بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
باب آخر في أن السلامة والغنا في الدين، وما أخذ
ج ۶۵، ص ۲۱۱–۲۲۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
تبيان: " فوقاه الله " الضمير راجع إلى المؤمن آل فرعون، حيث توكل على الله، وفوض أمره إليه، حين أراد فرعون قتله، بعد أن أظهر إيمانه بموسى ووعظهم ودعاهم إلى الايمان فقال: " وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد * فوقاه الله سيئات ما مكروا " أي صرف الله عنه شدائد مكرهم، قال بعض المفسرين:
إنه جاء مع موسى حتى عبر البحر معه، وقيل إنهم هموا بقتله فهرب إلى جبل فبعث فرعون رجلين في طلبه فوجداه قائما يصلي وحوله الوحوش صفوفا فخافا فرجعا هاربين، والخبر يرد هذين القولين كما يرد قول من قال إن الضمير راجع إلى موسى عليه السلام، ويدل على أنهم قتلوه " لقد بسطوا عليه " أي أيديهم في القاموس بسط يده مدها، والملائكة باسطوا أيديهم أي مسلطون عليهم، كما يقال بسطت يده عليه أي سلط عليه، وفي بعض النسخ " سطوا عليه " في القاموس سطا عليه وبه سطوا وسطوة صال أو قهر بالبطش انتهى.
و " ما " في قوله " ما وقاه " موصولة أو استفهامية وفي القاموس الفتنة بالكسر الضلال والاثم والكفر والفضيحة، والاضلال وفتنه يفتنه أوقعه في الفتنة كفتنه وأفتنه فهو مفتن ومفتون لازم متعد كافتتن فيهما.
2 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن أبي جميلة قال:
قال أبو عبد الله عليه السلام: كان في وصية أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه: اعلموا أن القرآن هدى الليل والنهار، ونور الليل المظلم، على ما كان من جهد وفاقة، فإذا حضرت بلية فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم، وإذا نزلت نازلة فاجعلوا أنفسكم دون دينكم فاعلموا أن الهالك من هلك دينه، والحريب من حرب دينه، ألا وإنه لا فقر بعد الجنة، ألا وإنه لا غنى بعد النار، لا يفك أسيرها ولا يبرأ ضريرها.
تبيين: " هدى الليل والنهار " إضافة للمصدر إلى ظرف الزمان، وقيل:
يحتمل أن يكون الليل والنهار كناية عن الباطل والحق كما قال تعالى: " وهديناه النجدين " " ونور الليل المظلم " الظاهر أن الليل المظلم كناية عن زمان الشدة
والبلاء، فقوله " على ما كان " متعلق بالمظلم، أي كونه مظلما بناء " على ما كان من جهد " أي مشقة وفاقة فالمعنى أن القرآن في أحوال الشدة والفاقة منور للقلب، و مذهب للهم لما فيه من المواعظ والنصائح، ولأنه يورث الزهد في الدنيا فلا يبالي بما وقع فيها، ويحتمل أن يكون المعنى أنه نور في ظلم الجهالة والضلالة، وعلى أي حال كان من أحوال الدنيا، من مشقة وفقر وغير ذلك، أي ينبغي أن يرضى بالشدة والفاقة مع نور الحق والهداية، و " من " في قوله " من جهد " للبيان أو التبعيض والتفريع في قوله " فإذا حضرت " بهذا ألصق وقال ابن ميثم: أراد بالفاقة الحاجة إلى ما ينبغي من الهداية والكمال النفساني ولا يخفى ما فيه.
والمراد بالبلية ما يمكن دفعه بالمال، وبالنازلة ما لا يمكن دفعه إلا ببذل النفس أو ببذل الدين، أو البلية في أمور الدنيا، والنازلة في أمور الآخرة، والمراد بها مالا تقية فيه، وإلا فالتقية واجبة " من هلك دينه " إما بذهابه بالمرة أو بنقصه بترك الفرائض وارتكاب الكبائر، أو الأعم وفي المصباح حرب حربا من باب تعب اخذ جميع ما له فهو حريب، وحرب على البناء للمفعول فهو محروب، وفي القاموس حربه حربا كطلبه طلبا أسلب ماله فهو محروب وحريب، والجمع حربي وحرباء، وحريبته ماله الذي سلب أو ماله الذي يعيش به " لا فقر بعد الجنة " أي بعد فعل ما يوجبها، وكذا قوله " بعد النار " أي بعد فعل ما يوجبها.
