور بن سعد، عن ميمون بن سياه، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من استقبل قبلتنا وصلى صلواتنا، وأكل ذبيحتنا، فله مالنا وعليه ما علينا.

بيان: " سياه " بكسر السين المهملة وتخفيف الياء المثناة التحتانية ثم الألف والهاء مذكور في رجال العامة في رواة أنس، والخبر عامي ضعيف ويدل على اشتراك جميع فرق المسلمين في الاحكام الظاهرة، وحمل على ما إذا لم ينكر شيئا من ضروريات دين الاسلام، وبعد عندنا خلاف في بعض الأحكام.

25 - الخصال: عن الخليل بن أحمد السجزي، عن محمد بن إسحاق بن خزيمة عن علي بن حجر، عن شريك، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن خراش، عن

علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربعة حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله بعثني بالحق، وحتى يؤمن بالبعث بعد الموت، وحتى يؤمن بالقدر.

بيان: " بالقدر " أي بقضاء الله وقدره، ردا على التفويض البحت، أو بقدرة العبد واختياره نفيا للجبر، والأول أظهر، وقد مر تحقيقه في كتاب العدل.

26 - معاني الأخبار، الخصال: عن أبيه، عن سعد، عن ابن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن جعفر بن عثمان، عن أبي بصير قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فقال له رجل:

أصلحك الله إن بالكوفة قوما يقولون مقالة ينسبونها إليك، فقال: وما هي؟

قال: يقولون إن الايمان غير الاسلام، فقال أبو جعفر عليه السلام: نعم، فقال له الرجل: صفه لي، قال: من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأقر بما جاء به من عند الله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام شهر رمضان، وحج البيت فهو مسلم.

قلت: فالايمان؟ قال: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وأقر بما جاء من عند الله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام شهر رمضان، و حج البيت، ولم يلق الله بذنب أو عد عليه النار. فهو مؤمن، قال أبو بصير: جعلت فداك وأينا لم يلق الله بذنب أوعد عليه النار؟ فقال: ليس هو حيث تذهب، إنما هو لم يلق الله بذنب أوعد عليه النار ولم يتب منه.

27 - الخصال: في خبر الأعمش عن الصادق عليه السلام قال: الاسلام غير الايمان، و كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو ومؤمن، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، وأصحاب الحدود مسلمون، ولا مؤمنون ولا كافرون، فان الله تبارك وتعالى لا يدخل النار مؤمنا وقد وعده الجنة ولا يخرج من النار كافرا وقد أوعده النار، والخلود فيها، ويغفر ما دون ذلك

لمن يشاء فأصحاب الحدود فساق، لا مؤمنون ولا كافرون، ولا يخلدون في النار، و يخرجون منها يوما ما، والشفاعة جائزة لهم، وللمستضعفين إذا ارتضى الله عز وجل دينهم.

27 - عيون أخبار الرضا (ع): فيما بين الرضا عليه السلام من شرايع الدين مثله إلى قوله: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ثم قال: ومذنبو أهل التوحيد يدخلون في النار، ويخرجون منها، والشفاعة جائزة لهم.

بيان: كأن المراد بالمستضعفين في رواية الأعمش المستضعفون من الشيعة، و يحتمل أن يكون إذا ارتضى راجعا إلى الأول.

28 - أمالي الطوسي: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن سعدان بن مسلم، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام ما الايمان؟ فجمع لي الجواب في كلمتين فقال: الايمان بالله وأن لا تعصي الله، قلت:

فما الاسلام؟ فجمعه في كلمتين فقال: من شهد شهادتنا، ونسك نسكنا، وذبح ذبيحتنا.

بيان: الايمان بالله مستلزم للايمان بجميع ما جاء من عنده سبحانه من النبوة والإمامة والمعاد وغيرها، و " أن لا يعصي الله " شامل للطاعات والمعاصي جميعهما بل يكن إدخال بعض العقائد فيه أيضا " ونسك نسكنا " أي عبد كعبادتنا من الصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها والنسك يطلق على الذبح أيضا لكن التأسيس أولى قال الراغب: النسك العبادة، والناسك العابد، واختص بأعمال الحج والنسيكة مختصة بالذبيحة.

