پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

باب صفات الشيعة، وأصنافهم وذم الاغترار، والحث على العمل والتقوى

ج ۶۵، ص ۱۷۵–۱۹۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۵

33 - التمحيص: عن الحذاء، عن أبي جعفر عليه السلام: قال: سمعته يقول: أما والله إن أحب أصحابي إلى أورعهم وأكتمهم لحديثنا، وإن أسوأهم عندي حالا

وأمقتهم إلى الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنا، فلم يعقله ولم يقبله قلبه اشمأزت منه وجحده وكفر بمن دان به، وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج وإلينا أسند، فيكون بذلك خارجا عن ولايتنا.

بيان: اشمأز انقبض واقشعر.

34 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن أبي الطيب محمد بن الحسين اللخمي عن جعفر بن عبد الله العلوي، عن منصور بن أبي بريرة، عن نوح بن دراج عن ثابت بن أبي صفية، عن يحيى بن أم الطويل، عن نوف بن عبد الله البكالي قال:

قال لي علي عليه السلام: يا نوف خلقنا من طينة طيبة، وخلق شيعتنا من طينتنا، فإذا كان يوم القيامة الحقوا بنا، قال نوف: فقلت: صف لي شيعتك، يا أمير المؤمنين فبكى لذكرى شيعته وقال: يا نوف شيعتي والله الحلماء، العلماء بالله ودينه العاملون بطاعته وأمره، المهتدون بحبه، أنضاء عبادة، أحلاس زهادة، صفر الوجوه من التهجد، عمش العيون من البكاء، ذبل الشفاه من الذكر، خمص البطون من الطوى، تعرف الربانية في وجوههم والرهبانية في سمتهم، مصابيح كل ظلمة وريحان كل قبيل، لا يثنون من المسلمين سلفا، ولا يقفون لهم خلفا، شرورهم مكنونة، وقلوبهم محزونة، وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، أنفسهم منهم في عناء، والناس منهم في راحة، فهم الكاسة الألباء، والخالصة النجباء، فهم الرواغون فرارا بدينهم، إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، أولئك شيعتي الاطيبون وإخواني الأكرمون، ألا هاه شوقا إليهم.

بيان: " الأنضاء " جمع النضو بالكسر، وهو المهزول من الإبل وغيرها " أحلاس زهادة " أي ملازمون للزهد أو ملازمون للبيوت لزهدهم، في النهاية في حديث الفتن عد منها فتنة الأحلاس، الأحلاس: جمع حلس وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب، وفيه كونوا أحلاس بيوتكم أي الزموها " ريحان كل قبيل " أي الشيعة عزيز كريم بين كل قبيلة بمنزلة الريحان، ولذا يطلق

الريحان على الولد وعلى الرزق " ولا يقفون " أي لا يتهمون ولا يقذفون أولا يتبعونهم بغير حجة في القاموس قفوته تبعته، وقذفته بالفجور صريحا، ورميته بأمر قبيح " فهم الرواغون ": أي يميلون عن الناس ومخالطتهم، أو يجادلون في الدين ويدخلون الناس فيه بالحكمة والموعظة الحسنة، وفي القاموس: راغ الرجل والثعلب روغا وروغانا مال وحاد عن الشئ، وهذه روغتهم وياغتهم بكسرهما أي مصطرعهم وأخذتني بالرويغة بالحيلة من الروغ وأراغ أراد وطلب، و المراوغة المصارعة.

35 - مشكاة الأنوار: عن علي بن الحسين عليه السلام: قال: صلى أمير المؤمنين عليه السلام: ثم لم يزل في موضعه حتى صارت الشمس على قيد رمح، وأقبل على الناس بوجهه فقال: والله لقد أدركنا أقواما كانوا يبيتون لربهم سجدا وقياما يراوحون بين جباههم وركبهم، كأن زفير النار في آذانهم، إذا ذكر الله عندهم مادوا كما يميد الشجر، كأن القوم باتوا غافلين، قال: ثم قام فما رئي ضاحكا حتى قبض صلوات الله عليه.

36 - ومنه: عن عمرو بن سعيد بن بلال قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام ونحن جماعة فقال: كونوا النمرقة الوسطى يرجع إليكم الغالي ويلحق بكم التالي واعلموا يا شيعة آل محمد! ما بيننا وبين الله من قرابة، ولا لنا على الله حجة، ولا يقرب إلى الله إلا بالطاعة، من كان مطيعا نفعته ولايتنا، ومن كان عاصيا لم تنفعه ولايتنا. قال: ثم التفت إلينا وقال: لا تغتروا ولا تفتروا، قلت: وما النمرقة الوسطى؟ قال: ألا ترون أهلا تأتون أن تجعلوا للنمط الأوسط فضله.

بيان: النمرقة بضم النون والراء وكسرهما الوسادة، والنمط الطريقة من الطرايق، والجماعة من الناس أمرهم واحد، وأصله ضرب من البسط له خمل رقيق " ألا ترون إلخ " أي تدخلون بيتا فيه أنماط ونمارق تتوجهون إلى الوسط منها و

ترون فضله على سائر الوسائد والبسط، فهذا على الاستعارة وقد مر الكلام فيه.

37 - المشكاة: روى محمد بن نبيك قال: حدثني أبو عبد الله جعفر بن محمد بن مقبل القمي، عن علي بن محمد الزائدي، عن الحسن بن أسد، عن الهيثم بن واقد عن مهزم قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فذكرت الشيعة فقال: يا مهزم إنما الشيعة من لا يعدو سمعه صوته، ولا شجنه بدنه ولا يحب لنا مبغضا، ولا يبغض لنا محبا، ولا يجالس لنا غاليا، ولا يهر هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب ولا يسأل الناس وإن مات جوعا، المتنحي عن الناس، الخفي عليهم، وإن اختلفت بهم الدار لم تختلف أقاويلهم إن غابوا لم يفقدوا، وإن حضروا لم يؤبه بهم وإن خطبوا لم يزوجوا، يخرجون من الدنيا وحوائجهم في صدورهم، إن لقوا مؤمنا أكرموه، وإن لقوا كافرا هجروه، وإن أتاهم ذو حاجة رحموه، وفي أموالهم يتواسون. ثم قال: يا مهزم قال جدي رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي رضوان الله عليه:

يا علي كذب من زعم أنه يحبني ولا يحبك، أنا المدينة وأنت الباب، ومن أين تؤتى المدينة الا من بابها.