ثم بين عليه السلام عدم الغناء مع استحقاق النار ببيان شدة عذابها، من حيث إن أسيرها والمقيد فيها بالسلاسل والأغلال لا يفك أبدا " ولا يبرأ ضريرها " أي من عمي عينه فيها أو من ابتلي فيها بالضر، أو المراد عدم فك أسيرها في الدنيا من قيد الشهوات وعدم برء من عمي قلبه في الدنيا بالكفر، والأول أظهر، وفي القاموس الضرير الذاهب البصر، والمريض المهزول، وكل ما خالطه ضر.
3 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن حماد، عن ربعي، عن الفضيل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سلامة الدين وصحة البدن خير من المال، والمال زينة من
زينة الدنيا حسنة.
الكافي: عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد، عن ربعي عن الفضيل، عن أبي جعفر عليه السلام مثله.
بيان: " سلامة الدين " أي مما فيه شائبة الشرك من العقائد الباطلة والأعمال القبيحة " وصحة البدن " من الأمراض البدنية " خير " من زوائد المال أما خيرية الأولى فظاهرة، وأما الثانية فلانه ينتفع بالصحة مع عدم المال ولا ينتفع بالمال مع فقد الصحة، والمال أي المال الصالح والحلال زينة حسنة لكن بشرط أن لا يضر بالدين.
4 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن ابن فضال، عن يونس بن يعقوب، عن بعض أصحابه قال: كان رجل يدخل على أبي عبد الله عليه السلام من أصحابه به فصبر زمانا لا يحج فدخل عليه بعض معارفه فقال له: فلان ما فعل؟ قال: فجعل يضجع الكلام فظن [أنه] إنما يعني الميسرة والدنيا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: كيف دينه؟ فقال:
كما تحب، فقال: هو والله الغنى.
المحاسن: عن ابن فضال مثله إلا أن فيه فصبر حينا، إلى قوله: بعض معارفه ممن كان يدخل عليه معه، إلى قوله: يظن أنه إنما عنى، إلى قوله: كيف حاله في دينه.
بيان: فصبر زمانا في بعض النسخ " فغبر زمان " أي مضى، وفي بعضها فغبر زمانا أي مكث، في القاموس غبر غبورا مكث وذهب ضد " فلان ما فعل " أي كيف حاله؟ ولم تأخر عن الحج؟ " قال " أي بعض الأصحاب الراوي " فجعل " أي شرع بعض المعارف " يضجع الكلام " أي يخفضه أو يقصر ولا يصرح بالمقصود، ويشير إلى سوء حاله لئلا يغتم الإمام عليه السلام بذلك، كما هو الشائع في مثل هذا المقام، قال في القاموس: أضجعت الشئ أخفضته، وضجع في الامر تضجيعا قصر " فظن " في
بعض النسخ يظن، وهو أظهر " إنما يعني " أنما بفتح الهمزة وما موصولة وهي اسم أن كقوله تعالى: " واعلموا أنما غنمتم من شئ " أو ما كافة مثل قوله:
أنما إلهكم إله واحد " وعند الزمخشري أنه يفيد الحصر كالمكسور، فعلى الأول مفعول يعني وهو عائد ما، محذوف، وتقديره أن ما يعنيه، والميسرة خبر أن وعلى الثاني الميسرة مفعول يعني، وعلى التقديرين المستتر في يعني راجع إلى الإمام عليه السلام " كما تحب " أي على أحسن الأحوال، " فقال هو الله الغنى " أقول تعريف الخبر باللام المفيد للحصر وتأكيده بالقسم للتنبيه على أن الغنا الحقيقي ليس إلا الغنا الأخروي، الحاصل بسلامة الدين، كما روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: الفقر الموت الأحمر، فقيل له: الفقر من الدينار والدرهم؟ فقال: لا ولكن من الدين.
5 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: أخذ الله ميثاق المؤمن على أن لا تصدق مقالته، ولا ينتصف من عدوه، وما من مؤمن يشفي نفسه إلا بفضيحتها لان كل مؤمن ملجم.