29 - معاني الأخبار: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران قال: سألته عليه السلام عن الايمان والاسلام فقلت له: أفرق بين الايمان

والاسلام؟ فقال: أو أضرب لك مثلا؟ قال: قلت: أو ذاك، قال: مثل الايمان من الاسلام مثل الكعبة الحرام من الحرم، قد يكون الرجل في الحرم ولا يكون في الكعبة ولا يكون في الكعبة حتى يكون في الحرم، فقد يكون مسلما ولا يكون مؤمنا، ولا يكون مؤمنا حتى يكون مسلما، قال: فقلت: فيخرجه من الايمان شئ؟ قال:

نعم، قلت: فيصيره إلى ما ذا، قال: إلى الاسلام أو الكفر، وقال: لو أن رجلا دخل الكعبة فأفلت منه بوله اخرج من الكعبة ولم يخرج من الحرم، ولو خرج من الحرم فغسل ثوبه وتطهر ثم لم يمنع أن يدخل الكعبة، ولو أن رجلا دخل الكعبة فبال فيها معاندا اخرج من الكعبة ومن الحرم فضربت عنقه .

بيان: " أو ذاك " كأن المعنى " لا تقول أو تقول " رعاية للأدب لئلا يتحتم عليه، أو بمعنى بل إضرابا عن التردد الذي يظهر منه عليه السلام أو من عدم إرادة السائل ذلك كما يتوهم من سؤاله عليه السلام ذلك، أو يكون الهمزة للاستفهام والواو للعطف أو زائدة أي أو يكون لذلك مثل؟ أو يكون بتشديد الواو أمرا من الايواء وهو أبعد من الجميع وفي الكافي " أورد ذلك " فلا تكلف وفي بعض نسخ المعاني " أد ذلك " من الأداء، ولا يخلو من وجه.

" فيخرجه من الايمان شئ " ما يخرجه من الايمان فقط إما المعاصي وترك الطاعات، بناء على دخول الأعمال في الايمان أو إنكار الإمامة ولوازمها، وما يخرجه عن الايمان والاسلام معا الارتداد، وما ينافي دين الاسلام قولا أو فعلا فالترديد في قوله عليه السلام " إلى الاسلام أو الكفر " لذلك، وفي القاموس: كان الامر فلتة أي فجاءة من غير تردد وتدبر، وأفلتني الشئ وتفلت مني وانفلت وأفلته غيره وافتلت على بناء المفعول مات فجاءة وبأمر كذا فوجئ به قبل أن يستعد له، و في المصباح أفلت الطائر وغيره إفلاتا تخلص وأفلته إذا أطلقته وخلصته، يستعمل لازما ومتعديا انتهى وقوله " ولو خرج من الحرم " ليس في الكافي ولعله زيد من النساخ إلا أن يكون المراد بالحرم المسجد الحرام.

30 - تفسير علي بن إبراهيم: " الذين يؤمنون بالغيب " قال: يصدقون بالبعث والنشور والوعد والوعيد، والايمان في كتاب الله على أربعة أوجه: فمنه إقرار باللسان قد سماه الله إيمانا، ومنه تصديق بالقلب، ومنه الأداء، ومنه التأييد.

فأما الايمان الذي هو إقرار باللسان وقد سماه الله تبارك وتعالى إيمانا و نادى أهله به فقوله " يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وإن منكم لمن ليبطئن فان أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا، ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم يكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما " فقال الصادق عليه السلام: لو أن هذه الكلمة قالها أهل الشرق وأهل الغرب لكانوا بها خارجين من الايمان، ولكن قد سماهم الله مؤمنين باقرارهم، وقوله " يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله " فقد سماهم مؤمنين باقرار اللسان ثم قال لهم صدقوا.

وأما الايمان الذي هو التصديق فقوله " الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة " يعني صدقوا وقوله " وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله " أي لا نصدقك، وقوله " يا أيها الذين آمنوا آمنوا " أي يا أيها الذين أقروا صدقوا، فالايمان الخفي هو التصديق وللتصديق شروط لا يتم التصديق إلا بها وقوله " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون " فمن أقام هذه الشروط فهو مؤمن مصدق.

وأما الايمان الذي هو الأداء فهو قوله لما حول الله قبلة رسوله إلى الكعبة قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول الله فصلاتنا إلى بيت المقدس بطلت؟ فأنزل الله تبارك وتعالى " وما كان الله ليضيع إيمانكم " فسمى الصلاة إيمانا.

والوجه الرابع من الايمان هو التأييد الذي جعله الله في قلوب المؤمنين من روح الايمان فقال: " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه " والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله " لا يزني الزاني وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن، يفارقه روح الايمان ما دام على بطنها فإذا قام عاد إليه، قيل: وما الذي يفارقه؟ قال الذي يدعه في قلبه، ثم قال عليه السلام: ما من قلب إلا وله أذنان على أحدهما ملك مرشد، وعلى الاخر شيطان مفتن، هذا يأمره وهذا يزجره.