وروى أيضا مهزم هذا الحديث إلى قوله: وإن مات جوعا، قال: قلت:

جعلت فداك أين أطلب هؤلاء؟ قال: هؤلاء اطلبهم في أطراف الأرض أولئك الخفيض عيشهم، المنقلة ديارهم، القليلة منازعتهم، إن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يشهدوا، وإن خاطبهم جاهل سلموا، وعند الموت لا يجزعون، وفي أموالهم متواسون إن التجأ إليهم ذو حاجة منهم رحموه، لم يختلف قولهم، وإن اختلف بهم البلدان ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كذب يا علي من زعم أنه يحبني ويبغضك

38 - ومنه: عن ميسر قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا ميسر ألا أخبرك بشيعتنا؟ قلت: بلى جعلت فداك قال: إنهم حصون حصينة وصدور أمينة وأحلام رزينة ليسوا بالمذاييع البذر، ولا بالجفاة المرائين، رهبان بالليل، أسد بالنهار.

والبذر: القوم الذين لا يكتمون الكلام.

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أصحاب علي عليه السلام كانوا المنظور إليهم في القبائل وكانوا أصحاب الودايع مرضيين عند الناس سهار الليل، مصابيح النهار.

39 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن مهزم وبعض أصحابنا، عن محمد بن علي، عن محمد بن إسحاق الكاهلي، وأبي علي الأشعري عن الحسن بن علي الكوفي، عن العباس بن عامر، عن ربيع بن محمد جميعا، عن مهزم الأسدي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا مهزم شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه ولا شحناؤه بدنه، ولا يمتدح بنا معلنا، ولا يجالس لنا عائبا، ولا يخاصم لنا قاليا إن لقي مؤمنا أكرمه، وإن لقي جاهلا هجره.

قلت: جعلت فداك فكيف أصنع بهؤلاء المتشيعة؟ قال: فيهم التمييز وفيهم التبديل، وفيهم التمحيص تأتي عليهم سنون تفنيهم، وطاعون يقتلهم، و اختلاف يبددهم، شيعتنا من لا يهر هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل عدونا وإن مات جوعا ، قلت: جعلت فداك فأين أطلب هؤلاء؟ قال: في أطراف الأرض أولئك الخفيض عيشهم، المنتقلة ديارهم، إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، ومن الموت لا يجزعون، وفي القبور يتزاورون، وإن لجأ إليهم ذو حاجة منهم رحموه، لن تختلف قلوبهم، وإن اختلفت بهم الدار، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا المدينة وعلي الباب، وكذب من زعم أنه يدخل المدينة لا من قبل الباب، وكذب من زعم أنه يحبني ويبغض عليا عليه السلام.

تبيين: " من لا يعدو " أي لا يتجاوز وفي بعض النسخ لا يعلوا صوته سمعه كأنه كناية عن عدم رفع الصوت كثيرا، ويحمل على ما إذا لم يحتج إلى الرفع لسماع الناس كما قال تعالى: " واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ".

أو على الدعاء والتلاوة والعبادة، فان حفض الصوت فيها أبعد من الرئاء، و يمكن أن يكون المراد بالسمع الاسماع كما ورد في اللغة، أو يكون بالإضافة إلى المفعول أي السمع منه، أي لا يرفع الصوت زائدا على إسماع الناس، أو يكون بضم السين وتشديد الميم المفتوحة جمع سامع أي لا يتجاوز صوته السامعين منه، و قرئ السمع بضمتين جمع سموع بالفتح: أي لا يقول شيئا إلا لمن يسمع قوله ويقبل منه.

" ولا شحناؤه بدنه " أي لا يتجاوز عداوته بدنه أي يعادي نفسه ولا يعادي غيره، أو إن عادى غيره في الله لا يظهره تقية.

وفي بعض النسخ " يديه " أي لا تغلب عليه عداوته، بل هي بيديه واختياره يدفعها باللطف والرفق أو لا يتجاوز أثر عداوته من يده إلى الخصم بأن يضبط نفسه عن الضرب، أو لا يضمر العداوة في القلب وإن كانت المكافاة باليد أيضا مذمومة لكن هذا أشد وسيأتي عن غيبة النعماني " ولا شجاه بدنه " وعن مشكاة الأنوار " ولا شجنه بدنه " والشجا الحزن وما اعترض في الحلق، والشجن محركة الهم والحزن، وحاصلهما عدم إظهار همه وحزنه لغيره كما مر أن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أي لا يصل ضرر حزنه إلى غيره ولا يمتدح بنا معلنا: في القاموس: مدحه كمنعه مدحا ومدحة أحسن الثناء عليه كمدحه وامتدحه و تمدحه وتمدح تكلف أن يمدح وتشبع بما ليس عنده، والأرض والخاصرة اتسعتا كامتدحت وقال: اعتلن ظهر وأعلنته وبه وعلنته أظهرته.

أقول: فالكلام يحتمل وجوها:

الأول: أن يكون الظرف متعلقا بمعلنا كما في نظائره، والامتداح بمعنى المدح أي لا يمدح معلنا لامامتنا فإنه لتركه التقية لا يستحق المدح.

الثاني: أن يكون الامتداح بمعنى التمدح كما في بعض النسخ أي لا يطلب المدح ولا يمدح نفسه بسب قوله بإمامتنا علانية، وذلك أيضا لترك التقية، وفيه إشعار بأنه ليس بشيعة لنا لتركه أمرنا بل يتكلف ذلك.

الثالث: أن تكون الباء زائدة أي لا يمدحنا معلنا وهو بعيد.

" لنا عائبا " الظرف متعلق بقوله عائبا " ولا يخاصم لنا قاليا " أي مبغضا لنا " وإن لقي جاهلا " كأن المراد به غير المؤمن الكامل أي العالم العامل بقرينة المقابلة فيشمل الجاهل والعالم غير العامل بعلمه، بل الهجران عنه أهم، وضرر مجالسته أتم " فكيف أصنع بهؤلاء المتشيعة " أي الذين يدعون التشيع، وليس لهم صفاته وعلاماته و الكلام يحتمل وجهين:

أحدهما: أن المعنى كيف أصنع بهم حتى يكونوا هكذا؟ فأجاب عليه السلام بأن هذا ليس من شأنك بل الله يمحصهم ويبدلهم.