بيان: " على أن لا تصدق " أي على الصبر على أن لا تصدق مقالته في دولة الباطل، أو أهل الباطل مطلقا، والانتصاف الانتقام، وفي القاموس: انتصف منه استوفى حقه منه كاملا حتى صار كل على النصف سواء، كاستنصف منه " يشفي نفسه " يقال: شفاه يشفيه من باب ضرب فاشتفى هو، وهو من الشفاء بمعنى البرء من الأمراض ويستعمل في شفاء القلب من الأمراض النفسانية والمكاره القلبية كما يستعمل في
شفاء الجسم من الأمراض البدنية وكون شفاء نفسه من غيظ العدو موجبا لفضيحتها ظاهر، لان الانتقام من العدو مع عدم القدرة عليه يوجب الفضيحة والمذلة، و مزيد الإهانة، والضمير في " بفضيحتها " راجع إلى النفس " لان كل مؤمن ملجم " قيل يعني إذا أراد المؤمن أن يشفي غيظه بالانتقام من عدوه افتضح وذلك لأنه ليس بمطلق العنان خليع العذار يقول ما يشاء ويفعل ما يريد، إذ هو مأمور بالتقية والكتمان، والخوف من العصيان، والخشية من الرحمان، ولان زمام أمره بيد الله سبحانه لأنه فوض أمره إليه، فيفعل به ما يشاء مما فيه مصلحته وقيل أي ممنوع من الكلام الذي يصير سببا لحصول مطالبه الدنيوية في دولة الباطل.
وأقول: يحتمل أن يكون المعنى أنه ألجمه الله في الدنيا، فلا يقدر على الانتقام في دول اللئام أو ينبغي أن يلجم نفسه ويمنعها عن الكلام، أي الفعل الذي يخالف التقية كما مر، وقال في النهاية: فيه من سئل عما يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة: الممسك عن الكلام ممثل بمن ألجم نفسه بلجام، ومنه الحديث يبلغ العرق منهم ما يلجمهم، أي يصل إلى أفواههم، فيصير لهم بمنزلة اللجام يمنعهم عن الكلام.
6 - الكافي: عن العدة، عن سهل بن زياد; ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعا عن ابن محبوب، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله أخذ ميثاق المؤمن على بلايا أربع أشدها عليه مؤمن يقول بقوله يحسده، أو منافق يقفو أثره، أو شيطان يغويه، أو كافر يرى جهاده فما بقاء المؤمن بعد هذا.
بيان: " على بلايا أربع " قيل أي إحدى بلايا للعطف بأو، وللحديث الرابع وأربع مجرور صفة للبلايا " وأشدها " خبر متبدأ محذوف أي هي أشدها، والضمير المحذوف راجع إلى " إحدى " والضمير المجرور راجع إلى البلايا، و " مؤمن " مرفوع وهو بدل أشدها، وإبدال النكرة من المعرفة جائز إذا كانت النكرة موصوفة نحو قوله تعالى: " بالناصية ناصية كاذبة " و " أو منافق " عطف على أشدها، وفي بعض النسخ " أيسرها " وقال بعضهم: أيسرها صفة لبلايا أربع، وفيه إشعار بأن للمؤمن بلايا اخر أشد منها، قال: وفي بعض النسخ أشدها بدل أيسرها فيفيد أن هذه الأربع أشد بلاياه، وقوله: " مؤمن " خبر مبتدأ محذوف أي هو مؤمن، وقيل إن أيسرها مبتدأ ومؤمن خبره وإن أشدها أولى من أيسرها، لئلا ينافي قوله عليه السلام، فيما بعد: " ومؤمن يحسده وهو أشدهن عليه " و " مؤمنا يحسده وهو أشدهم عليه " وفيه أن أيسرها أو أشدها صفة لما تقدم فلا يتم ما ذكر وكون هذه الأربع أيسر من غيرها لا ينافي أن يكون بعضها أشد من بعض، ولو جعل مبتدأ كما زعم لزم أن لا يكون المؤمن الحاسد أشد من المنافق، وما بعده وهو مناف لما سيأتي.
وأقول: يمكن أن يكون أو للجمع المطلق بمعنى الواو، فال نحتاج إلى تقدير إحدى، ويكون أشدها مبتدءا ومؤمن خبره، وعبر عن الأول بهذه العبارة لبيان الأشدية، ثم عطف عليه ما بعده كأنه عطف على المعنى ولكل من الوجوه السابقة وجه، وكون مؤمن بدل أشدها أوجه.