ومن الايمان ما قد ذكره الله في القرآن خبيث وطيب فقال: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب " ومنهم من يكون مؤمنا مصدقا ولكنه يلبس إيمانه بظلم، وهو قوله " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون " فمن كان مؤمنا ثم دخل في المعاصي التي نهى الله عنها فقد لبس إيمانه بظلم، فلا ينفعه الايمان حتى يتوب إلى الله من الظلم الذي لبس إيمانه حتى يخلص الله إيمانه، فهذه وجوه الايمان في كتاب الله.

بيان: قوله عليه السلام: " لو أن هذه الكلمة " استدل عليه السلام باطلاق الايمان على الاقرار باللسان بهذه الآية لأنه تعالى خاطبهم بيا أيها الذين آمنوا ثم قال: " وإن منكم " الخ فالظاهر أن هؤلاء كانوا بين المخاطبين، وما نسب إليهم يدل على أشد

النفاق فظهر أن المؤمن قد يطلق على المنافق بأحد معانيه، قال الطبرسي رحمه الله في قوله " وإن منكم لمن ليبطئن " قيل إنها نزلت في المؤمنين لأنه سبحانه خاطبهم بقوله " وإن منكم " وقد فرق بين المؤمنين والمنافقين بقوله " ما هم منكم ".

وقال أكثر المفسرين: نزلت في المنافقين وإنما جمع بينهم بالخطاب من جهة الجنس والنسب، لا من جهة الايمان، وهو اختيار الجبائي انتهى وما في الخبر أظهر وقد مر أن الأظهر أن الخطاب في قوله " يا أيها الذين آمنوا آمنوا " للمنافقين، وهو مختار أكثر المفسرين.

قوله " فمن أقام هذه الشروط " الخ لأنه تعالى قال: " أولئك الذين صدقوا " أي في دعوى الايمان واتباع الحق، فقد حصر الصدق في الايمان لهم، والمراد بالأداء أداء ما افترض الله على عباده في الايمان، قوله عليه السلام " من روح الايمان " " من " للبيان أو للتعليل، قوله " خبيث وطيب " أي وصفهم أولا بالايمان ثم أطلق على بعضهم الخبيث، وعلى بعضهم الطيب " مفتن " أي مضل.

31 - تحف العقول: دخل على الصادق عليه السلام رجل فقال له: ممن الرجل؟ فقال:

من محبيكم ومواليكم، فقال له جعفر: لا يحب الله عبدا حتى يتولاه، ولا يتولاه حتى يوجب له الجنة، ثم قال له: من أي محبينا أنت؟ فسكت الرجل؟ فقال له سدير: وكم محبوكم يا ابن رسول الله؟ فقال: على ثلاث طبقات: طبقة أحبونا في العلانية، ولم يحبونا في السر، وطبقة يحبوننا في السر ولم يحبونا في العلانية وطبقة يحبوننا في السر والعلانية، هم النمط الاعلى، شربوا من العذب الفرات وعلموا تأويل الكتاب، وفصل الخطاب، وسبب الأسباب، فهم النمط الاعلى الفقر والفاقة وأنواع البلاء أسرع إليهم من ركض الخيل، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا وفتنوا، فمن بين مجروح ومذبوح، متفرقين في كل بلاد قاصية بهم يشفى الله السقيم ويغني العديم، وبهم تنصرون، وبهم تمطرون، وبهم ترزقون، وهم الأقلون عددا الأعظمون عند الله قدرا وخطرا والطبقة الثانية النمط الأسفل أحبونا في العلانية، وساروا بسيرة الملوك، فألسنتهم معنا وسيوفهم علينا.

والطبقة الثالثة النمط الأوسط أحبونا في السر ولم يحبونا في العلانية و لعمري لئن كانوا أحبونا في السر دون العلانية فهم الصوامون بالنهار، القوامون باليل، ترى أثر الرهبانية في وجوههم، أهل سلم وانقياد.

قال الرجل: فأنا من محبيكم في السر والعلانية، قال جعفر عليه السلام: إن لمحبينا في السر والعلانية علامات يعرفون بها، قال الرجل: وما تلك العلامات؟

قال: تلك خلال أولها أنهم عرفوا التوحيد حق معرفته، وأحكموا علم توحيده والايمان بعد ذلك بما هو؟ وما صفته؟ ثم علموا حدود الايمان وحقائقه، وشروطه وتأويله.