والثاني: أن المعنى ما أعتقد فيهم؟ فالجواب أنهم ليسوا بشيعة لنا، والله تعالى يصلحهم ويذهب بمن لا يقبل الصلاح منهم.

وفيهم التمييز، قيل كلمة " في " في المواضع للتعليل والظرف خبر للمبتدأ والتقديم للحصر واللام في الثلاثة للعهد إشارة إلى ما روي عن أمير المؤمنين حيث قال: لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم إلى آخر الخبر وأقول: قد روي أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام ويل لطغاة العرب من أمر اقترب، قلت:

جعلت فداك كم مع القائم من العرب، قال: نفر يسير، قلت: والله إن من يصف هذا الامر منهم لكثير! قال: لابد للناس من أن يمحصوا ويميزوا ويغربلوا

ويستخرج في الغربالي خلق كثير.

وذكر عليه السلام أمورا توجب خروجهم من الفرقة الناجية أو هلاكهم بالاعمال والأخلاق الشيعة في الدنيا والآخرة:

أحدها: التمييز بين الثابت الراسخ وغيره، في المصباح يقال: مزته ميزا من باب باع بمعنى عزلته وفصلته من غيره، والتثقيل مبالغة وذلك يكون في المشتبهات نحو " ليميز الله الخبيث من الطيب " وفي المختلطات نحو " وامتازوا اليوم أيها المجرمون " وتمييز الشئ انفصاله من غيره.

وثانيها: التبديل أي تبديل حالهم بحال أخس أو تبديلهم بقوم آخرين لا يكونون أمثالهم كما قال تعالى: " وإن تتولوا يستبدل قوما غير كم ثم لا يكونوا أمثالكم ".

وثالثها:: التمحيص وهو الابتلاء والاختبار والتخليص يقال: محصت الذهب بالنار إذا خلصته مما يشوبه.

ورابعها: السنون وهي الجدب والقحط قال الله تعالى: " ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين " والواحد السنة، وهي محذوفة اللام وفيها لغتان إحداهما جعل اللام هاء والأصل سنهة، وتجمع على سنهات، مثل سجدة وسجدات وتصغر على سنيهة وأرض سنهاء أصابتها السنة وهي الجدب، والثانية جعلها واوا و الأصل سنوة وتجمع على سنوات مثل شهوة وشهوات وتصغر على سنية وأرض سنواء أصابتها لسنوة، وتجمع في اللغتين كجمع المذكر السالم أيضا فيقال:

سنون وسنين، وتحذف النون للإضافة وفي لغة تثبت الياء في الأحوال كلها.

تجعل النون حرف إعراب تنون في التنكير ولا تحذف مع الإضافة كأنها من أصول الكلمة، وعلى هذه اللغة قوله صلى الله عليه وآله: " اللهم اجعلها عليهم سنينا كسنين يوسف " كل ذلك ذكرها في المصباح.

وخامسها: الطاعون وهو الموت من الوباء.

وسادسها: اختلاف يبددهم: أي اختلاف بالتدابر والتقاطع والتنازع يبددهم ويفرقهم تفريقا شديدا تقول: بددت الشئ من باب قتل إذا فرقته و التثقيل مبالغة وتكثير، وقيل يأتي عليهم سنون إلى هنا دعاء عليهم ولا يخفى بعده.

" لا يهر هرير الكلب " أي لا يجزع عند المصائب، أو لا يصول على الناس بغير سبب كالكلب، قال في القاموس: هر الكلب إليه يهر أي بكسر الهاء هريرا وهو صوته دون نباحه من قلة صبره على البرد، وقد هره البرد صوته كأهره، وهر يهر بالفتح ساء خلقه " ولا يطمع طمع الغراب " طمعه معروف يضرب به المثل، فإنه يذهب إلى فراسخ كثيرة لطلب طعمته " وإن مات جوعا " كأنه على المبالغة أو محمول على إمكان سؤال غير العدو، وإلا فالظاهر أن السؤال مطلقا عند ظن الموت من الجوع واجب وقيل: المراد به السؤال من غير عوض، وأما معه كالاقتراض فالظاهر أنه جائز " فأين أطلب هؤلاء " أي لا أجد بين الناس من اتصف بتلك الصفات، قال:

في أطراف الأرض لأنهم يهربون من المخالفين تقية أو يستوحشون من الناس لاستيلاء حب الدنيا والجهل عليهم حذرا من أن يصيروا مثلهم، وما قيل إن " في " معنى عند كما قيل في قوله تعالى " فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل " والأطراف جمع طريف بمعنى النفيس والمراد بهم العلماء فلا يخفى بعده " أولئك الخفيض عيشهم " أي هم خفيفوا المؤنة يكتفون من الدنيا بأقلها فلا يتعبون في تحصيلها وترك الملاذ أسهل من ارتكاب المشاق في القاموس الخفض الدعة، وعيش خافض، والسير اللين وغض الصوت، وأرض خافضة السقيا سهلة السقي وخفض القول يا فلان لينه و الامر هونه " المنتقلة ديارهم " لفرارهم من شرار الناس من أرض إلى أرض، أو

يختارون الغربة لطلب العلم " إن شهدوا لم يعرفوا " لعدم شهرتهم، وخمول ذكرهم بين الناس، وقيل لاختيارهم الغربة لطلب العلم " وإن غابوا لم يفتقدوا " أي لم يطلبوا لاستنكاف الناس عن صحبتهم، وعدم اعتنائهم بشأنهم، وقيل لغربتهم بينهم كما مر وفي القاموس افتقده وتفقده طلبه عند غيبته، ومات غير فقيد ولا حميد وغير مفقود غير مكترث لفقدانه.

" ومن الموت لا يجزعون " لان أولياء الله يحبون الموت ويتمنونه، وقيل:

" من " للتعليل والظرف متعلق بالنفي لا بالمنفي والتقديم للحصر أي عدم جزعهم من أحوال الدنيا وأهلها وما يصيبه منهم من المكاره إنما هو لعلمهم بالموت والانتقام منهم بعده، ولا يخفى بعده.