" يقول بقوله " أي يعتقد مذهبه، ويدعي التشيع، لكنه ليس بمؤمن كامل
بل يغلبه الحسد " أو منافق يقفو أثره " أي يتبعه ظاهرا وإن كان منافقا أو يتتبع عيوبه فيذكرها للناس، وهو أظهر " أو شيطان " أي شيطان الجن أو الأعم منه ومن شيطان الانس " يغويه " أي يريد إغواءه وإضلاله عن سبيل الحق بالوساوس الباطلة كما قال تعالى حاكيا عن الشيطان: " لأقعدن لهم صراطك المستقيم " الآية وقال سبحانه: " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا " وقال: " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون "، وربما يقرأ يغويه على بناء التفعيل، أي ينسبه إلى الغواية وهو بعيد " أو كافر يرى جهاده " أي لازما فيضره بكل وجه يمكنه " فما بقاء المؤمن بعد هذا " استفهام إنكار أي كيف يبقى المؤمن على إيمانه بعد الذي ذكرنا، ولذا قل عدد المؤمنين، أو لا يبقى في الدنيا بعد هذه البلايا والهموم والغموم، أو لا يبقى جنس المؤمن في الدنيا إلا قليل منهم.
7 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن ابن عيسى، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: ما أفلت المؤمن من واحدة من ثلاث ولربما اجتمعت الثلاثة عليه: إما بعض من يكون معه في الدار يغلق عليه بابه يؤذيه، أو جاره يؤذيه، أو من في طريقه إلى حوائجه يؤذيه، ولو أن مؤمنا على قلة جبل لبعث الله عز وجل إليه شيطانا يؤذيه، ويجعل الله له من إيمانه انسا لا يستوحش معه إلى أحد.
بيان: " ما أفلت المؤمن " أي ما تخلص، في المصباح أفلت الطائر وغيره إفلاتا تخلص وأفلته إذا أطلقته وخلصته، يستعمل لازما ومتعديا، والظاهر أن " بعض " مبتدأ و " يؤذيه " خبره، ويحتمل أن يكون بعض خبر مبتدأ محذوف ويؤذيه صفة أو حالا و " يغلق " على بناء المجهول أو المعلوم والأول أظهر فبابه نائب الفاعل، و ضمير عليه راجع إلى ما يرجع إلى المستتر في يكون وجملة يغلق حال، عن ضمير
يكون أي داخل في داره يكون معه، فيها، والمراد بالشيطان إما شيطان الجن لان معارضته للمؤمن أكثر أو شيطان الانس، وذكروا لتسليط الشياطين والكفرة على المؤمنين وجوها من الحكمة: الأول أنه لكفارة ذنوبه، الثاني أنه لاختباره صبره وإدراجه في الصابرين، الثالث أنه لتزهيده في الدنيا لئلا يفتتن بها ويطمئن إليها فيشق عليه الخروج منها، الرابع توسله إلى جناب الحق سبحانه في الضراء، و سلوكه مسلك الدعاء، لدفع ما يصيبه من البلاء، فترتفع بذلك درجته، الخامس وحشته عن المخلوقين وانسه برب العالمين، السادس إكرامه برفع الدرجة التي لا يبلغها الانسان بكسبه، لأنه ممنوع من إيلام نفسه شرعا وطبعا، فإذا سلط عليه في ذلك غيره أدرك ما لا يصل إليه بفعله كدرجة الشهادة مثلا، السابع تشديد عقوبة العدو في الآخرة، فإنه يوجب سرور المؤمنين به.
والغرض من هذا الحديث وأمثاله حث المؤمن على الاستعداد لتحمل النوائب والمصائب وأنواع البلاء بالصبر والشكر، والرضا بالقضاء.
8 - الكافي: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، عن داود بن سرحان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أربع لا يخلو منهن المؤمن أو واحدة منهن مؤمن يحسده، وهو أشد هن عليه، ومنافق يقفو أثره، أو عدو يجاهده، أو شيطان يغويه.
بيان: " أربع " أي أربع خصال " أو واحدة " أي أو من واحدة " مؤمن يحسده " أي حسد مؤمن " وهو أشد هن عليه " لان صدور الشر من القريب المجانس أشد وأعظم من صدوره من البعيد المخالف، لتوقع الخير من الأول دون الثاني " أو عدو " أي مجاهر بالعداوة يجاهده بلسانه ويده.
9 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن محمد بن عجلان قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام: فشكا إليه رجل الحاجة، فقال: اصبر فان الله سيجعل لك فرجا، قال: ثم سكت ساعة، ثم أقبل على الرجل فقال: أخبرني
عن سجن الكوفة كيف هو؟ فقال: أصلحك الله ضيق منتن وأهله بأسوء حال، قال:
فإنما أنت في السجن فتريد أن تكون فيه في سعة؟ أما علمت أن الدنيا سجن المؤمن.