قال سدير: يا ابن رسول الله ما سمعتك تصف الايمان بهذه الصفة؟ قال: نعم يا سدير، ليس للسائل أن يسأل عن الايمان ما هو؟ حتى يعلم الايمان بمن؟ قال سدير، يا ابن رسول الله إن رأيت أن تفسر ما قلت، قال الصادق عليه السلام: من زعم أنه يعرف الله بتوهم القلوب فهو مشرك، ومن زعم أنه يعرف الله بالاسم دون المعنى فقد أقر بالطعن، لان الاسم محدث، ومن زعم أنه يعبد الاسم والمعنى فقد جعل مع الله شريكا، ومن زعم أنه يعبد المعنى بالصفة لا بالادراك فقد أحال على غائب ومن زعم أنه يعبد الصفة والموصوف فقد أبطل التوحيد، لان الصفة غير الموصوف ومن زعم أنه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغر الكبير و " ما قدروا الله حق قدره " قيل: له: فكيف سبيل التوحيد؟ قال: باب البحث ممكن، وطلب المخرج موجود، إن معرفة عين الشاهد قبل صفته ومعرفة صفة الغايب قبل عينه، قيل: و كيف تعرف عين الشاهد قبل صفته؟ قال: تعرفه وتعلم علمه، وتعرف نفسك به ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك، وتعلم أن ما فيه له وبه كما قالوا ليوسف " إنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي " فعرفوه به ولم يعرفوه بغيره، ولا أثبتوه من أنفسهم بتوهم القلوب أما ترى الله يقول " ما كان لكم أن تنبتوا شجرها "

يقول: ليس لكم أن تنصبوا إماما من قبل أنفسكم تسمونه محقا بهوى أنفسكم وإرادتكم.

ثم قال الصادق عليه السلام: ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من أنبت شجرة لم ينبته الله يعني من نصب إماما لم ينصبه الله، أو جحد من نصبه الله، ومن زعم أن لهذين سهما في الاسلام وقد قال الله " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ".

صفة الايمان: قال عليه السلام: معنى الايمان الاقرار والخضوع لله بذلك الاقرار والتقرب إليه به، والأداء له بعلم كل مفروض من صغير أو كبير، من حد التوحيد فما دونه إلى آخر باب من أبواب الطاعة أولا فأولا، مقرون ذلك كله بعضه إلى بعض، موصول بعضه ببعض، فإذا أدى العبد ما فرض عليه مما وصل إليه على صفة ما وصفناه، فهو مؤمن مستحق لصفة الايمان، مستوجب للثواب، وذلك أن معنى جملة الايمان الاقرار، ومعنى الاقرار التصديق بالطاعة، فلذلك ثبت أن الطاعة كلها صغيرها وكبيرها مقرونة بعضها إلى بعض، فلا يخرج المؤمن من صفة الايمان إلا بترك ما استحق أن يكون به مؤمنا، وإنما استوجب واستحق اسم الايمان ومعناه بأداء كبار الفرائض موصولة، وترك كبار المعاصي واجتنابها، وإن ترك صغار الطاعة وارتكب صغار المعاصي، فليس بخارج من الايمان ولا تارك له ما لم يترك شيئا من كبار الطاعة، ولم يرتكب شيئا من كبار المعاصي، فما لم يفعل ذلك فهو مؤمن لقول الله " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما " يعني المغفرة ما دون الكبائر، فان هو ارتكب كبيرة من كبائر المعاصي كان مأخوذا بجميع المعاصي صغارها وكبارها معاقبا عليها معذبا بها، فهذه صفة الايمان، وصفة المؤمن المستوجب للثواب.

صفة الاسلام: وأما معنى الاسلام فهو الاقرار بجميع الطاعة الظاهر الحكم

والأداء له، فإذا أقر المقر بجميع الطاعة في الظاهر، من غير العقد عليه بالقلوب فقد استحق اسم الاسلام ومعناه، واستوجب الولاية الظاهرة، وإجازة شهادته والمواريث، وصار له ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، فهذه صفة الاسلام.

وفرق ما بين المسلم والمؤمن أن المسلم إنما يكون مؤمنا بأن يكون مطيعا في الباطن مع ما هو عليه في الظاهر، فإذا فعل ذلك بالظاهر كان مسلما، وإذا فعل ذلك بالظاهر والباطن بخضوع وتقرب بعلم كان مؤمنا، فقد يكون العبد مسلما ولا يكون مؤمنا ولا يكون مؤمنا إلا وهو مسلم.