" وفي القبور يتزاورون " أي أنهم لشدة التقية وتفرقهم قلما يمكنهم زيارة بعضهم لبعض، وإنما يتزاورون في عالم البرزخ لحسن حالهم ورفاهيتهم، أو أنهم مختفون من الناس لا يزارون إلا بعد الموت، أو مساكنهم المقابر والمواضع الخربة في تلك المواطن يلقي بعضهم بعضا وقيل: أي يزور أحياؤهم أمواتهم في المقابر وقيل القبور: عبارة عن مواضع قوم ماتت قلوبهم لترك ذكر الله كما قال تعالى: " وما أنت بمسمع من في القبور " أي لا تمكنهم الزيارة في موضع تكون فيه جماعة من الضلال والجهال الذين هم بمنزلة الأموات والأول أظهر.

" لن تختلف قلوبهم وإن اختلفت بهم الدار " أي هم على مذهب واحد و طريقة واحدة، وإن تباعد بعضهم بعضها في الديار، فإنهم تابعون لائمة الحق ولا اختلاف عندهم، وقيل: أي قلب كل واحد منهم غير مختلف ولا متغير من حال إلى حال، وإن اختلفت دياره ومنازله، لأنسه بالله، وعدم تعلقه بغيره، فلا يستوحش بالوحدة والغربة، واختلاف الديار، لان مقصوده وأنيسه واحد حاضر معه في الديار كلها، بخلاف غيره لان قلبه لما كان متعلقا بغيره تعالى يأنس به إذا وجده، و يستوحش إذا فقده. انتهى ولا يخفى بعده.

" أنا المدينة " كأن ذكر هذا الخبر لبيان علة اتفاق قلوبهم، فإنهم عاملون بهذا الخبر أو لبيان أن تلك الصفات إنما تنفع إذا كانت مع الولاية، أو لبيان لزوم اختيار تلك الصفات، فإنها من أخلاق مولى المؤمنين، وهو باب مدينة الدين والعلم والحكمة، فلا بد لمن ادعى الدخول في الدين أن يتصف بها.

40 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن محمد بن الحسن زعلان، عن أبي إسحاق الخراساني، عن عمرو بن جميع العبدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

شيعتنا الشاحبون الذابلون الناحلون، الذين إذا جهنم الليل استقبلوه بحزن.

بيان: " شيعتنا الشاحبون " وفي نادر من النسخ " السايحون " بالمهملتين بينهما مثناة تحتانية قيل: أي الملازمون للمساجد والسيح أيضا الذهاب في الأرض للعبادة وقال في النهاية: الشاحب المتغير اللون والجسم لعارض من مرض أو سفر ونحوهما، و قال: ذبلت بشرته أي قل ماء جلده وذهبت نضارته، وفي الصحاح ذبل الفرس ضمر وقال: النحول الهزال، وجمل ناحل مهزول، وقال: جن عليه الليل يجن جنونا ويقال: أيضا جنه الليل وأجنه الليل بمعنى.

وأقول: تعريف الخبر باللام للحصر، والحاصل أنه ليس شيعتنا إلا الذين تغيرت ألوانهم من كثرة العبادة والسهر، وذبلت أجسادهم من كثرة الرياضة، أو شفاههم من الصوم، وهزلت أبدانهم مما ذكر: الذين إذا سترهم الليل استقبلوه بحزن أي اشتغلوا بالعبادة فيه مع الحزن للتفكر في أمر الآخرة وأهوالها.

41 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: شيعتنا أهل الهدى، وأهل التقى وأهل الخير، وأهل الايمان، وأهل الفتح والظفر.

بيان: " أهل الهدى " أي الهداية إلى الدين المبين وهو مقدم على كل شئ ثم أردفه بالتقوى وهو ترك المنهيات ثم بالخير وهو فعل الطاعات ثم بالايمان

أي الكامل فإنه متوقف عليها وأما الفتح والظفر فالمراد به إما الفتح والظفر على المخالفين بالحجج والبراهين أو على الأعادي الظاهرة إن أمروا بالجهاد فإنهم أهل اليقين والشجاعة أو على الأعادي الباطنة بغلبة جنود العقل على عساكر الجهل والجنود الشيطانية بالمجاهدات النفسانية كما مر في كتاب العقل، أو المراد أنهم أهل لفتح أبواب العنايات الربانية و الإفاضات الرحمانية، وأهل الظفر بالمقصود كما قيل إن الأول إشارة إلى كمالهم في القوة النظرية، والثاني إلى كمالهم في القوة العملية، حتى بلغوا إلى غايتهما، وهو فتح أبواب الاسرار، والفوز بقرب الحق.

42 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن محمد بن إسماعيل، عن منصور بزرج، عن المفضل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إياك والسفلة، فإنما شيعة علي عليه السلام من عف ببطنه وفرجه، واشتد جهاده، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، و خاف عقابه، فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر.

الخصال: عن أبيه، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إنما شيعة جعفر إلى آخر الخبر.

مشكاة الأنوار: مرسلا مثله.

رجال الكشي: عن إبراهيم بن علي الكوفي، عن إبراهيم بن إسحاق الموصلي عن يونس، عن العلاء، عن المفضل ، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إياك والسفلة إلى قوله: وخاف عقابه.

بيان: في القاموس: السفل والسفلة بكسرهما نقيض العلو، وسفل في خلقه وعلمه ككرم سفلا ويضم وسفالا ككتاب وفي الشئ سفولا بالضم نزل من أعلاه إلى أسفله، وسفلة الناس الكسر وكفرحة أسافلهم وغوغاؤهم، وفي النهاية:

فقالت امرأة من سفلة الناس: السفلة بفتح السين وكسر الفاء: السقاط من الناس والسفالة النذالة، يقال هو من السفلة، ولا يقال هو سفلة والعامة تقول رجل سفلة من قوم سفل، وليس بعربي وبعض العرب يخفف فيقول فلان من سفلة الناس فينقل كسرة الفاء إلى السين انتهى.

وأقول: ربما يقرأ سفلة بالتحريك، جمع سافل، والحاصل أن السفلة أراذل الناس وأدانيهم، وقد ورد النهي عن مخالطتهم ومعاملتهم وفسر في الحديث بمن لا يبالي ما قال ولا ما قيل له، وههنا قوبل بالشيعة الموصوفين بالصفات المذكورة، و حذر عن مخالطتهم ورغب في مصاحبة هؤلاء.