التمحيص: عن ابن عجلان مثله إلا أن فيه فقال: أصلحك الله فيه أصحابه بأسوء حال.
بيان: " فان الله سيجعل لك فرجا " أي بتهيئة أسباب الرزق كما قال سبحانه:
" سيجعل الله بعد عسر يسرا "، وقال: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " أو بالموت فان للمؤمن بعده السرور والراحة والحبور كما يومئ إليه ما بعده " الدنيا سجن المؤمن " هذا الحديث مع تتمة " وجنة الكافر " منقول من طرق الخاصة والعامة قال الراوندي ره في ضوء الشهاب بعد نقل هذه الرواية:
شبه رسول الله صلى الله عليه وآله المؤمن بالمسجون، من حيث هو ملجم بالأوامر والنواهي مضيق عليه في الدنيا، مقبوض على يده فيها، مخوف بسياط العقاب، مبتلى بالشهوات، ممتحن بالمصائب، بخلاف الكافر الذي هو مخلوع العذار، متمكن من شهوات البطن والفرج، بطيبة من قلبه، وانشراح من صدره، مخلى بينه وبين ما يريد، على ما يسول له الشيطان، لا ضيق عليه، ولا منع، فهو يغدو فيها و يروح، على حسب مراده وشهوة فؤاده، فالدنيا كأنها جنة له يتمتع بملاذها، و يتمتع بنعيمها كما أنها كالسجن للمؤمن، صارفا له عن لذاته، مانعا من شهواته وفي الحديث أنه قال صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام: يا فاطمة تجرعي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة، وروي أن يهوديا تعرض للحسن بن علي عليهما السلام وهو في شظف من حاله وكسوف من باله، والحسن عليه السلام راكب بغلة فارهة عليه ثياب حسنة
فقال: جدك يقول: إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فأنا في السجن وأنت في الجنة فقال عليه السلام: لو علمت مالك وما يرقب لك من العذاب، لعلمت أنك مع هذا الضر ههنا في الجنة، ولو نظرت إلى ما أعد لي في الآخرة لعلمت أني معذب في السجن ههنا انتهى.
وأقول: فالكلام يحتمل وجهين أحدهما أن تكون المعنى أن المؤمن غالبا في الدنيا بسوء حال وتعب وخوف، والكافر غالبا في سعة وأمن ورفاهية، فلا ينافي كون المؤمن نادرا بحال حسن، والكافر نادرا بمشقة، وثانيهما أن يكون المعنى أن المؤن في الدنيا كأنه في سجن لأنه بالنظر إلى حاله في الآخرة وما أعد الله له من النعيم كأنه في سجن، وإن كان بأحسن الأحوال بالنظر إلى أهل الدنيا، و الكافر بعكس ذلك لان نعيمه منحصر في الدنيا، وليس له في الآخرة إلا أشد العذاب، فالدنيا جنته، وإن كان بأسوء الأحوال، وظهر وجه آخر مما ذكرنا سابقا.
10 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن سنان، عن عمار بن مروان، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله جعل وليه في الدينا غرضا لعدوه.
بيان: " الغرض " بالتحريك هدف يرمى فيه أي جعل محبه في الدنيا هدفا لسهام عداوة عدوه، وحيله وشروره.
- 11 الكافي: عن العدة عن البرقي، عن محمد بن علي، عن إبراهيم الحذاء عن محمد بن صغير، عن جده شعيب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الدنيا سجن المؤمن فأي سجن جاء منه خير.
بيان: فأي سجن استفهام للانكار، والمعنى أنه ينبغي للمؤمن أن لا يتوقع الرفاهية في الدنيا.
12 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن
أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من مؤمن إلا وقد وكل الله به أربعة: شيطانا يغويه يريد أن يضله، وكافرا يقاتله، ومؤمنا يحسده، وهو أشد هم عليه، ومنافقا يتبع عثراته.
بيان: " يريد أن يضله " بيان ليغويه لئلا يتوهم أنه يقبل إغواءه ويؤثر فيه، بل إنما ابتلاؤه به بسبب أنه يوسوسه وهو يشتغل بمعارضته، وقد مر أن الشيطان يحتمل الجن والإنس والأعم، " وكافرا يقاتله " وفي بعض النسخ " يغتاله " وفي المصباح غاله غولا من باب قال: أهلكه، واغتاله قتله على غرة، والاسم الغيلة بالكسر " يتبع " كيعلم أو على بناء الافتعال، أي يتفحص ويتطلب عثراته أي معاصيه التي تصدر عنه أحيانا على الغفلة وعيوبه.