صفة الخروج من الايمان: وقد يخرج من الايمان بخمس جهات من الفعل كلها متشابهات معروفات: الكفر، والشرك، والضلال، والفسق، وركوب الكبائر، فمعنى الكفر كل معصية عصي الله بها بجهة الجحد والانكار والاستخفاف والتهاون في كل ما دق وجل، وفاعله كافر، ومعناه معنى كفر، من أي مله كان ومن أي فرقة كان، بعد أن تكون منه معصية بهذه الصفات، فهو كافر.

ومعنى الشرك كل معصية عصي الله بها بالتدين، فهو مشرك صغيرة كانت المعصية أو كبيرة ففاعلها مشرك.

ومعنى الضلال الجهل بالمفروض وهو أن يترك كبيرة من كبائر الطاعة التي لا يستحق العبد الايمان إلا بها، بعد ورود البيان فيها، والاحتجاج بها، فيكون التارك لها تاركا بغير جهة الانكار، والتدين بانكارها وجحودها، ولكن يكون تاركا على جهة التواني والاغفال والاشتغال بغيرها فهو ضال متنكب طريق الايمان، جاهل به خارج منه مستوجب لاسم الضلالة ومعناها، ما دام بصفته التي وصفناه بها.

فإن كان هو الذي مال بهواه إلى وجه من وجوه المعصية بجهة الجحود والاستخفاف والتهاون كفر، وإن هو مال بهواه إلى التدين بجهة التأويل والتقليد والتسليم والرضا بقول الاباء والاسلاف فقد أشرك وقل ما يلبث الانسان على ضلالة حتى يميل بهواه إلى بعض ما وصفناه من صفته.

ومعنى الفسق فكل معصية من المعاصي الكبار فعلها فاعل، أو دخل فيها داخل

بجهة اللذة والشهوة والشوق الغالب، فهو فسق، وفاعله فاسق خارج من الايمان بجهة الفسق، فان دام في ذلك حتى يدخل في حد التهاون والاستخفاف، فقد وجب أن يكون بتهاونه واستخفافه كافرا.

ومعنى راكب الكبائر التي بها يكون فساد إيمانه، فهو أن يكون منهمكا على كبائر المعاصي بغير الجحود ولا التدين ولا لذة ولا شهوة، ولكن من جهة الحمية والغضب يكثر القرف والسب والقتل وأخذ الأموال وحبس الحقوق وغير ذلك من المعاصي الكبائر التي يأتيها صاحبها بغير جهة اللذة، ومن ذلك الايمان الكاذبة وأخذ الربا وغير ذلك التي يأتيها من أتاها بغير استلذاذ: الخمر والزنا واللهو ففاعل هذه الأفعال كلها مفسد للايمان خارج منه من جهة ركوبه الكبيرة على هذه الجهة، غير مشرك، ولا كافر، ولا ضال جاهل على ما وصفناه من جهة الجهالة، فان هو مال بهواه إلى أنواع ما وصفناه من حد الفاعلين، كان من صفاته.

بيان: " حتى يتولاه " أي يتولى الله ويطيعه أو يتولاه الله، وفي القاموس النمط محركة ضرب من البسط، والطريقة، والنوع من الشئ، وجماعة أمرهم واحد، قوله عليه السلام " من العذب الفرات " أي من العلم الصافي من الشك والشبهة والمراد بالعديم عادم المال، أي الفقير " بما هو وما صفته؟ " أي التوحيد " بتوهم القلوب " أي بعقله فقط بدون معلم ينتهي علمه إلى الوحي والالهام، أو بما تتوهمه الأوهام من الجسم والصورة والمكان وأشباه ذلك " فقد أقر بالطعن " أي في الله وفي ربوبيته لأنه جعله حادثا، قوله عليه السلام " بالصفة لا بالادراك " كأنه إشارة إلى نفي ما يقوله القائلون بالاشتراك اللفظي أي بأن يصفه بشئ لا يدرك معناه " فقد أحال على غائب " أي على شئ غاب عن ذهنه ولم يدركه بوجه " أنه يعبد الصفة والموصوف " أي ذاتا موصوفة بصفات زائدة موجودة بأن يعبدهما معا " ومن زعم أنه يضيف الموصوف " هو أن يقول بالصفات الزائدة لكن لم يعبد الصفات مع الذات، بل الذات الموصوفة بها، فهو وإن لم يشرك بالعبادة لكن " صغر الكبير " حيث جعل

ذاته سبحانه محتاجة في كمالها إلى غيرها، وهي الصفات وكل محتاج ممكن.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.