والجهاد هنا الاجتهاد والسعي في العبادة أو مجاهدة النفس الامارة " وعمل لخالقه " أي خالصا له، والتبعير بالخالق تعليل للحكم، وتأكيد له، فان من كان خالقا ومعطيا للوجود، والقوى والجوارح ولجميع ما يحتاج إليه، فهو المستحق للعبادة ولا يجوز عقلا تشريك غيره معه فيها.

43 - الكافي: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن شيعة علي عليه السلام كانوا خمص البطون، ذبل الشفاه، أهل رأفة وعلم وحلم، يعرفون بالرهبانية فأعينوا على ما أنتم عليه بالورع والاجتهاد.

صفات الشيعة: عن أبيه، عن سعد والحميري، عن أحمد بن محمد رفعه عنه عليه السلام مثله.

التمحيص: عن ابن أبي يعفور عنه عليه السلام مثله وزاد في آخره: والصبر.

بيان: خماص البطن كناية، عن قلة الاكل أو كثرة الصوم، أو العفة، عن أكل أموال الناس، وذبل الشفاه، إما كناية عن الصوم، أو كثرة التلاوة والدعاء والذكر والخمص بالضم جمع أخمص أو بالفتح مصدر والحمل للمبالغة، وربما يقرأ

خمصا بضمتين جمع خميص كرغف ورغيف والذبل قد يقرأ بالفتح مصدرا والحمل كما مر، أو بالضم أو بضمتين أو كركع والجميع جمع ذابل وقال في القاموس:

الخمصة الجوعة، والمخمصة المجاعة، وقد خمصه الجوع خمصا ومخمصة وخمص البطن مثلثة الميم خلا، وقال: ذبل النبات كنصر وكرم ذبلا وذبولا ذوي، وذبل الفرس ضمر، وقني ذابل رقيق لاصق بالليط والجمع ككتب وركع، وفي النهاية رجل خمصان وخميص إذا كان ضامر البطن، وجمع الخميص الخماص، ومنه الحديث " خماص البطون خفاف الظهور " أي أنهم أعفة عن أموال الناس، فهم ضامروا البطون من أكلها، خفاف الظهور من ثقل وزرها انتهى.

والرهبانية هنا ترك زوائد الدنيا وعدم الانهماك في لذاتها أو صلاة الليل كما ورد في الخبر " فأعينوا على ما أنتم عليه " أي أعينونا في شفاعتكم زائدا على ما أنتم عليه من الولاية أو كائنين على ما أنتم عليه وقد ورد " أعينونا بالورع " ويحتمل أن يكون المراد بما أنتم عليه من المعاصي أي أعينوا أنفسكم أو أعينونا لدفع ما أنتم عليه من المعاصي وذمائم الأخلاق أو العذاب المرتب عليها بالورع وهذا أنسب لفظا فإنه يقال أعنه على عدوه.

44 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان عن مفصل بن عمر، عن أبي أيوب العطار، عن جابر قال: قال أبو جعفر عليه السلام:

إنما شيعة علي عليه السلام الحلماء العلماء، الذبل الشفاه، تعرف الرهبانية على وجوههم.

بيان: " تعرف الرهبانية " أي آثار الخوف والخشوع وترك الدنيا أو أثر صلاة الليل كما مر.

45 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا أردت أن تعرف أصحابي فانظر إلى من اشتد ورعه، وخاف خالقه، ورجا ثوابه، فإذا رأيت هؤلاء

فهؤلاء أصحابي.

توضيح: " أن تعرف أصحابي " أي خلص أصحابي، والذين ارتضيتهم لذلك " من اشتد ورعه " أي اجتنابه عن المحرمات والشبهات " وخاف خالقه " إشارة إلى أن من عرف الله بالخالقية ينبغي أن يخاف عذابه ويرجو ثوابه لكمال قدرته عليهما.

46 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله ابن عمرو بن الأشعث، عن عبد الله بن حماد الأنصاري، عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: شيعتنا المتباذلون في ولايتنا، المتحابون في مودتنا، المتزاورون في إحياء أمرنا الذين إن غضبوا لم يظلموا وإن رضوا لم يسرفوا، بركة على من جاوروا، سلم لمن خالطوا الخصال: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن الحسن بن فضال، عن ظريف بن ناصح، عن عمرو بن أبي المقدام عنه عليه السلام مثله المشكاة: مرسلا مثله.

تبيين: " المتباذلون في ولايتنا " الظاهر أن " في " للسببية، والتباذل بذل بعضهم بعضا فضل ماله، والولاية إما بالفتح بمعنى النصرة، أو بالكسر بمعنى الإمامة والامارة، والأول أظهر، والإضافة إلى المفعول، والتحابب حب بعضهم بعضا " في مودتنا " أي لان المحبون يحبنا، أو لان المحب يودنا، أو الأعم، أو لنشر مودتنا وإبقائها بينهم، والتزاور زيارة بعضهم بعضا " في إحياء أمرنا " أي لا حياء ديننا، وذكر فضائلنا وعلومنا، وإبقائها، لئلا تندرس بغلبة المخالفين وشبهاتهم وفي الخصال " لاحياء ".

" وإن رضوا " عن أحد وأحبوه " لم يسرفوا " أي لم يجاوزوا الحد في المحبة

والمعاونة، والاسراف في المال بعيد هنا " بركة " أي يصل نفعهم إلى من جاوروه في البيت، أو في المجلس أعم من المنافع الدنيوية والأخروية، وفي الخصال " لمن جاوروا " " سلم " بالكسر أو الفتح أي مسالم، وعلى الأول مصدر، والحمل للمبالغة في القاموس السلم بالكسر المسالم والصلح ويفتح.

47 - كنز الكراجكي: عن محمد بن طالب، عن أبي المضل الشيباني، عن عبد الله ابن جعفر الأزدي، عن خالد بن يزيد الثقفي، عن أبيه، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال علي لمولاه نوف الشامي وهو معه في السطح: يا نوف أرامق أم نبهان؟ قال: نبهان أرمقك يا أمير المؤمنين قال: هل تدري من شيعتي؟ قال : لا والله، قال: شيعتي الذبل الشفاه، الخمص البطون، الذين تعرف الرهبانية، والربانية في وجوههم، رهبان بالليل، أسد بالنهار، الذين إذا جهنم الليل اتزروا على أوساطهم، وارتدوا على أطرافهم، و صفوا أقدامهم، وافترشوا جباههم، تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم، وأما النهار فحلماء علماء كرام نجباء أبرار أتقياء.