13 - الكافي: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عمرو بن شمر عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: إذا مات المؤمن خلي على جيرانه من الشياطين عدد ربيعة ومضر، كانوا مشتغلين به.
بيان: " خلي على جيرانه " على بناء المعلوم والاسناد مجازي لان موته صار سببا لاشتغال شياطينه بجيرانه، أو هو على بناء المجول، والتعدية بعلى، لتضمين معنى الاستيلاء أي ترك على جيرانه أو خلي بين الشياطين المشتغلين به أيام حياته و بين جيرانه، والحاصل أن الشياطين كانوا مشغولين بإضلاله ووسوسته، لان إضلاله كان أهم عندهم، أو بايذائه وحث الناس عليه، فإذا مات تفرقوا على جيرانه لا ضلالهم أو إيذائهم، وقيل: الباء للسببية وضمير كانوا إما راجع إلى الشياطين أو الجيران، أي كان الشياطين ممنوعين عن إضلال الجيران بسببه، لأنه كان يعظهم ويهديهم، أو كان الجيران ممنوعين عن المعاصي بسببه، وكأنه دعاه إلى ذلك قال الجوهري: يقال: شغلت بكذا على ما لم يسم فاعله، واشتغلت. ولا يخفى ما فيه و " ربيعة " كقبيلة و " مضر " كصرد قبيلتان عظيمتان من العرب يضرب بهما المثل في الكثرة، وهما في النسب ابنا نزار بن معد بن عدنان، ومضر الجد السابع
عشر للنبي صلى الله عليه وآله.
14 - الكافي: عن العدة، عن سهل، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما كان ولا يكون وليس بكائن مؤمن إلا وله جار يؤذيه، ولو أن مؤمنا في جزيرة من جزائر البحر لانبعث له من يؤذيه.
التمحيص: عن إسحاق مثله.
بيان: كأن المراد بالجار هنا أعم من جار الدار والرفيق والمعامل والمصاحب وفي الحديث الجار إلى أربعين دارا " لانبعث له " أي من الشيطان، وفي بعض النسخ " لابتعث الله له " كما في التمحيص فالاسناد على المجاز، يقال بعثه كمنعه أرسله كابتعثه فانبعث.
15 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبي أيوب، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما كان فيما مضى ولا فيما بقي ولا فيما أنتم فيه، مؤمن إلا وله جار يؤذيه.
بيان: " ولا فيما بقي " أي فيما يأتي " ولا فيما أنتم فيه " أي وليس فيما أنتم فيه.
16 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية ابن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: ما كان ولا يكون إلى أن يقوم الساعة مؤمن إلا وله جار يؤذيه.
17 - تفسير العياشي: عن أبي خالد الكابلي قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: لوددت أنه اذن لي فكلمت الناس ثلاثا ثم صنع الله بي ما أحب، قال بيده على صدره ثم قال: ولكنها عزمة من الله أن نصبر; ثم تلا هذه الآية " ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وأن تبصروا وتتقوا فان ذلك
من عزم الأمور " وأقبل يرفع يده ويضعها على صدره بيان: الغرض أن الله تعالى لم يؤذن لنا في دولة الباطل أن نظهر الحق علانية، ونخرج ما في صدورنا من علوم لا يحتملها الناس، ولو كنا مأذونين لأظهرناها ولم نبال بما أصابنا منهم، ولكن الله عزم علينا بالصبر والتقية في دول الظالمين، و لذا أشار عليه السلام بيده إلى صدره، فان العلم مكتوم فيه، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن ههنا لعلما جما لو وجدت له حملة.
18 - الخصال: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن يزيد، عن محمد بن سنان يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: أخذ الله ميثاق المؤمن على أن لا يقبل قوله، و لا يصدق حديثه، ولا ينتصف من عدوه، ولا يشفي غيظه إلا بفضيحة نفسه، لان كل مؤمن ملجم.
19 - الخصال: عن أبيه، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط، عن مالك عن مسمع بن مالك، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: يا سماعة لا ينفك المؤمن من خصال أربع: من جار يؤذيه، وشيطان يغويه، ومنافق يقفو أثره، ومؤمن يحسده ثم قال: يا سماعة أما إنه أشدهم عليه، قلت: كيف ذاك؟ قال: إنه يقول فيه القول فيصدق عليه.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.