يا نوف شيعتي الذين اتخذوا الأرض بساطا، والماء طيبا، والقرآن شعارا إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، شيعتي الذين في قبورهم يتزاورون وفي أموالهم يتواسون، وفي الله يتباذلون، يا نوف درهم ودرهم، وثوب وثوب، وإلا فلا شيعتي من لا يهر هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولم يسأل الناس وإن مات جوعا، إن رأى مؤمنا أكرمه، وإن رأى فاسقا هجره، هؤلاء والله يا نوف شيعتي شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، وحوائجهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، اختلف بهم الأبدان، ولم تختلف قلوبهم.

قال: قلت: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك، أين أطلب هؤلاء؟ قال:

فقال لي: في أطراف الأرض، يا نوف يجيئ النبي صلى الله عليه وآله يوم القيامة آخذا بحجزة بربه جلت أسماؤه، يعني بحبل الدين وحجزة الدين، وأنا آخذ بحجزته، وأهل بيتي آخذون بحجزتي، وشيعتنا آخذون بحجزتنا، فإلى أين؟ إلى الجنة ورب الكعبة

قالها ثلاثا.

بيان: في المصباح رمقه بعينه رمقا من باب قتل أطال النظر، والنبهان المنتبه من النوم. والمعنى أتنظر إلي أم أنت منتبه من النوم من غير نظر; قوله عليه السلام درهم ودرهم أي يواسي إخوانه بأن يأخذ درهما ويعطي درهما، ويأخذ ثوبا ويعطي ثوبا " وإلا فلا " أي وإن لم يفعل فليس من شيعتي.

48 - وبالاسناد: عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد العلوي، عن أحمد ابن محمد الوابشي، عن عاصم بن حميد، وعن أبي المفضل، عن محمد بن علي البندار عن الحسن بن علي بن بزيع، عن مالك بن إبراهيم، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي، عن رجل من قومه يعني يحيى بن أم الطويل أنه أخبره، عن نوف البكالي قال: عرضت لي إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حاجة فاستتبعت إليه جندب بن زهير والربيع بن خثيم وابن أخته همام بن عبادة بن خثيم وكان من أصحاب البرانس، فأقبلنا معتمدين لقاء أمير المؤمنين عليه السلام فألفيناه حين خرج يؤم المسجد فأفضى ونحن معه إلى نفر مبدنين قد أفاضوا في الأحدوثات تفكها، وبعضهم يلهي بعضا فلما أشرف لهم أمير المؤمنين عليه السلام أسرعوا إليه قياما فسلموا فرد التحية ثم قال: من القوم؟ قالوا: أناس من شيعتك يا أمير المؤمنين فقال لهم خيرا ثم قال: يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا، وحلية أحبتنا أهل البيت؟ فأمسك القوم حياء.

قال نوف: فأقبل عليه جندب والربيع فقالا: ما سمة شيعتكم وصفتهم يا أمير المؤمنين؟ فتثاقل عن جوابهما، وقال: اتقيا الله أيها الرجلان وأحسنا فان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.

فقال همام بن عبادة وكان عابدا مجتهدا: أسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصكم وحباكم، وفضلكم تفضيلا إلا أنبأتنا بصفة شيعتكم، فقال: لا تقسم فسأنبئكم جميعا وأخذ بيد همام فدخل المسجد فسبح ركعتين أو جزهما وأكملهما وجلس وأقبل علينا، وحف القوم به، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله

ثم قال:

أما بعد فان الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، خلق خلقه فألزمهم عبادته وكلفهم طاعته، وقسم بينهم معايشهم، ووضعهم في الدنيا بحيث وضعهم، وهو في ذلك غني عنهم، لا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضره معصية من عصاه منهم، لكنه علم تعالى قصورهم عما تصلح عليه شؤونهم، وتستقيم به دهماؤهم في عاجلهم و آجلهم، فارتبطهم باذنه في أمره ونهيه، فأمرهم تخييرا، وكلفهم يسيرا، وأثابهم كثيرا وأماز سبحانه بعدل حكمه وحكمته، بين الموجف من أنامه إلى مرضاته و محبته، وبين المبطئ عنها والمستظهر على نعمته منهم بمعصيته. فذلك قول الله عز وجل " أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون.

ثم وضع أمير المؤمنين صلوات الله عليه يده على منكب همام بن عبادة فقال:

ألا من سأل عن شيعة أهل البيت، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم في كتابه مع نبيه تطهيرا، فهم العارفون بالله، العاملون بأمر الله، أهل الفضائل والفواضل منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، بخعوا لله تعالى بطاعته، و خضعوا له بعبادته، فمضوا غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت منهم في الرخاء رضى عن الله بالقضاء، فلولا الآجال التي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقا إلى لقاء الله والثواب، وخوفا من العقاب.

عظم الخالق في أنفسهم، وصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن رآها فهم على أرائكها متكئون، وهم والنار كمن ادخلها فهم فيها يعذبون، قلوبهم محزونة; وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحوائجهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة ومعونتهم في الاسلام عظيمة. صبروا أياما قليلة فأعقبتهم راحة طويلة، وتجارة مربحة يسرها لهم رب كريم، أناس أكياس، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم

فأعجزوها.

أما الليل فصافون أقدامهم، تالون لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا، يعظون أنفسهم بأمثاله، ويستشفون لدائهم بدوائه، تارة، وتارة مفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، يمجدون جبارا عظيما ويجأرون إليه جل جلاله في فكاك رقابهم، هذا ليلهم; فأما النهار فحلماء علماء بررة أتقياء، براهم خوف باريهم فهم أمثال القداح، يحسبهم الناظر إليهم مرضى وما بالقوم من مرض، أوقد خولطوا، وقد خالط القوم من عظمة ربهم، وشده سلطانه أمر عظيم. طاشت له قلوبهم، وذهلت منه عقولهم، فإذا استقاموا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالاعمال الزاكية، لا يرضون له بالقليل، ولا يستكثرون له الجزيل، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إن زكي أحدهم خاف مما يقولون، وقال: أنا أعلم بنفسي من غيري، وربي أعلم بي، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرا مما يظنون، واغفر لي مالا يعلمون، فإنك علام الغيوب، وساتر العيوب.

هذا ومن علامة أحدهم أن ترى له قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين، وحرصا على علم، وفهما في فقه، وعلما في حلم، وكيسا في رفق، وقصدا في غنى، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، وخشوعا في عبادة، ورحمة للمجهود، و إعطاء في حق، ورفقا في كسب، وطلبا في حلال، وتعففا في طمع، وطمعا في غير طبع أي دنس - ونشاطا في هدى، واعتصاما في شهوة، وبرا في استقامة، لا يغره ما جهله ولا يدع إحصاء ما عمله، يستبطئ نفسه في العمل، وهو من صالح عمله على وجل يصبح وشغله الذكر، ويمسي وهمه الشكر، يبيت حذرا من سنة الغفلة، ويصبح فرحا لما أصاب من الفضل والرحمة، إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره، لم يعطها سؤلها فيما إليه تشره، رغبته فيما يبقى، وزهادته فيما يفنى، قد قرن العمل بالعلم والعلم بالحلم، يظل دائما نشاطه، بعيدا كسله، قريبا أمله، قليلا زلله، متوقعا أجله، خاشعا قلبه، ذاكرا ربه، قانعة نفسه، عازبا جهله، محرزا دينه، ميتا

داؤه، كاظما غيظه، صافيا خلقه، آمنا منه جاره، سهلا أمره، معدوما كبره بينا صبره، كثيرا ذكره، لا يعمل شيئا من الخير رئاء، ولا يتركه حياء.

الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، إن كان بين الغافلين كتب في الذاكرين، وإن كان مع الذاكرين لم يكتب من الغافلين، يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، قريب معروفه، صادق قوله، حسن فعله، مقبل خيره مدبر شره، غايب مكره، في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، ولا يدعي ما ليس له، ولا يجحد ما عليه، يعترف بالحق قبل أن يشهد به عليه، لا يضيع ما استحفظه، ولا ينابز بالألقاب، لا يبغي على أحد، ولا يغلبه الحسد، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصاب مؤد للأمانات، عامل بالطاعات، سريع إلى الخيرات، بطئ عن المنكرات، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويجتنبه، لا يدخل في الأمور بجهل ولا يخرج من الحق بعجز، إن صمت لم يعيه الصمت، وإن نطق لم يعيه اللفظ، وإن ضحك لم يعل به صوته، فانع بالذي قدر له، لا يجمح به الغيظ، ولا يغلبه الهوى، ولا يقهره الشح يخالط الناس بعلم، ويفارقهم بسلم، يتكلم ليغنم، ويسأل ليفهم، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة، أراح الناس من نفسه، وأتعبها لاخرته، إن بغي عليه صبر ليكون الله تعالى هو المنتصر له، يقتدي بمن سلف من أهل الخير قبله، فهو قدوة لمن خلف من طالب البر بعده أولئك عمال الله، ومطايا أمره وطاعته، وسرج أرضه وبريته، أولئك شيعتنا وأحبتنا، ومنا ومعنا، ألا ها شوقا إليهم، فصاح همام بن عبادة صيحة وقع مغشيا عليه فحركوه فإذا هو قد فارق الدنيا رحمة الله عليه.

فاستعبر الربيع باكيا وقال: لأسرع ما أودت موعظتك يا أمير المؤمنين بابن أخي ولوددت لو أني بمكانه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها، أما والله لقد كنت أخافها عليه، فقال له قائل: فما بالك أنت يا أمير المؤمنين؟ فقال: ويحك، إن لكل واحد أجلا لن يعدوه، وسببا لن يجاوزه.

فمهلا لا تعد لها، فإنما نفثها على لسانك الشيطان، قال: فصلى عليه أمير المؤمنين

عليه السلام عشية ذلك اليوم، وشهد جنازته ونحن معه.

قال الراوي عن نوف: فصرت إلى الربيع بن خثيم فذكرت له ما حدثني نوف، فبكى الربيع حتى كادت نفسه أن تفيض، وقال: صدق أخي، لاجرم أن موعظة أمير المؤمنين وكلامه ذلك مني بمرءى ومسمع، وما ذكرت ما كان من همام ابن عبادة يومئذ وأنا في بلهنية إلا كدرها، ولا شدة إلا فرجها.

بيان: قد مر هذا الخبر بروايات عديدة في باب صفات المؤمن وشرحناها هناك، ونوضح هيهنا ما يختص بهذه الرواية " نوف " بفتح النون وسكون الواو وقال الجوهري: نوف البكالي كان حاجب علي رضوان الله عليه، قال تغلب: هو منسوب إلى بكالة قبيلة انتهى، وقيل: هو بالكسر منسوب إلى بكالة قرية باليمن، و سيأتي الكلام فيه إنشاء الله تعالى " فاستتبعت " أي جعلتهما تابعين لي في المضي إليه وفي النسخ هنا الربيع بن خثيم بتقديم المثناة على المثلثة، وفي كتب اللغة و الرجال بالعكس مصغرا وهو أحد الزهاد الثمانية، ورأيت بعض الطعون فيه وهو المدفون بالمشهد المقدس الرضوي صلوات الله على مشرفه، وقال الجوهري:

البرنس قلنسوة طويلة، وكان النساك يلبسونها في صدر الاسلام، أي كان من الزهاد والعباد المشهورين بذلك، وفي المصباح أفضيت إلى الشئ وصلت إليه.

" مبدنين " بضم الميم وتشديد الدال المفتوحة أي سمانا ملحمين كما هو هيئة المترفين بالنعم في القاموس البادن والبدين والمبدن كمعظم الجسيم، وفي أساس اللغة بدنت لما بدنت أي سمنت لما أسننت، يقال: بدن الرجل وبدن بدنا وبدانة فهو بدين وبادن، وبادنني فلان وبدنته أي كنت أبدن، ورجل مبدان مبطان سمين ضخم وفي القاموس أفاضوا في الحديث اندفعوا، وحديث مفاض فيه وقال: الأحدوثة ما يتحدث به، وقال: فكههم بملح الكلام تفكيها أطرفهم بها، و هو فكه وفاكه طيب النفس ضحوك، أو يحدث صحبه فيضحكهم، وفاكهه مازحه وتفكه تندم، وبه تمتع، وقال: لها لهوا لعب كالتهى وألهاه ذلك ولهى عنه غفل

وترك ذكره كلها كدعا لهيا ولهيانا.

فسبح أي صلى السبحة وهي النافلة، وكأنها صلاة التحية. في النهاية قد يطلق التسبيح على صلاة التطوع والنافلة، ويقال أيضا للذكر ولصلاة النافلة سبحة، يقال: قضيت سبحتي، وإنما خصت النافلة بالسبحة وإن شاركتها الفريضة في معنى التسبيح لان التسبيحات في الفرائض نوافل، فقيل لصلاة النافلة لأنها نافلة كالتسبيحات والأذكار في أنها غير واجبة " أو جزهما " أي كما و " أكملهما " أي كيفية من رعاية حضور القلب والخشوع وغير ذلك " جل ثناؤه " عن أن يأتي به كما هو أهله أحد " وتقدست أسماؤه " عن أن تدل على نقص أو عن أن يبلغ إلى كنهها أحد " دهماؤهم " أي أكثرهم أو جماعتهم مع كثرتهم، في القاموس الدهماء العدد الكثير " فأماز " على بناء الافعال أي ميز وفرق، في القاموس مازه يميزه ميزا عزله وفرزه كأمازه وميزه، فامتاز وانماز وتميز، والشئ فضل بعضه على بعض، والايجاف الاسراع وإيجاف الخيل والبعير ركضهما، والوجيف نوع من عدو الإبل، واستعير هنا للاسراع في الطاعات ، والاستظهار الاستعانة وكأن المراد هنا من يستعين على تحصيل نعمة الله ورزقه المقدر له بمعصية الله كالخيانة، ويحتمل أن يكون على القلب أي يستعين بنعمة الله على معصيته " أم حسب الذين اجترحوا السيئات " قال البيضاوي:

أم منقطعة، ومعنى الهمزة إنكار الحسبان والاجتراح الاكتساب " أن نجعلهم " أن نصيرهم " كالذين آمنوا وعملوا الصالحات " مثلهم وهو ثاني مفعول يجعل، وقوله " سواء محياهم ومماتهم " بدل منه، إن كان الضمير لموصول الأول لان المماثلة فيه إذ المعنى إنكار أن يكون حياتهم ومماتهم سيان في البهجة والكرامة، كما هو للمؤمنين، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص " سواء " بالنصب على البدل أو الحال من الضمير في الكاف، أو المفعولية، والكاف حال، وإن كان للثاني فحال منه أو استيناف يبين المقتضي للانكار وإن كان لهما فبدل أو حال من الثاني، وضمير الأول، والمعنى إنكار أن يستووا بعد الممات في الكرامة أو ترك المؤاخذة كما استووا في الرزق والصحة في الحياة أو استيناف مقرر لتساوي محيا كل صنف ومماته في

الهدى والضلال، وقرئ مماتهم بالنصب على أن محياهم ومماتهم ظرفان كمقدم الحاج " ساء ما يحكمون " ساء حكمهم هذا، وبئس شيئا حكموا به.

وفي القاموس الفضيلة الدرجة الرفيعة في الفضل، والاسم الفاضلة، والفواضل الأيادي الجسيمة أو الجميلة، وقال: بخع نفسه كمنع قتلها غما وبالحق بخوعا أقر به وخضع له، كبخع بالكسر بخاعة وبخوعا " فمضوا " أي في الطاعة أو إلى الآخرة " خوف باريهم " أي خالقهم، وكونه من البري بعيد " هذا " أي خذ هذا، و هو فصل في الكلام شايع " في طمع " كأن في بمعنى " عن " وإن لم يكن مذكورا في الكتب المشهورة أو بمعنى " مع " فالمراد الطمع من الله " أي دنس " كأنه كلام الكراجكي ويحتمل غيره من الرواة وفي النهاية الطبع بالتحريك الدنس وأصله من الدنس والوسخ يغشيان السيف ثم استعمل فيما يشبه ذلك من الأوزار والآثام وغيرهما من المقابح ومنه الحديث أعوذ بالله من طمع يهدي إلى طبع أي يؤدي إلي شين وعيب، ومنه حديث ابن عبد العزيز لا يتزوج من العرب في الموالي إلا الطمع الطبع " لا يغره ما جهله " أي من عيوبه والأظهر " ثناء من جهله " كما مر والاعتصام الامتناع، وفي القاموس شره كفرح غلب حرصه فهو شره " عازبا " أي غائبا " محرزا " بكسر الراء أو بفتحها " دينه " بالنصب أو الرفع " لم يعيه الصمت " أي لا يصير صمته سببا لقلة علمه و إعيائه عن بيان الحق بل صمته تدبر وتفكر أو ليس صمته بسبب الاعياء والعجز عن الكلام بل لمفاسد الكلام، وهو بعيد لفظا، " به " أي بالضحك أو الباء للتعدية " بعلم " أي مع علمه بمن صاحبه، وأنه أهل لذلك، أو لتحصيل العلم ليوافق ما مر وإن كان بعيدا. " بسلم " أي مع مسالمة ومصالحة لا لعداوة ومنازعة و " المطايا " جمع المطية وهي الدابة تمطو أي تسرع في مسيرها أي يحملون أوامر الله وطاعاته إلى الخلق ويعلمونهم ويروون لهم أو يتحملونها ويعملون بها مسرعين في ذلك " ألاها " ألا حرف تنبيه، وها إما اسم فعل بمعنى خذ، أو حكاية عن تنفس طويل تحسرا على عدم لقائهم و " شوقا " على الأول مصدر فعل محذوف أي أشتاق شوقا وعلى الثاني يحتمل ذلك، وأن يكون علة لما يدل عليه " ها " من التحسر والتحزن، وفي كلامه عليه السلام

في مواضع أخرى " آه آه شوقا إلى رؤيتهم " وفي القاموس أودى: هلك، وبه الموت ذهب، وقال البلهنية بضم الباء الرخاء وسعة العيش.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.